صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد

د.علي عقلة عرسان

منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

E - mail: aru@net.sy

 

أسئلة بحجم التحديات

لقد وقع عرفات اعترافا بـ " إسرائيل " واتفاقاً للحكم الذاتي المحدود في غزة وأريحا، ونصب بذلك رئيسا لدولة فلسطين، وفي حين يدعي أنه كذب بذلك التوقيع في البيت الأبيض مزاعم الصهيونية التي قالت بعدم وجود شعب فلسطيني، فإنه اعترف من جانب آخر بأن الشعب الفلسطيني الذي يمثله هو والموجود في الساحة السياسة الدولية وعلى أرض التاريخ والجغرافية التي يحكمها " النظام العالمي الجديد " بقيادة كلنتون، إن هذا الشعب يعترف " بحق تاريخي " لليهود في فلسطين، ويتعرف بدولة "إسرائيل" التي ستجمع يهود العالم في أرض كانت للشعب العربي الفلسطيني وأصبحت لسواه؛ مع احتفاظ "إسرائيل" بنماذج بشرية فلسطينية " قيد الإبادة، وقيد الاستخدام " مثل هنود أميركا الحمر، في فلسطين المحتلة التي لا يطيب لأي يهودي أو مسيحي متصهين، إلا أن يدعوها بـ " أرض إسرائيل" ".‏

بعيداً عن الانفعالات نقول :‏

إن الاعتراف العرفاتي بـ " إسرائيل "، وصيغة الحكم الذاتي التي قبل بها تشكلان انطلاقة عربية شبه تامة نحو الاعتراف العربي والإسلامي بـ " إسرائيل "، ونحو تطبيع العلاقات معها على كل مستوى وصعيد، ومن ثمة فإن هذه المرحلة من مراحل " كامب ديفيد "، بعد أن تم تعريبه، هي الأخطر من جميع المراحل السابقة واللاحقة.‏

وإذا كانت هناك جيوب عربية، على شكل دول أو منظمات أو أحزاب أو شرائح اجتماعية، تقاوم هذا الاعتراف وتلك الصيغة، فإن اتفاق أوسلو الذي تم تعميده في البيت الأبيض يتكفل بالقضاء عليها بأيد عربية مدعمة صهيونياً وأميركياً وعربياً. وينتظر الصهاينة والغربيون جميعاً أن يحقق عرفات وفريقه مصداقية الاتفاق بالقضاء على الانتفاضة والمعارضة والمقاومة من أي مكان أتت، ليستحقوا تصفيقاً حاداً من " المجتمع الدولي " الذي يصاغ ضميره من قبل الشركات والاحتكارات العظمى ووسائل الإعلام المسيطر عليها صهيونياً وأميركياً.‏

لقد حقق الأميركيون ـ الصهاينة، أو الصهاينة الأمريكيون أعظم ما بلغت الحركة الصهيونية والغرب الذي شجع على وجودها منذ بداية القرن، وهو الاعتراف بـ " إسرائيل " وبحقها في الوجود والعيش بسلام من قبل العرب أصحاب الأرض والحق، وزادوا على ذلك أن جعلوا "إسرائيل" تقوم بالدور الذي قامت به بريطانية بين الحربين العالميتين، الأولى والثانية، في فلسطين، حيث تولت الوصاية عليها لتنشئ وطناً قوميا لليهود وتقيم لهم مقومات الدولة وتسلمهم فلسطين بعد قمع أهلها وتدجينهم. فـ " إسرائيل " تتولى الوصاية الآن على ما بقي من أرض فلسطين برسم المطالبة الفلسطينية والعربية والدولية؛ وهي الأراضي المحتلة بعد عام 1967، تتولى الوصاية عليها وعلى أهلها من خلال الإشراف على الحكم الذاتي المحدود في غزة وأريحا، لتجعل ذلك الجزء من الأرض مستقبلاً امتداداً لـ " إسرائيل " الكبرى، بجعل الناس يقبلون الاندماج في الكيان " الإسرائيلي " الذي سيتحكم باقتصادهم وأمنهم وبنوع الحياة التي يعيشونها والعلاقات التي يقيمونها مع الآخرين. فهو حسب الاتفاق، هو الذي يحميهم من المخاطر الخارجية؟!؟ ولنا أن نسأل من أين تأتي عرب غزة وأريحا المخاطر الخارجية إن لم يكن ـ حسب منطوق نص الاتفاق وتفسيره ـ من الجوار العربي، الذي يريد اليهود والغربيون أن يقيموا سداً بينه وبين فلسطيني الحكم الذاتي يشرف عليه ويقوده رئيس مخفر أريحا؟!‏

لقد أسست الولايات المتحدة لـ " إسرائيل " بهذه الخطوة الهامة من خطوات كامب ديفيد حاضنةً عربية تغذيها اقتصادياً وتنمي وجودها باستقدام المستوطنين على أرضية السلام والأمن والاعتراف بحق " تاريخي " في الوجود والبقاء. وأمَّنت لنفسها السيطرة والنفوذ على موارد " الشرق الأوسط " من النفط والثروات المعدنية، وكذلك المدخل الواسع لترويج البضائع والسلع، والتحكم بالمنافذ الاستراتيجية القائمة.. باختصار شديد حققت، بما توصلت إليه منذ بداية حرب الخليج الثانية وحتى احتفال البيت الأبيض يوم الاثنين‏

13/أيلول/1993 دخول هذه المنطقة بكاملها، والوطن العربي كله تقريباً، مجال التبعية المطلقة للعصر الأميركي ـ الصهيوني، بوكالة مباشرة من أمريكا لـ " إسرائيل " بالنفوذ أو الهيمنة والقيادة والانتشار، تحقيقا لمصالح الطرفين .‏

وربما كان الأمر الأخطر في هذه المرحلة هو أن ما يتم من اعتراف مباشر بالعدو، وإقامة علاقات واتفاقيات منفردة معه من قبل العرب /اتفاق عرفات رابين ـ واتفاق الأردن ـ "إسرائيل" .../يتم بموافقة عربية ومباركة زاحفة نحو البيت الأبيض وتل أبيب، أو منطلقة منهما نحو العواصم العربية، التي تتهاوى واحدة أثر أخرى في أحضان الاتفاق الكارثة.‏

فالجامعة العربية على لسان أمينها العام تقول :" نعتقد أننا نسير في الطريق السليم " و " أننا نستفيد من دروس الاتفاق الثنائي بين مصر و" إسرائيل " ". فالجامعة تبارك هذا الاتفاق ولا تقاومه ولا تعاديه، بل تشجع عليه بالرغم من كونه منفرداً، يتم بين طرف عربي والعدو الصهيوني، من وراء الدول العربية. ويجيء بنتائج أقل مما عُرض في الرسائل التطمينية المتبادلة مع راعيي مؤتمر مدريد قبل انعقاده، ومما كان يُعرض في بدايات المفاوضات الثنائية على الوفد الفلسطيني .‏

والدول العربية ترحب بالاتفاق وتعترف ضمنياً بما اعترف به عرفات، وهي بذلك تتنازل عن حق العرب في فلسطين، وعن التزامها حيال القضية بحجة الرضا بما رضي به الفلسطينيون، حتى لو كان الفلسطيني الذي رضي ووقع لا يمثل إلا نفسه .‏

ومن هنا تأتي خطورة أشد ليس على القضية الفلسطينية التي أصبحت في خبر كان، ولكن على مستقبل الحلم العربي كله بتضامن أو اتحاد أو وحدة وبأي نوع من التعاون، ذلك لأن الاتفاق والاعتراف نسفا كل ما تبقى من بقايا الثقة بين الأنظمة العربية والأقطار العربية، فأخذ كل نظام يعلن صراحة أنه سيبحث عن مصالحه الخاصة بعيداً عن أي نوع من الالتزام القومي.‏

ولأن كل الأقطار العربية وعت درساً وحفظته وأخذت تمارس حسب ما يمليه عليها نصه وواضع ذلك النص، وهو أن تذعن للسيد الأميركي ورغباته، ولما يطرحه باسمه ونيابة عنه العدو الصهيوني، الممثل والمندوب السامي له في المنطقة. ولا يسمح أحد بأي تحرك خارج الخط المرسوم حتى لا يتهم بالخروج على إرادة السيد، حتى لو كانت تلك الإرادة تسحقه سحقاً. لقد استجابت أقطار عربية، تنبذ عرفات ومنظمة التحرير لدورهما في حرب الخليج، استجابت لطلبات بتمويل مشروع غزة أريحا، وأعلنت عن رضاها التام بذلك، على الرغم من مشاعرها وإرادتها، وهللت أقطار عربية وأنظمة كانت خلف الاتفاق لأنها رأت في ذلك نجاح لإرادتها وصحة لاستراتيجية بدأت منها، وقدمت أقطار عربية دعما وتسهيلات وتشجيعا غير محدود للمباحثات السرية في أوسلو، كانت أول من يزورها رابين بعد عودته من واشنطن بعد توقيع الاتفاق، حتى قبل أن يصل إلى تل أبيب. وانفردت أقطار بالغصة والألم، وأخفت بعضها فرحتها المموهة بأقنعة متعددة. ولكن الجميع يقبل أو يسكت على من قبل بالاعتراف والاتفاق المذلَّين. ولنا أن نسأل: ما الذي أصاب العرب، وما الذي أصاب الوجدان الجمعي، والقضايا المصيرية؟! وما الذي جعلنا: حكاماً ومحكومين، من أقصى الوطن إلى أقصاه، نقبل هذا الدور، ونقبل بهذا المصير؟! هل هو الوضع الدولي والعربي الذي تغير إلى درجة لم يبق لنا مع تغيراته قوة ولا اقتدار ولا حيلة فيما يجري علينا فيه؟! أم هو موت الإرادة والإحباط، والرغبة في الانتهاء من مسؤولية قضية أتعبت الجميع، وأظهرت فساد محاميها ومسؤوليها إلى الحد الذي بات أمرهم عبئاً على المنظمة والشعب والعرب والقضايا المصيرية كلها؟!‏

هل هو الاقتناع الفعلي بضرورة تغيير السياسات والأساليب وحتى الاستراتيجيات في ضوء المتغيرات الدولية، والتسليم بعدم القدرة على تغيير الواقع؛ والتالي هو الانصياع لمنطق مكروه مفروض؟! هل هو العجز، أو التعب، أم استشعار العجز والتعب الألم؟! كل ذلك مما يمكن أن يلقى على الذات في صورة أسئلة وتساؤلات. ولكن تبقى أسئلة واقعية أكثر مرارة وأقسى وقعاً وتأثيرا على الأمة والأقطار والأنظمة والأحزاب والأشخاص !! أسئلة تتصل بالمعاناة المنتظرة بعد الاعتراف والتطبيع، والانفتاح على العصر الأميركي ـ الصهيوني في هذه المنطقة من العالم. وهي أسئلة جوهرية تتصل بالمصلحتين القومية والقطرية على كل مستوى وصعيد، كما تتصل بالمصالح الأضيق؛ فضلاً عن تلك التي تتصل بالمعاني الكبرى للوجود العربي وأهدافه وما يشرفه ولا يشرفه من موقف.‏

فعلى الصعيد الاقتصادي مثلا هل سيوافق العرب ـ من منظور نظري محض ـ على أن تصبح مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، حتى لو شملت الضفة الغربية كلها وقطاع غزة، منافذ للتطبيع الاقتصادي وجسوراً للمصالح الإسرائيلية في الوطن العربي؟! وتلك المناطق خاضعة لشراكة "إسرائيلية" ـ غربية من جهة ـ وشراكة "إسرائيلية" فلسطينية بهيمنة "إسرائيلية" من جهة أخرى؟! هل يقبلون تبعية اقتصادية تلغي حريتهم من الجذور وتلغي قرارهم السياسي المستقل؟! ذلك لأن التبعية الاقتصادية تفرض تبعيات أخرى في مقدمتها تبعية القرار السياسي.‏

وعلى الصعيد السياسي والتاريخي والاجتماعي، هل سيقبل العرب حركة متنامية لتغيير تاريخهم وتوجههم السياسي القومي، وقيمهم الاجتماعية ليتوافقوا مع عصر أميركي ـ إسرائيلي يسعى بوضوح لإعادة كتابة تاريخ المنطقة بما يزيف حقائقه ووقائعه ويصدِّرها للأجيال العربية؛ حيث تصبح "إسرائيل" دولة لها حق تاريخي غطى عليه تسجيل العرب للتاريخ، وأعاده‏

" النضال الصهيوني" إلى الوجود، واعترف به العرب " العادلون المعتدلون "؟! وهل يقبل العرب بأن يقتل حلمهم القومي كله، ابتداء بقتل قيمهم القومية والنضالية وتطلعاتهم المشروعة، حلمهم بقيام أمة على أساس من الوعي المعرفي والقومي والعالمي تستعيد دورها الحضاري وحضورها الفاعل في التاريخ، وأول ما يكون من دلائل ذلك الحضور سيطرتها على مقدراتها وتحريرها لأرضها وقرارها الاقتصادي والسياسي؟!‏

وهل سيقبل العرب العبث بقيمهم الثقافية والعقائدية لتتلاءم تلك القيم مع متطلبات " السلام " مع "إسرائيل"، التي تفرض نوعاً من القيم والمعرفة مبنية على التلمود والخرافة والاستعلاء، وتريد أن تغرسها بقوة التفوق العسكري والتقني وبقوة القهر على العربي المستضعف؟! هل سيقبل العربي بإدانة تاريخه القريب، وهو تاريخ الاستقلال في كل أقطار الوطن العربي، ذلك الذي ارتبط بالنضال من أجل تحرير فلسطين، وارتكز على اعتبار القضية الفلسطينية قضية مركزية فيه، فينظر إلى ذلك التاريخ وذلك النضال على أنهما كانا نوعاً من " التجني " على " اليهود الصهاينة " الذين يعترف لهم اليوم بحق تاريخي، وبحق الوجود والعيش بسلام في فلسطين؟! هل سيدين العرب تاريخهم ذاك بوصفه "إرهابياً " لـ " إسرائيل " ومحاولات بائسة " لتدميرها "، كما يراه الصهاينة والغرب المتصهين، والصليبيون الجدد القادمون بأثواب تلمودية، ومسيحية ـ صهيونية؟!‏

هل سيقبل العرب أن يكونوا مجرد أفواه وسواعد تعمل عند الصهيوني ـ والغربي، وتستهلك بضائعه، مقرةً مقولة الملك الحسن الثاني بزواج " العبقرية " اليهودية: العقل والمال الغربي، مع الأيدي العاملة العربية؟! تلك التي تنطوي على إهانة للعقل العربي من جهة، وعلى تشجيع لمشروع استثماري ـ استعماري لمصالح الغرب في الوطن العربي، وتنطوي على نوع من الإهانة والتهمة الخلقية للعربي؟!‏

هل سيقبل العرب اتهامات من هذا النوع، وعلاقات بهذا الحجم، واعترافات بهذا الاتساع بعد اليوم الأسود في البيت الأبيض؛ أم تراهم سيرفضون ذلك ويقاومونه؟! وإذا كان الجواب بالرفض والمقاومة، فهل تراهم سيتبعون أساليب فاشلة كتلك التي جعلت من كل (لا) من لاءات الخرطوم "نعماً" صدَّاحة في الفضاء العربي، بسبب الانطلاق في الظلام وإرجاء العمل والتفكير العالمي الجاد !! وكتلك التي جعلت " مقاومة " كامب ديفيد تؤدي إلى تعريب " كامب ديفيد " والالتحاق به والرضا بأقل مما قد وعد به أو حققه في حينه؟!‏

إن كل ذلك مطروح على الضمائر والعقول والإرادات والقوى السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية للأمة العربية التي تتعرض الآن لمحنة وامتحان بحجم يفوق ما تعرضت له في 1948، وفي 1967، ذلك لأن إرادة الأمة لم تنهزم في تلك التواريخ والوقائع.. بينما هي تنفذ اليوم بانهزام هو شر انهزام.‏

فهل نرفض وننجح ونكبر ونتعلم؟! أم أننا ننساق في المسار الذي رسم لنا مسلمين بعدم أهليتنا، معلنين استعدادنا للخضوع لأنواع من الاستعمار والتبعية، مع الرغبة في تغيير التسميات فقط؟! إنها أسئلة مطروحة وتنتظر إجابات بحجم التحديات.‏

الأسبوع الأدبي/ع379//16/أيلول/1993‏

nnn‏

 

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244