هنود شارع جول فيري - تأليف:فرنسواز سوتيرو - ترجمة:وفاء شوكت

رواية للفتيان - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية أدب الطفل1998 أدب الطفل1997
 

القَسَم الأعْظَم

في اليوم التالي، اجتمع أفراد "القبيلة" كلَّهم، وهم خمسة أشخاص حقيقيين، وقرابة ألفين وهميين. وبينما كان "الرجال" الوهميون يسرجون الحيوانات الخيالية، وكانت النساء المزعومات يعتنين بالأطفال غير المرئييين، كان الزعماء الحقيقيون الخمسة يعقدون اجتماعاً برئاسة "التمساح الشجاع". كان الجميع قد لاحظوا دون أن يتجرأ أحد على التفوُّه بكلمة واحدة، أن الزعيم الكبير قد حلق شعره كله.‏

كانت "الريشة السريعة" قد استطاعت أن تطير من بيتها خلال فترة قصيرة انشغلت فيها أمها وأخواتها الكبيرات عنها.‏

وقد تمكن "الزئبق" الذي حرم من الاشتراك في مبارة كرة القدم، من الحصول على إذن باللعب أمام مدخل البناية بقوسه وسهامه، فاستغل الفرصة للهرب. وفرضت "فأرة السم" شروطها عن إعطائها الحق في الذهاب ساعة تشاء.‏

****‏

وهكذا، انتهى اجتماع "حكماء" هذه القبيلة الفريدة في نوعها، حيث كان للمرأة الحق في الإدلاء برأيها؛‏

قال "التمساح الشجاع" وهو شارد الفكر:‏

- سوف ننظم صفوفنا!‏

- فكرة حسنة!‏

- ولكن كيف؟!‏

- ولأي هدف؟!‏

وحدها "فأرة السم" التزمت الصمت.‏

كرَّر "التمساح الشجاع": علينا أن ننظم أنفسنا... لنحبط خطط العدو، ولنتغلَّب على فرقة الخيالة الخامسة. لقد اتهموني بالخيانة، وحلقوا لي شعري كله...وغداً، إذا تركنا هم على سجيتهم، فسوف يتجرَّأون، ويسلخون فروة رأسي.‏

ارتعدت الفتيات خوفاً، عند سماع هذا، وكذلك "كوكا كولا" صاحب الشعر الجميل.‏

وأضاف قائلاً:‏

- لا تنسوا أنهم يحصلون على مساعدات جديدة. إن السيدة "بلوشون" قد أعارتهم مدفعيتها. الآن!‏

هتف الزئبق: - إن ما لا نستطيع تحقيقه بالقوة، يجب أن نحققه بالحيلة!‏

- ولتحقيق هَدَفنا يجب أن تكون لدينا أفكار.‏

قالت "الريشة السريعة": - لدينا الأفكار. ليس هذا ماينقصنا..‏

- آه، نعم! إذاً، ما الذي ينقصنا؟!‏

- حسناً... نحن، وبطريقة ما، نمثل هنود العصر الحديث ونعيش بمعزل عن العالم، دون التمتع بأي حق من الحقوق؛ لنفعل، إذاً، مثل أجدادنا الهنود.‏

قال "كوكا كولا": أنسيت أنهم سوف يقضون على جميع خططنا. هم أيضاً يشاهدون التلفاز.‏

قال "الزئبق": وعدا ذلك، سوف يكون من الصعب جداً تنفيذ عمليات السلب والحرق، دون أن يمسكوا بنا.‏

قالت الريشة السريعة: حسناً جداً! وما الذي عنيته، إذاً، بالحيلة.‏

صرخ التمساح الشجاع فجأة وهو يعيد كرة رماها بعض الأطفال الذين كانوا يلعبون حولهم، وكانت قد أصابت وجهه: هؤلاء الصبية سيئون!‏

(كان هؤلاء الأطفال حقيقيين، ليسوا من القبيلة، وقد جاؤوا للَّعب في هذا المكان دون تصريح مسبق).‏

قال الزئبق:- إنّهم يستحقون آلاف الصفعات!‏

- يجب ألا ندعهم يخرجون سالمين.‏

- هذه الأرض المنبسطة ملك لنا! وكذلك تلة الصيد تلك!‏

- إذاً، هيا لنطردهم!‏

هبوا واقفين مرة واحدة، وبدأوا يزأرون بوجه الأطفال الذين فرّوا هاربين، وهم يبكون.‏

لم تتحرك "الريشة السريعة" من مكانها، ولم تحرك ساكناً، وعندما عاد أفراد القبيلة، وجلسوا في أماكنهم، قالت:‏

- هذا تصرف سيئ.‏

- صاح الزعيم:‏

- وماهو السييء فيه؟‏

- لقد تصرفنا مثل "فرقة الخيالة الخامسة".‏

وخيم السكون، وتناهت إلى مسامعهم الأصوات الهادرة لشاحنات نقل النفط. التي لا ينقطع مرورها على الطريق الكبير لقلعة "جول فيري".‏

قال التمساح الشجاع خجلاً:‏

- أوه... لنكمل الاجتماع.‏

- إلى أين وصلنا؟!‏

- إلى السلب والحرق، حتى ولوكانت "الريشة السريعة" تعتقد أن هذا ليس تصرفاً جيداً.‏

- آه، نعم، عندها حق! علينا القيام بغير ذلك.‏

- الأمر كله... إنه لا توجد لدينا أيّة إمكانيات من أي نوع. إنهم الأقوى. قد ننجح في تحقيق بعض "الدعابات" هنا أو هناك، لكن الأمر سينتهي بفوزهم.‏

- دعابات؟ هذه فكرة شيقة.‏

قال "كوكا كولا": -هه! هذا ليس بالأمر الجديد.‏

- دعابات! لقد فعلتها كثيراً جداً مع عمي.‏

قال الزئبق: - وأنا، مع حارس البناية، أرتب أموري دائماً بحيث أسقي أزهار شرفتي، في الوقت الذي يجلس فيه تحتها ليستظل بها.‏

صاح التمساح الشجاع:‏

- نعم.. نعم! لكن هذه الدعابات تبقى دعابات منفردة! ألاعيب صغيرة ليست ذات قيمة! مثلاً، سرقة طباشير السيدة "بلوشون" إنّها تسْتطيع الحصول على أية كمية، من المدير. لا أدري من أتته هذه الفكرة منذ يومين. لكنه أحمق. "الريشة السريعة" على حق إن ما أريد قوله هو: علينا أن نقوم بخدع حقيقية.‏

- نشترك نحن الخمسة في الخدعة! سيكون هذا ممتعاً!‏

سألت "فأرة السم": - من لديه فكرة للقيام بخدعة؟..‏

- حسناً... الجميع لديه أفكار لألاعيب جديدة..‏

قال التمساح الشجاع: - طبعاً! لكن ما أريده، هو أن تكون ألاعيبنا كبيـ...يـ..يرة! أريد خدعاً تشمل السكان جميعاً! وتتحدث عنها الصحف.‏

قالت "فأرة السم": -هاكم هذه الفكرة مثلاً؛ كم سيكون الأمر جيداً، لو كنا نملك القدرة على الاختفاء!‏

قال الزعيم: أنتِ.. ما الذي يدور في رأسك الصغير؟‏

- نعم، وماذا في ذلك؟ نستطيع بذلك أن ننفذ خدعتنا، ونختفي بهدوء، دون أن يرانا، أو يشعر بنا أحد!‏

- هذا بسيط للغاية! عبقريّ يّ يّ! بالمناسبة، هل لديكِ طريقة معينة للاختفاء والتواري عن الأنظار؟!‏

رفعت كتفيها علامة للنفي.‏

- لا، طبعاً! كنت أقول هذا على سبيل المزاح والضحك.‏

- إذاً هيا نضحك أيها الإخوان! لنضحك! ها، ها، ها...ها..‏

يكفي. لقد ضحـ..ك... نا كثيراً. يكفي.‏

قطَّبت "فأرة السم" حاجبيها...‏

قال "التمساح الشجاع": - ولِمَ لا؟! في تلك اللحظة، لماذا لا نتحول إلى أشخاص راشدين؟ مثلاً: سوف أطيل شاربيّ وأسطو على البنك، ثم أعود طفلاً بعد ذلك مباشرة؛ وهكذا لن يراني ولن يمسك بي أحد.‏

وضحكوا كثيراً هذه المرّة، لأن تصور "الفكّ الكبير" وعليه شارب كان مضحكاً للغاية، خاصة عندما سيواجه السيدة "بلوشون". قال الزئبق: -سوف يكون ذلك رائعاً. وعندما يأتي "الكبار" لمواجهتك فسوف تتحول إلى مصارع حر، وتلفهم بطريقة آلية، وتنهال باللكمات على وجوههم، وتهزم كل اثنين معاً، بالضربة الواحدة... وهكذا تنتهي همومنا! وفي اللحظة ذاتها يمكننا تخيل أي شيء آخر؛ لو بدأت الإعلانات مثلاً، تتكلم؟!‏

- وتتحرك؟‏

- تتحرك! إنني أرى الأم "دينيز" وهي تغطس رأسها في غسالتها.‏

قال "كوكا كولا"- أما أنا. فلدي فكرة أخرى. ليس من الضروري أبداً السطو علىبنك؛ إن هذا عمل غير شريف ومحفوف بالأخطار.أود أن يكون لدي كنز لا ينفد أبداً، وكلما أخذنا منه النقود، عاد وامتلأ من جديد. وبواسطته سوف ندبر بعض "المقالب" أنا واثق من ذلك؛ لأن النقود تساعد على فعل أي شيء! سأدفع المال لعدد كبير من سيارات الأجرة كي تأتي وتغلق منافذ الحي في الصباح الباكر، وهكذا سيتأخر عمي عن الوصول إلى مقر عمله، ولاشيء يثير غضبه. أكثر من وصوله متأخراً إلى مكتبه، ولم أفهم سبب ذلك...‏

- وهكذا سوف يكون لك عَمٌّ غاضب حتى آخر يوم في حياتك إذا كانت هذه إرادتك....‏

قاطعهم "التمساح الشجاع": - يكفي هذا! لقد مزحنا كفاية حتى الآن! نحن مجتمعون هنا للتخطيط لنشر الفوضى في صفوف "فرقة الخيالة الخامسة". وليس لأي سبب آخر!‏

سكتوا جميعاً، وركّز كلٌّ منهم كي يجد فكرة مناسبة. وبما أن الأفكار لم تأتِ، فقد جالوا بأبصارهم، ونظروا حولهم، فلاحظوا غير بعيد عن موقعهم، شخصاً يجلس على برميل نفط قديم؛ كان يستمع إليهم ويدوِّن ملاحظات على دفتر صغير، فأخذوا يحدِّقون إليه ويتفحَّصونه، ومالبث أن وقف، وصحّح وضع نظَّارته، وسار مبتعداً.‏

قالت "الريشة السريعة": - إنه جاسوس آخر من جواسيس "فرقة الخيالة الخامسة"‏

- لكنها المرة الأولى التي نراه فيها.‏

- يبدو أنه قد التحق حديثاً في صفوفهم. قبل ذلك كان يخدم في فوج آخر.‏

- في "فوج الخيالة الثامن"، مثلاً؟!‏

- نعم، في "الثامن"، ولم لا؟ لديهم أفواج كثيرة، كما تعلم.‏

- آه!‏

قال "التمساح الشجاع": - لحسن الحظ أننا لم نكن نتفوه بحماقات.‏

قالت "الريشة السريعة": - نعم! كيف كنا نبدو ياترى؟‏

- نحن لا يهمنا كيف نبدو أمام أنظار العدو.‏

قاطعتهم "فأرة السم": - لقد تأخر الوقت- وأنا أرى أننا لم نتقدم كثيراً.‏

قال "التمساح الشجاع": -هذا صحيح- لا توجد لدينا، هذا المساء، أفكار جيدة، نحن بحاجة، فقط، للترويح عن أنفسنا، وهذا جيد. يحتاج المرء بعض الأحيان أن يفرج عن نفسه بالتفوه بحماقات. سوف نؤجل جلسة اليوم إلى الغد، وحتى ذلك الوقت، ليفكر كل واحد منكم بخدعة.‏

قال الزئبق: - جيد! - قبل كل شيء، سوف نتعاهد على الحفاظ على السرّ.‏

- الأفضل أن نُقسِم على ذلك. لنقف جميعاً!‏

وقفوا، وشكلَّوا دائرة... خفضوا رؤوسهم، ثم مدّوا أيديهم نحو مركز الدائرة، حيث تلامست.‏

قال التمساح: - نقسم على اتحادنا، وعلى محاربة "فرقة الخيالة الخامسة" ردَّد الآخرون:‏

- نقسم على ذلك!‏

- نقسم على أن يُساعد بعضنا البعض الآخر حتى الموت!‏

- نقسم على ذلك!‏

- نقسم على الحفاظ على سرية مشروعنا!‏

- نقسم على ذلك!‏

وبصقوا جميعاً على الأرض. ثم، وبصمت، أقسموا لأنفسهم القسم السري، وأدار كل منهم ظهره لرفيقه، وذهب على حصانه نحو "الجبال الرمادية" لقلعة "جول فيري"، أو "الغابة المظلمة"، للمركز التجاري، أو نحو الأراضي البعيدة "للمنازل الصغيرة المقدسة". كانت جيادهم الجامحة ترسل غيوماً عالية من الغبار؛ فتحجب ضوء الشمس الغاربة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244