هنود شارع جول فيري - تأليف:فرنسواز سوتيرو - ترجمة:وفاء شوكت

رواية للفتيان - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية أدب الطفل1998 أدب الطفل1997
 

السيدة « بلوشون» تسبِّب مشكلة

انطلق الأصدقاء بسرعة كبيرة نحو "منزل القبيلة" في الغابة، تاركين وراءهم تلال القرميد الحمراء للمجمع الدراسي "كورنتين -كلابيون". وكان عليهم أن يسيروا صفاً واحداً، وسط الجبال البرية بين البرج "ف" والبرج "ج" ثم داروا حول قلعة "جول فيري" ومساكن الطاحونة الصفراء المخيفة: أماكن تجمع الوجوه الشاحبة العملاقة والمريبة؛ حيث يقف خلف كل نافذة جاسوس. ثم ساروا بمحاذاة "مناجم الخير" التابعة للمركز التجاري، ودخلوا أخيراً غابة "سان أناتول" المقدسة.‏

لكن القدر كان قد خبأ لهم وجهة مختلفة!‏

عندما وصلوا إلى المركز التجاري، وجدوا عند مدخله حشداً كبيراً من الناس، فوقفوا صامتين. ثم اقتربوا بهدوء واكتشفوا وجود سيارات إطفاء وإسعاف، وآليات عسكرية. وكان بعض رجال الشرطة يركضون فوق أسطح المباني المجاورة.‏

قال الزئبق: - لقد حدث حريق!‏

أضافت فأرة السم: - ويوجد مصابون!‏

قال التمساح الشيخ: - لم تحزروا- إنني أعتقد أن الأمر مختلف تماماً. انظروا: هناك رجال على أسطح المباني، وهم مسلحون...‏

سرت قشعريرة في جسد كل واحد من الخمسة، وثار لغط في صفوف المتفرجين.‏

قال كوكا كولا: - وماذا تعتقد؟‏

والتفتت سيدة من بين الجموع إليهم، وقالت:‏

- إنها عملية سطو على البنك، وعندما لم يستطع اللصوص الهرب، تبعاً لمخططهم، احتجزوا خمسة رهائن. اذهبوا من هذا المكان، ليس لكم شيء تفعلونه هنا.‏

سأل الزئبق: - هكذا إذن!... منذ متى.؟‏

- منذ الثانية عشرة ظهراً.‏

- أوه! وهل هم محتجزون منذ ذلك الوقت؟‏

- طبعاً، والآن هيا، اذهبوا من هنا. أكرر فأقول إن هذا ليس من شأنكم.‏

قال التمساح الشجاع: - ليس هذا من شأن أحد. اذهبي أنتِ إذا شئتِ.‏

ولكن المتجمهرين كانوا قد لاحظوا وجودهم، وبدا عليهم الغضب:‏

- لا مكان للأطفال هنا!‏

- هذا خطر! اذهبوا‏

- ألا تفهمون؟!‏

وبالفعل، بدأ رجال الشرطة يبعدون الناس، واضطر أفراد القبيلة للتراجع قليلاً، وهم يتابعون الموقف بتأثر بالغ.‏

قالت الريشة السريعة: - إن هذا يشبه أفلام التلفزيون.‏

- بسرعة! لنعد إلى منازلنا لنرى ما الذي سيحدث.‏

أمر التمساح الشجاع: - ليهرب كل واحد بجلده! سوف نهتم بأمر "الأب مطراق" فيما بعد. سوف نجتمع مجدداً بعد حصولنا على معلومات جديدة عن الحادث.‏

وعند هذا الحد افترقوا. وركضت "الريشة السريعة" نحو منزلها، واندفعت داخل المصعد، وقرعت الجرس، فتح أخوها باب البيت.‏

- مرحباً يا "ريشة الذيل"، تبدو عليك العجلة!‏

- ابق مهذباً ما دمت لست جذاباً!‏

- ماذا؟ لم أقل شيئاً خطيراً.‏

- سوف نتناقش في هذا فيما بعد. هل علمت بما حصل؟‏

- بماذا؟‏

قالت الريشة السريعة: - بقضية الرهائن؟‏

- لا شك، الجميع على علم بذلك.‏

- أين والدتي؟.‏

- عند الجارة، ولكن لا تنفعلي هكذا! إن وجبتك الخفيفة تنتظرك في المطبخ.‏

- وماذا تفعل عند الجارة؟‏

- ذهبت لتتحدث حول مشكلة الرهائن.‏

- هل تعرف كيف حدث ذلك؟ هل هناك قتلى؟ هل بينهم أشخاص نعرفهم؟ هل هرب أحد من اللصوص؟‏

هل رأى أحدهم ما يحدث في الداخل؟ وفي أي بنك حدث هذا؟ قص علي الذي جرى بدلاً من أن تجلس هنا دون فائدة.‏

- إيه! أووه! ضعي ريشتك في حنجرتك وأقفلي فمك قليلاً! وإذا تركتني أضع الريشة لكِ بنفسي، فسوف أتلو عليك آخر الأنباء. إنها تخصك كثيراً! اجلسي يا عجوزي!‏

ذهبت الريشة السريعة وأحضرت خبزاً وشوكولا من المطبخ، وجلست أمام أخيها، ووضعت اللقمة الأولى في فمها: -إذاً؟‏

قال الأخ: إليك القصة، في البداية اعتقدنا أن السطو تم على البنك الموجود في المركز التجاري.‏

وهذا خطأ، إن عملية السطو تمت في سوبر ماركت "الأسعار المتورِّمة"؛ كانوا ثلاثة لصوص، وقد جاؤوا لسرقة الخزينة، وباختصار، لم تجر الأمور حسب مخططهم، فاضطروا لاحتجاز خمسة رهائن، وهم الآن يطالبون السلطات بفدية لا أعرف قيمتها بالضبط وبسيارة مليئة بالوقود.‏

- لماذا لم يسطوا على البنك؟‏

- لاأعرف ما هي مخططاتهم، لكنني أعتقد أن السوبر ماركت المذكور لا يتمتع بحماية مثل البنك.‏

- وهل تعتقد أنهم سيقتلون الرهائن؟‏

- لا! أتمنى ألا يفعلوا ذلك، لأنك سوف تجدين صعوبة في إنهاء عامك الدراسي، إذا وصل الأمر إلى هذا الحد!‏

- إنني لا أرى علاقة بين الأمرين؟!‏

- مع أن العلاقة كبيرة جداً. تمسكي بمقعدك جيداً:‏

يوجد بين الرهائن الخمسة الذين كانوا يتسوقون وقت الحادث مدرّستك، وصغيرتك السيدة "بلوشون" العزيزة، والتي هي حبك الأكبر السيدة "بلوشون"!‏

صاحت "الريشة السريعة" وهي تنهض وتوقع خبزها والشوكولا:‏

- ماذا؟ ماذا نقول؟‏

- حسن... نحن لا نريد ذلك، لكن هذا ما حدث كانت السيدة "بلوشون" تشتري حاجياتها، ثم، هكذا...‏

- السيدة "بلوشون"! أوه، هذا مريع!‏

- ليس مريعاً أكثر أو أقل منه للآخرين، اذهبي!‏

همست "الريشة السريعة" من جديد وهي تعود إلى الجلوس: - السيدة "بلوشون!"‏

- قولي إنك لا تريدين أن يغمى عليك؟‏

- السيدة "بلوشون"! ولكن.. ليس لهم الحق في أخذها منا.‏

- حسن، هذا لا! ليس لهم الحق في ذلك، لكن، كما ترين، إنهم يأخذونها مع ذلك.‏

- هذا مخيف! إذا لم يحصلوا على مبتغاهم فسوف يقتلونها!‏

- ومن أين لي أن أعرف؟‏

ودقت الساعة الموضوعة على المدفأة، وخيم على الغرفة صمت طويل. ولم يُجب الأخ، وترك أخته تبكي سراً وهي جالسة على كرسيها.‏

قال أخيراً: - يجب عليك أن تنادي يمامتك!‏

تأوهت "الريشة السريعة": - أوه! وهي ترفع نظرها نحوه فابتسم لها وذهب.‏

صاحت الريشة السريعة:‏

- أيتها اليمامة! أيتها اليمامة! كان الطير، على ما يبدو، يقف بالقرب منها، وبعد أن صفق قليلاً بجناحيه، جاء وحط على كتفها، وفي هذه اللحظة تحديداً انجلت أفكارها، وبدأت تفكر بما يجدر القيام به، فإذا كانت هناك فرصة لأصدقائها كي يستخدموا قواهم السحرية بذكاء؛ فيجب أن تكون في إنهاء عملية احتجاز الرهائن هذه.‏

ودون أن تنتظر والديها لتأخذ رأيهما، ولثقتها الأكيدة بأنهما لن يخالفاها رأيها، انسلّت خارجة بهدوء من باب المنزل ونزلت الدرج مسرعة.‏

كان أفراد القبيلة الآخرون قد تلقوا الخبر في الوقت ذاته تقريباً. وكانوا مجتمعين فوق مربع "العشب الندي" بين موقف السيارات العلوي وساحة الملعب المخصصة للصغار، على بعد خمسمئة متر فقط من المركز التجاري.‏

سألت "فأرة السم"، بعد أن عرضت "الريشة السريعة" فكرتها عليهم:‏

- هل تعتقدون أنه سيكون بإمكاننا عمل شيء ما؟‏

قال التمساح الشجاع: - بالتأكيد. سوف نكسر رؤوسهم وننقذ السيدة "بلوشون"‏

- والرهائن الآخرون؟‏

-سيطلق سراحهم تلقائياً.‏

- إنك تنسى أنهم مسلحون، ولن يتوانوا عن إطلاق القذائف عليك حتى لو كنت متخفياً بزي رجال الشرطة.‏

قالت فأرة السم: - أستطيع الذهاب إليهم دون أن يروني.‏

ولكن هذا لن يساعدني في شيء على إخراج المساجين، إنهم لا يستطيعون الاختفاء مثلي.‏

قال الزئبق: - انتظروا! هذا أمر بسيط! أنتِ يا "فأرة السم" تدخلين متخفية، حسن؟ ثم تعطين المرآة للسيدة "بلوشون" فتختفي بدورها، وتتمكن من الخروج‏

قالت فأرة السم:‏

- وأنا؟ - ماذا سيحدث لي إذا فقدت مرآتي؟ وماذا سيفعل المجرمون مع الرهائن الآخرين عندما يلاحظون اختفاء السيدة "بلوشون"؟‏

قال التمساح الشجاع: -إم، إم م.... لقد أصبح الوضع صعباً ومعقداً للغاية.‏

قال كوكا كولا: -لكن، يجب علينا أن نتوصل إلى حل! إننا نمتلك وسائل لا يملكها أحد غيرنا، على كل حال، عندنا الوسيلة اللازمة لجمع الفدية وسوف أحملها لهم.‏

وافق التمساح الشجاع: -هذه بداية حسنة في التفكير بحلٍ، ولكن هذا لا يكفي، أعود وأذكّركم بأنه يلزمنا سيارة.‏

ثم إن المكان يعج برجال الأمن، ولن يطابق مخططنا تماماً المخطط الذي وضعوه هم.‏

قال الزئبق: -علينا أن نتصرف إذاً من وحي أنفسنا.‏

وتابعوا نقاشهم مدة نصف ساعة أخرى، وتدارسوا الأفكار ووجهات النظر التي أبداها كل واحد منهم؛ لكنهم لم يستطيعوا أن يحيطوا بجوانب الموضوع كاملة. واعترفوا، أخيراً، بأنهم لا يفقهون شيئاً بهذا الموضوع. وقرروا أن يرسلوا "فأرة السم" سريعاً إلى مكان الحادث لتتجسس قليلاً، ولتطلعهم بدقة على مجرى الأمر. لكن ذلك تطلب وقتاً أطول بكثير مما كانوا يتوقعونه.‏

اختفت "فأرة السم" وذهب مهرولة. شقت طريقها بصعوبة بين الناس المتجمعين، واضطرت إلى دفع بعضهم في طريقها مما أدى إلى حدوث مشاجرات عند مرورها، كان صف طويل من الشرطة يحرس مدخل "المركز التجاري" وبعد أن سارت بينهم في خط متعرج، تمكنت من الدخول إلى المكان وهي منفعلة قليلاً، وسارت، بعد ذلك، في الممر الخالي، ووجدت نفسها أمام باب "المخزن" المضاء بأكمله ونوافذه مغلقة. وحاولت أن ترى ما يجري بداخله... ولما لم تجد أحداً أمامها، تجرأت ودفعت الباب ودخلت.‏

وعندئذ، سمعت صوتاً يقول:‏

- قف! مَنْ هناك.؟ لقد قلنا " لانريد أحداً في المخزن".‏

وسمع بعد ذلك صوت إطلاق ثلاث رصاصات، فتناثر زجاج النوافذ وتطايرت شظاياه، ولم تكن "فأرة السم" بعيدة كثيراً عن المكان، حيث جلست القرفصاء، بين صندوقين وهي تضم مرآتها التمينة إلى صدرها بقوة وبكلتا يديها.‏

قال صوت آخر: - لاتقلق يا "ماركو"! لا يوجد أحد، إنه تيار هواء لا أكثر.‏

عندئذ، شاهدتهم "فأرة السم"! رجلان في مقتبل العمر، يحملان المسدسات، ويسيران في الممر الرئيسي، كانت ثيابهما مرتبة وغير ملثَّمين: لا قبعة ولا قناع. لابد أن الإرهابي الثالث قد بقي قرب الرهائن حيث كان يجب عليها أن تذهب! فتبعت الرجلين إذاً، وقلبها يخفق بشدة، دون أن تصدر أي صوت.‏

واكتشفت مكان وجود الرهائن: لقد كانوا في ركن آخر من المخزن، قريباً من قسم الأغذية المثلجة، وتعرّفت على السيدة "بلوشون" وعلى سيدة شابة أخرى كانت تقيم معها في البناية ذاتها.‏

ورأت كذلك فتاة شابة أخرى ورجلاً مسناً، وسيدتين "متميزتين" أو أنهما كانتا كذلك قبل أن تؤخذا رهينتين، ولم تستطع أن تقدِّر عمرهما.‏

كان الحزن بادياً على وجوههم جميعاً، وهم في حالة مزرية تماماً، وقد جحظت عيونهم وجمدت وهم يجلسون تحت رحمة "الحارس الثالث" وتهديداته، وينتظرون مصيرهم بصمت.‏

قررت "فأرة السم" أن هذا يكفي كمراقبة أولية.‏

فدارت نصف دورة لتذهب وتقدم تقريرها للزعيم، وفي اللحظة ذاتها حصل ما لا تحمد عقباه وما لم يكن متوقعاً.‏

إن السير في حال الاختفاء ليس أمراً سهلاً كما يبدو للوهلة الأولى؛ إذ لا يعرف المرء أين هي قدماه أو رجلاه أو جسده...‏

تعثرت "فأرة السم" ووقعت؛ فسقطت منها مرآتها على الأرض وانكسرت... فصرخت صرخة رهيبة، اندفع على أثرها الرجال الثلاثة نحو مكانها.‏

- قف مكانك!‏

- لا تتحرك وإلا أطلقنا النار!‏

- اخرج من هناك! أظهر نفسك!‏

ولكنهم لم يجدوا إلا بقايا مرآة، وكانت "فأرة السم" لا تزال هنا على بعد ثلاثة أمتار فقط منهم، وقد رقدت على بطنها مختفية أكثر من أي وقت مضى، ومتعبة وخائفة من إصدار أي صوت جديد يعرّضها لإطلاق النار مرة أخرى، والأسوأ من ذلك أنها لم تعد تعلم إذا كانت ستعود للظهور بصورتها الطبيعية أمام الناس في يوم من الأيام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244