|
قوتا العمل والأمل
عندما خرج يوسف العظمة إلى بطاح ميسلون عام 1920 تنفيذاً لقرار حكومة هاشم الأتاسي، ليواجه الجيش الفرنسي الزاحف إلى دمشق بقيادة"غوابيه" كان يعرف هو، بصفته وزيراً للحربية، أكثر من سواه، ويعرف أعضاء الحكومة، والمسؤولون في مملكة فيصل الوليدة، وأفراد أسرته الذين أرادوا ثنيه عن عزمه فأخرجهم من مجلسه ؛ كانوا يعرفون جميعاً أنهم لا يستطيعون مقاومة الجيش الفرنسي المكون من مئة ألف مقاتل مزودين بأحدث الأسلحة، وخارجين منتصرين من الحرب العالمية الأولى.
ولكنه خرج وقاتل واستشهد، وانتشرت بعد ظهر ذلك اليوم من أيام تموز مساحات من الدماء على بِطاح ميسلون، من أجساد يوسف وزملائه من الشهداء؛ كانت هي بذر الاستقلال الذي بدأ ينمو وحبر التاريخ الذي سجل حقيقة أن المحتل الفرنسي دخل على أجساد المقاومين المدافعين عن دمشق، وإن الدفاع عنها يستمر في كل مكان من أرض الوطن. وكانت مساحات الدم أيضاً صورة الإرادة الشعبية والتعلق بالحرية والتحرير.
وعندما نذكر اليوم يوسف العظمة وميسلون والمقاومة في الوقت الذي نسير فيه على مساريْ المواجهة والمفاوضات، فإننا نستعيد تلك الدروس لنستخلص عبرها.
لم نكن بقوة الفرنسيين، ولم يكن لدينا جيش، فقد سُرِّح الجيشُ تنفيذاً لإنذار غورو، ولم يكن لدينا أسلحة، ولا دولة بالمعنى التام للكلمة؛ وكانت قدرات البلاد ضئيلة، بعد أن كانت ساحة حرب، وموضوع نهب الحلفاء وسواهم. وفي ذلك الوقت ارتفعت إرادة السوريين عالياً في فضاء الوطن والأمة، بأنهم يريدون الاستقلال ويمهرونه بالدم... وهكذا كان إلى أن تحقق الاستقلال بعد ربع قرن من يوم ميسلون، الذي لم يكن إلا نضالاً وانطلاقة مفتوحة للنضال .
في النصف الأول من هذا القرن لم يكن السلاح الذي نملكه، أو ذاك الذي يمكن أن نحصل عليه، من الكثرة والجودة حيث يحقق النصر الحاسم أو التوازن العسكري مع فرنسا، أو حتى إقناع المقاتل بوجود قوة لديه يستطيع أن يحقق بواسطتها حماية لنفسه.
(فالعصملية ـ أي البارودة العثمانلية ـ) والفرس والخنجر، وبعض الرشاشات، كانت تواجه الدبابة والمدفع والطائرة وسائر الأسلحة الأخرى التي كانت بيد الفرنسيين، ولم يفتّ العجز عضد أحد واستمر النضال. ولم تكن سورية وحدها على هذه الصورة من صور المواجهة بين أقطار الوطن العربي.... فالليبيون واجهوا الإيطاليين المحتلين بهذه الفروق بين تسليحهم وتسليح العدو، وفقدوا ألوف الشهداء، ولكنهم تابعوا المقاومة حتى الاستقلال.
والسودانيون الذين كانوا يقاوموا جيش الاحتلال الإنكليزي بقيادة غوردون أو سواه، حصدت منهم الرشاشات الإنكليزية عشرة آلاف مقاتل في معركة جبل كرار وحدها على مشارف الخرطوم؛ ولكنهم استمروا وقتلوا غوردون في النهاية واستقل السودان. والجزائريون قدموا مليوناً ونصف المليون من الشهداء واستقلوا.
وقس على هذا نضال شعبنا في كل أقطاره. فلو أنه انتظر إلى أن تتحقق الحسابات العلمية الدقيقة في التوازن لما استطاع أن يتحرك خطوة على طريق التحرير والاستقلال. لقد كان يملك دائماً الإرادة والإيمان الروحي العميق بالحق والحرية، وهما اللذان كانا يضعانه على الطريق الصحيحة، طريق العمل من أجل التحرير ومقاومة العدو بكل أشكال المقاومة.
إن المعارك التي تنهزم فيها أمم وشعوب لا تكون معارك وهزائم نهائية إلا إذا انهزمت إرادة القتال وانهزمت الروح من الداخل وتفتت الإيمان بالحق والوطن لدى تلك الشعوب.إنها تلك الأجزاء من المعارك، التي تطال الأعماق والمقومات والثقافة، وتصل إلى مدى التشتت النهائي للرأي والرؤية. أما المعارك التي يتغلب فيها رجال على رجال بالسلاح أو لأسباب أخرى، فإنها معارك تستأنف بقرار من الإرادة الشخصية والشعبية اللتين ترفضان الهزيمة وتعملان على استئناف القتال بصورة ملائمة وبالأسلحة الملائمة بعد الاستفادة من الخبرة ودراسة الظروف. وحين نخوض حرب المواجهة على جبهتي الجنوب: جنوب لبنان وجنوب السودان، وهناك أيضاً حيث حروب عدو الثقافة العربية والوحدة الوطنية وآمال الشعب العربي بالاستقرار والتنمية والعيش بأمان؛ التي يشنها حلفاء الغرب وعملاؤه في الداخل ؛ أقول حين نخوض حرب المواجهة بسلاح المقاومة الشاملة وأدواتها، لا نغفل عن إعداد النفس إعداداً تاماً للمعركة الأشمل تلك التي نراها قادمة مع العدو الصهيوني، الذي لا يمكن أن يكون من هذه المنطقة مستقراً آمناً فيها، بعد أن دخلها على أجساد شهداء الأمة العربية في فلسطين، كما دخل الفرنسي دمشق على أجساد من استشهدوا في ميسلون من أبنائها .
إن إرادة القتال لم تنهزم وأعماقنا الروحية بخير وهذه هي منابت الأمل. وحين نسعى للحصول على السلاح فلأننا نشعر بضرورة الإعداد والاستعداد لمعركة مع العدو يستعد لها مثلما نستعد لها، ويريدنا أن نخوضها عُزلاً ومهزومين من الأعماق، بينما نريد نحن أن نخوضها بسلاح ممكن، وبقوة إرادة تزرع الأعماق تصميماً على النصر.
إن السلاح التي تحرص"إسرائيل" وأميركا على أن تحرمانا منه وتضغطان في كل الاتجاهات حتى لا يصل إلينا، هو الحد الأدنى المطلوب لتحقيق شروط المواجهة في عصرنا، ولا يتناقض سعينا من أجل الحصول على السلاح مع دخولنا معركة المفاوضات، ذلك لأن"السلام" يحتاج إلى إعداد واستعداد، شأنه شأن الحرب، بل إن سلاماً يفرض على ضعفاء من عدو في موقع قوة أشد ضرراً وخطراً في خسارة معركة في حرب، أو من استمرار معارك غير متوازنة مع العدو في تلك الحرب.
وحين ننظر إلى وضعنا اليوم، ونحن نخوض المسار الثاني، مسار التفاوض على أرضية مؤتمر مدريد، نجد أننا أحوج ما نكون إلى قوة من جهة، وإلى تنمية إرادة التحرير والمواجهة من جهة أخرى. ذلك أن السلام لا يحتاج فقط إلى قوة تعين على التقدم في جبهاته بل يحتاج إلى وعي للمخاطر التي يفرضها غياب القوة من تلك الجبهات في أثناء السير على طريقه. فالعدو يريد أن يمحو منطقتنا وحضورنا وحقنا التاريخي، وإمكانية أن نستعيد المبادرة، ولذلك يفصّل جسمنا على الثوب الذي أعده لنا، وإذا لم نكن قادرين -بامتلاك القوة- على رفض ذلك، فإنه سوف يكبلنا بقيود"الثوب- المعاهدة" أو"المعاهدة- الثوب". ولن يمنحنا قوة محررة إلا وعيٌ وقوة عسكرية واقتصادية مما يجعلنا قادرين على التقدم بثقة ونجاح في مسارات الحرب والسلام معاً. ولكن إذا لم يقدم السلام شيئاً، وإذا كان أحفظ للعدو من الحرب التي قد يوجهها العدو أو أن يواجهنا بها، فإن الإعداد اللازم للقوة يبقى من أضر الضرورات لأنه سيمكن من التصدي عند الضرورة لقوة العدو. تلك التي لا بد من القضاء عليها لنحصل على جوهر الحق العربي، وعلى جوهر السلام لأجيالنا في هذه المنطقة من وطن الأمة.
وربما كان أهم ما ينبغي أن نحافظ عليه ونعمل على تنميته، في ظل الظروف القائمة والاحتلال الاستيطاني المزروع في أرضنا، هو إرادة التحرير وصمود الأعماق، والمد الروحي الإيجابي الذي يزرع المستقبل بالأمل، ويشد كل القوى والقدرات لإقامة حصن القوة حول جسم الأمة وإرادتها ووعيها وحقها سواء بالسلاح، أم بالوعي الثقافي، أم بالاقتصاد القومي، والتماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية، والتضامن العربي.
إن أي سلام مع"إسرائيل" هو سلام هش منقوض يوماً ما بحكم العدوان أصلاً وبحكم الطبيعة العنصرية التوسعية الاستعمارية للصهيوني، وبحكم المشروع الاستيطاني اليهودي، مشروع" إسرائيل الكبرى"، وبحكم المصلحة الغربية التي تدعم"إسرائيل" لتأمين مصالحها، سواء لاكتساحنا أم لإبقائنا في حالتي الضعف والخوف. ولذلك فإن التركيز على امتلاك القوة وإرادة التحرير يبقى هو الأهم في المواجهة وفي هذه الظروف بالذات، ظروف تحركنا على مساري المواجهة والمفاوضات.
فلنعمل على أن تبقى إرادة التحرير معافاة، وقوتنا معززة في كل الميادين والجبهات، والأمل بالنصر عزيزاً وعريضاً وشاملاً كل النفوس، ولنا في الشهداء أسوة، وفي المقاتلين بالحجر والسكين والكاتيوشا مثل قريب، لتكبر لدينا قوتا العمل والأمل.
الأسبوع الأدبي/ع375//19/آب/1993
nnn
|