|
نــحو مسيرة بـــــلا ألــغام
بعد توقيع اتفاق غزة ـ أريحا، بدأت حركة سياسية ـ تجارية - مالية عربية تأخذ طريقها بتسارع على محور العمل المشترك "العربي ـ الإسرائيلي"، لتجعل التطبيع يسابق الاعتراف، والاعتراف بالعدو يلهث ليجاري التطبيع، وكلاهما يرتمي على أعتاب مستقبل تكاد تحكمه ""إسرائيل""
وتتحكم به.
والناس بين دهش وهلع وغاضب ومستنكر، يراقبون من قواقعهم تدفق السواقي لتشكل نهراً عكراً يغطي حقائق التاريخ، ويجرف كل ما كتبه النضال العربي بدم الشهداء من حقائق ووقائع، والعد ويستفيد من المناخ الراهن ويعتصره إلى درجة أنه سينظف التاريخ والذاكرة العالمية من كل ممارساته، التي أُدينت عالمياً، ضد أطفال الانتفاضة وشبابها، وضد حقوق الإنسان، ويمحو من منظمة الأمم المتحدة وسجلاتها كل ما علق "بتاريخ إسرائيل" من إدانات.
ويشارك بعض العرب، ومن بينهم بعض أهل فلسطين، بتشويه الذاكرة البشرية والتاريخ لصالح "إسرائيل"، التي لم تعد بنظرهم مغتصبة وعنصرية ودولة إرهاب وإجرام، وإنما دولة حل بها "اضطهاد العرب" ولا ساميتهم؟!؟ وبعد أن اعتذر عرفات عن كل التاريخ النضالي الفلسطيني وأدانه واعتبره " إرهابا وعنفاً " ضد " دولة "إسرائيل" وشعبها الذي عانى كثيراً من الاضطهاد، جاء دور العرب ليدينوا أنفسهم، وليعتبروا كل ما حققوه من خلال الأمم المتحدة بعد نضال كبير، ودماء كثيرة، وتضحيات لا تعد ولا تحصى، حالات من العدوان والتجني والإرهاب والممارسات الفاسدة، ألحقت ضرراً " بإسرائيل" وسببت تشويهاً للتاريخ" الصهيوني الناصع" ؟!؟
ولا بد من إزالة ذلك بأيد عربية تتهم نفسها أولاً، وتصحح الإساءات التي ألحقتها بالغير. ويتجلى اليوم في ما تقوم به اللجنة الإسرائيلية ـ الأميركية ـ الفلسطينية ـ المصرية في الأمم المتحدة من جهد لإلغاء كل القرارات التي اتخذت بحق "إسرائيل" بما في ذلك تلك التي تمت على أرضية تصفية شعبنا العربي الفلسطيني وتكسير عظامه إبّان مد الانتفاضة المباركة.
إن العمل يتم بسرعة، وتتصاعد وتائره، ويقوم تعاون دولي وتحالف تقوده الولايات المتحدة الأميركية التي تريد أن ينجح الاتفاق بأي ثمن ولذا فهي على استعداد لمعاقبة من يقاومه أو يعوقه، ومكافأة من يدعمه ويدفعه إلى الإمام، فماذا يفعل الذين يرون أن الاتفاق يفتح باباً للاعتراف العربي الشامل ب" إسرائيل " تلك التي يقول حكامها بوقاحة لا مثيل لها " يجب على العرب أن يعترفوا بـ " إسرائيل " لأنهم كانوا يقولون إن القضية الفلسطينية هي أساس الصراع العربي ـ الصهيوني، وما دام أهل القضية قد اعترفوا "بإسرائيل" وتم الاتفاق على الحل، فما الذي يمنع العرب من الاعتراف بـ " إسرائيل " والتعاون معها، ورفع كل أشكال العقوبات والمقاطعة عنها؟!.
