هنود شارع جول فيري - تأليف:فرنسواز سوتيرو - ترجمة:وفاء شوكت

رواية للفتيان - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية أدب الطفل1998 أدب الطفل1997
 

الآخرون يعودون أيضاً!

بعدما أصدر "التمساح الشجاع" الأمر بالتفرق، ونفخ في بوقه، جاذباً إليه كل شخص كبير كان يبحث عنهم في غابة "سان أناتول"؛ ركض كل منهم باتجاه ووجدت "فأرة السم" نفسها وحيدة. وفي هذه اللحظة أدركت الوضع الخطير الذي قادهم إليه فضولهم الجماعي.‏

وتصورت أمَّها وقد خرجت للبحث عنها كما في الليلة السابقة، ووالدَها جالساً على كرسيه، عائماً بين سجلات وزارته، منتظراً عودتها. ومتصلاً بالشرطة بعد فقدان الأمل في العثور عليها. فكيف لها أن تعود إلى المنزل غير مبالية لتقول : "كوكو، ها أنذا!".. وللمرة الثانية خلال هذا الأسبوع، ودون خوف، من اللوم أو من محاضرات لا تنتهي، أو من عقاب قاسٍ؟!‏

كان هناك ممر مضيء بمحاذاة الغابة من الجهة اليمنى، وكذلك مجموعة من البيوت الصغيرة على الجهة المقابلة. وتمنت "فأرة السم" ألا يراها أحد، وهي تتحاشى، قدر استطاعتها، سقوط البقع الضوئية عليها من مرآة عاكسة. واستغرقت وقتاً طويلاً للوصول إلى مسكنها. وهناك لم تتجرأ على التقدم مباشرة نحو البوابة، فاستندت إلى أقرب غرفة هاتف، وبدأت تفكر بخطة تنفذها.‏

أخرجت من جيبها المرآة، التي وجدتها في السقيفة وتأملت وجهها الطفولي الحزين على الضوء المنبعث من غرفة الهاتف. آه، نعم! يبدو أنّها وجدت نفسها جد كئيبة، لأنها رسمت وبصعوبة، على شفتيها، ابتسامة خجلى، لتعطي الشجاعة لنفسها قبل مجابهة "العدو".‏

وحدث عندئذٍ أمر عجيب، ما إن ابتسمت حتى اختفت صورتها فجأة من المرآة. وحركت "فأرة السم" الشيء الذي تحمله بكل الاتجاهات، وتأملته من جميع الزوايا، فلم تَرَ فيه سوى الصورة المقلوبة لغرفة الهاتف، وكادت المرآة تقع من بين يديها!‏

في أثناء ذلك، كان شخص ما أو أكثر يقترب على الرصيف، فخافت أن يجدوها في هذا المكان، وفي هذه الساعة من الليل، دون أن تتمكن من إعطاء تفسير أو شرح لذلك. لذا أخفت وجهها بيديها وخلف المرآة.‏

ومع أنّها أحست بهما تماماً؛ إلا أنّها لم تتمكن من رؤيتهما أو من رؤية المرآة! فخفضت رأسها ونظرت إلى قدميها، ولم تشاهدهما، وكذلك رجليها وذراعيها... ومع أنّها كانت هنا، إلا أنّها لم تعد موجودة، ولم تعد ترى نفسها. واقترب الرجل المار بجانبها، وكاد أن يلمسها، لكنه لم يرها!‏

لقد اختفت"فأرة السم" عن الأنظار، بعد أن نظرت في المرآة! ومع ذلك فقد كانت موجودة جسدياً، وتشعر جيداً بقدميها على الأرض، وتحس بالمرآة بين يديها. ببساطة، لم يعد باستطاعة أحد أن يراها.‏

كان هذا كثيراً جداً هذا المساء! ودون أن تنتظر، تقدمت ودفعت بوابة البيت الصغير، وسارت بضع خطوات، سُمِعَ وقعها على الحصى. وصعدت درجات السلم، وفتحت باب البهو، وتقدمت إلى قاعة الاستقبال، دون أن تفكر بما سيحدث لها، بعد ذلك.‏

كانت الغرفة مضاءة إضاءة خافتة، بوساطة مصباح كهربائي محمول على قاعدة. وكانت أمها تجلس على أريكة، ساكنة لا تتحرك، ولم يكن والدها في البيت.‏

صاحت فأرة السم: -ماما؟!‏

انتصبت الأم بغتةً. وصاحت بأعلى صوتها:‏

- "جيرالدين"..! لقد عدتِ أخيراً!‏

لقد أثرتِ أعصابنا، أبوك وأنا: "جيرالدين"؟ أين أنتِ؟ اقتربي قليلاً؟!‏

وراحت الأم تركض في جميع أنحاء المنزل. وخرجت أخيراً إلى الحديقة، وهي تنادي ابنتها وزوجها، الذي عادت معه إلى البهو ورأت "جيرالدين" أنه من المستحسن تركُ هذا المكان، حيث كانت جالسة على كرسي، تفكر في كيفية إعادة صورتها، وفي ما إذا كان ذلك ممكناً.‏

صاح الأب: - جيرالدين"؟... انتهى وقت اللعب. هيا، تعالي...‏

- أظهري نفسك يا "جيرالدين"!‏

قالت فأرة السم: -لكنني هنا!‏

صمت الأبوان وجالا بأبصارهما في أرجاء الغرفة. كانا يعلمان أن الصوت قادم من قاعة الاستقبال، حيث أخذا يفتشان خلف الستائر والأريكة والخزانة...‏

- "جيرالدين"! نحن لن نعاقبك أبداً. أخرجي من مخبئك، ولن نفتح هذا الموضوع ثانية!‏

- هل هذا صحيح؟‏

- نعم، صحيح؛ بما أننا نقوله لك، هل من عادتنا الكذب؟‏

قالت جيرالدين:‏

- كلا، ليس من عادتكما، لكن هذا قد حدث.‏

وتبادل الوالدان نظرة.‏

قالت الأم: - كل الناس يكذبون من وقت لآخر، وأنتِ أيضاً.‏

قالت جيرالدين: - هذا صحيح؟‏

- قال الأب بصوت هادئ أكثر ومشوب ببعض القلق:‏

- والآن أظهري نفسك.‏

- شعرت "فأرة السم" ببعض الخوف، الخوف من العودة إلى المنزل، والخوف من عدم العودة، والخوف من السحر الذي جعلها... مختلفة، أما الآن، فقد اكتشفت شيئاً آخر، وهو أن الأهل أيضاً، قد يشعرون بالخوف.‏

اعترفت جيرالدين بعد فترة:‏

- إنني لا أستطيع الخروج من مخبئي...‏

- ماذا؟ أين أنت؟ سوف نكسر الباب إذا كنت محبوسة بغير قصد، لكن، على الأقل، قولي لنا أين أنتِ! إننا نسمع صوتك في البهوِ، ومع ذلك فأنتِ لستِ هنا.‏

قالت فأرة السم: - خطأ؛ إنني موجودة هنا!‏

- لكن أين؟ أين؟ أين؟!!‏

- هل تريدون حقاً رؤيتي في الحال!‏

قال الوالدان معاً: - طبعاً!‏

- لماذا تهتمان بي كل هذا الاهتمام وأنا لا أستطيع أن أظهر، بينما لا تفعلان ذلك أبداً، عندما أكون ظاهرة للعيان؟‏

ومن جديد، تبادل الأبوان نظرة.‏

قال الأب: -عندما لا تريد فتاة صغيرة الظهور، يعتبر هذا وضع غير طبيعي اعترفي بذلك.‏

قالت الفتاة: - إنني أعترف بذلك، إنني أعترف. ثم تابعت، وبصوت أرق: -سوف أخرج من مخبئي بالتأكيد، إذا حضرتما لي طعاماً، وتركتماني وحدي هنا عشر دقائق.‏

قال الأب: -"جيرالدين"... إن وجبة طعامك تنتظرك منذ ثلاث ساعات في المطبخ!...‏

- حسن، إنني أحب أن أتناولها معكما في قاعة الاستقبال.‏

قال الاب: - لقد تناولنا طعامنا وحدنا...‏

- هذا لا يدهشني كثيراً؛ لكنكما تودان تناول شراب ساخن أيضاً.‏

وتبادل الأبوان نظرة ثالثة:‏

قالت الأم: -هيّا، لِنُعِدْ تسخين الطعام كله. وذهبت مع زوجها إلى المطبخ، حيث بدأا يتحدثان بصوت منخفض‏

رددت "فأرة السم" عشرات العبارات السحرية، وهي تنظر إلى المكان الذي يجب أن تكون فيه المرآة، لكن شيئاً لم يظهر، وحتى المرآة ظلت مختفية. ثم فكرت طويلاً، وأخيراً أتتها فكرة. الفكرة نفسها التي خطرت لـِ "التمساح الشجاع" عندما نفخ في الجهة المعاكسة لبوقة. تيار-تيار معاكس، مرادف -ضد...‏

أدارت المرآة، ونظرت إلى ما افترضت أنه ظهر المرآة...‏

وَظَهَرَ "شيء" ثم يداها وذراعاها وجسدها ورجلاها، وأخيراً ظهرت "جيرالدين" بأكملها. تركت كرسيها وذهبت إلى المطبخ، حيث جذبتها إليه محادثة والديها، والرائحة اللذيذة المنبعثة من قدر الطعام.‏

"كوكا كولا" لم تحدث له تلك المشاكل كي يعود إلى منزله، لكنه عانى من مشاكل مختلفة. ومع ذلك، كان هو الذي قام بأحسن حيلة في تلك الأمسية. فبعد أن هرب من دائرة "الخيالة الخامسة" أطلق ساقيه للريح، وقام بعدة جولات حول المدينة، حتى يضيع آثار الأقدام، وصعد إلى منزله دون متاعب.‏

كما في أغلب الأحيان، لم يكن عمه قد عاد بعد، وحتى إلى ساعة متأخرة في هذه الليلة، طبعاً، لن يخلو الأمر من بعض ألسنة السوء التي ستخبره أن ابن أخيه عضو في هذه "الجماعة المخيفة، وسوف يقصون عليه الحكاية بأكملها، "ويا سيدي العزيز، ويا سيدتي العزيزة... هل تدركون مدى خطورة هذه الأعمال في مثل عمرهم؟...". لكن هروبه عندئذٍ سوف يكون قصة من الماضي البعيد. والمهم أن عمه لم يعايش الحدث بنفسه.‏

وضع "كوكا كولا" القنبيط على النار ليسخن، وفي أثناء ذلك أخذ ينظر إلى الجزدان الجميل الذي أخذه من منزل القبيلة. لقد كان مصنوعاً من الجلد الأسود، وله قفل مزدوج من النحاس الذهبي اللامع ويعمل بالضغط. كان جزداناً حقيقياً للنقود القديمة، وهو تحفة نادرة. وكان خفيفاً جداً، ولا يُحِدثُ قفله أيَّ صوت عند فتحه أو إغلاقه: ولكنه كان فارغاً دون شك. وتمنى "كوكا كولا" أن يجد فيه بعض القطع النقدية القديمة، ليتمكن من بيعها لأحد هواة جمع النقود الأثرية!‏

كان الجزدان يتألف من طبقتين منفصلتين مع قفل خاص لكل منهما. وعندما فتح الطبقة الأولى وجد مفاجأة عظيمة عظمة ورقة نقدية من فئة المئة فرنك، وهي التي وجدها بالضبط، ورقة جديدة طواها ووضعها على الطاولة.‏

- يا للحظ السعيد!‏

وصار يحاول أن يحصي عدد قطع العلكة وزجاجات الكوكا كولا التي كانت المئة فرنك تمثلها. وكان هذا بالنسبة له صعباً، لأنه لم يكن أبداً لامعاً في مادة الرياضيات، ومع ذلك كان سعيداً جداً، لأن الحظ ابتسم أخيراً لأكثر الناس ضعفاً. وفتح الطبقة الثانية:‏

-هذا مستحيل!‏

وجد ورقة ثانية من فئة المئة فرنك، طواها ووضعها إلى جانب الورقة الأولى، بعد أن خصّها بنظرة حنون تعادل نظرته الأولى. ولم يعرف تماماً عدد العلكة وزجاجات الكوكا كولا التي أصبحت تعادلهما الآن. لكنه اكتفى بالتفكير بأنه يكفيه أن يضاعف نتيجة العملية الأولى ليأخذ فكرة عن الكمية الرائعة التي تمثلها، ابتسم، وبما أن الابتسام لم يعد كافياً؛ أخذ يضحك بصوت عال، وبكل قوته.‏

وأخيراً، وبعد أن هدأت انفعالاته، تحقَّق جيداً من أن المحفظة خالية من أية نقود، ثم أقفلها.‏

لم يكن قد حدث قبل الآن، أن واتاه الحظ وأمسك بورقتي نقد من فئة المئة فرنك بيده، وكانتا ملكه وحده.‏

"أين يخبئهما؟.. في المحفظة نفسها طبعاً! كما يجب أن يخفي هذا الكنز بعيداً عن متناول أعين ويدي عمه" وفتح الطبقة الأولى ليضع ثروته... صُعِق!‏

- لقد وجد ورقة جديدة، نعم، ورقة ثالثة! ثلاثمائة فرنك! تمتم قائلاً دون أن يجرؤ على تصديق ذلك: - حسنٌ، هذه نقود!‏

مئة فرنك لشراء العلكة، ومئة للكوكا كولا، ومئة لشراء ألعاب سحرية ليقتسمها مع أفراد "قبيلة الخمسة". مئة فرنك من الكرات ذات الرائحة الكريهة، والشعر للحكّ، والسائل الجليدي المقرص، ومفرقعات، وبودرة العطس...و..‏

وكيف له أن يعرف... لننظر قليلاً من الناحية الأخرى... آ آ ا ا ه ه!! ورقة رابعة! كلا، لكن أربعمائة فرنك! وأخذ يضحك، ويضحك! وكان كلما أقفلها وأعاد فتحها وجد أورقاً جديدة! سحر! هذا سحر! ما هذا الاختراع؟! أوه! كيف ستكون تعابير وجوه أصدقائه غداً عندما يخبرهم... كلا، لن يقول شيئاً لأحد.‏

وكدس الأوراق المالية التي حصل عليها بعضها فوق بعض مدة خمس أو عشر دقائق، على أية حال، إنه الوقت الكافي الذي لزم لرائحة القنَّبيط المحروق لتصل إليه وتسحبه من مقعده.‏

- اللعنة! القِدر!.. هذا لا يهم؛ بكل هذه الأموال، أستطيع شراء قدر جديدة آخرى!‏

ورمى بالقدر ومحتوياتها في سلة القاذورات، وعاد إلى جزدانه السحري ناسياً جوعه، ولم تتوقف هذه التحفة الثمينة عن الإنتاج خلال النصف الأول من الليل بأكمله. وكوكا كولا يجمع ويرصف الأوراق، كل عشر منها معاً، ثم أخذ يجمع كل عشر حزم من الأوراق في رزمة واحدة، ويضعها في حقيبة كتبه. لقد أصبح مليونيراً بالفرنكات القديمة، وإذا تمكن من البقاء وحده طوال الليل؛ فسوف يصبح مليونيراً بالفرنكات الجديدة.‏

لكن عمه عاد فجأة.‏

ولم يتمكن كوكا كولا إلا من إخفاء جزدانه، بينما ظلت الأوراق النقدية كلها على الطاولة، ورآها عمه ففتح عينيه مشدوهاً.‏

- إيه! أين وجدت هذا؟‏

ولم يكن لدى الفتى متسع من الوقت للتفكير، وكان عليه أن يحسن استغلال نباهته، ولم يكن ينوي أن يكشف سره، وبالأحرى لم يعرف كيف يشرح ما حدث، ثم إنه كان من الأفضل له أن يفقد ثروة كبيرة كهذه من أن يفقد "الشيء" الذي أنتج هذه الثروة.‏

أجاب بهدوء مصطنع: -لقد وجدتها في الشارع.‏

- ماذا؟ كيف هذا؟ في الشارع؟!‏

- نعم!‏

- هل فقدها شخص ما؟‏

- بكل تأكيد، إنني لا أعتقد انه رماها في صندوق القمامة.‏

وتلمَّس العم كل الأوراق النقدية، وفحصها على ضوء المصباح.‏

- الحق يقال، هذا الشخص ربح الجائزة الكبرى في اليانصيب.‏

قال كوكا كولا بكل عبقرية: - ولمن نعيد المبلغ إذا كنا لا نعلم من الذي فقده؟ وبينما كان العم يخلع معطفه البائس ووشاحه الممزق وجد جواباً مناسباً، وقال أخيراً:‏

- سوف نضع إعلاناً صغيراً في الجريدة المحلية.‏

- ألا تعتقد أنه سوف يكون هناك العديد من "الزبائن"؟‏

- هم، هم.. هذا صحيح. سوف نأخذ المبلغ ونسلمه للشرطة.‏

- للشرطة؟ -صرخ كوكا كولا- كل هذا المال؟ ولكن هذا سيوقعنا في ورطة كبيرة معهم.‏

قال العم وهو يفتش في المطبخ:‏

- أوه! إنها بالطبع ليست نقوداً مسروقة، أنت تعرف ذلك.‏

- أين القنَّبيط؟‏

- احترق، في صندوق القمامة!‏

دمدم العم غاضباً: -كيف في صندوق القمامة؟ وهو يضع لنفسه شطيرة من جبنة الكاممبير، وأخذ يأكل وهو يقرأ بعض السجلات التي سقطت من جعبته وتناثرت على الطاولة بين الأوراق المالية، وبعد فترة، نهض وتثاءب ثم قال:‏

- إنني أشعر بالنعاس، لقد تجاوزت الساعة الواحدة صباحاً، كم جمعت من المال؟‏

- يوجد أكثر من مئة وثلاثين ألف فرنك، من الفرنكات الجديدة طبعاً.‏

- هذه ثروة كبيرة! هل المبلغ كله هنا؟‏

تردد كوكا كولا قليلاً.‏

- إيه... توجد كمية منه في حقيبة كتبي.‏

لقد فضل أن يعطيه الأوراق النقدية بنفسه، لأنه كان متأكداً من أن عمه سوف يفتش في أغراضه، واحتفظ لنفسه بسر الجزدان السحري الذي يصنعها، هذا إذا أراد ذلك ثانية.‏

ونام تلك الليلة نوماً مضطرباً. وبينما كان "التمساح الشجاع" يحلم في نومه بأنه يقود سيارات كبيرة من النوع الثقيل وقد أصبح رجلاً كبيراً، و "فأرة السم" تحلم بأنها تسترق السمع لتعرف ماذا يقال في اجتماعات مجلس الصف، وهي مختفية عن الأنظار -كان كوكا كولا يحلم بأنه أغنى من "العمّ ذهب" وأذكى منه، وأنه كان مطارداً من عصابات حاولت حتى الآن اغتياله مرتين للحصول على جزدانه العجيب، وسقط مرتين من سريره.‏

إذا كنتم تعتقدون أن "التمساح الشجاع" و "فأرة السم" و "كوكا كولا" قد قضوا ليلة غير عادية، فانتظروا سماع قصته "الزئبق" كي تتمكنوا من الحكم على الأمر حكماً صحيحاً.‏

نذكر أن "الزئبق" خرج من بيت الغابة وهو يحمل منظاراً وضعه في جيبه، وهرب من الغابة بفضل خدعة "التمساح الشجاع" وركض مسافة عدة مئات من الأمتار، ودار حول البنايات الكبيرة في المدينة، من الناحية الجنوبية، وفضّل العودة عن طريق موقف السيارات الكائن تحت الأرض، خوفاً من أن يكون أحد منتظراً إياه عند المدخل الرئيسي للبناية التي يقطن فيها، وكان على حق.‏

تسلل نحو البناية المجاورة، ومشى بمحاذاة حائط المبنى واختبأ في الظل، عند زاوية الحائط، ثم أخذ يتأمل، من بعيد، المنحدر الذي تدخل منه السيارات القابعة على بعد عشرين متراً، يا للخسارة!‏

كان أسوأ حارس موجوداً هناك، لقد اختار ذلك المكان كي يستنشق الهواء النقي ويدخن غليونه بهدوء، أو أنه بالأحرى جلس هنا يراقب المكان بعد أن اكتشف نوايا هذا الولد المشاغب، يا لظلم القدر!‏

بسبب تأخير بسيط، قاموا بتجنيد كل القوى العاملة سليمة البنية، وسدوا جميع المنافذ، ولماذا أيضاً لم يقوموا بوضع حارس على صهوة جواده أمام كل شجرة من أشجار المتنزه؟ ونظر الزئبق بتمعن إلى البناية (ب)، بنايته التي كانت تنتصب أمامه، وشاهد نافذة غرفة نومه مفتوحة، في الطابق الثاني، وبجوارها نافذة غرفة نوم أهله مضاءة من الداخل، حيث كانت انعكاسات أنوار التلفزيون تتماوج على سقف الغرفة وتداعبه لكن والديه لم يكونا يشاهدان التلفزيون، لأنهما ذهبا للمشاركة في البحث عنه مع الآخرين...‏

ولمعت فكرة في ذهن "الزئبق": بما أن النافذتين كانتا مفتوحتين؛ فلماذا لا يحاول الدخول من إحداهما إلى المنزل؟ إنها، على أية حال، لم تكن عالية جداً! وعند تسلّق الأشجار القريبة... لكن الحارس كان يجلس قريباً جداً من الحائط، ونافذة غرفة والديه تطل على مدخل المرآب تحت الأرضي...‏

وأراد الزئبق أن يتأكد من أن المنزل خال من الجميع، فتسلق بهدوء شديد الشجرة، التي يختبئ خلفها من الحارس، متحاشياً تحريك أغصانها وامتطى غصناً كبيراً مواجهاً لنوافذ المنزل، وأخرج منظاره من جيبه، لا شيء أفضل من هذا المنظار في موقف كهذا.‏

وشاهد بوضوح، من مكانه المرتفع، وبفضل منظاره المقرب، شاشة التلفزيون، وتأكد من عدم وجود أي شخص أمامه، كانت الشقة تبدو خالية تماماً. لقد ذهب الجميع ونسوا إطفاء الأنوار، صحّح وضع مفتاح منظاره بحيث تمكن من رؤية شاشة التلفزيون أقرب وأوضح، وفي هذه اللحطة عُرض فيلم دعائي: كان عشرة شبان يضحكون بصوت مرتفع، ويضربون بأيديهم على أردافهم ليثبتوا جودة نوع معين من "الجينز". وفجأة، ودون سابق إنذار، تخطوا الشاشة، وتدافعوا في الغرفة، وانحنوا من النافذة، دون أن يتوقفوا عن الضحك والضجيج.‏

خفض "الزئبق" منظاره وهو لا يصدق عينيه، كانت العصابة لا تزال أمامه وتحدث ضجة كبيرة مالبثت أن لفتت انتباه الحارس الذي وجه إليهم ملاحظات كي يكفوا عن عبثهم في هذا الوقت المتأخر من الليل، فسخروا منه، وتعالى ضجيجهم وحدثت مشاجرات وتبادل شتائم، ودار الحارس حول البناية بقصد الصعود من جهة المدخل الرئيسي للبناية، ولما وصل، قرع الجرس ليستوضح الأمر منهم في الحال.‏

ما إن اختفى الحارس عند زاوية البناء، حتى أنزل الشبان سلماً مصنوعاً من الحبال، ونزلوا عليه وهم يضحكون ويقفزون في المتنزه....‏

وبقي السلم متدلياً من النافذة على الحائط، ورأى "الزئبق" في هذا إشارة واضحة من القدر؛ فاندفع بسرعة وتسلق السلم بلمح البصر، ودخل إلى غرفته، ثم سحبه إلى الداخل ولفه ووضعه تحت سريره. وما كاد يفرغ من عمله حتى سمع صوت الجرس. وذهب الفتى ليفتح الباب وقد ارتسمت على وجهه علامات البراءة.‏

قال الزئبق بكل احترام: - مساء الخير يا سيد "مطراق"!‏

- مساء الخير أيها الفاسد! وبالمناسبة، هل أنت موجود هنا؟‏

- طبعاً أنا هنا، يا سيد "مطراق"!‏

- قل لي إذاً، هل هؤلاء الشبان، الذين لا يتوقفون عن التطلع من النافذة ومضايقتي، هم أصدقاؤك، إنني لا أحب ذلك أبداً كما تعلم ! ثم إنهم يسببون جلبة ضخمة، والناس هنا يحتاجون للراحة والهدوء بعد يوم عمل مضنٍ، بينما أولئك الشبان لا يقومون بأي عمل طوال النهار، فتجدهم غير متعبين عند المساء. أين هم؟!‏

- لا يوجد أحد غيري في المنزل، يا سيد "مطراق".‏

- وأهلك؟‏

- لقد خرجوا، يا سيد "مطراق".‏

- آه، نعم! لقد نسيت... إنهم يبحثون عنك في كل مكان.‏

- ماذا؟ هذا مستحيل! إنني هنا يا سيد "مطراق". كما ترى بعينيك.‏

- إنني أرى بالفعل.... إذاً ما الأمر؟‏

- لقد عدت اليوم من المدرسة مبكراً عن العادة، يا سيد "مطراق"‏

- إيـ يـ يـ ـه؟ همـ مـ مـ مـ م! أوووووي! حسناً ليس هذا من شأني، لكن أين اختفى أولئك الشبان؟‏

- ربما كانوا في الطابق الأعلى، يا سيد "مطراق".‏

- نعم، في الطابق الأعلى... سوف أصعد لأرى.‏

- حظاً سعيداً يا سيد "مطراق"، إلى اللقاء "مطراق" أفندي!‏

أغلق الزئبق باب البيت بلطف شديد. ثم أخذ يقفز فرحاً وهو يفكر في الحارس الذي سيصعد كل طوابق البناية، وسرعان ما نسي أمر الرجل وركض إلى غرفة والديه حيث كان عليه أن يحل اللغز الذي أنقذه.‏

أغلق باب الغرفة خلفه، وجلس مقابل التلفزيون، يحدق إليه.‏

لم يدرك قبل قليل ما حدث، وأراد أن يعرف ماذا وراء هؤلاء الفتيان الذين خرجوا من هذه العلبة، هل كانت رؤيا بسيطة أم هذياناً؟‏

ولكن لا، السلم، سلم الحبال ! لولاه لما استطاع أن يصعد إلى هنا... آه، ما الذي حدث بالضبط؟‏

أخرج منظاره، من جديد، من جيب سرواله، وفحصه، ثم رفعه إلى عينيه ونظر إلى الشاشة، التي كانت تعرض أيضاً إعلاناً، وشاهد طباخاً يرتدي زيه الكامل: قبعة وكل شيء، كل شيء، وهو يطبخ على نار خفيفة، في عُشرٍ من الثانية، أطباقاً متنوعة، وذلك بفضل قدر ضاغطة، وهو يثني على ميزاتها، ومن خلال منظاره، رآه "الزئبق" يكبر ويكبر، ثم يخرج من التلفاز وهو يحمل بكلتا يديه طبقاً يحوي قطعة من لحم العجل المشوي، ويضعه على المنضدة، أنزل "الزئبق" منظاره ورأى الطباخ يقف في ركن من أركان الغرفة وهو يبتسم له، وكان اللحم ساخناً.... وكانت بعض القطع قد شُرّحت شرائح ومعدّة على نحو شهي... هم م م.. وتذكَّر أنه لم يأكل بعد، وأنه جائع جداً، انحنى الطباخ أمامه بكل أدب واحترام وطلب منه الإذن بالانصراف. وبعدما حصل عليه خرج إلى بهو البيت ثم إلى الدرج وكأنه يعرف المكان معرفة تامة.‏

بدأ "الزئبق" تناول قطعة من اللحم وهو ينظر إلى التلفاز الذي كان يعرض مجموعة من الألبان بالفاكهة، فسارع إلى وضع منظاره وحصل على مجموعة جميلة منها، وعندما شعر أنه اكتفى أنزل المنظار وحمل غنائمه إلى المطبخ حيث أكل مثل "باشا"، لقد اكتشف المقدرة الخارقة التي يتمتع بها منظاره، دون أن يحاول شرحها لنفسه. وأعتقد أنه ليس عليه أن يشرحها لأي شخص آخر، وكان كل ما عليه أن يمتّع نفسه بهذا السحر وأن يستخدمه جيداً.‏

وبعد قليل، نام في قاعة الاستقبال على مقعد والده. وسرعان ما استيقظ على صوت ضجيج.‏

لقد عاد أهله، وكانوا في غاية الإرهاق والغضب، لأنهم كانوا يبحثون عنه في كل مكان، بينما هو جالس هنا بكل هدوء، وكانوا يتساءلون من أين جاء باللحم والألبان التي كانت تغطي الطاولة.‏

وقرر الزئبق أن يأخذ زمام الأمر؛ فنهض، وبقفزة واحدة وصل إلى مكتب والده، حيث أقفل الباب على نفسه بالمفتاح.‏

ومن وراء الباب سمع الوالد والوالدة والجد والجدة والإخوان والأخوات والكلب والجيران والحارس وزوجته، كلهم يصيحون بأعلى أصواتهم، ويطلقون التهديدات التي كانت تتصاعد؛ فمن حرمانه من التحلية (متأخر جداً!) إلى حرمانه من العطلة الصيفية (مبكر جداً!)، وكان "الزئبق" ينظر إلى الباب وينتظر اللحظة التي سينكسر فيها القفل وينصب جام غضبهم عليه. فتراجع إلى الخلف مبتعداً عن الباب حتى لا يقع على رأسه في حال تحطمه. وفي هذه اللحظة شاهد "الإعلان".‏

كان والده، والحق يقال، لا يتعاطى السياسة، ولم يكن ينتمي إلى حزب سياسي معين؛ لكن كانت له أفكاره التي يدافع عنها ولا يأبه لنشرها والجهر بها. وكانت قد جرت في الشهر الماضي انتخابات لتعيين رئيس الجمهورية؛ فاختار الأب مرشحه، وقام بالدعاية له في كل مكان تقريباً، وعلق صورة كبيرة له في صدر مكتبه، وتم انتخاب هذا المرشح بالذات رئيساً للجمهورية، إما بالمصادفة، أو بفضل جهود الوالد... وربما لسبب آخر لا يعلمه.. وهكذا أصبحت صورة هذا المرشح هي صورة رئيس الجمهورية.‏

كان "الزئبق" لا يتعاطى السياسة قط، فهو لا يعرف مثلاً متى خُلع ملك فرنسا، أو أن ذلك قد تم مرات متعددة... ولم يخطر بباله من قبل أن يطلب من رئيس الجمهورية أن ينقذه من ورطة مع والديه، لكن الآن، ونظراً لأهمية الظروف التي يمر بها، والوضع المتوتر الذي يعيشه، فقد كان بوده أن يعرف إذا كان منظاره يملك.. مقدرة سحرية على الإعلانات الانتخابية كالتي يمارسها على الإعلانات التلفزيونية.‏

فأمسك به ورفعه إلى عينيه...‏

وعمل السحر عمله! وكان هذا دليلاً واضحاً وكافياً على أن الإعلان الإنتخابي يعادل دعاية تلفزيونية جيدة. وأخذ المرشح الذي صار رئيساً للجمهورية يتحرّك ويبتسم وقد عادت إليه الحياة....‏

ثم خرج من الصورة، وأخذ شكله الطبيعي في غرفة المكتب.‏

ووقع "الزئبق" فريسة شعوره بالضيق والحرج من الضجة التي كانت تصدر من الغرفة المجاورة.‏

- هم م م. قال ببساطة.‏

- يا صديقي الصغير - قال الرئيس بصوت دافئ- من الأفضل أن نفتح باب المكتب، وإذا اقتصر الأمر على مطالبة بسيطة فسوف نقوم باللازم.‏

فتح "الزئبق" الباب، فاندفع إلى المكتب عشرات الأشخاص ، ووقع بعضهم فوق بعض، وفي خضم هذه المعمعة، سمعت تصّرفات وتساؤلات عديدة حول الشخص الموجود إلى جانب "الزئبق" وأخيراً، نهض الجميع بسكون وتثاقل، والدهشة تملأ نفوسهم.‏

- لقد كنا في اجتماع، قال الزئبق بصوت مرتفع.‏

وسمعت بعض الهمسات؛ فقد تعرَّفوا إلى الرئيس، لأنهم كانوا قد شاهدوا صوره، على شاشة التلفزيون وجدران المدينة، والحملة الانتخابية لا تزال حية في أذهانهم، والأغرب من ذلك أن الرئيس بدا وكأنه يعرف والد "الزئبق" معرفة جيدة؛ مما أعطى لهذا الرجل الشجاع شهرة ودعاية كبيرتين خدمتاه طويلاً، بعد زوال المفعول السحري.‏

ودعي الرئيس لتناول طعام العشاء، ولم يجرؤ أحد على سؤاله عن سبب قدومه إلى هنا. وفشلت والدة "الزئبق" في إعداد أي طبق، وهدرت بذلك أموالاً كثيرة مما أدى إلى انهيار أعصابها:‏

فاضطروا لحبسها في غرفة صغيرة بعيداً عن الرئيس.‏

وشعر "الزئبق" أنه انتقم لنفسه، وبدا مثل سيِّد كبير، ثم اختفى لحظات معدودات في غرفة أهله، حيث استغل عرض آخر الأفلام الدعائية لهذا اليوم، وأخرج منها ما يكفي لإطعام مجلس الوزارء بأكمله، وكل ذلك بفضل منظاره العجيب.‏

يبدو أن الإعلانات التلفزيونية تهتم كثيراً جداً بالطعام!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244