|
||||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:45 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | أدب الطفل1998 | أدب الطفل1997 |
|
عينا السيدة «بلوشون» المستديرتان لم تأخذ "الريشة السريعة" أي شيء من السقيفة معها، وهكذا لم يكن بحوزتها أي سحر عندما كان عليها مواجهة قوات "الخيالة الخامسة" ولكن يمامة بيضاء رافقتها طول الطريق، ولا يعرف أحد من أين جاءت أو من أي قفص طارت، وسارت وحيدة بعد أن فرّ أصدقاؤها واختفوا. استطاع العدو اكتشاف "الريشة السريعة" فوراً، بعد ابتعاده عن "التمساح الشجاع"، وتعرفوا عليها بسرعة كبيرة لأنها لم تكن تملك شارباً ولا تتمتع بموهبة الاختفاء؛ فأحاطوا بها وأوقفوها. وعند طرف الغابة، في الليل المظلم، انطلقت الأسئلة من كل ناحية كالصواريخ. - "ساندرين"! ماذا تفعلين هنا؟ - لِمَ لم تعودي إلى البيت في الوقت المحدد؟ - أين الآخرون؟ - كم كان عددكم؟ - ماذا كنتم تفعلون خلال هذا الوقت؟ - متى ستنتهي هذه المهازل؟ - ألا تدركون أنكم تبالغون كثيراً معنا هذه الأيام؟ - هل يجب أن نحبسكم؟ - أهذا ما تريدونه؟ - إنكم محظوظون جداً، هل تعتقدون أنه كان بإمكاننا أن نفعل ما تفعلونه الآن عندما كنا بمثل عمركم؟ - وما الذي ستخترعونه غداً؟ - والدروس؟ هل أنا التي سأدرسها عنكم؟ لم يكن باستطاعة "الريشة الخفيفة" الرد على هذه الأسئلة، لأنهم وعلى أية حال، لم يتركوا لها فرصة للكلام، ثم إن الإجابات التي كانت ستعطيها ستزيد الأمر سوءاً. وما لبثوا أن أمسكوا بها، وراحوا يشدّونها ويتنازعونها، ويدفعون بها، وحاولت، دون جدوى، في أثناء هذا الهياج أن تجد عذراً مقنعاً أو سبباً كافياً لتبرير تأخرها، خاصة وأنها أقسمت على كتمان السر حول نشاطات "قبيلة الخمسة". وبعد أن كانت الحمامة قد هربت عند قدوم الزمرة المتوحشة، عادت تحوم حول "الريشة السريعة". ورأتها السجينة المسكينة. صاحت الريشة السريعة دون أن يسمعها أحد: - آه، يا حمامتي! فحطَّت الحمامة على كتفها، وكان الفريق الهائج قد وصل إلى وادٍ مضيء، فشاهدها الجميع. - حمامة! من أين أتت؟ - هل هي لك؟ - أين وجدتها؟ - ياه، ما أجمل هذا الطير؟. وتوقفت فرقة الخيالة، وقد أغشى الطائر البديع عيونهم، ونسوا تقريباً الفتاة الصغيرة وعودتها المتأخرة، وحاول كل منهم تناول الحمامة أو مداعبتها أو التحدث إليها أو إمساكها أو إيقافها على أصابعه؛ ولكنها في كل مرة كانت تهرب وتعود لتقف من جديد على كتف أو رأس أو سبابة "الريشة السريعة". وهكذا تحولت المعركة إلى عيد كبير، وعاد الجميع إلى المدينة، دون أن يفكر أحدهم بالأسباب التي دفعتهم إلى الذهاب إلى الغابة. صعدت "ساندرين": "الريشة السريعة" إلى منزلها، ترافقها الحمامة التي قررت الإقامة على زاوية مائدة الطعام، وكان هديلها الجميل واصطفاق جناحيها وقفزها من مكان إلى آخر، يستأثر بألباب واهتمام العائلة بأكملها. وبينما كان الأهل والإخوان والأخوات يلعبون مع الطائر حضرت "الريشة السريعة" الطعام لنفسها، وأكلت بنهم، وشاهدت التلفزيون حتى آخر نهاية الإرسال، ثم ذهبت لتنام، ولم يكلمها أحد بعد ذلك أو يسألها عن سبب فرارها. وبدا جلياً أن الجميع قد نسوا هذا الموضوع. كان اليوم التالي يوماً عادياً في المجمع الدراسي "كورنتين -كلايبون" وعندما انتشر التلاميذ في ساحة المدرسة، قبل دروس الفترة الصباحية، اجتمع أفراد "قبيلة الخمسة" في ركنهم الصغير المفضل، بعيداً عن أعين وآذان الفضوليين، ثمّ لاذوا بالصمت إزاء أحداث الليلة الماضية، و اكتشافاتهم السحرية وعودتهم غير المألوفة؛ وذلك لأنهم لم يتجرؤوا على الحديث عنها، ولم يتصور أي منهم أن السحر الذي ساعده قد امتد ليشمل رفاقه الآخرين، واعتقد أنه الوحيد الذي يملك قوة سحرية فريدة في نوعها، وإن بقي مصدرها مبهماً عليه، ولم يرَ أنه من الضروري كشفها للآخرين، خوفاً من أن يسخروا منه أو أن لا يصدقوه. دخلوا الصف وبعضهم يتغامز مع بعضهم الآخر، وقد قرر كلٌّ منهم، في قرارة نفسه، أن يستعمل سحره، وأن يكشف عنه لرفاقه لاحقاً، بعد أن يكون قد أثبت مفعوله. ونتيجة هذا الالتباس، فقد أجمعوا، دون قصد، على ضحية بريئة واحدة هي السيدة "بلوشون"، التي كان عليها أن تفتح عينيها إلى أقصى مدى حيث بدتا كصحون صغيرة، وأن تتساءل مرات عديدة طوال هذا الصباح عما إذا كانت قد فقدت عقلها فعلاً؛ وذلك لأن كل الألاعيب التي ابتدعوها كانت لشدة إدهاشها تؤدي حتماً إلى مثل هذه النتيجة. بدأت الأحداث بلعبة من "فأرة السم"، عندما طلبت منها المعلمة أن تسمّع درسها، واكتشفت هذه الأخيرة أن الفأرة ليست في الفصل، فقد كان مقعدها في الصف الثاني خالياً، ثم اتضح أن هذا غير صحيح، لأن "فأرة السم" كانت تلقي قصيدتها من مكان ما من الفصل، دون أن يتمكن أحد من تحديده بالضبط، وعندما انتهت من إنشادها شوهدت واقفة أمام السبورة تبتسم وهي تنتظر الحصول على درجة جيدة. لقد أسمعت الدرس دون أدنى خطأ، لكن السيدة "بلوشون" كانت قد فقدت صوتها، وعادت "فأرة السم" إلى مقعدها، وتعثرت في طريقها بين المقاعد بحقائب التلاميذ المرمية على الأرض، ووقعت، وعندما حاولوا مساعدتها على النهوض لم يجدوها، ونادتها المعلمة التي بدأت تستعيد شيئاً فشيئاً صوتها عدة مرات، ففتح باب الصف، ودخلت "فأرة السم" وهي تتمتم بضع كلمات تعتذر بها عن تأخرها! وجلست أخيراً في مكانها ولم تتحرك بعد ذلك. رفعت السيدة "بلوشون" رأسها، ووجدت أن الطقس حار؛ فأعطت إشارة لفتح النافذة، ولكن هذا لم يصلح الموقف إذ أخرج "الزئبق" من جيبه منظاره، وأخذ يراقب الطريق. وعندما أرادات المعلمة أن تصادره، سُمِعت في الخارج صيحات ومناقشات حادة، وانتهى الأمر بجلبة شديدة، فاندفع التلاميذ إلى النافذة، واستطاعت المعلمة بعد جهد كبير، أن تلقى نظرة "ضرورية" على الشارع، من فوق أكتاف الجميع. كان الجدار المواجه للمدرسة مغطى بالإعلانات الدعائية وأصبح مكانها الآن عبارة عن حفر كبيرة تخرج منها إلى الطريق أنواع متعددة من الشخصيات تنبع من الإعلانات التي كانت ملصقة عليه. فهذا نوع من عصير الفاكهة الغريبة، يستحضر بالصور مباهج حمّامات البحر، ويرمي في الشارع "مجموعة صناعية" من النساء اللواتي يرتدين "مايوه البيكيني" والنظارات الشمسية، من ذوات الابتسامات الحارة واللون البرونزي، وهن يشربن عصير الفاكهة بوساطة المصّاصة/ قشة المص/. وما كنّ ليصدرن هذه الضجة الكبيرة لولا أن إعلاناً مجاوراً تحرر في اللحظة ذاتها مطلقاً حشداً فوضوياً من ميكانيكي السيارات الفخمة، مكلّفاً بتعريف المارة على نوع من زيوت السيارات ذي مواصفات فريدة في نوعها، وقاموا، فعلاً؛ بصب محتويات الصفائح التي يحملونها على قارعة الطريق، مما أدى إلى انزلاق النساء "بالبيكيني" وارتفاع الصيحات والمناقشات التي لفتت انتباه الصف ومعلمته. كانت هناك إعلانات أخرى. وقع نظر "الزئبق" الحاد على إعلان لنوع من الأجبان، معروض مع مجموعة فلاحين يرافقهم قطيع من الأبقار، وجاء هذا الجمع البديع لينضم إلى الجمهرة، وطغى خوار البقرات ورنين أجراسها على جميع الأصوات الأخرى، بينما كان الجميع يلوصون، بمرح، بالزيت اللزج، وينزلقون عليه بأيديهم وأرجلهم أو على ظهورهم، وهم يحاولون بيأس التمسك بمقاعد جلدية كان بعضهم قد انتزعها من إعلان "كل شيء للمنزل!" وحضروا بعد ذلك عرضاً مدوياً لمطاحن كهربائية تطحن البن، ولرحلة طيران تزلجية مقززة لدراجات يابانية، ثم شاهدوا عرضاً لحشد متشابه من صور للأم "دينز" وهن يمشين بخطا متزنة وقد اصطفت كل ثلاث منهن مع بعضهن، وكل واحدة تدفع أمامها عربة وضعت فيها الغسيل النظيف. وبعد قليل، نُثِرَ نوع من مسحوق الغسيل على الأرض، مما أدى إلى امتصاص زيت المحركات فوراً. وهكذا، احتشد كل تلاميذ المدرسة على النوافذ، من الصف الأول الابتدائي حتى الثالث الثانوي، وكانوا يصفقون فرحاً لكل مشهد من مشاهد العرض. وانتهت الفترة الصباحية بعرض لعصابة من السُّكارى الذين استولوا على محتويات إعلان دعاية للخمرة والكحول. ضبطت السيدة "بلوشون" أعصابها، واستجمعت شجاعتها، بعد أن أغلقت نوافذ الصف، وقررت إعطاء درس في الرياضيات، مع أنها كانت تتوقع مواجهة صعوبة كبيرة في تنفيذ ذلك. كانت مهمة الشخصيات التي حررها واستحضرها منظار "الزئبق" السحري هي تقديم المساعدة لمن أطلق سراحها. وما دامت قد بقيت في الشارع فإنها لن تشكل سوى عرض رائع. ولكن العكس هو ما حصل، بعد أن دخلت واحتلت ساحة المدرسة. وقد جرى ذلك في فترة فسحة الظهيرة تماماً؛ فعندما نزل التلاميذ والمعلمون إلى الباحة وجدوا أنها قد تحوّلت إلى ساحة معرض حقيقي، حيث خصصت كل شركة لنفسها منصة، وعرضت عليها منتجاتها، وكان الإقبال على منصة "البيكيني" شديداً، مع أنها لم تكن للبيع، واندفع الجميع نحو منصات بيع عصير الفاكهة، والأجبان، وكذلك إلى منصة بيع نوع جيد من السكاكر. اشترك الأساتذة والمعلمون والمدير في هذه الهستيريا الجماعية، وراحوا يجربون السيارات الجديدة، والدراجات والمقاعد والثلاجات وفراشي الأسنان وأجهزة التلفزيون، وأبسط من ذلك بكثير، كان كل أنواع "بيرة الألزاس". يا للخسارة! لم يكن هناك شيء يوزع مجاناً كل شيء كان للبيع، وسال لعاب التلاميذ أمام الحلويات المعروضة، ولم يكفِ مصروف الجيب الذي كان يحمله بعضهم إلا ليطفئ عطشهم الفتي في الخمس أو العشر دقائق الأولى من الفرصة. وحانت ساعة عمل "كوكا كولا"! خلال الفترة الصباحية، وفي ظل مقعده، كان "كوكا كولا" قد صنع، سراً، مجموعة من الأوراق النقدية من فئة المئة فرنك. فصعد بسرعة لإحضارها، ولما عاد كان يحمل حقيبة مليئة بها. جلس في ركن من أركان الباحة وراح يوزعها واحدة تلو الأخرى لكل من كان يطلبها، وبما أن "كلاً منهم" كان يريدها، فقد أصبح، خلال ربع ساعة، التلميذ الأكثر شهرة ضمن فريق مدرسته، وعندما انتهى مخزون الأوراق، وقد حصل هذا بسرعة، كان عليه أن يصنع أوراقاً أخرى من جديد، وظل يفتح ويغلق، دون توقف، جزدانه العجيب الذي صار قفله يحرق أصابعه. استطاعت السيدة "بلوشون" أن تبقى بعيدة عن هذا "المستنقع" الإعلاني، ووقفت كالتمثال في أعلى السلم، وأخذت تنظر بدهشة كبيرة ممزوجة بشيء من الاشمئزاز، إلى هذه المهزلة المجنونة الصاخبة التي كانت أحداثها تدور تحت قدميها. ولم تقم بشراء أي شيء وعندما دق الجرس انتهاء الفرصة، كانت هي الوحيدة التي استطاعت أن تجمع تلاميذ صفها وكان "التمساح الشجاع" هو التلميذ الوحيد الذي تخلف عن ندائها، كان المدعوون "الخبراء" قد شاهدوا الكثير هذا الصباح ولم يساورهم شك في أمر غيابه. بعد فترة قصيرة من بدء الدرس، سُمِع طرق على باب الفصل، فتحت السيدة "بلوشون" الباب، فدخل المدير يتبعه رجل طويل في مقتبل العمر، ذو شارب وذقن، واتضح أنه المفتش الجديد للمرحلة الابتدائية، وقف الجميع لهما باحترام، ورسمت السيدة "بلوشون" على شفتيها ابتسامات عريضة، لم يكن ينقصها سوى إعلان جيد لمعجون أسنان. انصرف المدير، وقام المفتش بطرح بعض الأسئلة على بعض التلاميذ في جدول الضرب وتاريخ فرنسا. وعلى الرغم من الأخطاء العديدة في إجاباتهم، حكم بأن هؤلاء التلاميذ يستحقون علامات جيدة جداً، وترتيباً "ممتازاً"، مما أدى إلى إثارة دهشة المعلمة. وربما كانت المصادفة البحتة، او أي شيء آخر هو الذي جعل كل التلاميذ الذين وُجهت إليهم الأسئلة ينتمون لهنود "قبيلة الخمسة". وبعد ذلك، بحث المفتش في دروج مكتب المعلمة، حيث وجد كل الأشياء والحلويات والسكاكر المصادرة من الطلاب خلال الشهور السابقة، فنصح بإعادتها لأصحابها، مضيفاً بأن السكاكر يمكن استهلاكها الآن إذا رغب الأولاد في ذلك. ورغب الأولاد في ذلك طبعاً! وأخيراً، طلب المفتش من السيدة "بلوشون" أن تغني أغنية، وكانت هذه، من سوء حظها، نقطة ضعفها، هي التي تتمتع بميزات أخرى جليلة، وكذلك بمعرفة تامة وعميقة بقواعد اللغة والنحو. لكن هذه الناحية الأخيرة لم تكن لتلفت انتباه المفتش الجديد، الذي أصر على الغناء "الموسيقى -شرح هذا الأخير قائلاً- يجب أن تأخذ مركزاً كبيراً في حياة الفصل، ويجب أن تمارس مرات أكثر. بينما يجب أن تخفض ساعات القواعد، أو حتى.. تُلغى!" كانت السيدة "بلوشون" ما تزال تحت تأثير زيارة المفتش الجديد المفاجئة لصفها، وكذلك تحت تأثير أحداث الصباح، فأصدرت أصواتاً ناشزة، فانفجر جميع التلاميذ بالضحك، من وراء كتبهم، حتى المفتش أيضاً أخذ يضحك، ثم شكرها بأدب وخرج. وانتهت الفترة الصباحية بدرس موسيقى، بعد ذلك قام المفتش بزيارة فصول أخرى، وأخذ جميع تلاميذ المدرسة يغنون بأعلى صوتهم حتى الساعة الحادية عشرة والنصف. وخرج التلاميذ إلى الشارع مثل المجانين، ولم يستطع أحد منهم أن يتناول وجبة غدائه، لأن السكاكر والحلويات والمشروبات التي اشتروها بفضل نقود "كوكا كولا" قد ملأت بطونهم، وقليل منهم من لم يعانِ من عسر الهضم في ذلك اليوم. وفي بداية فترة بعد الظهر، عاد "التمساح الكبير" للظهور في المدرسة وكأن شيئاً لم يكن، مع أنه بدا عليه أنه كان على اطلاع كبير ومعرفة لزيارة المفتش التي لم يحضرها، وحضر أفراد "القبيلة" جميعاً، ولكن نسبة الغياب في الفصول كلها كانت عالية جداً. ولم تأت السيدة "بلوشون" أيضاً، مع أنها لم تحشُ معدتها بالحلويات، انتظرها الجميع أكثر من ساعة، وعندما لم تحضر، فحص المدير نشرة الأرصاد الجوية، والبرامج المدرسية وكذلك المدرسين وقرر في النهاية أن تعطِّل المدرسة عطلة عامة هذا اليوم، قوبل القرار بتصفيق حار من الجميع. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |