|
||||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:44 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | أدب الطفل1998 | أدب الطفل1997 |
|
عرفتُ حينما عدت إلى البيت أنَّ الشمس قد لوّحتني فصرت أشبه زنجياً صغيراً شبهاً تاماً، حتى أن أمي، حين وقع نظرها علي، نسيتْ كل أشواقها لحظة ورغم أنني غبتُ عنها ثلاثة أسابيع كاملة، فبدلاً من أن تهرع لتعانقني وتقبّلني كعادتها كلما رأتني مقبلاً، اكتفت الآن بأن تسمّرتْ في مكانها لحظاتٍ وهي تقول:ما أشدَّ سوادك يا ولدي! ماذا فعلتَ بنفسك؟! ومع كلّ هذا، فأنا لستُ آسفاً! لقد كانت أياماً رائعة تلك التي مضتْ، والآن عندما أنزلتني السيارة عند باب دارنا، ثم رحلتْ تبتلع هديرها المكتوم راح رفاقي يلوّحون لي هاتفين: إلى اللقاء.. إلى اللقاء. وأحسست أنني أودّع شيئاً غالياً على قلبي، شاعراً بالحزن لأنه مضى ولن يعود. مثلَ الحلم"كرجت" تلك الأيام التي ظنناها طويلة عندما ضمّنا صباحٌ رطب منعش قبل ثلاثة أسابيع.. "إياكم أن تتأخروا.. سننطلق في السادسة تماماً!" كان صوتُ المدرب الودود يتردد صداه في رؤوسنا.. - لا، لا كيف نتأخر؟! "هتفنا بصوت واحد" ليلتها لم أكد أغفو أكثر من ساعتين، وكلّ بضع دقائق كنت أتسلل إلى النافذة، أزيح الستارة وأنظر شرقاً علَّ بهاءَ الفجر يكشط الظلمة المنسدلة على الأفق، ولكن ما من أمل لكم يتأخر هذا الفجر حينما ننتظره! فجلست في الفراش أحصي الدقائق، ثم-أخيراً- ها هي حمرة الشفق تنثر لونها الحبيب على سفح التلة، وكأنني رأيت عصفوراً مرَّ كالسهم فوق شجرة اللوز القريبة فتأكد الديكُ عندها أن الصباح قد حلَّ حقاً.. تنحنح قليلاً، ثم أطلق لنفسه العنان يصيح ويصيح.. ولشدة ابتهاجي رحتُ أقلده وأنا أجمع ما أحتاج من لوازم خلال معسكري الصيفي، فما أحسست إلا وأمي تقف خلفي وهي تضحك وتقول: نعم يحقُّ لك أن تلقّد صياح الديك، فأنت أكثر نشاطاً منه هذا الصباح! كانت ساحة المعسكر تبدو مثل سجّادة خضراء من العشب الطري اصطفت حولها عشراتُ الخيام الملونة بلوحات رسمها أولادٌ كثيرون جاؤوا قبلنا فبدتْ مثل معرض أنيق للرسوم! فها هنا رفٌّ من طيور النورس البيضاء يفصل زرقة السماء عن زرقة البحر. بينما رسم أطفال آخرون على خيمتهم أعرابياً يقود جملاً له لونُ الصحراء، فيبدو وسطها مثل سفينة حقيقية تشقُّ بحراً من الرمال! وهكذا عرفنا أن أطفال الوطن جميعاً يلتقون هنا، من الساحل، من الريف، أو حتى من البادية البعيدة.. يعيشون معاً ثلاثة أسابيع من النشاط والفرح. ثم يعودون إلى بيوتهم لتأتي أسراب جديدة من الأولاد، فيبقى المعسكر مثل خليّة نحل لا تهدأ طوال أشهر الصيف ولا تسكن لها حركة، حتى الجنادب وفئران الحقل التي تغريها أعشاب المرج الطرية وظلال الأشجار الرطبة لا تجرؤ على أن تقترب من هذا المكان الذي يضجُّ بالأغاني والموسيقا ليلاً ونهاراً..! منذ مطلع الفجر كان النور يفتح باب الخيمة، ويغسل وجوهنا برطوبة الصباح المنعشة. إنها المرة الأولى في حياتي التي يتسنّى لي فيها أن أقضي أياماً طويلة خارج البيت، وكنت أسّجل في ذاكرتي كلَّ لحظة أعيشها هنا، وأتخيل أفراد الأسرة وهم يتحلّقون حولي لأروي لهم ذكرياتي مثلما كان أخوتي الكبار يفعلون وأنا أقول في سرّي: متى أصبح مثلكم وأذهب إلى المعسكر الصيفي؟! متى أقصُّ على الآخرين مثل هذه الحكايات الرائعة؟! حين عزف البوق لحنه العذب أول مرة ركضت مع رفاقي نحو قيادة المعسكر، ورحنا نصطفُّ أرتالاً منتظمة ثم يأتي صوت القائد مليئاً بالمحبة والثقة: انتبه، استعد! فارتعدتِ الأرض تحت أقدامنا الصغيرة كما لم يتوقع أحد من المدربين المنتشرين أمام الصفوف ورأينا ابتسامات الرضا عنّا والإعجاب بنا ترتسم على وجوههم! ثم هتف القائد بمكبّر الصوت: رفاق، إلى العلم! ما أروعَ تلك اللحظة حينما انخطفتْ أيدينا في حركة واحدة ترتفع إلى جباهنا، نحيي علم بلادنا الحبيبة وهو يخفق هناك على ساريته في أعلى المبنى فخوراً بألوانه الزاهية وبالنجمين اللذين يتوسطانه بكل اعتزاز، بينما نحن جميعاً نردد كلماتِ النشيد الوطني:
حتى الركضُ يصير ممتعاً في المعسكر حيث ننقسم زمراً ننغّم على وقع خطواتنا هتافاتٍ وأناشيد حماسية نرددها مع مدرّبينا الأقوياء، فتسمع الأولاد يهتفون مثل جنود مدرّبين أحسن تدريب.. يقول المدرب: أحد، اثنان فنرد عليه: صاعقة. - ثلاثة - وطني - أربع، خمس - نحو الشمس! فإذا انتهت فترة الرياضة تراكضنا إلى مياه المسبح العذبة، حيث انسكبت زرقة السماء كلها فيه فبدا يغرينا بالنزول إليه، وعندها يرتفع رذاذ الماء فيغمر وجوهنا ونحن نلهو ونستمتع.. ومع كل هذا المرح والنشاط الذي يملأ كل دقيقة من يومنا كنا ننتظر المساء بكل شوق ولهفة فما أن يحلّ الظلام حتى تضاء المنصّة بعشرات المصابيح الملونة فترحل العتمة عن كل باحة المعسكر لتبدأ حفلات السمر المُمتعة حيث ينقضي الوقت بأسرعَ من رفّة الجفن، فمن الموسيقا والأغاني التي يؤديها الأولاد في المعسكر إلى المشاهد الفكاهية فلا تسمع إلاّ الضحكاتِ تنطلق من هنا وهناك! وحتى الآن لا أزال أذكر كم ابتهج الحضور حين نفّذ الأولادُ مسابقةً فريدة في نوعها فراحوا يتبارَون في التهام أكبر عدد من الكعكات المغموسة باللبن وقد تدّلتْ من سقف المسرح بارتفاع يفوق قاماتِهم بعد أن قيّدوا أيديهم، فكانوا يقفزون واللبنُ يقطر من ذقونهم! لقد قصصتُ هذه الحوادث وغيرها عشراتِ المرّات على أفراد أسرتي، وفي كل مرة كانوا يضحكون ويرّبتون على كتفي، ودائماً كانت أختي الصغيرة" لمى" أكثرهم فرحاً وحينما كنت أصل إلى مسابقة الكعك واللبن تمسك يدي وتسألني: هل تظن أنه بقي شيءٌ من ذلك الكعك اللذيذ؟! فأنا سأذهب إلى المعسكر قريباً! أم أن رفاقك الأولاد قد التهموه كلّه فأضحك وأطمئنها أن هناك كثيراً جداً من الكعك واللبن عندها تبتسم لي وتقول: هيّا أكملْ حكايتك الحلوة!.
|
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |