|
||||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 04:45 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | أدب الطفل1998 | أدب الطفل1997 |
|
كل شيء يسير من سيء إلى أسوأ دمدم التمساح الشجاع وهو يدور على نفسه، ويداه معقودتان خلف ظهره: -اللعنة، ما الذي تفعله هناك؟ -لا تقلق، يا رئيس، سوف تعود. الأمر ليس بسيطاً لهذه الدرجة، ولا شك أن أشياء كثيرة تحدث هناك -لو أنها تحضر معها بعض السكاكر! -والشوكولا! -وحليباً مركزاً! صاح التمساح الشجاع: -ماذا حدث لعقولكم؟ أبهذه الأمور تفكرون الآن؟ قال كوكاكولا: -هيا! لا تغضب كل الأمور سوف تُسوّى إنني، كما ترى، أحضرّ الفدية. وفعلاً، كان جالساً يفتح ويقفل جزدانه دون كلل، ويحشو حقيبته بالأوراق النقدية، بعد أن بعثر كتبه، ودفاتره على الحشيش حوله. قال الزئبق: -إنك تحاول دون جدوى لن تحصل أبداً على المبلغ كاملاً. -ما هو المبلغ الذي طلبوه؟ -لا أعرف، ولكنني أعتقد أن عليك أن تعمل طوال الليل حتى يأخذ الأمر شكلاً جدياً. صاح التمساح الشجاع: -كلا! هذه الكمية تكفي. لقد مللت! أعطني كل ما عندك، سوف أحمله إليهم. -ببنطالك القصير هذا سوف يقدم لك صف الشرطة تحية الشرف -ثق بي. سوف أتحول إلى مفتش ثم أذهب إليهم -هذا ليس عدلاً! تدخلت "الريشة السريعة": -لحظة! لنفترض أنك أخفقت في مهمتك وسجنوك سوف نبقى بلا زعيم! وبدا على الزعيم أنه اقتنع بهذه الحجة، وتأثر بها كثيراً: -هذا صحيح! لم أفكر بهذا الأمر! -ومن ناحية أخرى -تابعت "الريشة السريعة": هل من الصحيح أن نعطي المجرمين كل ما يطالبوننا به؟ خيم الصمت، ثم بدأت مناقشة حامية حول مسألة ما إذا كان يجب أن يخضعوا لمطالب الخارجين على القانون أم لا، لإنقاذ حياة إنسان، بعضهم كان يرى ذاك، وبعضهم الآخر يرى غير ذلك. قال الزعيم جازماً: -هكذا لن نتوصل لشيء. سوف يذهب "كوكاكولا" ليحمل النقود بنفسه إلى المجرمين، وسوف أرافقه كي أقنع رجال الأمن بالسماح له بالدخول. آه، وهكذا تكلم "التمساح الشجاع"! التزم الجميع بأوامر الزعيم وسرعان ما ظهر بالقرب من المركز التجاري مفتش مباحث أشيب الرأس وقد أمسك بيده ولداً صغيراً. -المفوض "كوديل" -قال لقائد صف الدرك معرفاً بنفسه -جئت كي أبادل ابني بأحد الرهائن إن هذا متفق عليه مع هؤلاء السادة. لم يكن "العريف" قد تلقى أية إشارة بهذا الخصوص، ولكن الدهشة أذهلته. ونجحت الخطة. قبّل المفوض "كوديل" ابنه "كوكاكولا" قائلاً: -اذهب يا ولدي! وحظاً سعيداً! إياك أن تنسى الحقيبة! -اعتمد علي يا أبي ودخل الولد إلى الممر الطويل المؤدي إلى المخزن ومعه حمولته الثمينة بينما توارى الزعيم عن الأنظار بين الجموع الغفيرة. ومثل "فأرة السم" سار "كوكاكولا" في الممر، وقدم نفسه أمام باب المخزن، ودخل دون تردد. وبعد قليل، سمع صوتاً ضعيفاً يهمس قربه: -"كوكاكولا"! أنت مجنون! ارجع بسرعة من حيث أتيت! إنهم مخيفون! -وأنتِ، أيتها الفتاة الشبح، قولي لي أين أنتِ؟ -إنني على يسارك، بالقرب من الصناديق المسجلة، لم أعد أستطيع العودة إلى حالتي الطبيعية، لقد كسرت مرآتي بكل حماقة.. واقترب الحارس منهما بعد اكتشافه "الدخيل" وقال: -هيه! هنا! اقتربوا أنتم! هنا، هيه! إنه ولد صغير! لا أصدق عيني. -لا تطلق النار يا سيدي! إنني.. أحمل الفدية! -الفدية؟ -قال الرجل الثاني- هل كسرت حصالة نقودك؟ أعطني هذه أيها الصبي الوقح! وانتزع منه حقيبته. -آه! معه حق هذا الصبي! -إنها مليئة بالنقود قال الآخر -أرني إياها! إنهم حمقى بالرغم من كل شيء! لقد أرسلوا طفلاً للقيام بمهماتهم! على كلٍّ، هذا شأنهم الخاص، أرسلوه ليوافي الآخرين. صرخت السيدة بلوشون مذعورة: -"أنطونيو"! ما الذي تفعله هنا؟ وهي تشاهد "كوكاكولا" قادماً نحوهم، بينما بدت عليه علامات السرور والفخر وهو يوزع عليهم ابتساماته، مما كان له أثر طيب في نفوسهم. -لا تخافوا! سوف ينتهي كل شيء عما قريب! -هدوء! صاح الحارس. لقد سبق وقلنا لكم "الكلام ممنوع" وبالفعل كاد كل شيء أن ينتهي، لكنها نهاية سيئة. إذ أنه بعد دقائق قليلة من تسليم الفدية، نادى أحد اللصوص على "كوكاكولا" وكان على ما يبدو أكبر اللصوص سناً. -هيه! أيها الصبي الأفاق، تعال وانظر هنا قليلاً . وقف "كوكاكولا"، وتسمر نظر الرهائن عليه، وقد توقفوا نهائياً عن الكلام. -قل لي- تابع الآخر، وهو يقدم له رزمة من الأوراق النقدية -أين وجدت هذا؟ هيه؟هل ستقول لي؟! لم يتمكن "كوكاكولا" من شرح لعبة الجزدان السحري. -حسناً، هل ستتكلم أيها الأحمق الصغير؟ أين وجدتها؟ تكلم! ثم بدأ يهز الطفل بقوة وكأنه يهز شجرة خوخ أخذ "كوكاكولا" يبكي، وقد أدرك الآن الموقف الحرج الذي زج نفسه فيه. -اتركه! صرخت فجأة السيدة "بلوشون" بغضب. إنه طفل! -طفل أم لا، إنه يتنزه ومعه نقود مزيفة! قالت المعلّمة: -هذا ليس سبباً كافياً نستطيع توضيح الأمور -لقد قلنا إنه ليس لكم الحق في الكلام! -الحق؟ أي حق هذا الذي تتكلمون عنه! أتعرفون على الأقل ماذا تعني هذه الكلمة؟! -إنها تعني لنا أنه باستطاعتنا الضغط على الزناد! وقذف بوجه "كوكاكولا" كل النقود التي كان يحملها، وتابع موجهاً له الكلام: -لملم حصادك. إن كل أوراقك تحمل الرقم نفسه. ألم تفكر بهذا! ولكن يلزمكم حيلة أكبر من هذه حتى تخدعونا، يا صغيري. ومع ذلك، أود معرفة الشخص الذي قام بطباعتها. ردّ كوكاكولا: لن أقول شيئاً. وحاول أن يحافظ على وعده، إذ أنه لم يتفوه إلا ببضع تأوهات عندما بدأوا يلوون ذراعه. زأرت السيدة "بلوشون" وهي تهجم على الرجال الثلاثة: -سوف تتركونه وشأنه. -بهدوء، قلنا لك، وإلا أطلقنا النار -هذا ما يجب أن تفعلوه قبل أن تلمسوا شعرة واحدة من رأسه. وسحبت من بين أيديهم "كوكاكولا" المسكين الذي نظر إلى معلمته نظرة مشدوهة. قال التمساح الشجاع: -هاهم قد أمسكوا باثنين من أفراد القبيلة! لقد حل الظلام، ولم يعد واحد منهما، لقد اتخذت قراري هذه المرة: سوف أذهب إليهم بنفسي. صاح الزئبق: -كلا! قبل أن تفعل ذلك، علينا أن نجرب السلاح الأخير الذي بقي لدينا! ودون أن يأخذ رأي الزعيم، وجد بعض الإعلانات أمامه فوجه منظاره إليها.. وأدى ذلك إلى نشر الفوضى والذعر اللذين كان ينتظرهما، إذ خرجت مئات الكلاب من إعلان عن غذاء للحيوانات، وهجمت على الجموع التي أخذت تتفرق هاربة وهي تطلق صيحات خوف متوحشة. ولكن الكلاب سرعان ما حوصرت من قبل لاعبي "رُكبي" كانوا قد أفلتوا من إعلان عن نوع أحذية لها مسامير. كان الازدحام مروعاً، ولزم "التمساح الشجاع" بعض الوقت ليفهم حقيقة ما حدث، وما يتوقع أن يحدث. -أيها "الزئبق"! أنت معتوه! سوف يقتلون الرهائن! -لماذا؟ لقد أردت فقط إلهاء المجرمين لمساعدة الذين في الداخل. -أوقف هذا أيها التعس! سوف يعتقدون أننا نشن هجوماً عليهم، وسيجهزون على الجميع! لا تلعب بالنار! أوقف هذا فوراً! إنني أرجوك. قال الزئبق: هذا إنني.. لم أعرف قط كيف أوقف هذا الشيء. -أيها الغبي! علي أن أفعل كل شيء بنفسي هنا! انظر من الجهة الثانية، أيها المعتوه! سم -ترياق! يجب أن أفكر كما لو كنت أمثل عشرة أشخاص! أسرع! آمل ألا يكون قد فات الأوان. أدار "الزئبق" منظاره، ونظر من الجهة المعاكسة، وكالعادة كان الزعيم على حق، إذ استدار الكلاب والرياضيون وعادوا إلى إعلاناتهم الخاصة بهم، وعاد الوضع إلى ما كان عليه.. لكن، ولسوء الحظ، نسي الصبي أن ينزل منظاره في الوقت المناسب وهو يتابع بعض الإعلانات التي بُدئ بتخطيطها، فتحولت بعض الأشياء، وبعض الأشخاص إعلانات ملصقة على طول الجدران المقابلة، مكونين بذلك إعلانات مستحدثة ترافقها شعارات غير متوقعة. وكان يمكن أن يتحول جميع سكان الناحية لو أن "الزئبق" نفسه لم ينجرف بهذا التيار الغريب. قال التمساح الشجاع: -حسن، إنني ذاهب. هنا، قالت الريشة السريعة: مشيرة إلى إعلان عن أدوات بصرية كان الزئبق متربعاً على عرشها، وفرحاً ومثبتاً على الورق، وكان يمكن قراءة هذه العبارة في الأسفل: "مثل الشبيبة انظروا بعيداً". نظر "التمساح الشجاع" إلى بوقه، فانقبض قلبه، وأسرّ للريشة السريعة": -إنني آخر الناجين من خطر السحر، وأتساءل عما إذا كنت أملك الشجاعة الكافية لأنفخ في هذه الآلة دون أن أدري ماذا سيحل بي عندما أفعل ذلك. قالت الريشة السريعة: -يجب أن تتعلم كيف تستمر حتى النهاية. افعل ذلك!! إنني أنتظرك هنا! وتحول "التمساح الشجاع" إلى رجل مخيف، وقال "للريشة السريعة" قبل أن يذهب: -ربما أُقتل تحت الرصاص، ولكنني مع ذلك مصمّم على الذهاب إليهم وملاقاتهم لأن هذا هو واجبي! -إنك جميل جداً هكذا. أيها "التمساح الشجاع" إنني أحبك! وأرسلت له قبلةً بيدها وهكذا انطلق "التمساح الشجاع" في الغسق. كان اختراقه صف الدرك لعبة مسلية. وعندما نفخ في بوقه السحري، تحول، دون إرادته، إلى شخص مهيب، فنظر إلى نفسه بفخر، وفكر في أنه يستحق أن يرفّع إلى رتبة مدير الشرطة القضائية. وبهذا "اللقب" الجديد دخل إلى المركز التجاري. وعندما فتح باب المخزن وقع على اللصوص الثلاثة الذين دهشوا، في البداية، من قامته الطويلة ولكنهم ما لبثوا أن استفاقوا من دهشتهم، وصوبوا سلاحهم نحوه، ووجهوا إليه الأمر بالانضمام للآخرين. لقد أسيء فهم وتقدير التمساح الكبير ودرجة جنونه أغلب تقدير، لم يدرك أحد منهم مدى جنون "التمساح الشجاع" التي زادها حدة حجم قامته العملاقة وعقليته "المضروبة بعشرة " أمثال حجمه الكبير. فبضربة من حذائه ألقى بالأول أرضاً، وبضربة أخرى من قدمه اليسرى قذف الثاني نحو قسم المرطبات والمشروبات الروحية حيث هوى، وتلقى فوق رأسه صندوقاً كاملاً منها. التفت "التمساح الشجاع" نحو الثالث، فاكتشف، لسوء الحظ، أنه يمسك بخناق "كوكاكولا" وقد وجه فوهة المسدس إلى صدغه قال المجرم: -توقف فوراً، وإلا جعلتك عنواناً على ثمانية أعمدة! تسمر "التمساح الشجاع" في مكانه، وسرت قشعريرة باردة في ظهره. وخيم صمت مطبق برهة، قطعته صرخة مدوية: لقد تدخلت السيدة "بلوشون" وانتزعت "كوكاكولا" من بين أنياب الوحش وهي تنزع سلاحه بضربة واحدة. وتلا ذلك اضطراب بسيط، اعتقد خلاله الرهائن أنهم سوف يربحون المعركة. لكن هذا الشعور لم يدم طويلاً، إذ سمع إطلاق رصاص، سقطت السيدة "بلوشون" على أثره، وهي تمسك يدها اليمنى. فانبطح "كوكاكولا" أرضاً، واختبأ "التمساح الشجاع" خلف قسم أواني المائدة وقد فقد ثقته بنفسه، وهو يضم بوقه السحري بقوة إلى صدره. ولدقائق قليلة لعبوا "لعبة التخبئة" وتطاير الرصاص بين الصحون، ثم سمع صفير "التمساح الشجاع" وهو ينفخ في الجهة المعاكسة من بوقه. لقد قرر الزعيم الهندي فجأة أن يتحول إلى طفل صغير، محاولاً بذلك تشتيت انتباه المجرمين، وتلطيف حدة التوتر قليلاً في الجو. ولكنه نفخ طويلاً جداً، وتخطت النتيجة آماله: فبعد ثوان قليلة وجد نفسه طفلاً رضيعاً يحبو على البلاط وسط الممر. وسقط بوقه من يده، وتدحرج بعيداً عن أعين الجميع. -هيه! ما هذا الشيء؟ -وخلال هذا الوقت استطاع الشرطي الفرار! -ماذا سنفعل بهذه الجماعة من الأطفال؟ وعهد بالطفل إلى السيدة "بلوشون" لقد تحول "التمساح الشجاع" إلى تمساح صغير لا يملك حتى القدرة على التعبير لشرح وضعه! وجاءت "فأرة السم" المختفية لتجلس أيضاً بالقرب من السيدة "بلوشون" وتحت جناح معلمتهم، جلس الأطفال ينتظرون تتمة الأحداث وهم يرتعدون خوفاً. لم يبق طليقاً سوى "الريشة السريعة" التي لم تكن تملك أية قوة سحرية. وعندما فهمت أن "التمساح الشجاع" لن يعود أيضاً، نهضت وابتعدت عن "المربع الأخضر". كان الليل يهبط، والازدحام شديداً أمام المخزن التجاري. ووصلت إلى الحواجز كاميرات التلفزيون وشاحناته ومعداته وصحفيوه. وكان الجمهور يتحرك ليفسح لهم مكاناً للتمركز. لكن "الريشة السريعة" لم تهتم بهذا العالم الصغير. وعادت إلى منزلها مطأطئة الرأس، حزينة القلب، مكسورة الخاطر. وفي طريقها، كانت تسمع أخباراً غريبة تتناقلها الألسن، عن أطفال جاؤوا، لا يعرف أحد من أين، ليزيدوا عدد الرهائن. وفي اللحظة التي أرادت فيها "الريشة السريعة" وضع قدمها في المصعد، سمعت اليمامة ترفرف حول أذنيها، ودون أن تدرك بالضبط كيف غيرت رأيها، خرجت من البناية، كانت اليمامة تطير أمامها وكأنها تحاول أن تدلها على طريق لتسلكه، فتبعتها. وقادتها مباشرة إلى غابة "سان أناتول" ومع أن الليل كان شديد الظلمة، لم تشعر "الريشة السريعة" بالخوف إطلاقاً. واهتدت إلى طريقها بسهولة عجيبة. وهكذا، وصلت بسرعة إلى منزل الغابة. ودهشت كثيراً عندما رأته مضاءً وبحالة جيدة جداً. صعدت درجات سلم المدخل القليلة. ولمّا أرادت أن تطرق الباب انفتح من تلقاء ذاته! دخلت "الريشة السريعة" إلى دهليز مؤثّث جيداً، ومزّين بقطع من السجاد الفاخر. ومشت عدة خطوات أخرى، فوجدت نفسها في قاعة استقبال فاخرة. لم يعد هذا هو المنزل المهجور نفسه الذي كان في الليلة السابقة. فقد أصبح الآن مسكناً فاخراً، مؤثثاً على الطريقة القديمة بذوق رفيع، وفي نهاية القاعة كان ثمة رجل في مقتبل العمر، يرتدي ثياب السهرة، ويجلس على أريكة، ويدخن سيجاراً صغيراً، وبجانبه، جلست امرأة ترتدي زياً أكثر تواضعاً، وهي تسند على ركبتيها ظرفاً لأدوات الكتابة، كانت تدون عليه ملاحظاتها. قال الرجل بصوت مرح: -تفضلي، تفضلي، أيتها "الريشة السريعة" الفتية! ادخلي، ولا تخافي شيئاً! لم تكن "الريشة السريعة" تعرف حقيقة الشخص الذي تتعامل معه، فترددت قليلاً وهي تقف على عتبة القاعة. مرت الحمامة فوق رأسها ودخلت الغرفة، وقامت بعدة جولات استطلاعية، مثيرة ضجة عالية. وأخيراً حطت على كتف "الريشة السريعة". صاح الرجل: -ياه! ما أجمل اليمامة التي ترافقك. إنها جميلة، ومن نوع نادر جداً في أيامنا هذه، ولم أرَ مثلها قط في حياتي! هيا! تفضلي بالدخول واسمحي لي أن أقدم نفسي: أنا السيد "آلمبيق" وهذه مساعدتي الآنسة "كورنو". ثم نهض، وانحنى انحناءة خفيفة مميزة جداً. خطت "الريشة السريعة" عدة خطوات داخل الغرفة، دون أن تقترب كثيراً من الرجل الذي تابع حديثه، وعلى شفتيه ابتسامة، -لا بد أن هذا المنزل يثير دهشتك. فالبارحة حين أتيت مع أصدقائك إليه، كان كل شيء في حال مزرية، هل تذكرين؟! أومأت برأسها إيجاباً، وهي تشعر بالقلق خوفاً من أن تكون هذه الملاحظة بداية لتوبيخ عنيف. وتابع الرجل قائلاً: -لنتحدث عن الوقائع. في البدء، أنا مندهش لرؤيتك وحيدة. كنت أنتظر زيارة الهنود الآخرين أيضاً! تنحنحت الريشة السريعة وقالت: -لديهم بعض المشاكل.. -أشك في ذلك. لكن، بما أنك أتيت وحدك، فهذا يعني أنك الوحيدة القادرة على إعطائي النتيجة -نتيجة ماذا؟ -على إعطائي النتيجة المعنية. سأشرح لكِ: في الليلة الماضية، يا صديقتي العزيزة.. ولكن اجلسي! وافقت "الريشة السريعة" أخيراً على الجلوس على أريكة كانت اليمامة قد سبقتها إليها ووقفت على ظهرها. -شكراً جزيلاً. تمتمت وهي تجلس -حسن جداً، يا آنستي. الأمر هكذا أفضل للمناقشة. كنت أقول إنني سأشرح لك. تصوري يا صغيرتي "الريشة الصغيرة" إذا سمحتِ لي أن أناديك بذلك.. هل تسمحين؟ حسن، حسنٌ أوه!.. تصوري إنني أدرس علماً فريداً بعض الشيء. وهو فرع منسي تماماً من العلوم، وعليه أعدّ كتاباً كبيراً.. إنه.. كيف أقول ذلك؟ سوف تضحكين.. السحر! هذا هو: السحر! إنني أعد مؤلّفاً حول السحر والكيمياء! هل تعرفين هذا؟ أما عن السحر، فقد كانت معلومات "الريشة السريعة" لا تتعدى بعض المشاهدات التلفزيونية لبعض السحرة المشهورين. ولكن هذه التسمية الغريبه "الكيمياء" لم تكن تعني لها شيئاً مطلقاً فأخذت تتثاءب، وهذا لم يزعج محدثها بتاتاً: -ولكتابة هذا المؤلّف، علي أن أجري عدداً من التجارب. ولهذا السبب أنا موجود هنا! كانت "الريشة السريعة" تجول بنظرها في كل ما حولها تقريباً "فإذا كان هذا المشعوذ قد استطاع تحويل هذا المنزل خلال هذه المدة القصيرة، فذلك يعني أنه قادر على تحصيل علامات ممتازة في دروس السحر والخير.. هذا الشيء الذي كان يقوله". وعلى ما يبدو، قرأ الساحر أفكار الفتاة الصغيرة، فشعر بالزهوّ، واستمر في إلقاء محاضرته: -وهكذا، أيها الهنود الصغار الأعزاء.. لقد قمت بتجربتي معكم! قالت الريشة السريعة: -معنا نحن؟! -نعم. لقد سمعتكم الليلة الماضية في الأرض العراء، حيث كنتم مجتمعين. كنت جالساً على البرميل الفارغ، هل تذكرين؟ -أوه، نعم! لقد تذكرت ذلك الآن! لكننا عندما نظرنا إليك تركتنا وذهبت. ومع ذلك.. -أوه، حسناً، حسناً.. هذا صحيح.. وفي اليوم التالي وجد كل منكم شيئاً في السقيفة يطابق أحلامه التي عبر عنها بصوت عالٍ في اليوم السابق ليلاً. -نعم.. وماذا أيضاً؟ قال الساحر: نعم يا آنستي! كنتم تتكلمون عن أحلامكم، وأنا عبّرت عنها بأشياء سحرية. -وهكذا، لم يكن الأمر مجرد مصادفة إذاً؟ -بالطبع لا. قالت الريشة السريعة: -هذا منطقي للغاية. لقد كنت أشك في ذلك فعلاً، فهذه القوى السحرية لم تأت وحدها. كان يجب أن يكون وراءها ساحر. -طبعاً، طبعاً! -وأنا أشهد على مقدرتك الفذة، لأنك صنعت جزداناً لا يفرغ أبداً.. على افتراض أنه من صنعك. -نعم، كان ذلك من صنعي. ولكن، كما تعلمين. إنه سحر بسيط للغاية. يوجد أناس عديدون في هذا العالم لا تفرغ جزادينهم أبداً، كما يقال. وهذا ليس بفعل السحر. إنني لم أفعل سوى نقل وقائع حقيقية. -والمرآة التي تخفي الناس؟ -الأمر نفسه: العديد من الناس يختبئون خلف قناع أو مظهر، حتى يظهروا للذين حولهم بمظهر يختلف تماماً عن حقيقتهم، والاختفاء يشبه ذلك نوعاً ما. -هذا صحيح! والمنظار الذي يحيي الإعلانات؟ -وهذا أسهل بكثير. إن هدف الدعاية هو الانتقال من الإعلان إلى الحقيقة، أليس كذلك؟ وما هي فائدة الإعلان إذا لم نجد عندنا أو في الشارع كل الأشياء التي يَعْرضها أو يُطْريها! إنني لم أفعل شيئاً سوى إعطائها دفعة صغيرة! -والبوق الذي يكبّر؟ -الشيء نفسه أيضاً! إن عملية النضج ليست عملية غير عادية إن هذا سيحدث لكل واحد منكم، على أقل تقدير، هذا ما أتمناه لكم. والآن، ما هو رأيك بأفكاري؟ إنها أفكار عبقرية ألا تعتقدين ذلك؟! صاحت الريشة السريعة غاضبة: عبقرية؟ أفكارك أنت عبقرية؟ إنك الوحيد الذي يبدو راضياً عنها، يمكننا وصفها بأنها غير جيدة، لأن كل أصدقائي الآن واقعون في ورطة، أما بالنسبة لي، فأنا لا أعرف ما تخبئه لي هذه اليمامة التي أرسلتها فوق رأسي، وما إذا كانت من نوعية ألاعيبك الأخرى.. قال الساحر: أنا؟ هذه اليمامة.؟ ليس لي أية علاقة بها. إنها ليست لي. -ليست لك؟ آه! أين ذهبت مرة أخرى؟ -إن هذا الطير لا يعنيني البتة، لا من قريب ولا من بعيد! قالت الريشة الصغيرة بعد برهة- أريد تصديقك حقاً. إن هذه اليمامة ليست سحرية. على أية حال، لم تسبب لي حتى الآن أية مصيبة، وهذا فأل حسن. -حتى لو افترضنا أن أصدقاءك الآن في ورطة، فإن هذا ليس بسبب سحري، بل بسبب استعمالاتهم الخاطئة له. وهذا ينطبق على جميع الاكتشافات العلمية في العالم أجمع. فهي تنطوي على الجيد والسييء، تبعاً لأخلاق الناس الذين يستخدمونها . صرخت الريشة السريعة بعد أن استعادت شيئاً من شجاعتها. -إن شعوذتك ليست علماً! إنها لا تستحق هذه التسمية. ثم إن أصدقائي لم يكونوا مستعدين للقوة التي وضعتها بين أيديهم. لقد خدعتهم بها. وقد وقعوا في هذا المأزق ليس بسبب ذنب اقترفوه وإنما بسبب غلطتك أنت، وها هم الآن محتجزون مع الرهائن! -هم، هم م.. هذا مؤسف حقاً، لكنني لست مسؤولاً عن ذلك من جهة أولى، وعلي أن أتابع تجاربي من جهة ثانية. أما زلتِ تسجلين ملاحظاتك يا آنسة "كورنو"؟ نعم يا سيد "آلمبيق". -عظيم، عظيم، والآن سوف تقولين لي يا عزيزتي "الريشة السريعة" ماذا فعل كل واحد من أصدقائك بغرضه السحري وستبدئين من البداية. -لن أقول لك شيئاً يساعدك! -هيا، اهدئي قليلاً. إن هذا ضروري جداً لدراستي. علي أن أكتب تقريراً عن العلاقة المتبادلة بين الأفراد وعملهم السحري حتى نستطيع استخلاص وقائع ثابتة، وتحديد القاعدة الأساسية اللازمة لبناء تطور حضاري متوقع، ولإخراج الخيالات والهلوسات من عقول الأفراد والجماعات. صاحت الريشة السريعة- هذا يكفي! هذا يكفي! يكفي! بينما أنت تصم أذني بحماقاتك، يوجد أناس يعيشون تحت خطر تهديد الأسلحة النارية، هل تعرف ذلك؟ -إيه.. نعم، أعرف ذلك.. ولكن اهدئي يا صغيرتي "الريشة السريعة". -أنا لست "ريشتك الصغيرة، أيها العجوز. وبما أنك أنت الذي صنعت هذه الأدوات السحرية، فيجب أن تكون لك القدرة على إبطال سحرها. فضع حداً لهذه السخافات، على الفور! -ليس الآن، إن هذا يمكن أن يشكل خطراً كبيراً، و.. -أنت هو الخطر بعينه! توقف حالاً! هذا مستحيل، حتى لو فعلت ذلك فلن يتحرر أصدقاؤك -إن هذا سيحرر الجميع، لأن كل ما حصل كان بسببك -ليس احتجاز الرهائن، بأية حال من الأحوال.. -بل نعم! إنه السحر ذاته! لقد شاهدتَ أصدقائي الصغار وراقبتهم كيف كانوا يتصرفون عندما كانت أدواتك السحرية بين أيديهم. كان يجب أن ترى بعينيك ما الذي كانوا يودون فعله بسحرك! الذي لم يكن في نهاية الأمر يختلف كثيراً عن أفعال المجرمين! قال السيد "آلمبيق" وهو يبتسم بخبث: -إنكِ تحكمين عليهم حكماً رهيباً. -إنني لا أحكم عليهم، بل عليك! إن سحرك أثقل قلوبنا جميعاً! والآن، إذا لم توقفه على الفور فَسوف أخرج كي أفضحك أمام الناس. قال الساحر متهكمّاً: ها، ها، ها! أيتها "الصغيرة الحمقاء"! إن أحداً لن يصدقك! ولا يستطيع أحد التعرف على السحر وهو يعمل، أو أن يشك في أمره. إن الناس يعيشونه دون أن يدركوا حقيقته. لا، إن أحداً لن يصدقك. ابقي هنا. عندي أشياء أخرى أقولها لك. وإذا لم تغيري موقفك فإن باستطاعتي تحويلك إلى ضفدع مهذارة مثلاً. صاحت الريشة السريعة: كلا! كلا! النجدة! وكانت الآنسة "كورنو" تضحك مقهقهة والدموع تنهمر من عينيها لشدة الفرح، كاد السيد "آلمبيق" أن يختنق من شدة الضحك، وبدأ فعلاً يحرّك يديه في الهواء "بحركات شعوذة": ها، ها، ها، إلى ضفدع لاعب مهذار، ها، ها، ها. تمتمت الريشة السريعة: -أيتها اليمامة! أيتها اليمامة! وفي اللحظة التالية، كانت على كتفها، وبدا كل شيء هادئاً، وتوقف السيد "آلمبيق" عن الضحك. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |