نجـوم بأقـل الأجـور - الدكتور محمد إسماعيل بصل

مسرحية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 04:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الرواية 1997 الرواية 1998
 

( المشهد الثاني)

(مكتب على يمين المسرح، يجلس خلفه رجل في الأربعين من عمره، يبدو منشغلاً جداً بمكالمة هاتفية، بينما يجلس شخصان لايتكلمان، بل يتبادلان النظرات فيما بينهما وانتظار صاحب المكتب، يمكن أن يكون كلام هذا الرجل باللهجة العامية)‏

عبد الغفار : ياحبيبي.. ياحبيبي لانستطيع الانتظار أكثر من ذلك. داهمنا الوقت يا أستاذ عبد اللَّه...الله يرضى عليك فريق العمل جاهز، والمخرج ينتظر هناك في الفندق.. ( صمت) لا يمكن أن يبدأ التصوير قبل أن نؤمن له بطل المسلسل يا عيني. (صمت) طيب هل اتصلت بـ نوري؟ (صمت) ماذا تقول؟ طلب مبلغاً أكبر من المبلغ الذي طلبه شهير؟ أصبحوا نجوماً الآن! طيب ولكن الحق ليس عليهم. حاول أن ترى صبحي السالم، وقل له إن الحلقة بـ15000 (صمت) ماذا؟ يريد أن يقرأ السيناريو! ياسلام.. ياسلام.. حتى صبحي صار يضع شروطاً.. (صمت) أخي لاتتصل بأحد.. أنا مسافر الآن، ولن أتصل بأي ممثل وسأتحدى المخرج بممثل لم يقف أمام الكاميرا في حياته (صمت)،.. أخي هناك يوجد عشرات الممثلين الذين يشتغلون في المسرح، وسأختار منهم بطلاً للمسلسل بألفين للحلقة الواحدة. لست أنا الذي يلوي ذراعه ممثل، مع السلامة.. (يضع السماعة.. ثم يلتفت إلى الضيفين)‏

واللّه لم يعد ينقصنا إلاّ هؤلاء الممثلين الذين يظنون أن التلفزيون سيتوقف عن العمل من دونهم.. أنا سأصنع نجماً جديداً في هذا المسلسل، وعندما يغتر هذا النجم، سأصنع نجماً آخر في مكان آخر.. الممثلون أكثر من الهمّ على القلب. (يأخذ السماعة، ويطلب رقماً..)‏

ألو.. أستاذ فوزي.. كيف الحال؟ كيف الأولاد؟ كيف الطقس عندكم؟ أخي.. الأستاذ فرزت عندكم الآن.. وأنا سأصل إليكم غداً صباحاً. أريد أن ألتقي مع الممثلين الموجودين عندكم في الساعة الخامسة بعد الظهر (صمت) في الخامسة تماماً.. أكون مع الأستاذ فرزت.. أرجو أن تخبر الجميع أننا سنجري لهم امتحاناً سريعاً، (صمت)..‏

الأدوار مهمة جداً.. لايوجد أقل من عشرين مشهداً.. ناهيك عن دور البطولة، (صمت) نعم بطولة المسلسل ستكون من عندكم.. (صمت) نعم.. نعم اتصل بالجميع الصغير والكبير.. شكراً.. إلى اللقاء.‏

( يضع السماعة يلتفت إلى الضيفين) أنا آسف ولكن كما تلاحظون. فإن القضية مستعجلة ومهمة جداً.. بعدما اتفقنا مع الممثل، اكتشفنا أنه متفق مع ثلاثة مخرجين في وقت واحد..‏

وعندما شعر الآخرون أننا في ورطة.. أصبحوا يطلبون مبالغ خيالية. حتى صبحي السالم الذي لم يعمل منذ سنتين، يريد أن يقرأ السيناريو قبل أن يوقع العقد.. ماشاء اللّه.. ماشاء اللّه.‏

بهجت : (مجاملاً) لاتغضب أستاذ.. الممثلون كثر، وبإمكانك أن تطلب أيَّاً كان وبأي مبلغ.‏

عبد الغفار : لا.. كلهم أصبحوا يعرفون اللعبة الآن، ولم يعد أحد يقتنع بالقليل..‏

ابراهيم : نحن أتينا في وقت غير مناسب، ولكن لابدَّ من معرفة مصير نص الأستاذ بهجت (يشير إلى الشخص الجالس بجانبه)‏

عبد الغفار : أنت قدمت لنا نصاً أستاذ؟‏

بهجت : نعم.. وكان بعنوان كبرياء شاعر.‏

عبد الغفار : آه.. تذكرت.. أعاده مستشارنا الدرامي من يومين، وأعتقد أن التقرير هنا(يبحث بين الأوراق المبعثرة على مكتبه)‏

بهجت : هل وافق المستشار الدرامي على النص؟‏

عبد الغفار : (مازال يبحث عن التقرير) للأسف لقد رفض النص.. ها.. هاهو التقرير.. يقول التقرير ياسيدي (يبدأ بقراءة التقرير) يتحدث نص عن عبقرية شاعر..‏

بهجت : (يقاطعه) كبرياء شاعر.‏

عبد الغفار : ذات الموضوع.. ذاته.. شاعر نشأ في بيت فقير، تعلم اللغة على يد أبيه... (يقرأ بطريقة سريعة ولايفهم من كلامه شيء).. المهم.. نصل إلى الرأي الفكري.. يقول المستشار الدرامي إن بطل الحكاية، رجل عبقري يشقى بعقله، ونحن نتفق مع الكاتب في رؤيته، ولكننا نختلف معه في اعتزال المثقف عن عالمه، والانطواء على ذاته، فمن ذا الذي طوَّر العالم، وبنى هذه السلسلة الطويلة من الحضارات في تاريخ البشرية، وارتقى بها إلى ماهي عليه الآن؟‏

ابراهيم : (يحاول أن يتدخل) ولكن ياأستاذ.. شخصية المتنبي..‏

عبد الغفار : (يقاطعه، متابعاً قراءة التقرير) أليس الإنسان المتفرد بالذكاء والفكر القادر على المحاكمة، أو على الإبداع؟‏

بهجت : ولكن ياأستاذ.. الشخصية معروفة...‏

عبد الغفار : (يقاطعه متابعاً قراءة التقرير بطريقة آلية) فلو أن مثل هذا الإنسان، اختار العزلة والانطواء على الذات، منساقاً مع ازدرائه للآخرين البسطاء لظلت الحياة البشرية حتى الآن تراوح في طور النشوء، دون بلوغ طور الارتقاء... إن الفكر والثقافة يؤديان إلى الوعي بطبيعة الحال، والوعي يعني المسؤولية، والتقرب من صفوف الشعب، لا الابتعاد عنه واحتقاره، والشاعر يحتقر الصغير والكبير، ومن غير المعقول أن يزدري الشاعر مجتمعه الذي نشأ فيه وتعلم منه.‏

بهجت : هذه شعارات لاعلاقة للنص بها لامن قريب ولامن بعيد.‏

عبد الغفار : الرأي الفني.. يقول المستشار المعتمد لدينا إن السيناريو جيد جداً، ويدل على موهبة أصيلة في هذا المجال.‏

بهجت : (يضحك) هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها سيناريو للتلفزيون ياأستاذ، ولكن عندي عدد كبير من القصص والمسرحيات المطبوعة والمنشورة...‏

عبد الغفار : الرأي النهائي؟ نقول مع الكاتب: ذو العقل يشقى هذا صحيح، ولكنه شقاء القائد الذي يحقق معادلة فريدة من نوعها في هذه الحياة لأنه شقاء لذيذ، وشقاء يحقق لصاحبه قيمة فريدة أيضاً. فبهذا يسمو، لا بالاعتزال والتكبر، وهكذا فإننا نختلف مع الكاتب في أن نصه سلبي تماماً ولايمكن قبوله (يضع التقرير جانباً)، أنا آسف أستاذ.‏

بهجت : (وقد كتم غيظه) شكراً.. شكراً ياأستاذ على تلاوتك للتقرير لقد أتعبت نفسك.. وشكراً للمستشار الدرامي العتيد الذي أجهد نفسه بقراءة أكثر من ألفي صفحة، وأشكره على رفضه للنص، لأنه سلبي (ينظر إلى إبراهيم).. وأشكره جداً على إطرائه بأن السيناريو جيد جداً ويدل على موهبة أصيلة في مجال كتابة السيناريو، لكن هل بإمكاني أن أحتفظ بهذا التقرير ياأستاذ.‏

عبد الغفار : بالطبع لا.. فالتقرير سيسجل في الديوان، ويحفظ في الأرشيف، وليس من حق أحد الاطلاع عليه سوى صاحب العلاقة، وهذا مافعلناه الآن.‏

إبراهيم : ولكن يجب أن تعلم أيها السيد، بأن الأستاذ بهجت وهو باحث وأديب معروف، قضى ثلاث سنوات في البحث عن شخصية شاعرنا العبقري المتنبي وقدَّم دراما تشرف التلفزيون العربي، وإذا كان المستشار ليس من محبي الشعر العربي القديم، أو أنه لايحب شخصية المتنبي، فإن ذلك لايسوِّغ له رفض النص.. هو قال إن السيناريو جيد ويدل على موهبة أصيلة في فن كتابة السيناريو، فليدع للكاتب حرية تقديم شخوصه، مستشاركم الدرامي رفض المتنبي يا أستاذ ولم يرفض الأستاذ بهجت.‏

بهجت : دعهم يرفضون كما يشاؤون.. كنت أعرف أن الجوَّ موبوء، ولكن لم أكن أعرف أنهم قادرون لهذه الدرجة على تسفيه الأعمال الجادة، وتسويق الأعمال الهابطة.. من يقرأ هذا التقرير، يقول، ياللموضوعية، ياللجدية ، ياللمسؤولية.. وياللثقافة العالية، ولكن عندما يتذكر أن ثمة كتاباً تقبل أعمالهم، وهم لاعلاقة لهم لابالكتابة ولابالأدب ولابالتلفزيون، فإنه يصاب بإحباط ويشعر بالمرارة (بصوت عالٍ).. أنا سأكتب في الصحف والمجلات ياأستاذ.. سأفضح هذه الأوضاع التي يتغذى فيها الطفيليون ويجوع المبدعون الحقيقيون.. أنتم لاتبحثون عن الأصيل والجديد، بل تطلبون الهابط والتافه.. قل لي من فضلك من هو هذا المستشار الدرامي، حتى أتشرف بزيارته وأناقشه.‏

عبد الغفار : (وقد نهض من خلف مكتبه).. ياأستاذ.. قلت لك قبل هذه المرة.. اكتب شيئاً عصرياً.. دعك من التاريخ والبحث والتنقيب.. اذهب إلى الأحياء القديمة.. إلى الأسواق الشعبية، وستتعرف على ألف حكاية وحكاية.. الجمهور يُقبل على السهل، ويعزف عن الصعب والمعقد.‏

إبراهيم : هذا ليس صحيحاً.. أنتم تسعون وراء السهل لأنه يوفر عليكم و...‏

عبد الغفار : (يقاطعه).. أنا آسف.. ولكن لابدَّ من الذهاب، فنحن مقبلون على عمل ضخم كما سمعت ويجب عليَّ أن أنهي بعض الأعمال .‏

بهجت : (غاضباً) إن الرساميل الخاصة التي اقتحمت التلفزيون باحثة عن مشاريع واستثمارات لايهمها الفن ولاتفتش عن الفكر ولايعنيها ذوق المشاهد.. إن كل ماتفكر به يتلخص بأرقام نقدية سخرت للحصول على أرقام أكبر. ولكن صدقني ياأستاذ.. لن يصح إلا الصحيح.‏

عبد الغفار : (محافظاً على برودة أعصابه)، يا أستاذ بهجت.. أنت قدمت نصاً، ونحن قرأناه، ورأينا أنه لايتناسب مع الخطة الإنتاجية لشركتنا، بإمكانك أن تعرض هذا النص على شركات أخرى أو على التلفزيون، قد يناسبهم هذا العمل...‏

إبراهيم : ولكن مستشاركم الدرامي رفض النص لأن الشاعر سلبي في مواقفه مع أبناء مجتمعه، ولم يقل إن النص يكلف مبالغ كبيرة، بما أن الأمر يتعلق بالكلفة الإنتاجية، فلماذا يتنطع هذا المستشار لنقد النص، ويدجج تقريره بشعارات طنانة بعيدة كل البعد عن الموضوعية والمنهجية، ليقل إن كلفة النص كبيرة وينتهي الأمر.‏

عبد الغفار : ياأستاذ إبراهيم، إن نص الأستاذ بهجت لم يرفض لأن كلفته باهظة وحسب، بل لأنه خرق البنود التي توجب المنع المعروف لدى الجميع.. هذا العمل لايسوق إلا في بلد أو بلدين.. وبالتالي فإن الخسارة ستكون فادحة.‏

ابراهيم : تقصد أن الربح لن يكون فادحاً، ولماذا نقبل بهذه البنود الوافدة إلينا؟ ياسيد عبد الغفار، إذا سلمنا بهذه البنود، فإننا سنرى فناً هابطاً يفتك بالثقافة والفكر ويخرب حياة الناس.‏

عبد الغفار : (ينظر إلى الساعة في يده) نحن نتعامل مع السوق.. والسوق له قوانينه ياأستاذ إبراهيم.‏

أنت صديق قديم وتعرف هذا الأمر جيداً، وأرجو أن تشرحه للأخ بهجت.. أنا آسف ولكن يجب علي أن أذهب الآن.. ويكفيني ماأنا فيه مع الممثلين النجوم.‏

ابراهيم : (يتأهب للخروج مع بهجت) صديقي بهجت ليس منزعجاً لأنه يعرف أن هذا الزمان ليس زمان الفن الراقي والفكر الواعي.. إنه زمان الطفيليين أمثال كاتبكم السيد عزيز الذي ستبدأون بمسلسله الجديد.. ولكن لاتظن أن الممثلين أمثال صبحي وشهير ونوري رفضوا المشاركة في هذا العمل لأنهم مشغولون بأعمال أخرى، بل لأنهم يرفضون كاتبكم ياأستاذ.. هذا الكاتب الذي يداهم أرشيف النصوص المرفوضة أو المؤجلة أو تلك التي غيب الموت أصحابها وينسبها لنفسه.. كاتبكم شبه أمي ولص ياأستاذ عبد الغفار.. ولكن هؤلاء الكتاب المزعومين هم الذين يناسبون زمانكم (يلتفت إلى بهجت) تفضل أستاذ بهجت.‏

إطفـــــاء‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244