صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد

د.علي عقلة عرسان

منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

E - mail: aru@net.sy

 

فلنواجه الاحتمالات كلها

كريستوفر عاد إلى واشنطن رابحاً، متشجعاً مطمئناً إلى أن الحياة قد عادت إلى مفاوضات السلام، وإلى أن العرب ما زال عندهم استعداد كبير للصفح ولاستيعاب نتائج سباعيات " إسرائيلية " أخرى - عند الضرورة - تدمِّر قرى وتهجِّر مدنيين وتقتل أبرياء. وقد لا يكون مهماً أن نتابع ما سيفعله هو وفريقه الصهيوني - الأمريكي في واشنطن فالأمور أصبحت واضحة بدرجة شديدة؛ فـ " عمق السلام يساوى عمق الانسحاب، والعكس صحيح ". وهذه معادلة يمكن أن يترجَّح على طرفيها المتفاوضون طويلاً، لأنه لا بد من ربط شديد بين شمول السلام لكل الجبهات، وشمول الانسحاب لكل الجبهات؟! ولكنها معادلة لا بد أن تجد حلاً، لأن الأطراف عزمت على أن تحلها .‏

ما هو على درجة من الأهمية حسب ما أرى: أن تستمر الحياة والحيوية في مدارين هامين: الذاكرة الشعبية والوجدان القومي، حتى نرسخ في كل منهما الحق والمسار المستقبلي والاستعداد لأداء يحقق الأهداف النهائية للصراع، الذي لا بد أن يستمر حسب ثوابته، بين العدو الصهيوني والأمة العربية. من الجانب الصهيوني، الصراع مستمر، ولكن حجم الخداع الأميركي - " الإسرائيلي " - مضلل تماماً؛ وربما كان من الواقعية السياسية الآن، في ظل الوضعين العربي والدولي، أن " نقبل الخداع " متغافلين، مدركين كونه خداعاً؛ لا أن نبتلع سمومه غافلين وغير واعين لمفعولها في جسدنا العربي، وفي ذاكرتنا ووجداننا. وإذا ما فعلنا ذلك بوعي وتخطيط وحسب منهج مدروس، وأبقينا على إرادة التحرير، وعملنا على إعداد العدة له، ولو في وقت طويل، فإننا عندها نحافظ على خط التقدم، وخطوط الرجعة؛ ونتحاشى الوقوع فيما أوقعنا فيه الاستعمار الغربي من خداع منذ مطلع القرن وحتى اليوم.‏

لقد عزز وزير الخارجية الإسرائيلية يوم الجمعة السادس من آب 1993 اقتناع الكثيرين من العرب، إلاّ أولئك الذين كانوا معه قلباً وقالباً، مثل نائب رئيس تحرير روز اليوسف الصديق الشخصي له ول" إسرائيل "، عزز الاقتناع في حديثه ولقائه المفتوح عبر إذاعة العدو بأن " إسرائيل " ستعمل على توطين جميع يهود العالم في فلسطين المحتلة (فهذا هو وطن اليهود الوحيد) كما يقول؛ ومن (الحق والواجب) أن يعودوا إليه وان يستوطنوا فيه. أمَّا العرب الذين طُرِدوا منه منذ عام: / 1948 /، والذين سيُطردون منه لاحقاً ليفسحوا مكاناً لليهود المجلوبين إلى فلسطين، فأمامهم /24/ دولة عربية، كما قال الوزير - والرقم على عهدته - ويمكنهم أن يذهبوا إلى دولهم.‏

إن الإرهابي (بيريس) يعلن موقفاً وخطة واستراتيجية تقتضي تأملاً وتفكيراً وتدبُّراً وتدبيراً، وهو لا يلقي الكلام على عواهنه؛ فمسلسل الطرد سوف يستمر لأن مسلسل التوطين سوف يستمر؛ وعلى العرب أن يكونوا عرباً فيستوعبوا مواطنيهم؟!! وهنا نجد أن " بيريس " يعيد القضية الفلسطينية قضية عربية ويحرص على إلغاء الشعب الفلسطيني (وخصوصيته). وفي هذا ما يشبه السخرية المرة من توجه (فلسطيني) كان ينادي بفلسطينية القضية حصراً واستقلالية القرار الفلسطيني ووحدانية ذلك الشعب، الذي يعاني من:‏

(حصار من أمته )؟!!‏

يا للعجب كيف يقلب الزمان الأحوال فيجعل (شمعون بيريس) اليوم لا يحرص فقط على عروبة الفلسطينيين، بل على (فدرالية لهم مع الأردن) حتى لا يبقى شبحٌ لشعب فلسطيني وقضية فلسطينية، وملايين تطلب العودة، وتنادي بتطبيق القرار / 194/ وبما هو أبعد منه؟!‏

