صمود وانهيار مسارات التفاوض العربية-الإسرائيلية بعد مؤتمر مدريد

د.علي عقلة عرسان

منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 03:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

E - mail: aru@net.sy

 

مـــن نــحن؟!

بدأ الأردن تحركاً سريعاً، لافتاً للنظر، على طريق تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" دون ضجيج إعلامي كبير، وأخذ التنسيق والتعاون شكلاً عملياً، وكان آخر ما أعلن عن السعي لإنجازه بينهما توحيد مينائي العقبة وإيلات، وإقامة مطار مشترك هناك، فضلاً عن التعاون الاقتصادي الذي تم الاتفاق عليه في واشنطن، للانطلاق نحو "شرق أوسط جديد" أو "بنيلوكس" في "الشرق الأوسط" قوامه "إسرائيل" والأردن والفلسطينيون، وهو الحلم السابق لعرفات قبل اتفاق غزة- أريحا.‏

ومن يستذكر الصدمة التي هزت العرب يوم إعلان اتفاق "أوسلو" تلك التي أثرت في الأردن تأثيراً ملحوظاً، ربما أكثر من سواه، لساعات معدودة، يستطيع أن يطرح السؤال صخَّاباً: ما الذي حدث وغير الأمور بهذه السرعة هناك؟! هل هو اتصال كلنتون الذي مارس ضغطاً أو حرك بالإغراء أنظمة وأشخاصاً، أم تراه شيء آخر. ذلك الذي فعل، فعل السحر في نفوس وسياسات؟!‏

في الأردن تحرك الشارع تلقائياً بعد الإعلان، على أرضية واقعية تتصل بالانتخابات الفلسطينية، والجنسية الأردنية الممنوحة لفلسطينيين، وبموضوع استيعاب ما يقرب من ثمانمائة ألف فلسطيني لا بد من بحث أمد "توطينهم هناك" كما يريد رابين وبيريس. وفي الأردن مشكلة سكانية -سياسية- اقتصادية عميقة التأثير حول هذا الموضوع، وفي الأردن تاريخ في العلاقة التي كانت دموية في أيلول الأسود، والتي ما زالت موضوع شحن وتفريغ بين فئات اجتماعية مترجحة الولاء بين الأرْدَنَة والفَلَسْطَنَة- [ آه يا زمن سايكس- بيكو الذي أصبح يشكل الوجدان بعد أن شكل الجنسية والانتماء والهوية؟!؟... آه يا لك من زمن رديء لعين مهين] - وعلى هذه الأرضية، أرادت السياسة الأردنية أن تثبت لعرفات أنه ليس أشطر منها، وأنه لن يستطيع أن يضعها بين المطرقة والسندان بتحالفه مع رابين، ولن يخلق لها المشكلات بل هي التي ستضعه بين المطرقة والسندان وتخلق له المشكلات إذ لزم الأمر، ولذلك سارعت إلى اللقاءات والتوقيع والتطبيع وجعلت ثقل الدولة المستقرة يرجح في الميزان، عند ذوي الحسابات الدقيقة، على المنظمة التي تواجه انقسامات حول اتفاق غزة -أريحا.‏

ولا يستبعد على الإطلاق أن يكون هناك أكثر من إيحاء وإغراء أميركيين حول هذا الموضوع، ذلك لأن الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن "فوجئت" بمدى الاتفاق والتنسيق الإسرائيلي- الفلسطيني. سارعت إلى إيجاد حلقات مضمونة بيدها حتى لا تفاجأ بالمزيد، لا سيما و"إسرائيل" تركض نحو الصين، وتبيع لدولة المليار ومئة مليون إنسان تقنيات أميركية متقدمة، تأسيساً لعلاقات مستقبلية، وإذا كان الأردن يسارع الآن على هذا المسار لأسباب ومصالح وحسابات، فإن دولاً عربية أخرى اقتحمت "المحرَّم" بعد أن خرق جداره عرفات بعد السادات.‏

فتونس تحتضن الاجتماعات والمسؤولين "الإسرائيليين"، والمغرب كان قد رحّب برابين بعد توقيع اتفاق غزة- أريحا، وبعض دول الخليج تدرس موضوع تمديد أنابيب البترول إلى حيفا، وتمديد أنابيب الغاز إلى إيلات، وتشارك في دعم كل مشروع استثماري تستفيد منه المنطقة "الشرق أوسطية" باسمها الجديد؟!؟ والمقاطعة العربية لـ " إسرائيل " وللشركات المتعاملة معها رفعت لولا بعض الحياء العربي الذي استيقظ على مطارق السوريين واللبنانيين..‏

باختصار شديد.. هناك عرب يتسابقون على دخول العصر " الإسرائيلي " من بابه العريض، وهم يتزاحمون حتى لا تفوتهم "الغنائم" أو حتى لا يتهمون بالتقصير!! وحيال هذا التشكل الجديد للعلاقات العربية -العربية نحن إزاء مراحل جديدة من العمل والمواجهة والصراعات، فيها أطراف تقبض وأطراف تدفع، وأطراف تعيش على الخلافات وانتهاز الفرص؟! وعلى خلفية ذلك نتساءل: هل نحن على أبواب "البينلوكس" الشرق أوسطي؟! أم على أبواب سوق اقتصادية عربية -إسرائيلية تزري بالسوق العربية المشتركة التي ما زالت تقبع في الأدراج منذ قرر بعض العرب أن يقاوموا العدوان بالكلام والشعارات؟!‏

إن حصاراً اقتصادياً سيفرض على سورية ولبنان إذا لم تلتحقا بركب الموقعين، وسيقوم العرب أولاً بفرض هذا الحصار بالتعاون مع "إسرائيل" وأميركا، لكي يضطروا سورية أن تشرب من الكأس ذاتها التي شربوا هم منها، أو أسقيت لهم بشكل أو بآخر، وذلك جزء من عملية دفاعية، نفسية- سياسية واجتماعية، تجعل من تلطيخ الآخرين ضرورة حتى تتساوى الرؤوس فتهدأ تحت غربال واحد.‏

وحين يرفض السوريون ذلك فإن الحرب عليهم ستفتح ابتداء من الجبهة التي بدأت التحركات في أوساطها، وأعني "لبنان"، وانتهاء بكل الساحات السياسية العربية التي لا تريد أن "يزايد" عليها أحد، ولا أن "يبيعها" أحد مواقف ووطنيات؟!‏

لكن.. إذا قبل السوريون التوقيع مع "إسرائيل" واعترفوا وقبلت هي إعادة الجولان السورية مشترطة عليها إلغاء البعد القومي للقضية، أي شطب اهتمامها بمقولة: الحل الشامل، والوقوف عند حدود العلاقات والاتفاقيات الثنائية بعيداً عن قضايا شائكة مثل: القدس وحق العودة بالنسبة للاجئين.. الخ وعلى فرض أن ذلك قد تم تحت وطأة الحصار والعزلة والضغط والتهديد والمتغيرات.. الخ. وإن السوريون ساروا أخيراً فيما سار فيه الناس فإنهم لم يعدموا وجود من يرفع أنفه في وجوههم /من رفاق الدرب/ ساخراً شامتاً، ومن يتطاول بأشكال القول، وألوان الفعل، معتبراً أن العقاب من جنس الفعل، وأنه من فصيلة ذاك الذي قام به الآخرون، فلم إذن كان التلكؤ، وعلام إذن يكون التشامخ؟!‏

هذا فضلاً عن الإحباط القومي والوجداني الذي لا بد أن يصيب شرائح اجتماعية وأفراد وتنظيمات عربية بنت أحلامها القومية والتحريرية والوحدوية على سورية ونهجها المبدئي الثابت ومواقفها.‏

إن ما يمكن أن يرد به على ذلك كله معروف، وربما كان منطقياً مقبولاً ومسوغاً أيضاً، ولكنه سيرسب في الوجدان الكثير من الحنظل، وسيستثير المشاعر وسيدفع كذلك كله أسئلة قنفذية التكوين والتلوين إلى الحلوق، ويجعل من يتشبثون بحق الأمة التاريخي في فلسطين، وبالدفاع عن كرامة الأمة وثوابتها من منطلقات قومية -مبدئية- وخُلُقية، سيجعلهم محاصرين باحتمالات شتى، وتساؤلات كثيرة يمكن الإشارة إلى بعضها فيما يلي:‏

-على أية أرضية "واقعية" يبني الحالمون أعشاشهم؟! وهل هناك أشجار حية واقفة يمكن أن يغردوا عليها؟! وكيف سيكون وقع أناشيدهم الحماسية في الصباحات العربية التي تعبق بروائح بضائع التجار؟!‏

-من سيلوم من؟! ومن سيبني مع من؟! وما طعم اللوم، وما شكل البناء؟! وفي أي اتجاه تسير القوافل البشرية؟! هل في مسارات الاعتراف، والاتفاقات والتعامل، والمصالح والتطبيع؟! أم على مسارات أخرى.. وفي هذه الحالة هل سيسمح بمسارات أخرى؟!‏

-هل سيتاح أمل لنظام عربي: يرفض الاعتراف "بإسرائيل" وتطبيع العلاقات معها، والتعاون التام، المباشر أو غير المباشر، معها!؟ هل سيسمح له بأن يبقى ويستقر ويبني، وفق خطط مغايرة؟! وهل سيتمكن من ذلك؟! وهل يصبح حاضنة للعرب الذين يحلمون أحلاماً يقول بعض "المناطقة العصريين" أنها خارج العصر ككل؟!‏

-هل سيكون هناك تواصل بين أنظمة عربية، ومثقفين عرب، يختلفون حتى العظم حول هذا الموضوع ـ نضالياً ثقافياً وسياسياً واجتماعياً ـ الذي كان موضوعاً مركزياً بالنسبة للسياسات والمثقفين العرب، طوال العقود الماضية من هذا القرن؟! وكيف سيكون التعامل والتواصل والتعبير عن المواقف؟! هل سيبقى لذلك أية صلة يا ترى بالانتماء القومي والانتماء لقضية ورؤية؟! أم أن ذلك كله سيزول ويشمله التغيير وتحكم العلاقات والصلات بمعايير جديدة، من تلك التي ستروج وستحمل اسم "المعايير الشرق أوسطية"؟!‏

-هل سيصبح الصوت العربي الذي يتمسك بالتحرير ملاحقاً، أم سيكتفي باعتباره- من منظور "واقعي" -خارج المرحلة أو خارج العصر؟! هل سيكون هناك قبول- على أرضية ديمقراطية- حتى بالمنظور الأميركي للديمقراطية ذلك الذي تجلى في موسكو مؤخراً- لوجود ذلك النوع من البشر والتفكير والتحرك، أم سيعتبر أولئك- عربياً- ممن يعكرون صفو "السوق" الجديدة، والعلاقات الجديدة؟!‏

-وهل سيصبح معيار العلاقات العربية- العربية، هو قربها أو بعدها من "إسرائيل" بعد أن كان المعيار هو جذريتها في العداء "لإسرائيل"؟!‏

إننا على أبواب مستجدات تكثر وتنمو وتسعى في الساحات ووسائل الإعلام وفي المحافل السياسية العربية، وهناك من يحشرها في الأنوف ويزرعها في المنافع والمصالح بإغراءات مثيرة كثيرة، لتكبر وتتجذر!!‏

ويكاد يطفر السؤال المر من جلد القنفذ المحشو في الحلق، بعد الذي نراه ونسمعه ويحاصرنا:‏

من نحن اليوم؟! والإنسان جملة أفكاره ومواقفه وقضاياه وانتماءاته ورؤاه؟! من نحن على أعتاب الاعتراف العربي "بإسرائيل" والاتفاقيات التي تنمو في أحضان سياسات عربية عدة؟!‏

وما هو المقدس والثابت والمبدئي من مقوماتنا واعتقاداتنا ونظرياتنا؟! من نحن.. وما هو المقياس الذي يجعل "منا".. "نحن" على أرضية هوية نضالية- حضارية- إنسانية؟! هل نحن جزء من البشرية العائمة فوق سطح أرض ما، في فلك ما، في كون ما؟! أم نحن من سكان الأرض الذين ينتمون إلى تاريخ ويعيشون في جغرافية محددة، وتُمايزهم عن الآخرين مقومات هوية وحضارة وخصوصية ويجمعهم مع الآخرين جوهر إنساني وتعايش خلاق ومصير مشترك ومصالح مشتركة؟!‏

إن معرفة: من نحن.. تتجلى، أكثر ما تتجلى، عندما نحل قضايانا الكبرى بطرقنا الخاصة، وبما يثبت حقوقنا وإبداعنا في الوصول إلى الحقوق بكرامة وشهامة ومنطق واقتدار.‏

الأسبوع الأدبي/ع383//14/ت1/1993‏

nnn‏

 

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244