|
||||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:44 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | أدب الطفل1998 | أدب الطفل1997 |
|
بَيْتٌ في الغَابَة أمسكت السيدة "بلوشون" بطبشورة، وحاولت، بلا جدوى، أن تكتب جملة على السبورة. كانت الطبشورة تنزلق دفعة واحدة، دون أن تترك أي أثر. أمسكت المعلمة بواحدة أخرى، لكن المشهد تكرر من جديد: الطبشورة تتزحلق وتنزلق جانباً، ساحبةً خلفها المربية التي كادت أن تقع عن المنصة، وتسقط فوق سلة المهملات! التفتت إلى التلاميذ. في الصف، توارت بعض النظرات المتهكمة خلف الكتب المفتوحة، وسرعان ما صمتت الضحكات المتفرقة التي كانت تصدر من هنا وهناك. - أيتها الآنسة "الريشة السريعة" قِفي! انتصبت "الريشة السريعة" واقفة، وقد أدهشتها معرفة "السلطات الرسمية" اسمها السري. إن "فرقة الخيالة الخامسة" لديها جهاز استخبارات منظم تنظيماً رائعاً. تابعت المعلمة: -أيتها الآنسة "الريشة السريعة". لا أعرف من أين أتتك هذه التسمية. لكن ودون شك، لا علاقة لها بنصوص الإملاء أو مواضيع التعبير والإنشاء التي تكتبينها؛ ففي هذين المجالين، ريشتك مرتبكة، اذهبي الآن إلى المدير، واطلبي منه علبة طباشير جديدة. تبادل "الهنودالخمسة" نظرات فيها الكثير من القلق والريبة. وعندما عادت "الريشة السريعة" بالطباشير، رفعت السيدة "بلوشون" رأسها، وتنفست بعمق، عائدة إلى السبورة؛ ولم تكن النتيجة في صالحها، فالطباشير كانت جيدة، ولكن السبورة هي التي كانت قد خُرِّبت؛ "فالتمساح الكبير" كان قد استغل فرصة الظهيرة كي يدهنها بقطع السجق التي استلمها من مطعم المدرسة، وأصبحت السبورة لزجة جداً، ولم تستطع جزئيات الطبشور أن تعلق بها، وحدثت بين الصفوف حركة إثارة، لكن "فرقة الخيالة الخامسة"، كانت تشعر بالكبرياء فالسيدة "بلوشون" التي هي إحدى قادة عصابة "الوجوه الصفراء"، فكرّت برهة وجيزة، ورفعت رأسها ثانية وزمت شفتيها، ثم ثبتت أوراقاً بيضاء كبيرة على السبورة بمسامير كبس، وبعد أن سجلت انتصارها هذا، كتبت جملتها الملعونة بالقلم؛ وهكذا استطاعت أن تكمل درس القواعد. في البدء، ترددت ضحكات صغيرة وخجلة، في أنحاء متفرقة من الصف، وما لبثت أن علت واتسعت، حتى عمت جميع أرجائه. تلفتت السيدة "بلوشون" حولها، لكنها لم تعرف سبباً لهذا الهرج. فقد امتص الورق الأبيض الذي ثبتته على السبورة كل الدهن الموجود عليها، وتشكّلت عليه بقع صارت تكبر وتأخذ أشكالاً مضحكة، و"تبتلع" كلمات الجملة، وهكذا ثأر الهنود لأنفسهم. ثم حان وقت الفرصة. أصرّت "فأرة السم" على رأيها وهي تقف في ركن من ساحة المدرسة يقع بين المغاسل والحمامات، وبين سلم النجاة: - أؤكد لكم أن هذا صحيح! قال التمساح الشجاع: -لكن كيف حدث ذلك؟ ولم نره قط! - ومن أين لي أن أعرف أنا؟ ثم إن هذا هو طريق بيتي وليس طريق بيتكم. وأنا واثقة تماماً أنكم لا تذهبون إلا نادراً إلى أجنحتنا. - غير مهم... صفي لنا هذا "الشيء". - إنه منزل مهجور؛ وزجاج نوافذه كلها محطّم، لكن الشبابيك لا زالت بحالة جيدة، إنه موجود في قلب غابة "سان أناتول" على بعد مئتي متر تقريباً عن الطريق، ومخبَّأ جيداً بين الأشجار. - وهل هو كبير؟! - نعم! طابق أرضي وطابق أول، وربما توجد فيه سقيفة أيضاً. على أية حال، إنه كثير الغرف! وفيه مداخن... - أنستطيع إشعال النار فيه؟! - وهل أنتِ متأكدة من أنه خالٍ من السكان؟ - لا يوجد خطر من هذه الناحية! إنه مهجور تماماً، ومناسب جداً لعقد اجتماعات القبيلة فيه. لكنه غير صالح للمبيت فيه ولو ليلة واحدة. - ولا حتى لمتشرد؟ - وهل يصلح للتسكع؟ - كلا.. هذا مستحيل. على كلٍّ، لم أرَ فيه أحداً.. سأل الزئبق: - وهل نذهب إليه هذا المساء؟ قال التمساح الشجاع: - حسنٌ! سنذهب إليه هذا المساء. وإذا راق لكم، فسوف نتخذه مقراً لقبيلتنا. - أتقصد قريتنا! - أقصد ملجأنا، في حال وقوع كارثة! - وهناك، سوف نحضرّ غاراتنا على فرقة الخيالة الخامسة. - وسنحتمي فيه إذا انهزمنا! - إلى اللقاء، إذاً، هذا المساء! دق الجرس معلناً نهاية الفرصة. وبالغمزات وطرفات العيون المتآمرة أنهوا يومهم المدرسي في حالة من الهياج الشديد، الذي عزته السيدة "بلوشون" إلى تقلبات الجو؛ فكانت تختلس النظر بطرف عينها، إلى السماء، من خلال النافذة، وهي تلوم نفسها لأنها نسيت مظلّتها في البيت، وتوقعت أن تهب عاصفة هوجاء مخيفة، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، ولم تحصل سوى على ضحكات مكبوتة ومبتورة، وركلات أقدام متبادلة، و"همسات أو تمتمات" مهموسة بين الشفاه، وطائرات من الورق مُعْتَرَضَة وممزقة، ودفاتر مرمية على الأرض، وكتب مبعثرة، وطباشير مسحوقة، وأقلام حبر مفرغة رشّاً على صفحات بيضاء، وشعر مشدود، ونظارات ملوية... بينما ظلت السماء على حالها، بعدما أُطلق سراح التلاميذ، (هل كانوا في سجن الباستيل؟). ونزلوا إلى الشارع. "فأرة السم" لم تكذب، ولم تحاول حتى حتى أن تُجمّل الأشياء. لقد كان هنا منزل لأحلام، منزل القبيلة، وقام التلاميذ بزيارة غرف الطابق الأرضي الأربع وهم يتمتمون بعبارات الإعجاب. ثم صعدوا السلم القديم الذي قادهم إلى غرف الطابق الأول الأربع. كان ورق الجدران ممزقاً في أماكن عديدة، لكنه مايزال يحتفظ ببعض الآثار، حيث أمكنهم مشاهدة بعض الورود ذات اللون الزهري، أو البني الفاتح، وسلاسل أفقية زرقاء وبيضاء، وكذلك بعض الرسوم الرمادية. كان هذا كل مايحتويه المنزل، لقد كان خاوياً فعلاً، ومجرداً من الأثاث أو البسط أو الألواح الزجاجية على النوافذ حيث كان خشب الدعائم العاري يصطفق مع الرياح العاتية. وبدت الأرضية بحالة جيدة، على الرغم من وجود بعض الأنقاض عليها. وبدا أن آخر قاطني هذا المنزل لم يتركوه إلا من فترة قصيرة. نظروا من جميع النوافذ، وتفحصوا كل الأبواب والأجنحة، وصعدوا ونزلوا على السلم، ووضعوا المخططات المبدئية. - هنا المطبخ. - هنا قاعة اجتماع القبيلة. - يلزمنا بعض الأثاث. - على الأقل، بضعة كراسٍ. - وما فائدتها؟ عندما كنا نجتمع في التلال، كنا نجلس على الأرض! - إن وجود أثاث في المنزل يُعَدُّ شيئاً جيداً. - لدى عمي بعض قطع قديمة من أثاث منزله، في القبو، ومقاعد، وإذا كان هذا ماتريدونه-سيعيرني إياها حتماً. - ليُحضر كل واحد منكم ما يستطيع تأمينه. - ألن تُسرق أغراضنا، إذا تركناها هنا؟ يمكن لأي شخص أن يدخل إلى هذا المكان متى شاء! - لن يرغب أحد بإرباك نفسه بمقاعد قديمة. - نستطيع أن نضع ستائر... - وسجاجيد... - هيه! تعالوا انظروا! توجد سقيفة هنا، فوق! وتدافعوا نحو السلم الذي اكتشفه "الزئبق" عند زاوية الممر، في الطابق الأول، والذي يصل إلى باب قلاب يفتح فوق رؤوسهم تماماً. قال "كوكا كولا" : - أنا لن أصعد معكم. - لماذا؟ - لابد من وجود بعض "الحيوانات" في الداخل! - أيّها الجبان. حيوانات! حتماً سيكون هناك واحد منها عندما ستدخلها. - هل أنت خائف من مصادفة نمر؟ - أو دب قطبي؟ - كلا... بومة أو... غربان تطير أمام وجوهنا، أو أيضاً الأفاعي. شكراً جزيلاً. كانت "الريشة السريعة" و"التمساح الشجاع" قدتخطيا فتحة الباب القلاب. وعلى عكس الغرف الأخرى، كانت السقيفة تعج بالملابس الرثة والأثاث القديم المدهش. وأمضى هنود القبيلة أمسيتهم فيها -بما في ذلك "كوكا كولا" الذي صعد إليهم خوفاً من بقائه وحيداً في الأسفل- دون أن ينتبهوا لمرور الوقت، أو لخروج "فرقة الخيالة الخامسة" من قلعة "جول فيري" وانتشارها من جديد في السهل، للبحث عنهم. انشغل الهنود الخمسة في اكتشاف محتويات "المخزن" من بدلات قديمة مغبرة، وفساتين، وستائر وأحذية نسائية ورجالية، وجزمات، مكدَّسة ويوجد بعضها فوق بعضها الآخر في ركام لا يمكن وصفه. وكان الركام نفسه هو أكثر ما يسعدهم في هذه المحتويات. وجدوا آنية مائدة وآلة تصوير أثرية، وسيوفاً صدئة، وقِرَبَ خمر، وصحوناً فضية، وشمعدانات، وكراسي محطمة، ولعباً قديمة، وكتباً عفنة بفعل الرطوبة، وحيوانات محنّطة: ابن عرس وبومة، وأبواق صيد، وبندقية مصنوعة من الحجر، وفوانيس زيتية، وحقائب سفر، وأغطية أسرّة، وعدسة مكبّرة، وسكاكين، وشرائط، ولآلئ، وجزداناً صغيراً مليئاً بقطع النقود القديمة، وسجاجيد شرقية، ولوحات لكبار الفنانين... كانوا سعداء، سعداء جداً كلما اكتشفوا غرضاً جديداً، تجرأ التمساح الشجاع قائلاً وهو يرى الليل يرخي أستاره: - لكن، يجب علينا أن نعود إلى منازلنا. - إنه لأمر مؤسف! - سوف نعود غداً! - نعم، لكن ذلك ليس إلا حلماً؛ غداً، لن نجد شيئاً البتة! قال التمساح الشجاع: - حسنٌ! إذاً- أقترح ألا نعود وأيدينا فارغة؛ ليأخذ كل منا معه شيئاً واحداً فقط، سراً، طبعاً، من هذا المكان إلى منزله. ودون أن يفكروا، ولو برهة قصيرة، بموضوع ملكية هذا المنزل ومحتوياته، وجدوا الفكرة ممتازة، وبدأوا يفتِّشون. أخذ "التمساح الشجاع" قرناً، فأصدر صوتاً مرعباً عندما نفخ فيه. وضع "الزئبق" في جيبه منظاراً مقرّباً أعجبه كثيراً. وانتقت "فأرة السمّ" مرآة منقوشة الجوانبِ بدقةٍ، ورأت نفسها فيها أجمل مما هي في الواقع. وبعد أن تردد "كوكا كولا" بين سيف وآلة تصوير،أخذ في النهاية جزداناً له قفل مذهب. وتركوا المنزل في الظلام الحالك، ومشوا وهم يتلمّسون طريقهم في الغابة غير مطمئنين. "الريشة السريعة" لم تأخذ شيئاً. لكنها سمعت، وهي تنزل السلم، حفيفاً حول أذنيها، وشعرت بأن طائراًحط على كتفها، وبدلاً من أن تخاف منه، أو تبعده، تركته يرافقها طول الطريق، وكان يطير من هنا إلى هناك، أو يقف من جديد على كتفها، أو على يدها، واكتشفت "الريشة السريعة"، على ضوء مرآة عاكسة. إنّها يمامة ناصعة البياض؛ فابتسمت لها. كان الوضع "العسكري" قد تفاقم إلى حد خطير للغاية، وكانت "فرقة الخيالة الخامسة" قدنشرت قواتها. وما إن يخرج الهنود من غابة "سان أناتول" حتى تطلق المدفعية التابعة لها آلاف الطلقات، تعبيراً عن غضب سكان المدينة والضواحي الذين كانوا يعانون حالة انفعال شديد بسبب تجاوز "الهنود" هذا اليوم، كل قواعد ومقاييس وحدود اللياقة والأدب، وبكل بساطة: الوقت. لقد كانوا يتوقعون نتيجة ذلك عودة مضطربة، وملاحظات لاذعة -على أقل تقدير-، ونهاية للسهرة حامية بدرجةكافية، ونوماً مقلقاً. ومع ذلك، لم يكن هذا كل ماحدث لهم في هذا المساء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |