|
||||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:44 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | أدب الطفل1998 | أدب الطفل1997 |
|
عودة غريبة! توجد، على الأقل، مليون حيلة ووسيلة للعودة بذكاء إلى المنزل، عندما تحوم في الجو رائحة الحرب كما كان يحدث هذا المساء. ويرتكز بعضها، على إيجاد حجة مناسبة نوعاً ما، وأن يختفي الواحد منهم خلف أكاذيب متراكمة بعضها فوق بعضها الآخر كصناديق البرتقال؛ لكن هذا النوع من الحيل لن يصمد أو يدوم أكثر من صمود صناديق برتقال أمام نيران المدفعية. ويمكن لأحدهم أن يلوذ بالفرار، بعد أن يشعل النار في الغابة، وأن ينشر ذعراً يضاهي الذعر الذي يحاول الخلاص منه. وبإمكانه أيضاً إطلاق صيحات هلع مأساوية لحظة الإمساك به، لإيهامهم بحدوث حادث رهيب له، مما يجعل الأهالي يشعرون بشيء من الراحة والاطمئنان لأنهم يواجهون مسألة تأخير بسيط فقط. وهذا ما يسمّى بـ "المسألة النسبية"! كان هنود "قبيلة الخمسة" قد استخدموا هذه الحيل مراراً، واستهلكوا جميع خيوطها، وكان يلزمهم هذا المساء شيء مختلف تماماً كي يأملوا بالنجاة في " المحكمة العليا". تمّ الأمر لكل واحد منهم، وعاد إلى منزله بحيلة جديدة، وهو بحالة جيدة،وفي ساعة متأخرة من الليل، ودون إذن مسبق بذلك، مضيفين إلى حيلهم السابقة حيلاً جديدة من نوع آخر. *** كان "التمساح الشجاع" أول من شعر بالخطر،بعد أن ابتعدوا عن المنزل المهجور مسافة تقل عن المئة متر. وعرف أن هناك شبه غارة تعد لها العدة، من خلال الأنوار التي كانت تشع من هنا وهناك كشهب هابطة من السماء، ومن النداءات والأصوات المتفرقة التي كان يتبادلها أشخاص يحملون فوانيس بأيديهم. وبحركة واحدة أوقف صحبه: - قفوا!.. والآن، انتشروا.. المكان يعجّ بالجواسيس سوف أنفخ ببوقي لأجذبهم نحوي؛ استغلوا أنتم الفرصة للهرب والعودة إلى منازلكم التي ستصلون إليها قبل أجدادنا، وهذا شيء جيد. ولَيْحمِكم الإله "مانيتو"(1) ، أنتم وجلودكم التعيسة! وما إن التقطوا أنفاسهم، واشتدت عزائمهم، حتى انطلقوا جميعاً هاربين، وهم يكنون العرفان بالجميل، لزعيمهم الذي سوف يتحمل التعذيب المخيف الذي يُعدّ عادة للقادة والزعماء. استل "التمساح الشجاع" بوقه الذي كان يتدلى من رقبته، بشريط أحمر جميل، ورفعه بفخر إلى فمه، وأغمض عينيه، ثم تنفس بعمق و...نفخ، مرة وثانية وثالثة... انتشر في الغابة لحن موسيقي رائع، وفريد في نوعه، كان طويلاً وثابتاً، ونحاسياً ورناناً، وظل ينتشر حتى ملأ الغابة. وبدا لـِ"التمساح الشجاع" أن جسمهُ يكبر. وأنه أخذ شكل رجل، وهيكل عملاق. وشعر بأن الأرض التي يقف عليها أصبحت أبعد وأن الأرجل التي تمشي هناك، بعيداً جداً تحته، ليست له.... وتوقف عن النفخ... وانقضت عليه الكلاب، مثلما انقضت على "رولان دورونسوفو" الشخصية الأسطورية القديمة؛ - قيل له: - عفواً، سيدي، نحن في مهمة للبحث عن خمسة أطفال لم يعودوا من المدرسة، هذا المساء...! إننا قلقون جداً عليهم.. سيدي؟ سيدي؟ سيّـ يـ يـ يـدي! هل أنا الشخص الذي يكلمونه؟ بِش.. ش!! ونظر حوله... سيدي يـ يي؟ إمّ، إمّ، إنه، دون شك، سوء تفاهم ناتج عن الظلمة، لكن لا، لا، مستحيل! كان الناس يحيطون به، لم يكونوا أبداً أطول قامة منه!). أجابهم بكل وقار: - خمسة أطفال؟ وهاهو يتكلم بصوت ضخم، صوت جميل جداً،وعميق وخفيض ورنان! رفع يده إلى حنجرته، ثم إلى خده... هنا؟ شَعْر؟ لا! إنها لحية! كان له لحية وشاربان! - نعم، - ردد الناس من حوله - خمسة أطفال! - لم نستطع العثور عليهم! - لا بدأنهم هربوا! صاح التمساح الشجاع بصوته الهائل: "انتظروا، انتظروا! لنفكر قليلاً، هِم... هِم.... لكن، لا يوجد أي سبب يبرر هروبهم، أليس كذلك؟ - حسن... - أووه... - أي أن.... زمجر "التمساح الكبير": - ماذا، أي أنّ؟ تجرأ أحدهم وقال هذه العبارة: - كانوا، فقط، قد تلقوا بعض "التحذيرات" "حول هذا الموضوع. - هم، نعم؛ إنني أرى... وكانوا يتوقعون أن يتلقوا شيئاً أكثر من المعاتبة، اليوم، أليس كذلك؟ - يحق لنا، على أية حال، أن نعبر عن عدم موافقتنا! - قال "التمساح الكبير" وهو شارد الذهن: - طبعاً، طبعاً... لكن حاولوا ألا تتركوا الكثير من "آثار" عدم موافقتكم. وبانتظار ذلك، لنخرج من الغابة. إنّهم ليسوا هنا، لقد رأيت منذ أقل من نصف ساعة، أولادكم الصغار أولئك، ها،ها، ها... إنني متأكد من أنّهم قد عادوا الآن إلى منازلهم، بينما أنتم، هنا، تلعبون دور المهرج، حاملين فوانيسكم هذه. وظل يقول أي شيء يخطر بباله، على الرغم من بعض عبارات الاستنكار التي رددها بعضهم. لقد كان موزعاً بين رغبته في إلقاء محاضرات طويلة، بصوته السحري، صوت الرجل الكامل، حول مسألة "وضع الطفل الحضري" ورغبته في التخلص منهم بأسرع وقت كي يتمكن من تأمل نفسه بهدوء في أول مرآة يصادفها. ومع هذا، فقد كان في سرّه، يضحك من أهله الذين تعرف إليهم وسط هذه الزمرة التعيسة. وعندما خرج "التمساح الشجاع" من الغابة، وسار في الممرات المضادة، شعر بالدوار مرات عديدة بسبب حجمه الكبير الجديد. كان صعباً عليه التأقلم مع أعضاء طويلة إلى هذا الحد في دقائق معدودة. وبعد أن صرف الأهالي وفوانيْسَهم، سار وحيداً، ويداه معقودتان خلف ظهره، وهو يتطلع إلى البعيد، تداخلت الأسئلة في رأسه. لكن الحقيقة الوحيدة التي كانت لديه حول هذه الحادثة، حتى الآن، هي أن التحول حصل له بعد أن نفخ في البوق، وعلى أية حال، بعد أن نفخ فيه مدة طويلة، إذاً؛ لهذه الآلة علاقة بهذا الموضوع. حسن جداً، إن وضعه الحالي، كرجل ناضج، قد يبدو للوهلة الأولى ذا فائدة كبيرة؛ غير أنّه، في الواقع، سيسبب له مشاكل جدية، أولها: أنّه لن يستطيع العودة إلى منزله وهو على هذا الشكل. فمنذ برهة، لم يستطع أحد التعرف عليه؛ ولن يقبل أخوته أو أبناء عمومته، في الطابق السادس، أن يشاركهم غرفة نومهم "رجل غريب"! ومن جهة أخرى، لم يكن يملك أية أوراق ثبوتية، ولا فلساً واحداً في جيبه، ولا حتى شرحاً مفيداً يدلي به في حال استجوابه. ولم تكد نصف ساعة تنقضي على تحوله إلى رجل، حتى بدا له أن ذلك قدحدث منذ وقت طويل جداً. إن جميع أنواع السحر، وعلى اختلاف أنواعها، لها نقيضها. والوضع المثالي هو أننا عندما نملك سحراً معيَّناً. يجب علينا أن نعرف، بالتأكيد تعويذة إِبْطاله. و"التمساح الشجاع" لم يكن غبياً أو أحمق بتاتاً، وكان ترتيبه السييء في المدرسة غير قائم على أسس صحيحة، بل كانت نتيجة نزواته ومواقفه المتقلبة. ثم إنّ أكبر دليل على ذكائه هو اختياره زعيماً للقبيلة؛ نعم! هذا هو الدليل القاطع على أنّه ذكي.وبدأ يفكر:سحر -مضاد للسحر؛ سم -مضاد للسم؛ مرادف -ضد؛ تيار -مضاد. - آ ا اه! وإذا نفخت في الناحية الأخرى من البوق؟ وأخذ آلته ونفخ فيها؛ ليس من ناحية الفم الضيق بل من الجهة الواسعة، فأرسل البوق صوتاًطويلاً وحاداً،ومضحكاً نوعاً ما، نظر "التمساح الشجاع"، إلى قدميه، ورأى الأرض تقترب منه،وكان هذا هو الشيء المهم. إن الساحر الجيد هو الذي يملك التعاويذ اللازمة لكل ألاعيبه، وهاهو قد بدأ بداية جيدة في هذا المجال، وتملكه السرور وفرح بنفسه كثيراً. لكن ذلك لم يمنع مشاكله القديمة من العودة إلى السطح. كان باستطاعته العودة إلى البيت، لكن بأي ثمن؟ وماذا لو التقى مصادفة برجال الأمن؟ الشرطة؟ الشرطة؟ اللعنة! لكن حتماً... ولمعت الفكرة في ذهنه بسرعة البرق. فأخذ البوق ونفخ اللحن الجميل وعاد رجلاً ناضجاً. وبما أن السحر ألبسه ثوباً واقياً من المطر أيضاً؛ فهو الآن الذي سيلعب دور الشرطي. صعد إلى منزله مضطرب الخطا، خائفاً بعض الشيء. وبعد أن تردَّد قليلاً، دق الجرس، الذي بدا له منخفضاً جداً. وفتح والده الباب: - ماذا؟ من أنت؟ قال التمساح الشجاع: - أنا المفتش "كوديل"-. إنني قادم بشأن ابنك. قال الأب قلقاً، وقد بدا صغير الحجم أمامه: - هاه؟ ما الذي حدث؟ - هل وجدتموه؟ هل حدث له مكروه؟ أضافت الأم، وقد جاءت مسرعة، هي وبناتها، وأبناء وبنات العمومة: -... هل وجدتموه؟ هل حدث له مكروه؟ كان جهاز التلفاز لا يعمل، لأن العائلة عقدَت اجتماعاً فور عودتها إلى الدار... همس التمساح الشجاع وهو يفقد رباطة جأشه، بسبب النظرات الدرامية التي كان عليه تحمُّلها: - لاشيء... كلا، لم يحدث له شيء خطير؛ كلا، اطمئنوا! لقد وجدنا "العصابة" الآن... إنهم جميعاً في الأسفل... يمكنكم النزول لرؤيتهم...هيّا! واندفع الجميع نحو الدرج: العائلة، والأقارب، وكل سكان البناية فاستغل هو هذه الفرصة ليدخل الشقة وليحبس نفسه في غرفته. وبلا أي تأخير، أخرج بوقه ونفخ فيه بالاتجاه المعاكس. وعاد، من جديد، تلميذ المرحلة المتوسطة البسيط، الذي لم يكف أبداً، في قرارة نفسه، عن الشعور به، وبعثر بعض الدفاتر على مكتبه، وتظاهر بأنه غارق في الدراسة منذ مدة طويلة. ولم تلبث الجلبة أن عادت إلى المنزل. كانوا يصيحون: - لقد وجدوهم جميعهم، نعم، عدا ابننا "جيروم".. - إنه هو أقواهم! - وماذا سنفعل نحن؟ ماذا سيحلّ بنا نحن؟ - هل تعتقدون أن مكروهاً قد حدث له؟ - يجب أن نجد المفتش.. -سوف ينتهي الأمر بهذا الصبي إلى إرساله إلىمدرسة داخلية. - آه، كلا! إن هذا غير ممكن، غير ممكن! - لاشك أنه جرح نفسه. - قد يكون الآن قابعاً في الظلام في مكان ما،وهو ينادينا... - إن هذا فظيع، فظيع جداً. كان "التمساح الشجاع" يستمع إليهم، وهم يذرعون الشقة جيئة وذهاباً، ويندبون حالهم، تسارعت ضربات قلبه، لأنه عرف أنهم يحبونه، وسوف يفتقدونه كثيراً، إذا ما وجب عليه الاختفاء في يوم من الأيام. فتح باب غرفته، وقد استعد لتحمل كل ماقد يحدث له، عن طيب خاطر. - ما الذي يجري هنا؟ -قال ذلك بهدوء كبير، كأن شيئاً لم يكن-متى سنأكل؟ صاح جميع أفرادالعائلة معاً، وقد فوجئوا وتداخل الصوت الخشن بالصوت الناعم.... - "جيييـرووم!"... - طبعاً، نعم..، هذا أنا، لماذا؟! - أين اختفيت؟!!! - ولكن.... في غرفتي! - كيف؟ إننا نبحث عنك في كل مكان مع الجيران! إن عدد الذين اختفوا خمسة. أقصد، أنتم دائماً معاً، هيا، قل لنا كيف عدت؟! - أنا؛ مثل العادة، من الباب، لم أكن مع الآخرين هذا المساء، وكان لهذه الكذبة وقعٌ سيء على الجميع، وشعروا كلهم بعدم الرضى ونظر كل منهم إلى الآخر نظرات يشوبها الشك والدهشة. أيعقل تصديق ألاّ يكون أحد قد فكر بفتح باب غرفة هذا الوحش قبل الذهاب للبحث عنه؟ بدا هذا الأمر جَلَلاً، ومع ذلك كان هذا الوحش هنا، وهاهو خارج من غرفته! لم يقل أحد شيئاً، وقُدِّم العشاء. وحضر الجميع نومه؛ ونظروا إليه وهو يغط في سباته، وعلى شفتيه ابتسامات ناعمة. وبينما كان "التمساح الشجاع" يغمض عينيه، وقد دفن رأسه تحت وسادته، وهو يحاول التعرف على الخيالات الحنونة التي كانت تغمر نومه المصطنع- ويحاول البحث عن فكرة رهيبة، وعن لعبة جهنمية يقوم بها، بوساطة بوقه السحري الذي يحسده عليه أصدقاؤه حتماً. ولن يكون ذلك أبعد من الغد على أقصى تقدير! (1) "مانيتو" إله يسيطر على قوى الطبيعة، عند الهنود الحمر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |