|
فليكن شيء أيها القادرون
قال رأس الأفعى الصهيونية حاييم هرتزوغ، وهو ينهي زيارته لبولونيا يوم الجمعة الماضي: " إن الحركات الإسلامية لا تهدد الشرق الأوسط وحده، وإنما تنتشر في العالم كله ". وكان هو ذاته قد وجه الانتباه الغربي منذ سنتين تقريباً، وفي أثناء زيارته لإسبانيا، إلى أن الخطر الجديد الذي يتهدد منطقة الشرق الأوسط، بعد انهيار الشيوعية، هو خطر الأصولية الإسلامية، وأبدى استعداد " بلاده " لمحاربة هذا الخطر، فجيشه أقل كلفة مما لو قامت أميركا أو أية جهة أخرى بنقل جيوشها إلى المنطقة، كما تم في حرب الخليج الثانية.
فما هو هدف هذا التركيز الصهيوني على الموضوع، وممارسة الاستفزاز والقمع لإخراج الناس وإحراقهم؟!
لقد طرح في أثناء أزمة الخليج وفي أثناء الحرب، وبعد المتغيرات الكثيرة التي عصفت بالعالم كله، وبعد سقوط الشيوعية، أن " إسرائيل " لم تعد تقوم بالدور الأهم في المنطقة، لأن أميركا خاضت حرباً من دون الاعتماد عليها، ولأن الشيوعية لم تعد الخطر الذي تدفع أميركا الكثير لمحاربته ولإبعاد شبحه عن منابع النفط، ومناطق النفوذ في الشرق الأوسط يعاد النظر فيها؛ لا سيما الموقف والموقع اللذان " لـ " إسرائيل " " في الاستراتيجية المقبلة، وفي المساعدات المالية المترتبة على ذلك. ولأن " إسرائيل " لا تريد أن تفقد ثلاثة مليارات دولار سنوياً يقدمها لها دافع الضرائب الأميركي صاغراً تحت تأثير " ايباك " ومصالح الساسة الأميركيين ورجال الكونغرس. ولأنها تريد أن تحصل على استمرار تدفق القروض بضمانات أميركية، والمساعدات بضغوط أميركية أيضاً، وتريد أن تكون الحامي الأوحد للمصالح الأميركية المهددة في المنطقة التي، لا يعرف أحد متى تتحرك وتنفجر، ولأن مشكلة " إسرائيل " الأولى اليوم كما، قال رابين يوم الجمعة الماضي أمام تجمع للصناعيين في تل أبيب: " أنها لا تستطيع تعزيز أمنها من دون أموال دافع الضرائب الأميركي ".
لذلك كله ولسواه من ضرورات تأتي على رأسها برامج تستدعي تنفيذها استراتيجية التوسع الاستيطاني والعدوان المبرمج دورياً الرامي لجعل العرب في حالة استنزاف من جهة، وفي حالة استشعار للدونية والقهر من جهة أخرى. لهذا كله وللظهور أمام أميركا بمظهر الحارس الواعي القادر الوحيد في المنطقة - والمطوِّع المجرب ـ فإن الصهيونية العالمية و " إسرائيل " تحرصان على خلق البديل للخطر الذي زال، ودفع الناس بالقهر والإبادة وسد المنافذ إلى انتهاج طريق العنف وتعدد مظاهره وظواهره، للإعلان عن أن الخطر ما زال قائماً ومستمراً في المنطقة سواء على المصالح الأميركية، أو على حلفاء الغرب، أو على " الديمقراطية " العزيزة على قلب الغرب - المزيف الأكبر للديمقراطية وحقوق الإنسان - وهذا الخطر هو خطر الأصولية الإسلامية؛ والآن لم يعد هذا الخطر محصوراً في المنطقة، بل أصبح منتشراً في العالم كما يقول هرتزوغ؛ ويعزز منطقه أو يؤكده قول أو أقوال عربية من مثل " ظاهرة الأصولية كالطاعون تنتشر في العالم كله " وهو قول مطابق لقول هرتزوغ .
وبالتفجير الذي تم في نيويورك واتهم به عربي، فلسطيني - أردني على الرغم من ندرة الأدلة ضده، فإن الصهيونية تضع الإدارة الأميركية والرأي العام الغربي أمام ضرورة اعتماد " إسرائيل " باستمرار شرطياً للمنطقة العربية، وتقدم لها المليارات الثلاثة من الدولارات سنوياً، وضمانات القروض والأسلحة، وتقيم معها حلفاً ضد " الشيطان " الذي اخترعته من جديد، وبدأت تستحضر له وجهاً تاريخياً " بشعاً " بنظر الغرب .
لقد نجحت الصهيونية في خلق الخطر البديل،، وأقنعت الأميركي به وضمنت لسنوات قادمة أموالاً طائلة على شكل مساعدات وقروض لحل مشكلاتها الاقتصادية ولتأخير الفطام الذي لن تبلغه أبداً فيما يبدو؛ كما ضمنت دعماً سياسياً وعسكرياً في إطار التحالف المتجدد، وقرَّبت منها دولاً عربية كانت تنافسها على دور الحامي للمصالح الأميركية في المنطقة، وعلى دور " المطوِّع " الذي يسوق العرب والمسلمين في ركاب السيد الأميركي، بل إنها خطت خطوات واسعة نحو الظهور بمظهر المحامي لبعض الأنظمة العربية من الهجمة الأصولية.
وغداً، قبيل انعقاد الجولة التاسعة من مفاوضات السلام، حينما تبيع المبعدين لأنظمة عربية دخلت مسيرة الدم مع الأصولية وما زالت تخوض تلك المسيرة، فإنها سوف تعطي هي وأميركا دفعة جديدة لتيار العنف والعنف المضاد في الوطن. لأنها ستبرر فتكاً أشد في مقابل إعادة المبعدين؛ وهذا بدوره سيولد عنفاً أشد، والكاسب هو " إسرائيل " والخاسر هم العرب والمسلمون معاً.
إن " إسرائيل " ترتب أوضاعها وتبعد الولايات المتحدة الأميركية عن العرب المعتدلين وتضرب بهم وبالغرب الآخرين، وتنطلق في عربدتها واستهتارها إلى المدى الذي تريد، مستندة إلى حليف قوي لها عليه نفوذ، ولها في نظامه موالون وأنصار وأتباع ومستفيدون وصهاينة يتبنون الحلم العنصري التوسعي ويعملون من أجله.
ومستنده بالدرجة الأولى إلى ما يقوم به أولئك الذين فقدوا السيطرة على زمام الأمر في بعض المناطق من الوطن العربي والعالم الإسلامي، وباتوا تحت تأثير الفعل ورد الفعل، ووضِعوا في ظروف وشروط عيش وعمل ومواجهة تفرض عليهم أن يسيروا في الطريق التي تبدو وحيدة ومفتوحة أمامهم، وهي طريق العنف.
والسؤال الذي نطرحه على أنفسنا وعلى من يعنيهم الأمر، بعد الذي جرى وما آل إليه الوضع العام في وطننا هو: هل نبقى محكومين بآلية الفعل ورد الفعل من غير تدقيق بحسابات وخلفيات وأبعاد أخرى؟! هل تستهلكنا إلى أن تهلكنا في الوطن العربي آليةُ العنف والعنف المضاد بين سلطة ومعارضة، إلى الحد الذي ننسى فيه ما يخطَّط ويدبر لنا جميعاً من أعداء أمتنا؟! هل نقبل أن يكون هناك باستمرار وصي وشرطي ووكيل أعمال في هذه المنطقة، ولص ومتعهد استنزاف وتدمير وتخويف وموت؛ نسلم له قيادنا، أو نحتمي به من شرور أنفسنا، ويلوذ به ضعيفنا من قوينا؟! أم أن هناك إمكانية حقيقية لقطع الطريق على مثل تلك الأفعال والممارسات والأعمال؟!
من المؤكد أن العدو سيستمر في سعيه لتدميرنا بكل الوسائل، وأن صاحب المصلحة سيستمر هو الآخر في المحافظة على مصالحه، وفي استغلال الضحية إلى أبعد الحدود؛ وحالة الضعف تجعل الضحية أكثر استسلاماً للجلاد. فهل معنى هذا الاستسلام والدخول في نفق العتمة من دون أمل أو استشعار لشعاع ضوء؟!
من المؤكد أن هنالك حلاً غير دوامة الدم والعنف والتنازع التي تهلكنا عربياً-، وعربياً - إسلامياً. ومن المؤكد أيضاً أنه هناك في هذا العالم الرحب من يمكن أن نتعاون معه إذا أحسنا استقراء الأحداث والمصالح والمواقف والتوجهات. ومن المؤكد إن قوانا وإمكاناتنا، إذا حفظت من التصادم والتفاني الذاتيين، سوف تكون عامل إنعاش وقوة وتحرير لنا ولإرادتنا.
أفلا يبادر القادرون والمسؤولون والموثوقون عربياً، إلى تقديم المشروع المخرج، وبناء الثقة، وإيقاف عجلة الموت والدم والضعف، ليبدأ الحوار وتبدأ الرؤية، ويبدأ الاعتراف بحق الآخر في الوجود والاختلاف تحت سقف الوطن وضمن إطار معاييره وثوابته التي تزن الفعل والسلوك والقول استنادا إلى معيار قيمة محترم ومعقول؟!
أن الخطر يتضخم و" إسرائيل " تكسب وتزداد شراسة، وترسخ أنموذج " الخطر " الداهم في ذهن أقوى قوة في عالم اليوم، ولدينا من أبناء أمتنا من لهم حضور وتأثير ونفوذ.. أفلا نجمع القوة والرأي ومقومات التأثير في إطار تضامن عربي ونحن في قلب المأساة ؟!
إنها، إذا صدقت العزائم والنيات والجهود، تثمر التحركات. فليكن من ذلك شيء يرد الثقة والعافية ويشرع أبواب الأمل ... فليكن شيء من ذلك أيها العرب القادرون، قبل فوات الأوان.
وإنكم عليه قادرون.
nnn
|