إن الحركة في مجال تنفيذ الاتفاق وتوسيع دائرة الاعتراف تنشر سرطانها بسرعة في الوطن العربي، وهناك حركة تطبيع تتسابق مع حركة الاعتراف،حتى لكأن التطبيع الذي كنا نعتقد أنه سيكون آخر معاقل العمل العربي الشعبي والرسمي ضد "إسرائيل" أصبح يروج له بأسرع مما كنا نتصور، ورأس حربته الآن المال والاستثمار، وربط الخطوط الكهربائية الإسرائيلية بالشبكة العربية ابتداء من مصر...الخ... السؤال: ماذا يفعل أولئك الذين يتحصنون بالمبدئية القومية والخُلُقية، ويتمسكون بالحق التاريخي للعرب بفلسطين، ويريدون مقاومة سرطان الاعتراف، سرطان الاتفاق؟!.
إن الكلام والتوعية، والتفكير المعلن بالمواجهة،والاحتشاد وراء جبهاتها ضروري ومفيد، ولكن عوّدتنا ظروف العمل العربي السابق أن يخسر أهل الحماسة مواقعهم بعد فترة لأنهم يعتمدون عليها فقط، ولا يضعون برنامج عمل واسع وطويل النفس وممتد الرؤية، ويستند إلى استراتيجية ثابتة ومرونةِ تحرك لا تخطئ الهدف ولا تتنكر للثوابت ولا تناور لتخرقها أو لتعطلها.
عوّدتنا ظروف العمل العربي، ومنذ مواجهة كامب ديفيد على الأقل أن العرب الذين تصدوا للكامب أخذتهم خلافاتهم إلى الحد الذي دعوا فيه إلى تعريب " الكامب" والانتماء إليه وتسويقه، تحت تأثير الخلافات المتبادلة والتنافس على الشعارات و المناورات الآنية التي توضع في الأسواق الاستهلاكية السياسية العربية، فضاعت المبدئيات على أيديهم وتنزلت إلى درك أدنى من بضائع الاستهلاك اليومي.
إن الذي نواجهه اليوم اعتراف عربي رسمي "بإسرائيل" يتسارع على أرضية الحماية الغربية، والمباركة الرسمية من الأمم المتحدة، والانكفاء القومي، والتراجع شبه الشامل للمؤسسات العربة الحاكمة، عن ثوابت مبدئية كانت تحكم النضال وتوجهه، وتصدر حكماً خُلُقياً على من يخرج عن تلك الثوابت، يجعله يخشى الجماهير ويخشى ذلك الحكم. وهذا يجعلنا نصل إلى السؤال عن: المصداقية، خُلُقياً ومبدئياً ووجدانياً وجماهيرياً، من جهة، وعن ترجمة الرفض إلى فعل قادر على المواجهة والاستمرار فيها، وقادر على إبقاء المقاومة الوطنية داخل الأرض المحتلة وخارجها قادرة على الاستمرار.
الوضع الراهن، عربياً وعالمياً، لا يجعل الطريق ممهدة أمام من يريدون إيجاد قوى داعمة لرفضهم لاسيما في أسواق السلاح الذي يحتاج إليه المقاومون، وفي أسواق المال الذي يشكل عصب المقاومة،وفي الإعلام الذي يشكل أهم أسلحة العصر، وفي السياسة الدولية المؤتمرة بأمر حكومة كل العالم التي هي حكومة صهيونية في أمريكا، أو أميركية في "إسرائيل".
المواطن العربي الذي هو مادة المقاومة وأداتها وصاحب المصلحة العليا فيها، من منظور حرصه على الأرض والحق والتاريخ والمقدسات، هذا المواطن محكوم بالسياسة القطرية العربية التي تميل معظمها إلى الاعتراف "بإسرائيل" أو التطبيع معها، وسوف تحاسب مواطنيها على مناوأة سياستها تحت ذرائع وأسباب شتى. فهل يتمكن المواطن من التعبير عن انتماء للقضية الفلسطينية في جوهرها، وثوابتها ويواجه السياسات المعترفة والعاملة على التطبيع ؟!. وما الذي سنقدمه له لكي يعي ويصمد، في الوقت الذي تقدم له إغراءات مشروع "مارشال " الجديد الذي يروج له رابين وعرفات انطلاقاً من ساحة التطبيع الرئيسية، غزة ـ أريحا وعبر جسور التواصل العربية مع العدو التي تُقام، سواء كانت مادية ـ أو بشرية ؟!.
إننا بحاجة إلى مؤمنين بالحق والأرض وبعروبة فلسطين في كل ساحة عربية، يعملون انطلاقاً منها من غير خوف أو انتظار مدد من أحد. وبحاجة إلى أرضية مبدئية مشتركة تجمع أولئك على ثوابت تصل إلى حدود التقديس، كما نحتاج إلى أن نضع بين أيديهم وفي أعماقهم صورة الخطر القادم، والمتجسد في "إسرائيل" المعترف بها عربياً، و "إسرائيل" التي توجه النظام الاقتصادي " الشرق أوسطي" وتقوده وتحميه، و "إسرائيل" الشرطي الجديد للمنطقة المفوض أميركياً والمدعم عالمياً على أرضية الاعتراف به عربياً، وأرضية التعاون معه رسمياً من قبل أنظمة عربية.
نحتاج إلى إعلام واع، قادر مثابر يمتلك القدرة والمعلومات والاقتناع بمهمته، ونحتاج إلى جبهة مثقفين مؤمنين برفض " إسرائيل " ورفض الاعتراف بها على أسس تاريخية وعقلانية ومعرفية وخُلُقية، حيث تستطيع الجبهتان الثقافية والإعلامية العمل بانسجام وتكامل لتحقيق تواصل فعال مع الجماهير، ورد مناسب على الإعلام المواكب للاتفاق والاعتراف والتطبيع، الذي بدأ يستخدم أنيابه، ويوظف مثقفين، ويشتري ضمائر، ويكوّن جبهات مواجهة، وقوى ضغط، وعوامل تيئيس من كل التاريخ النضالي السابق، وعوامل تزيين للمستقبل الذي سيكون "رائعاً" مع " إسرائيل " ؟!.
ونحتاج إلى قيادات ثورية محصنة خُلُقياً قبل كل شيء، تدرك دورها التاريخي ومسؤوليتها الكبرى للخروج من النفق المظلم الذي وضع فيه العرب اليوم ؟!.
نحتاج إلى برنامج عملي يقوم على رؤية عربية ـ إسلامية متكاملة، يستطيع أن يحدث التغيير الشامل ابتداء من تكوين الفرد والأسرة، وانتهاءً بنوع المواجهة الحضارية على أرضية التقدم العلمي والتقني ومعطيات القرن الحادي والعشرين الذي ندخله مكبلين بهمومنا وجراحنا وهزائمنا وتفريط المفرطين منَّا، بوطن وقضية وأمة.
إن الذين يكتبون بالدم شهادات على العصر والناس، يحتاجون إلى من يكتب عنهم شهادات للعصر والناس بالكلمة التي تستقي نورها ونارها من تلاحم الوجدان والقيمة والفعل، ويحتاجون إلى قيادة تطمئنهم إلى أنهم لن يباعوا في السوق بأرخص الأثمان، وإلى أن تضحياتهم لن تضيع على طريق قضية لا تبقى مشاعلها متقدة حتى النصر التام. كما يحتاجون إلى أدوات وأسلحة تجعل شجاعتهم مجدية، وتجعل استخدامهم لقدراتهم بإبداع أمراً ممكناً، وتجعل طريق تلك القدرات والشجاعة تزداد وضوحاً واتساعاً وتقدماً نحو الأهداف، وبمواجهة صارمة وصادقة للعدو .
إننا بحاجة إلى نبذ كل الخلافات الهامشية، مهما كانت أسبابها، وإلى اعتماد نهج نضالي بثوابت مشتركة، وبحاجة إلى تغيير شامل لأساليب العمل التي ثبت عدم جدواها، ونحتاج إلى أن نقيم جسور التواصل بيننا على أرضية من الثقة، وإلى معيارية خُلُقيَّة ونضالية ومبدئية صارمة، تحقق تراتبية نظيفة وسليمة على أرض الواقع، تحققها قيادة ومواجهة مقنعة ومجدية. وحتى لا نخسر الزمن،أو لا نخسر على حد شفرة الزمن التي لا ترحم، لابد من تجاوز شكليات كثيرة والانطلاق إلى الساحات التي تمكننا من تأمين متطلبات مواجهة مجدية تستند إلى الشعب، والإيمان بالحق، وتأمين القدرات اللازمة للتحرك.
لن نحرر فلسطين اليوم، ولن نتمكن من قهر العدوان غداً بالضبط، ولن نضع حداً لازدواجية المكاييل الأميركية في أسبوع أو شهر. لا نريد أوهاماً، ولا نريد أن نبني على الأوهام. إننا نريد أن نقاوم الاعتراف " بإسرائيل" الذي ينتشر كالسرطان في جسم السياسة العربية، ونريد أن نسقط اتفاقاً سيكون جسراً للتطبيع العربي مع العدو، ومدخلاً إلى زرع مشروعية "إسرائيل" في الوجدان العربي بعد زرعها في الاقتصاد والسياسة والجغرافية والأمن.
نريد أن نوقف مد الانهيار العربي، والارتماء السياسي في أحضان العدو، ونبين مخاطر "إسرائيل المعترف بها" على كل مسارنا التاريخي في هذا القرن والقرون القادمة. ونريد أن نوضح إن رفضنا "لإسرائيل" ليس مجرد كلام عاطفي، أو حماسة آنية، أو تشبث حماسي بمواقف تجاوزها الزمن وشملتها المتغيرات. ونريد أن نستعيد للعربي ثقته بنفسه وثقافته وسياسته ونضاله وقضاياه على أرضية عملية ـ علمية تتحقق فيها مصداقية فعلية، ونتسلح بالعلم والوعي والأخلاق وشجاعة المؤمنين بمبادئهم والمدافعين عن أوطانهم وتاريخهم، لا شجاعة أولئك الذين يسمون التفريط والامحاء والذل شجاعة.
فهل ننجح، على مستوى القيادات والمسؤولين والمثقفين أولاً، هل ننجح في تأسيس النواة الصلبة الضرورية لذلك، وكأننا نبدأ ولادة جديدة فيها نقاء المناضلين وطهرانيتهم وحماستهم، مضافاً إليها استخلاص تام لدروس الماضي، وشجاعة حقيقية للعمل انطلاقاً من أرض هشة تسيجها الصعوبات وتتحداها قوى كبيرة ؟!.
إن ذلك صعب.. ولكنه هو وحده المنقذ والمطلوب الآن، ولا بد من تسريع التحرك، والعمل على رفع وتائر الاتصال والبرمجة والتنسيق، بعيداً عن الخلافات والشكليات والفرديات المتورمة، ولا يعني هذا التغاضي عن الأمراض وعمن في نفوسهم مرض، لأننا لا نحتاج في مسيرتنا الصعبة والمحفوفة بالمخاطر، إلى ألغام موقوتة، تشل تلك المسيرة أو تهددها بالشلل، نريد بكل الوضوح مسيرة تحريرية واعية ذات مصداقية وطهرانية بلا ألغام من أي نوع،فهل نحقق ذلك بأسرع ما نستطيع ؟!.
إنني آمل أن يتحقق ذلك، وأتطلع إليه، وأرى ألا بد منه.
والله من وراء القصد.
الأسبوع الأدبي/ع381//30/أيلول/1993
nnn
|