هنود شارع جول فيري - تأليف:فرنسواز سوتيرو - ترجمة:وفاء شوكت

رواية للفتيان - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية أدب الطفل1998 أدب الطفل1997
 

الخَيّالَة

رفعت "الريشة السريعة"، أنفها، لتشمَّ ماحولها، كان الهواء يدور واستنشقت شيئاً في الجو أشبه برائحة الخيانة لقد بقيت وحدها في المخيم الذي جرى إخلاؤه منذ العصر، حيث أُرسل الأطفال والشيوخ إلى الجبال؛ بينما كان المحاربون يراقبون من بعيد، أو يصطادون.‏

انحنت، ووضعت أذنها على الأرض التي كانت ترتج تحتها: إنه صوت جري جماعة كبيرة تقترب، لا شك في ذلك. كان لابد من إعطاء إشارة الإنذار!!‏

لذا، تخلّت عن قدر تطهو فيه السبانخ... وصعدت مسرعة إلى أقرب تلة، وصفرت بأصابعها. سمع المحاربون الثلاثة والمراقب إشارتها، وعادوا بأقصى سرعة.‏

-إنه - الرتل الخامس من الخيالة!! صاحت "الريشة السريعة" مشيرة إلى الأفق، وهي تقفز فوق جوادها الرمادي مثل المرأة المحاربة(1) .‏

قال الرئيس: "وهو يمر قربها"‏

- السلحفاة المهذارة هي التي وشت بنا!‏

صاح "الزئبق":‏

- أسرعوا! من هنا!‏

وترك أفراد "قبيلة الخمسة" الأرض العراء، ودخلوا منطقة "الغابات الباردة" على جيادهم السريعة التي كانت تثب وثباً عالياً. ووصلوا إلى "الفجوة الرائعة" التي كانت تحيط بها من جهة الشمال قمة "البرج ف" ومن جهة الجنوب "التلال الحمراء" للمجمَّع المدرسي "كورنتين-كلابيون".‏

ومن الجهة المقابلة، كان "سلاح الفرسان" العائلي قد وصل بانتظام إلى "الوادي المنخفض" الواقع في منتصف الطريق المؤدية إلى قصر "الطاحونة الحمراء"، وانتشر أفراده على ساحة المعركة!‏

استطاع "أفراد" القبيلة، من مواقعهم، سماع كبار السن وهم يصيحون بأصوات عالية كقرع الطبول:‏

- أهذا هووقت العودة إلى المنزل؟!‏

- كم مرة يجب أن ننادي عليكم؟‏

- ألا ترون أن الليَّل بدأ يخيّم؟!‏

- وماذا عن واجباتكم المدرسية؟‏

- وعن الدروس؟..‏

كان الهنود هم الأسرع، لأنهم كانوا يعرفون المنطقة بتفاصيلها الدقيقة، عن ظهر قلب؛ ذلك أنّهم، ومنذ أجيال عديدة، كانوا قد استكشفوا هذه المنطقة: الوديان والجبال والأبراج والأدراج والصخور والأشجار والجداول، كما كانوا يعرفون كل أسرارها. وكانوا كذلك قد درسوا جميع المخارج الممكنة، وأما أفراد مستعمرة "سرية" البالغين، ورغم أنهم مدججَّون بالسلاح، فلم يتجاسروا على سلوك طرق أخرى غير الطرق الآمنة، والمحروسة جيداً، والتي تقود إلى "المركز التجاري" أوإلى الجبال التي تتحكّم بما حولها.‏

وبعد أن ضلّل الهنود مُطارديهم، اجتمع الخمسة، في موقع صغير يطل على المنطقة الصناعية الواسعة، وراحوا يتدبّرون أمورهم...‏

قالت "الريشة السريعة":‏

- لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر!‍ احمرت الوجوه الشاحبة غضباً؛ لقد رأيتها جيداً، وسوف ينتهي بها الأمر إلى القضاء على "القبيلة" بأكملها.‏

قال "الزئبق": إنهم لا يتركوننا بسلام ولو خمس دقائق! وعما قريب، وإذا بقي الوضع على حاله، فلن يسمحوا لنا حتى بالخروج للّعب.‏

قال التمساح الشجاع، وهو رئيس القبيلة:‏

- سوف يعملون على تفريقنا. لقد نصحتني والدتي بالامتناع عن التحدث إليكم. ولن يمر وقت طويل حتى تمنعني عن ذلك نهائياً! تقول إنكم ستكونون "أشقياء المستقبل"، لكنني أعلم أن كل واحد من عجائزنا يظن الشيء نفسه بأولاد الآخرين. إن أمي قد اتفقت على ذلك مع السيدة "بلوشون" وأخريات.....‏

وعند ذكر اسم السيدة "بلوشون" خيم صمت مأساوي على المكان. قال "كوكا كولا":.... وقريباً جداً ستظهر نتائج امتحانات هذا الفصل.‏

وعاد الصمت المأساوي يخيم عليهم من جديد...وبدأ الليل يُرخي سدوله على السهل:‏

قال الزعيم:... يجب ألا نفقد معنوياتنا العالية. غداً الأربعاء سنلتقي هنا الساعة الثالثة بعد الظهر...هل أنتم موافقون؟!‏

قال الزئبق: -كلا؛ عندي مباراة بكرة القدم.‏

- سوف يحلّ لاعب آخر محلك.‏

-لا..لأنني أنا الذي سيحل محل لاعب آخر. وكما تعلمون ينقصنا لاعبون في هذه الفترة. إن أحسن لاعبينا قد ذهبوا إلى الصف الأخضر.. الفريق الخصم).‏

قال "كوكا كولا":- لهذا إذاً، يرسلون في طلب "لاعبين فاشلين"، مثلك.‏

- شكراً للإطراء، على كلٍّ، فإنهم يسعدون جداً بوجودي معهم.‏

- حسن، وغداً صباحاً، الساعة العاشرة؟‏

قالت "الريشة السريعة": عندي درس على البيانو. انتفض الرئيس بعنف.وقد تملّكه الغضب:‏

- هكذا إذن! مادام الأمر على هذا النحو فليس من داعٍ لتشكيل جماعة أو أي شيء آخر، وإذا كان للواحد منكم أعماله الخاصة التي يتمسَّك بها كل هذا التمسُّك، فليبق على مثال أسلافه! وأنا، في هذه الحالة، أترك كل شيء!‏

- لا تغضب....‏

قاطعتهم "فأرة السم": - ..اسمعوا... يجب علي أن أعود إلى المنزل، وإلا ربطوني إلى عمود التعذيب...‏

- حسناً... قررّ الرئيس العودة إلى المكان. غداً الساعة الخامسة. ثم تحدّث التمساح الشجاع.‏

لم يعترض أحد، وتبادّلوا التحية السرّية، ثم رحلوا عن المخيم عند الغَسَق... وكل منهم يحمل محفظته على ظهره.‏

مرة أخرى، كان المصعد معطلاً! وصعدت "الريشة السريعة"، الطوابق الأحد عشر مهرولةً. وعندما أدركت منزلها صار يمكن تسميتها "الريشة الذابلة"، ثم الريشة الساقطة على الأرض،بعدما تلقّت صفعتين من والدتها التي كانت تنتظرها خلف الباب، قالت وهي تنهض وتتنهد ثم تمسح أنفها بطرف كمها، صفعة أكثر أو صفعة أقل لم يعد يهمني!"...‏

لم تكن مائدة الطعام قد نُظِّفت بعد، والغرفة تعبق برائحة المأكولات المتنوعة؛ كان أهلها قد انتهوا من تناول طعامهم، وكان والدها جالساً أمام شاشة التلفاز يتابع فيلماً أميركياً.‏

صاحت أمها وهي تذهب إلى المطبخ مسرورة بصفعها: وقالت: هل تعتقدين أن الأمر انتهى عند هذا الحد؟!‏

وبدأت "الريشة السريعة" تنظف المائدة، محدثة ضجة كبيرة وهي تمسح الصحون من الصلصة وتفرغها في الصحن الكبير، حتى تُري الجميع أنها كانت تعمل. وفيما كان أخوها الكبير في الممر، قال ساخراً:‏

- مابك أيّتها "الريشة الضائعة" في مهب الريح؟!!‏

أجابت وهي تمدّ له لسانها:‏

- اسكت، أيّها الأحمق العجوز!‏

- أوه! أدخلي لسانك، ولا تخرجيه ثانية. لقد احتفظت لك بقطعة من الحلوى!‏

صاحت الفتاة الصغيرة وهي تتبع أخاها إلى غرفته:‏

- صحيح!...أنت لطيف جداً!‏

وكانت قطعة لذيذة من "فطيرة الدُرَّاق" الشهي كنتِ على وشك أن تمسكي عن الطعام. لكن لحسن الحظ، يوجد احتفال بالعيد. هذه الأمسية -ولا أدري أين- يتخلّله الرقص وأمور أخرى. وقد ذهبتْ إلى ذلك الاحتفال أخواتنا العزيزات، وهنّ متنكرات جيداً . لولا ذلك لكان عليهن. ياصغيرتي ذات الثياب العتيقة، توسيع لجنة الاستقبال للاحتفاء بقدومك، ويجب أن تعترفي بأمرٍ، أنك تعودين متأخرة قليلاً بالنسبة ليوم دراسي.‏

- أوه، وماذا في ذلك؟ عمري الآن عشر سنوات!‏

- شيء جميل، لكن هذا لا يعطيك الحق في العودة إلى المنزل عند منتصف الليل!‏

وبعد أن انتهت من تناول الحلوى، قبلّت أخاها.‏

***‏

سار "كوكا كولا" وهوطفل أسمر، قصير ونحيف، - بمحاذاة أحواض "اللبلاب"، ثم دار نحو أزهار الدالية، أول باب للبناء الموجود هناك.‏

صعد طابقين، وتناول المفتاح المعلق حول رقبته، وفتح الباب على الناحية اليسرى من صحن الدرج. لم يكن عمه موجوداً في البيت.‏

ووجد على طاولة المطبخ علبة من "الرافيولي"(2) فتحها، وسكب محتوياتها في قدر صغير، ثم أعدّ الطاولة، وفتح التلفاز ليشاهد الفيلم... وأجل مراجعة دروسه إلى الغد وغداً سوف يراجع دروسه). وبما أن عمه لا يعود إلا متأخراً جداً فقد أخلد "كوكا كولا" للنوم بعد أن انتظره طويلاً، وشرب زجاجة الكوكا كولا.‏

***‏

حين عاد القائد "التمساح الشجاع" إلى المنزل، كانت عائلته، بكامل أعضائها، مضافاً إليها أبناء العمومة الساكنين في الطابق السادس، يتابعون الفيلم الأميركي، في غرفة الجلوس التي تحولت إلىقاعة عرض لهذه المناسبة.‏

خلع حذاءه بحذر شديد، عند المدخل، وسار على رؤوس أصابع قدميه، حتى وصل المطبخ، والتهم مابقي من طعام في الأطباق. كان الطعام بارداً ودبقاً، ولم يكن هناك مايدل على أن دومينو الكلب الابيض والأسود، لم يسبقه إلى شيء من تلك الأطباق، لكنه أفضل من البقاء صائماً، غير أنّه من جهة أخرى، تناول قطعة كبيرة من الحلوى، وتسلل بعد ذلك، بخفة، إلى غرفته التي يشاركه إياها اثنان من أصغر أخوته وصعد إلى السرير العلوي وغرق في قراءة قصة مصورة.‏

كان والدا "الزئبق" ينتظرانه على باب البناية "ب"، وقد شمرا عن سواعدهما، وعلى جانبي درجات المدخل القليلة، وقف الجيران في صفين كحرس الشرف. وهم يتحدثون حول التربية الحديثة. حارس البناية أعطى الإشارة، وما إن لمحوا شعر "الزئبق" الأشقر على منحنى الطريق وهو يلمع كخوذة على رأسه، حتى ارتفعت أصواتهم، واختلطت عبارات التهديد والصراخ، والوعيد، بعضها ببعض. وكاد الأبوان يفقدان برودة أعصابهما. والابن أُذْنَهُ اليسرى...‏

وحُرِمَ "الزئبق" من كرة القدم.‏

***‏

من "قبيلة الخمسة"، "فأرة السم" وحدها، هي التي شعرت بالخوف الحقيقي؛ كان الظلام دامساً، وكانت تسكن في منطقة بعيدة عن المدينة، وفجأة، أخذت تركض، وخصل شعرها الكستنائي المربوطة تطير في الهواء. كان هذا هو وقت تجمع سائقي الدراجات تحت المرآة العاكسة الحزينة. وكانت بعض العرائش تتدلى من هنا وهناك. فشعرت بأنها مراقبة، ولم تكن تحب ذلك على الإطلاق.‏

ولحسن الحظ، جاءت أمها لملاقاتها، وكان صوتها يرتجف قلقاً، نادت الأم عليها:‏

- "جيرالدين"! ألا تدركين مدى القلق الذي تسببت به لي ولوالدك..؟‏

حين دخلتا إلى المنزل، كان أخوها الرضيع يبكي في سريره، نظرت إليه "جيرالدين" نظرة مبهمة، وجلست إلى الطاولة.‏

لم يقل والدها شيئاً؛ وكان قد انتهى من تناول عشائه، وهو جالس الآن، على كرسيه، يراجع ملفات رسمية هامة، وقد بدا شكله غريباً جداً، حتى أن "جيرالدين" -"فارة السم" تساءلت ما إذا كان قد قلق فعلاً عليها أو أحسّ بغيابها.‏

وقررت ألا تعود ثانية إلى أفراد القبيلة. إذا ما أجبروها مرة أخرى على العودة متأخرة إلى هذا الحد.‏

(1) لا أعتمد في ترجمة الأمازون الدلالة القاموسية، لأن الأمازون حسب الأساطير اليونانية، هي المرأة المحاربة، يوجد في متحف أفاميا لوحة موزاييكك رائعة تمثّل النساء المحاربات: الأمازونات المراجع).‏

(2) الرافيولي: نوع من المعجنات المحشوة باللحم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244