|
علمونا.. وأجركم على الله
يتمنى علينا " الواقعيون الجدد " من الفلسطينيين " الاتفاقيّين " ومن يناصرهم من العرب لو ننتقل إلى التعامل مع الحقائق التي أصبحت راسخة على الأرض بدلاً من الصراخ غير المجدي في وجهها، فنتعامل مع اتفاق غزة - أريحا بدلاً من الكلام على رفضه ومقاومته وإسقاطه.
ويحاولون بتعال مكتسب من تقليد الضعيف للقوي، وقدوتهم هنا معروفة، أن يظهروا أنفسهم متقدمين على سواهم سنوات أن لم يكن عقوداً، وأنهم " حضاريون " كما كان السادات " حضارياً " يوم زار القدس،ومقاتلاً من نوع " إنساني " منذ يوم " الدفرسوار " !؟.
ويقولون بكل الوضوح، وربما الاعتزاز والتحدي: من يستطيع أن يقف بوجه الاتفاق " البلدوزر" الذي يندفع بقوة حكومة كل العالم ومن يدور في فلكها، وبقوة المال والمصالح التي تقف وراءه؟! وماذا يرفع أولئك من أسلحة بوجه " الاتفاق " غير الشعارات، وهم أنفسهم يتلقون المساعدة المالية ممن وقع الاتفاق؟!
وهم يرون في الاتفاق: عودة ودولة وخلاصاً من واقع عربي كانوا ومازالوا - حسب قولهم - يعيشون فجائعه ونكباته وممارساته وتحكّمه وديكتاتوريته؟! ويذهب نفر من أولئك إلى أحد الصراخ النزق بوجه من بقيت لديهم الجرأة على الإعلان عن انتمائهم العربي وتمسكهم بفلسطين، كل فلسطين، وبوحدة الأمَّة في مستوى الحلم والأمل: نريد أن نعيش مع اليهود.. هذا شأننا ولا علاقة لأحد بنا.
ويذهب فريق من أولئك الواقعيين " الناضجين " إلى الدعوة الصريحة للعمل من خلال الاتفاق الذي أصبح يجسد مرحلية الميثاق الوطني الفلسطيني " الموءود "،ومن خلال الحكم الذاتي الذي يشكل بديلاً لمنظمة التحرير لأنه المدخل إلى الدولة،فمصير المنظمة إلى ذوبان أو إلى أن تصبح حزباً سياسياً داخل الدولة القادمة؛ ويطرحون على الآخرين التحديات المستقبلية ذات الطبيعة الاقتصادية والعلمية والحضارية، ويعتقدون أن لديهم رزمة من الآمال تدفعهم إلى العمل.
من حق كل إنسان أن يعتقد ما يشاء،وربما كان من حق أولئك بالذات أن يتهموا من يخالفهم الرأي، فتلك ممارسة ترتبط بتاريخهم؛ وهي شيء من تقليد عريق يرون ضرورة المحافظة عليه، ليبقى شيء من قوام الشخصية بعد أن دخلوا في حكم ذاتي يستلب منهم السيادة كلياً حتى على مكاتبهم وغرف نومهم. من حقهم أن يفعلوا ذلك لأن الاتهام والهجوم بدلاً من الدفاع،وقلب الحقائق،واستعمال المال، والقفز خلف خطوط الحاضر كل ذلك تاريخ محفوف بالغار لدى بعض الأنظمة ولدى المنظمة، ونحن لا نعترض إطلاقاً على أي طرح، حتى لو كان من ذلك النوع المعروف بـ " كلمة الحق يراد بها الباطل"، ولكن يبدو أننا مضطرون لمناقشة تدخل على نحو ما في الخيار الذي قدمه بيريس للعرب واليهود حين ركز في أحد لقاءاته على اختيار بطاقة الفيلم الذي يريد أن يشاهده الجميع هل هو من أفلام القرن التاسع عشر أم من أفلام القرن الحادي والعشرين والثمن وأحد في الحالتين ؟!.
إن مداخل مناقشة تلك الآراء وتفنيد الحجج كثيرة، ولكن يبدو أن الأرضية المشتركة هي التي تحتاج إلى فحص وتدقيق وسبر واختبار !! وهي أرضية تتصل بأخلاقيات وقيم ومبادئ وحقوق، ولا يقيم لها ذلك الفريق وزناً،وتشكل جذراً لا يقوم من دونه ساق. وهي من المشترك القومي الذي يبدو بوضوح أنه دخل متاحف التاريخ عند بعض العرب ويزعجهم كثيراً أن يذكروا به،وهي أيضاً مما يتصل بجوهر القضية الذي يشعرون في الأعماق أنهم فرَّطوا به ولا يريدون مواجهة تلك الحقيقة المرة على الإطلاق.
إنهم يظنون أنهم يدخلون مرحلية الميثاق على أرضية الاتفاق، ويجاهرون بحجة أن المرحلية النضالية برنامج أقرّه الفلسطينيون ولم يعترض عليه العرب.
ولكنهم يتناسون تماماً أنهم عندما اجتازوا عتبة الاتفاق نقضوا الميثاق كله سراً وعلناً، وأنهم اعترفوا بالعدو وبحقه في الوجود، وبدولته وحقه التاريخي، فأي مرحلية وأي برنامج نضالي بقي ليطبقوه؟!
اللهم إلا إذا قصدوا مرحلية الوصول إلى تطبيق ما نص عليه الاتفاق الذي يبدأ بغزه وأريحا ثم يمتد إلى الضفة كلها.. وذلك أمر آخر وحلم آخر تماماً لا صلة له بالميثاق الوطني الفلسطيني ومرحلياته، ولا صلة له بحق العودة الذي يشمل كل اللاجئين لا سيما الذين لجئوا عام 1948ولا بقضية التحرير التي تقبل على أساس استراتيجيتها ومبدئيتها وثوابتها المرحليات والتحركات والمناورات لقد حسم الأمر في هذه النقطة الجوهرية على أساس مغاير لمبدئي التحرير وحق العودة ولذلك لم يعد الاتفاق يحمل طهارة الميثاق ومبديته ومرحليته.
أمّا بشان التبشير بعودة بعض عرب فلسطين ممن شردوا بعد (1967) فإنها عودة مشروطة بموافقة "إسرائيل" على من يعود،وهي عودة لا تتحكم بها السيادة المستلبة كلياً من اليد الفلسطينية ـ ولنتذكر هاني الهندي في طابا ـ وهي عودة مبرمجة على أرضية " جمع شمل العائلات " وستمتد بنظر"الإسرائيليين" عقوداً، ويمكن أن يطرد من يعود عندما يشكل إزعاجاً لـ " إسرائيل" أو للمتعاونين معها، فذلك من الحقوق التي ضمنها الاتفاق لـ " إسرائيل " حيث لها أن تمارس كل ما يتصل بالسيادة والأمن من النهر إلى البحر ومن طابا إلى الناقورة.
أمّا الاندفاع " النضالي " على أمل كسب السباق الاقتصادي فهو أمر يدعو إلى الأسى إذا ما صح الاعتقاد به. وذلك ليس لأن الاقتصاد " الإسرائيلي " لا يمكن أن يُغلب أو أن يُقاوم، وليس لأن اليهودي الجديد هجر شايلوك المرابي أو يمكن أن يهجره، وليس لأن الاتفاق غيَّر أو يمكن أن يغيّر الأطماع الصهيونية، فكل ذلك يحتمل النقاش؛ ولكن الذي يدفع إلى الآسي هو أن " الاقتصاد" الفلسطيني غير موجود أصلاً، وإذا وجدت بعض ملامحه فسيكون ذلك من خلال الاقتصاد " الإسرائيلي "، الذي يسيطر عليه سيطرة تامة ويضمن تلك السيطرة للمستقبل. فضلاً عن أن القرار السياسي الذي سيؤثر على القرار الاقتصادي ليس قراراً فلسطينياً حراً حسب الاتفاق، فالمنظمة التي رفعت في وجه العرب مقولة: القرار الفلسطيني المستقل، رهنت كل قرارها وكل صور استقلالها بيد العدو الصهيوني في صيغة التحالف غير المتكافئ التي ثبتها الاتفاق،ومن المؤسف والمؤلم والمضحك أن تثبت مع الزمن مقولة لمفكر فلسطيني أشار إليها الدكتور أنيس صايغ ساخراً منها، من دون أن يذكر اسم قائلها، وهي تقول :" إن للفلسطيني عدوّين: "إسرائيل" والعرب. وإذا جاز أن يحالف أحدهما ضد الآخر فعليه أن يحالف " الإسرائيليين " ضد العرب ". ويريد منا " الواقعيون الجدد " أن نتعامل مع الاتفاق من الداخل، ضمن صيغة من صيغ المعارضة الداخلية، لتتحقق قوة دفع تمكنهم من تحقيق الأهداف المرحلية الأخرى،ولا ندري ما هي الأهداف الأخرى التي تستحق أن نقبل من أجلها اتفاقاً يقوم على أرضية الاعتراف الكامل بـ " إسرائيل " دولة على أرض فلسطين والتحالف التام معها من أجل خبز أبيض بدلاً من خبز أقل بياضاً، ومن أجل تجارة أوسع بدلاً من مساحات تجارية ضيقة ذات ربح قليل؟!.
إننا نقول بكل وضوح: إن هذا لعب صُراح على المبادئ والشعوب والدول، والمثقف الذي يشارك في هذه اللعبة هو حصان سلطة ولسانها، قبض ثمناً ومازال مستعداً لأن يقبض أكثر؛ وهو يخدم من يدفع أكثر، ولجامه بيد راكبة. فهو حصان معروض في سوق الكلام، يركبه من يعلفه ويقتنيه. ويدخل في فصيلة ذلك النوع من المثقفين من يقول على سبيل المثال: " إن فتح متقدمة على الشعبية بخمس سنوات، والفلسطيني متقدم على العربي بعقود .." ذلك لأنه كان يقبض وما زال يفتح خرجه؛ فهو من المتعيشة في الأسواق السياسية والخلافية العربية، ومن الدعاة للأعداء بحجة أنه صاحب اسم وصاحب قلم. ولكن شرف الاسم والكلمة والقلم ينبع أصلاً من الانتماء للمبادئ والقيم والحقوق، لا من العبث واللعب على كل ذلك والسخرية منه، وجرِّ الناس إلى الموت تحت هذا الشعار أو ذاك مما يتغير بتغير المدفوعات والمصالح ؟!
إن الوطن ليس موضوع مساومة ولا وجوده وحدوده وحريته واستقلاله من التعاريف التي ترتبط بالنضج أو بالتقدم الحضاري، على فرض وجود " ناضجين ومتقدمين حضارياً " تسلم لهم القيادة العامة للفكر وللمقدرات في معسكر الموالين للعدو الصهيوني والذاهبين في تياره.
إن الذين يتمنون على القلة العربية المتشبثة بفلسطين وبقومية الصراع مع العدو، وبأمة عربية،وبحق تاريخي،وبنضال تنفتح أبوابه على الزمن والأجيال، مهما طال الزمن وتعددت الأجيال من أجل استعادة الحق والأرض والأحلام والآمال وتحقيق ذلك على أرض الواقع، أن المتمنين على تلك القلة أن تستيقظ من سباتها، وأن تكف عن ابتلاع الوهم، وعن الصراخ بالشعارات التي لن تقاوم " البلدوزرات " الزاحفة بقوة النظام الدولي الجديد. ما هم في حقيقة الأمر إلا طلائع الموت الروحي الذي يقتحم جسد الأمَّة وروحها،ومقومات ألحق والوعي،وبوابات التاريخ، إنهم الظلام والظلم الاستعماريان اللذان عرفنا نماذجهما منذ زحف نابليون على مصر،ومازالت تلك النماذج المتعددة تخدم كل عدو للأمة تحت ذرائع مختلفة. ولكن ليتذكر أولئك جيداً،أنه بعد الاستعمار التام للوطن العربي تحرر هذا الوطن من الوجود المباشر للمستعمرين ولم يكن هناك توازن قوي بين المستعمِر والمستعمَر، وما زال يقاوم سطوتهم ويدافع عن الشخصية الثقافية للأمة التي هي المستهدفة أولاً وليس التراب والثروات، تلك الشخصية التي من أبرز مقوماتها: اللغة العربية والإسلام والمقومات والسمات والعادات والتقاليد والصلات القومية العربية؛ تلك التي تتجسد بنظرهم أعداء تحت مسميات وشعارات مختلفة من فترة نضالية إلى أخرى، وتلك النماذج مجسَّدة اليوم على شكل مأساوي بـ " إسرائيل " ومن يدعمها ويسوقها ويدسها في أنوفنا ويستحلي اشمئزازها منه واحتقارها له وقتلها لمواطنيه، وحذفها لوجوده الفعلي، مع حرصها على وجوده الشكلي، لأنه يشكل رأس الحربة ضد جسد الأمَّة الروحي والثقافي الذي يتماسك، وجسر العبور لتأمين المصالح والانتشار، على الرغم من استمرار الاحتلال ومشاريع التوطين والاستعمار .
إن "إسرائيل"، أيها السادة المتربعون على وسادة من وهم، هي التي صنعت اتفاق غزة أريحا ولم يُفرض عليها، وإنها وحدها المستفيدة منه لأنه على الأقل جلب لها الاعتراف بها من العرب وفتح أمامها أبواب الوطن العربي والعالم الإسلامي على مصا ريعها، وإنها هي التي تحللت من نفقات عسكرية كبيرة كانت تدفعها، وأعفاها من الانتفاضة التي كانت تزعجها وتقلقها،ومكَّنها من التفرغ للاستيطان والهيمنة الاقتصادية والمنية على المنطقة،ولتصدير نفسها كصانعة سلام، وهي وحدها التي اخترقت الجدار العربي ووضعت الأخ الفلسطيني بمواجهة أخيه الفلسطيني والعربي، وأشاعت طاعون " النظام الدولي الجديد" في أجساد عرب ورؤاهم،وما هو سوى نظام أميركا الصهيونية أو "إسرائيل" - الأمريكية؛ وهو في نهاية المطاف نظام يزري بالأخلاق والمبادئ ويعلي مصلحته فوق كل شيء، وهو نظام ينهب الشعوب ويحتقرها ونظام يعلن الغزو الثقافي على الآخرين ويمزق قوام الثقافات والأخلاق ،هو النظام المزدوج للمعايير والأقوال والمواقف والأخلاق، وهو النظام الذي ذبح أهل البوسنة والصومال،ومجَّد العنصرية في "إسرائيل" وجنوب إفريقيا،وزيَّف الديمقراطية وبارك اليد التي تحطم البرلمانات عند اللزوم.. إنه الوجه القبيح للبشرية أيها السادة المتعالون فكيف اكتشفتم فيه الصديق الكبير للفلسطينيين وهو الذي ذبح الفلسطينيين وبارك ذبحهم في بيروت وفي الأرض المحتلة،وهو نفسه النظام الذي كنتم تقولون،في أثناء حرب الخليج الثانية، إنه الشر الذي يغزو العالم؛ فكيف أصبح بين عشية وضحاها صديقاً وخيّراً وجميلاً!؟.
أين النضج وما هي معاييره من فضلكم؟! أين القيم والثوابت ومقومات الإنسان الحر في وطن حر،وما هي مقوماتها ومعاييرها من فضلكم؟!
أين المصلحة العليا لأمةٍ أو لشعبٍ تريدون / منها ومنه / أن يكون تبعاً للعدو!؟ اشرحوا لنا ذلك من فضلكم؟! فنحن نحتاج دائماً إلى أن نتعلم ولا نزعم أبداً أننا وصلنا إلى مرحلة الاكتفاء بما نعلم؟! افعلوا ذلك على أرضية الثوابت الخُلُقيَّة والقيمية والمعرفية والإنسانية، فنحن نحتاج إليه؛ افعلوه وأجركم على الله، وستجدوننا إن شاء الله من الصابرين.
الأسبوع الأدبي/ع384//21/ت1/1993
nnn
|