صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد

د.علي عقلة عرسان

منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

E - mail: aru@net.sy

 

عمليّة شيحين

فجر يوم الخميس التاسع عشر من آب 1993 هو توقيت هام بالنسبة لحزب الله، إنه ميلاد جديد له في الإطار السياسي المحض، حيث سيدخل بوثيقة شيحين جدول مفاوضات السلام بين العرب و"إسرائيل" ابتداءً من الدورة الحادية عشرة، وهو ما لم يفكر به ولا يقصد إليه. لن يكون له مفاوض، ولن يؤخذ رأيه مباشرة، ولن يجلب إلى واشنطن، ولكنه سيطرح من قبل الصهاينة، طرفاً في المفاوضات، فالكيان الصهيوني بعد شيحين أخذ يطالب باتفاقيات مع سورية ولبنان وحزب الله، وكأن الجنوب، جمهورية المقاومة المقدسة، تقودها "حكومة" حزب الله، ويراد لتلك "الحكومة" أن تدخل فيما تدخل فيه الحكومات من اتفاقيات، على الرغم من إعلان العدو الصهيوني وأميركا واشياعهما في الوطن العربي بأن كلاً من حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، وراشقو الحجارة، جبهات تعمل لتخريب "مسيرة السلام"(؟!؟)‏

بعد شيحين طالب الليكود ومن يناصره من أحزاب يهودية في فلسطين المحتلة بأن تنسحب "إسرائيل" من مفاوضات السلام، ووجه إسحق شامير ورفائيل إيتان وشارون وغيرهم انتقادات شديدة لجيش الحرب الصهيوني، وحرضوه على عدم الالتزام بأوامر الحكومة وبأن يمارس العدوان حتى يرتوي، ودخل الساسة الإسرائيليون في عراك شديد، ربما كان الأول من نوعه من حيث الرغبة في إقحام الجيش أو محاولة إقحامه في ذلك العراك، حتى قال رابين "إن إسحق شامير لم ينتقد جيش الدفاع وإنما دعاه لعدم الامتثال لأوامر الحكومة، وكأنه رئيس حكومة سابق في دولة إفريقيا نحّي عن موقعه ويريد من الجيش أن يعيده إلى منصبه، ذلك لأنه يحرض الجيش على أن ينظر بسخط إلى رجال السياسة، وتدخل رأس الأفعى الصهيونية "وايزمن" ليوقف حملة الانتقاد إلى الجيش "حتى لا يكون بين نارين" أو أنه أوقف حملة التحريض التي يمارسها ساسة في صفوف الجيش، وقالت حكومة رابين رداً على المطالبة بإيقاف المفاوضات: "إن وقف المفاوضات سيكون الخطأ الأكثر فداحة من قبل إسرائيل".‏

ولم يقف تأثير عملية شيحين في العدو عند هذا الحد، بل مضى إلى أبعد من ذلك، فقد أكدت ووضحت جوهر الاتفاق الذي أوقف عدوان الأيام السبعة على الجنوب، وبينت بالفعل على الأرض، أن الاتفاق لم يتضمن على الإطلاق وقفاً للعمليات ضد الاحتلال في الجزء المحتل من الجنوب، ولا أن يقف الجيش اللبناني بشكل مباشر أو غير مباشر حائلاً دون ممارسة المقاومة اللبنانية لدورها المقدس في التحرير ويصبح هو كابحاً وحامياً للاحتلال.‏

وأكدت عملية شيحين أن الاتفاق لم يمنح الأمان للجيش الصهيوني في تحركه ولن يمنحه ذلك، وإنما أوقف قصف المستعمرات الصهيونية في شمال فلسطين بالكاتيوشا، مقابل وقف قصف قرى الجنوب اللبناني.‏

وللمرة الأولى منذ سنوات يحدث نوع من توازن الرعب يوقف القوات العنصرية الصهيونية عن الفتك بالمدنيين على نطاق واسع بعد عملية ضده وصفها وزير خارجيته للتهويل بأنها "كارثة"، شكلت خسارة بالأرواح وخسارة معنوية أشد، إذ لم يجرؤ الصهاينة على قصف قرى الجنوب حتى لا تقصف المستعمرات بالكاتيوشا- أو ليحافظوا على السلام الذي أنقذ كما يحب بعضهم أن يزعم- ولا هم استطاعوا أن يزيفوا الحقيقة كما فعلوا في عدوان الأيام السبعة حيث زعموا آنذاك بأنهم يقصفون المدنيين في الجنوب ليوقفوا قصف حزب الله لمستوطناتهم، في حين أن حزب الله لم يبدأ بقصف شمال فلسطين بل رد بذلك، والسبب عملية في الجنوب قتل فيها ثلاثة جنود صهاينة.‏

لقد تحققت في عملية شيحين عدة أشياء هامة منها:‏

1-أن المقاومة للاحتلال مستمرة، وما على "إسرائيل" إلا أن تنسحب من الجنوب اللبناني وتنفذ القرار /425/.‏

2-أن إرادة القتال والتحرير عند المقاومة الوطنية اللبنانية ومن يدعمها، لم تتزعزع، وأن مبدأ من مبادئ الأمم المتحدة يتم تأكيده وتجديد حبره بالدم، وهو أن مقاومة المحتل حق مشروع للشعوب.‏

3-أن سورية تؤكد مواقفها بوضوح ودقة وأنها لا تسمح بأن تشوَّه صورتُها، أوصورة اتفاقات هي طرف فيها.‏

4-أن لبنان لن يعود محمية غربية، وأنه لا عودة مطلقاً لاتفاق /17/ أيار بأية صورة من الصور.‏

5-أن "إسرائيل"، التي تدعي حرصها على السلام، عليها أن تبرهن عملياً على ذلك؛ وأنها، وهي التي تفتعل دائماً أزمات ومشكلات وتشن حروباً وتقوم باعتداءات كلما شدد ضغط المفاوضات عليها لتجبر العرب على الانسحاب وتحملهم تبعة ذلك أمام الرأي العام الذي تعده لذلك باستمرار، بدأت تعاني مما يصطرع في أمعائها؛ فمنها يرتفع الصوت علناً بضرورة الانسحاب من المفاوضات.‏

ولكن هذا الذي حققته عملية شيحين لا يعني أن "إسرائيل" لن تستثمره على نحو يخدم أهدافها ويحقق برامجها التي تقوم على استراتيجية العدوان والتوسع والتفوق وتشويه صورة الآخر وحقائق التاريخ ووقائع الأمور. ولا يعني أنها لن تتحرك على مستويات أخرى لتحقيق أهدافها وبرامجها.‏

-فها هو بيريس في الدول الاسكندنافية يتباكى على السلام ويعلن أن "إسرائيل" ستضحي من أجل "الجميع" ليسود السلام؟! ومتى كانت "إسرائيل" تحب السلام والآخرين وتضحي من أجل ذلك؟! أليست صورة عدوان الأيام السبعة على الأقل ماثلة في أذهان العالم؟! إن الحقيقة هي أن "إسرائيل" تريد أولاً أن تزيل ما لحق بوجهها القبيح جراء ذلك العدوان، وأن تستعيد عطف العالم بما تدعيه من "ضبط النفس" استجابة لطلب أميركا- وسيكون لذلك ثمن- واستجابة "لدواعي السلام"؟!‏

-وها هو جاد يعقوبي ممثل "إسرائيل" في الأمم المتحدة يرمي إلى استثمارات أخرى في إطار إثارات بشعة، فقد ربط بين عملية شيحين ومحاولة اغتيال وزير الداخلية المصري اللواء حسن الألفي معاً، وقال إنهما تشكلان "محاولات جديدة للأصوليين تهدف إلى إقامة نظام ترهيب واغتيالات" وأضاف أن "كل شيء يهدف إلى قتل عملية السلام وإقامة إمبراطورية أصولية مسلمة تقودها إيران وتمتد من المحيط الهندي إلى المحيط الهادي" ودعا العالم الحر والأنظمة العربية المعتدلة إلى "العمل معاً وتنسيق الجهود لإحباط هذه الأعمال".‏

إن كلام يعقوبي سيلقى صدىً مستحباً عند من يسمعه في الغرب، لأن هناك استعداداً لقبول صورة من هذا النوع عن الإسلام وعن إيران وربما يستطيبه بعض العرب الذين دخلوا دوامة الدم والفتنة ولعبة المعارضة المسلحة ضد السلطة المسلحة؟! ولكن التدقيق في أبعاد ما ترمي السياسة الصهيونية إلى زرعه في النفوس وتركيز جهاز الإعلام الغربي الضخم عليه خطير جداً، لأنه يريد أن يسبغ صورة الإرهاب على التحرير ويربط ذلك بالإسلام وأينما كان العربي المسلم فهو إرهابي بحكم الانتماء وعليه أن يثبت براءته.. أما الأصولية - العنصرية- اليهودية القائمة على التلمود، وبرنامج المسيحية- اليهودية في أميركا الذي يدعم ويبارك كل ما تقول به الصهيونية وكل ما تقوم به "إسرائيل".. فهو ليس إرهاباً بل "دفاع عن النفس بوجه الإرهاب" الذي تحذر العرب المعتدلين منه لأنه سيأخذ مقاعدهم..‏

أما الإيحاء بإقامة إمبراطورية إسلامية، بين المحيطين تسيطر عليها إيران، فتلك لعبة الصهيونية القذرة مع الغرب المتواطئ معها منذ عقد من الزمن وقد أصبح التركيز قوياً عليها الآن لكي تسير عجلة العنف الدموي بين عرب ومسلمين- وبين مسلمين ومسلمين على أساس طائفي- بعد أن دارت عجلة العنف الدموي بين عرب وعرب داخل أقطار عربية، وبين أقطار وأخرى، ليثمر ذلك كله ثمراً مراً بالنسبة للعرب والمسلمين على السواء فينهار كيانهم بالتدريج، ويقوم كيان " إسرائيل الكبرى" ومملكة الشر الأميركية أو الغربية بوجه عام.‏

إن "إسرائيل" تستثمر جيداً ما تسميه "ضبط النفس"، وهو عندها وحسب مفهومها أنها لم تحرق لبنان كله بعد قتل تسعة من جنودها بعد أن دمرت الجنوب كله بشسوع نعال ثلاثة من أولئك الجنود قبل شهر؛ واكتفت الآن فقط بغارات مكثفة على البقاع وبعلبك أوقعت خسائر لم تقدر بعد!؟ إنها تضبط نفسها جيداً، وتشيد أميركا بذلك، ويترحم أمين عام الأمم المتحدة على قتلاها؛ وينظر بعض العرب بتعاطف معها فيزيد من التنازلات لها والتنسيق معها لقهر خصومة!؟.‏

إن "إسرائيل" تستثمر كل شيء وتحاول أن تغطي ما أحدثته عملية شيحين في كيانها الآن، لا سيما في هذا الظرف بالذات وعلى أبواب الجولة الحادية عشرة من المفاوضات، فكيف يمكن لنا نحن أن نستثمر جيداً عملية شيحين؟!‏

مما لا شك فيه إن حزب الله وسائر فصائل المقاومة الوطنية اللبنانية، والفلسطينية في لبنان وفي داخل الأراضي المحتلة تستفيد من تجاربها وتستخلص العبر من كل ما تمر به من دروس وأزمات ومشكلات ولكن لا بد من أن يمتد ذلك الصدى إلى أوساط اجتماعية ورسمية أوسع من تلك المنظمات والتنظيمات لكي نعمق خط مقاومة الاحتلال، ونقيم إرادة التحرير ومقاومة "إسرائيل" على مقومات صامدة وقوية تسمح بالاستمرار والتوسع والتصعيد.‏

إن رفع الروح المعنوية أمر هام، وإبراز الخلخلة التي حدثت في "إسرائيل" وما خلفته من تناقضات أمر في غاية الأهمية، ولكن من المفيد ونحن نعيد إعمار قرى الجنوب، ونؤسس لأيام أخرى انطلاقاً من جبل عامل أن نأخذ بالاعتبار:‏

-بناء قرى أمامية نموذجية يحتمي فيها السكان ويصمدون ويقاومون ولا تحصدهم الطائرات والمدافع وهم دون ملاجئ حصينة.‏

-بناء القاعدة الاجتماعية الصلبة التي تحمي المقاومة وتحتضنها وتنميها وتتفهم معنى أن تقوم وتستمر.‏

-امتلاك السلاح الذي يردع "إسرائيل" فعلاً إذا ما قصفت قرى الجنوب، حيث يمكن تحديد المحتلين في شمال فلسطين وجعل "إسرائيل" تفكر جيداً وجدياً بالثمن الذي ستدفعه إذا ما قامت بالعدوان على المدنيين.‏

-مواجهة الإعلام الصهيوني- الغربي المتنامي على أرضية العمليات ضد "إسرائيل" داخل فلسطين المحتلة وخارجها، ومواجهة المخططات التي تحوكها ضد كل من يدعم المقاومة الوطنية- اللبنانية والفلسطينية- تلك التي يريد أن يسبغ عليها صفة الإرهاب ويسمي كل من يحميها بحماة الإرهاب ويفرض عليهم حصاراً بشعاً أنه الآن يفرض على السودان حصاراً ويضعها في دائرة الإرهاب ضاماً إياها إلى سورية وليبيا والعراق وإيران، لأنها: تسمح للفلسطينيين الذي تطاردهم "إسرائيل" باللجوء إليها ولأنها جادة في المحافظة على وحدة أرض السودان ووحدة شعبه، ولأنها تتمسك بهوية الشعب على أرضية الثقافة العربية الإسلامية، ولا تدخل القفص الأميركي من بابه الكبير، وحين يواجه السودان الآن بذلك فإنه سيستمر في مواجهته لسائر البلدان العربية والإسلامية والتقدمية التي يتهمها بالإرهاب وإذا ما نشأ تفهم لذلك، وتعاون من أجل مواجهته، وعمل عربي جاد لاستعادة التضامن العربي ولو في حدوده الدنيا، وإقامة مصالحات عربية على أرضية الثوابت القومية المقدسة، مع الاستفادة من كل دروس الماضي وعبره، وتم تواصل حقيقي على أساس احترام المصلحة والهوية والمبادئ معاً في رزمة علاقات ثابتة بين الدول العربية والإسلامية، فإنه يمكن إيقاف عجلة العنف والانهيار التي تدور بسرعة، واستئناف مسيرة البناء والثبات والحضور.‏

إن الاعتماد على الغرب أمر مجرَّب، والمجرَّب لا يجرَّب، فكم عانينا وكم دفعنا، وكم في القادمات من مصائب وأسرار في جعبة الغرب الذي فقد كل مصداقية وأفلس خُلُقياً حتى نخاع العظم، وما زالت له أطماع يمليها الحقد والتعصب والغطرسة، أطماع لا حدود لها، و"إسرائيل" حربة الغرب في صدورنا، سواء في ظل الصراع الصراح، أو في ظل الصراع الذي يختفي تحت خيمة السلام التي لن تظل إلا خداع العدو ولن تضلل إلا الذين يلدغون من الجحر أكثر من مرة ويعودون إليه.‏

إن استثمار عملية شيحين على مستويات أعلى من مجرد كونها عملية ناجحة ألجمت العدو " الإسرائيلي " عن رد من صنف طبيعته هو ما يمكن أن يضعنا على طريق الإرادة الحرة، وعلى طريق الاستفادة من الدروس والتجارب والعبر. فهل نفعل؟!‏

الأسبوع الأدبي/ع376//26/آب/1993‏

nnn‏

 

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244