لقد أكد (بيريس) توجهاً ثانياً في رده على فتاة من القدس المحتلة سألته: ما ذنب الأطفال من سن خمس وست سنوات حتى يطلق الجنود الصهاينة عليهم النار ؟؟ هؤلاء الأطفال لا يشكلون خطورة على الجنود المسلحين؟! قال (بيريس)، وهو يذرف دموع التماسيح: " من يرشق الحجارة يتلقى الرصاص". وعلينا أن نقرأ في هذا الرد من وزير خارجية يتكلم وكريستوفر في دمشق، ودم الجنوبيين ما زال يسيل، وأفواج مهجَّريهم تسلك طرقات العودة بتوجس؛ علينا أن نقرأ في هذا نوعَ التصرف اليهودي مستقبلاً، ونوعَ المشروع الذي ستعمل " إسرائيل" على تحقيقه، والوسائل التي ستتبعها من أجل الوصول إلى ذلك.‏

إن " إسرائيل " تميل إلى " السلام " حسب مفهومها الحالي " للسلام " لأنها تريد الاعتراف الثمين من قبل العرب بحقها في الوجود كدولة من دول المنطقة؛ وهو بالنسبة لها أساس بناء " " إسرائيل " التوراتية ". والزمن لا يلح عليها الآن لكي تسير بسرعة في المشروع، إنها تريد أن تتبع سياسة مرحلية مختلفة على طريق تحقيق أهدافها النهائية، وتريد أن تُشْهِد العالم على أن العرب، كل العرب، اعترفوا لها (( بالحق التاريخي )) في فلسطين، وبأن تكون: " حقاً وشرعاً، واقعياً وتاريخياً اقتصادياً وثقافياً، اجتماعياً وسياسياً " من نسيج المنطقة التي تغيَّر اسمها ليلائم السكان الجدد، والنظام العالمي الجديد، فأصبحت (الشرق الأوسط) بدلاً من بلاد العرب أو بلاد الشام أو سورية الطبيعية !!‏

إننا على عتبة حدث كبير، هو الاعتراف: بـ " إسرائيل " دولة في المنطقة؛ ربما يكون ذلك في مدى شهور أو سنوات تكثر أو تقل، ولكنه حدث يطرق أبواب العصر الراهن والقرن القادم بقوة واضحة. وعلينا أن نستعد لذلك الاستعداد اللائق. وكلٌ له طريق وأسلوب في الاستعداد لقبول هكذا حدث، وعلينا أن نهيئ أنفسنا لاحتمالات شتى، ولمفاجآت شتى؛ ولقد قرع علي الباب شخص من مواطني بحديث عن ذلك الحدث مثير، فقد أشعرني بضرورة إعداد الذات لكل الاحتمالات، على الرغم مما نقوله لأنفسنا دائماً عن ذلك ؛ قال ذلك الشخص: " يكفيكم شوفينية، نحن قد عزمنا على التآخي، ووحدنا الصفوف مع اليهود"، (هكذا !؟؟ )، استعدت الكلام فأعاده، ورددته على نفسي فسوَّغه؛ وحين استعدت ذاتي من هول لطمته - هو العربي السوري ـ وجدتني على مشارف الثورة: أفي وطني يعيش هذا القول، ودم الشهداء لمَّا يجف بعد، والجولان تحت الاحتلال، والأطفال يُقتلون في فلسطين، وأهلُ الجنوب أشلاء على مدى انتثار الشظايا والدمار في ديارهم !!؟ ولم أستطع أن ألغيَ حضورَه من حولي، ولا انفعالي مما قال، ولا الغضب يتأكَّلني، ولا محاولة هذا الفريق اقتحام النفوس والمؤسسات وشرائح المجتمع، ولو بصورة بدائية أولية، تهدف إلى إنهاء مرحلة إحداث الصدمة، تلك التي لا بد منها.‏

إن تحصين المجتمع بالوعي، واستنهاض ذكرى الشهداء وذكرى الوطن، واستعادة حيوية الوجدان، مما نحتاج إلى الاهتمام به أو الاحتماء به؛ حتى نردَّ على من يسمينا " إرهابيين " بأننا مقاومة مشروعة ضد الاحتلال تمجدها وتقرها كل الشعوب، وعلى من يسمينا مخربين بأننا طلائع الشعب الذي يريد أن يبني بيوته ووطنه وأمنه وحضارته، بعد أن يستعيدها من الذين خربوها، وعلى من يسمينا شوفينيين بأننا قومية مضطهدة تناضل من أجل حقوقها ووجودها ووطنها، وبأننا لم نعرف التعصب الشوفيني يوماً، فهو صناعة غربية، ونحن عرب شرقيون ليس هذا ديدننا ولا هو ديننا، ما كان ولن يكون، ولن ترهبنا التهم، كما لن يرهبنا الجبناء والعملاء والعنصريون ومزيفو الحقائق والتاريخ.‏

فهل نحن فاعلون ذلك وبسرعة؟! إن كل شيء من حولنا ينادينا، وإن الزمن لا يتوقف بانتظارنا، وإن الأعداء يتحركون ويستفيدون من كل لحظة.‏

الأسبوع الأدبي/ع374//12/آب/1993‏

nnn‏

 

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244