|
||||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 11:15 PM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الرواية 1997 | الرواية 1998 |
|
-7- خرج عامر وفي ذهنه اختلطت المشاعر، وهو مستغرب تلك الأهمية التي أبدتها العجوز لحكاية المدينة.. وعلاقة مستقبله وسمية بتلك الحكاية.. أشار له حمدان أن يتبعه.. تغلغلا في أزقّة المدينة الضيقة التي أضاءتها مصابيح قديمة الطراز، تشتعل بوقود خاص.. انحرف الشيخ حمدان نحو فتحة في جدار صخري ولج داخلها وخلفه عامر.. ثم توقف أمام صخرة، ضغط على بزّال في الجدار فتحركت الصخرة ليظهر خلفها كهفاً كبيراً.. أشعل حمدان مشعلاً معلقاً من أحد المصابيح.. وضغط على(بزّال) آخر لتعود الصخرة وتتغلق عليهما.. كان كهفاً واسعاً انتشرت فيه كتل ضخمة ملونة.. وصناديق مكعبة الشكل.. اقترب الشيخ حمدان من أحدها وجرّه إليه.. وأشار إلى عامر أن يجلس فوقه ثم جلس على صندوق آخر مكعب الشكل بعد أن وضع طنافس مريحة تحتهما..قال لعامر - اسمع يا بني، لو لم تعطني أم سمية الإذن لما أطلعتك على هذه الأسرار التي أحتفظ فيها عن دمار مدينة(مودس). - ولماذا يا عمّاه انتظرتَ إذنها؟ ما العلاقة بينها وبين الحكاية؟ - هذا السرّ لا يُعطى إلا لمن يستفيد منه، إنه سرّ له دلالات كبيرة يجب على من يعرفه أن يسعى لإفادة الناس منه.. - أتعتقدني مؤهلاً لذلك؟ - بالطبع وهذا ما قررته أم سميّة. - أرجو من الله أن أكون على قدر هذه المسؤولية. سحب صندوقاً خشبياً طويلاً مزخرفاً من بين ركام الأثاث: - هذا الصندوق يحوي أوراق جدي الأكبر الذي عاصر مرحلة دمار المدينة، وقد فصّلها تماماً.. فتح الشيخ الصندوق بمفتاح معلق في صدره فرأى عامر أوراقاً مخطوطة بلغة لم يستطع قراءتها.. شعر حمدان باستغرابه فقال: - إنها لغتنا القديمة، لغتنا الحالية اشتقت منها.. على كل حال أنا سأقرأ لك المخطوط وأرجو أن تنتبه جيداً. - حسناً يا عماه.. ابدأ أرجوك. - توكلنا على الله.. بسم الله الرحمن الرحيم ((أنا فاضل بن علي المودسي، أكتب هذا للناس الذين سيأتون من بعدي وأتمنى أن لا يقرأ هذا المخطوط سوى الذين يؤمنون بالإنسان ونزعة الخير فيه.. ويحاربون الفساد والرشوة والأنانية والجشع ويقفون ضد من يعتدي على حرية الإنسان وإبداعه.. فكر عامر: ((لقد رأت العجوز أنني من بين هؤلاء الذين يحاربون الفساد والجشع ويقفون ضد من يعتدي على حرية الإنسان.. الحمد لله)). عاد يستمع لصوت الشيخ حمدان. - كنت طفلاً مدللاً لكبير مستشاري الأمير كعب أمير(مودس) وكان أبي شيخاً كبيراً حكيماً وقد سلّم كعب ابنه الأمير سلطان ولاية العهد، وأوكل إليه الاهتمام بالقضايا الكبيرة في المدينة.. وكنت أحد أتباعه ومستشاريه.. رغم صغر سني وفي أحد الأيام كنّا نجلس حول الأمير سلطان في إحدى أماكن لهوه، كنت أحدثه عن جارية جميلة أمتلكها: - وماذا حدثَ لكَ بعدَها يا فاضل؟ - لاحقتها يا مولاي ولم أتركها تفلت من يدي، وهي الآن جارية في قصري، دون علم أهلها. - أريدُ أن أراها.. قد تُعجبني. - هي جميلة يا مولاي، وهي هدية مني إليك.. سأذهب لأحضرها. - لا تتأخر يا فاضل.. سأنتظرك على أحر من الجمر.. - لن أطيل الغيبة يا مولاي. خرجدت مسرعاً من ذلك المكان وبينما أنا في طريقي لقصرنا، رأيت رجلاً مسناً يبكي بحرقة.. اعترض طريقي بهدوء قبل أن أدخل القصر.. - أرجوك يا سيدي.. أعد لي ابنتي. - أية ابنة أيها الخرف.. ماذا تقول؟ - ابنتي(ميدا) التي خطفتها من حيّها وقرب باب بيتها. - ابتعد أيها المخبول، قبل أن آمُر الخدم بإلقائك في السجن. - هي وحيدتي وأنيستي كيف لي أن أعيشَ دونها؟ أرجوك يا سيدي أستحلفك باللّه.. - ابتعد عني، دفعته فسقط أرضاً ثم دخلت من الباب.. قال لي أحد الخدم: - هل أزعجك ذلك المسن يا مولاي؟ - نعم، إنه وقح وملحاح. - ما رأيك لو أرحناك منه.. طعنة صغيرة في الصدر. - لا.. لا داعي لذلك، أين الجارية الجديدة؟ - إنها في غرفتها.. هل تريدها؟ سنرسل من يحضرها لك؟ - حسناً.. بسرعة. - أمرك يا مولاي. كان اسمها(ميدا) وهو اسم جميل.. وكنت واثقاً أنها ستعجب الأميرَ، وسأطلب الكثير من الأمير بعد أن يضمها إلى جواريه.. أحضروها إلي كانت ترتجف من الخوف: - ماذا تريد مني يا سيدي؟ هل ستطلقني لأذهب إلى أهلي؟ - لا أهل لكِ.. وليس سوى والدك الهرِم.. وقد مات. انفجرت تصرخ بحزن: -لا.. لا.. أبي مات؟ - لماذا أنت حزينة عليه؟ إنه على حافة القبر. - آه.. يا أبي أمعقول أن تموت وأنا بعيدة عنك، لابد وأن القهر أصابك بعد اختفائي. - هيا امسحي دموعك.. سنلبي دعوة الأمير سلطان. - اتركني أرجوك ليتني أموت وألحق بك يا أبي. - امسحي دموعك.. وهيا.. بسرعة تعالي إلى هنا.. ستذهبين معي رغماً عن أنفك، - لا.. لا.. آه. E -8- وحكى حمدان كيف اندفع فاضل يخرج(ميدا) من القصر، ويتجه نحو عربته التي جهزها له خدمه.. ويبدو أن والدها المسنّ قد رآها تدخل العربة وفاضل يجرها وهي تبكي فاندفع نحوها فيما تحركت العربة. ورغم ضعف الشيخ، فلقد هزَّه منظر ابنته الباكية فهرع بكل طاقته وربما بطاقة الفجيعة التي تملكته خلف العربة حتى تعلّق بأحد نتوءاتها وظلّت تمشي بسرعة كبيرة، ولم يستطع أن يتمالك نفسه فسقط وقد تعلقت يداه بالنتوء، وجسمه ينجرُّ بقسوة على الطريق.. وأكمل يحكي على لسان جده: "قلت لميدا وأنا أرى دموعها تنهمر: - كدنا نصل، إن لم تتمالكي نفسك سأقتلك، أفهمت؟ - اقتلني أرجوك.. لا أريد أن أحيا بعد أبي. - هه.. وصلنا.. أوقف العربة هيا أيها الحوذي. - حاضر يا مولاي. ثم طلبت من الحوذي أيضاً أن يساعدني في السيطرة على الصبية المتمردة.. كان الناس قد تجمعوا حول العربة يراقبون جسد الشيخ المشوّه وأنا أصرخ دون أن أنتبه في وجه ميدا: - لن ينفعكِ بكاؤك.. إن لم تدخلي القصر مبتسمة سأذيقك الويل. نبهني الحوذي: - انظر يا مولاي، يبدو أنه تعلّق بالعربة وجرّته لمسافة طويلة. صرخت الفتاة مفجوعة تتأمل الجثة المشوهة: - أبي.. أبي. - إنه والدك إذن.. أبعدوها عنه. ولكنها بدت كأنها التصقت به.. أصبحت مضرجة بدمائه.. قال الحوذي مصعوقاً: - مولاي . - ماذا أيها المخبول؟ - إنها لا تتحرك.. لقد ماتت. - ماذا؟ فعلاً.. لقد ماتت كيف حدث ذلك؟ أثّر بي هذا الحادث كثيراً.. وبدأت أفكر بالأسباب التي جعلت تلك الصبيّة الفاتنة تتأثر إلى الحدّ الذي جعلها تموت وهي ترى والدها في منظر مخيف شوهته الحجارة التي جرته العربة فوقها طوال الطريق.. بدأ شيء ما في صدري ينزف، ويدفعني للتفكير فيما حولي.. وفي تلك الليلة أرسل الأمير رسوله إلي، يطالبني بالجارية.. فاعتذرت له بأنها ماتت.. ولكني لم أستطع الابتعاد عن مواجهته في اليوم التالي.. في وسط جو صاخب ضاحك.. الجميع فيه يعاقر الخمرة. - لماذا أنتَ مهموم يا فاضل؟ حزين على الجارية؟ قال أحد الموجودين ضاحكاً: - بل هو حزين على المكافأة التي تسربت منه.. - إن كنت حزيناً على المكافأة، سأَجزيكَ مكافأةً كبيرة، وإن كنت حزيناً على الجارية سأهديكَ أجمل منها بكثير. - إنه شارد يا مولاي.. ربما يتذكر لياليه معها. - كانت جميلة القدّ دافئة إذن؟ هه؟ قلت حزيناً: -أنا آسف يا مولاي أشعر بتوعك منذ البارحة، - حزين عليها؟ - إنه الطعام يا مولاي.. أكلت منه أكثر مما ينبغي... (كنت أبدو كالمريض فعلاً) قال الأمير: - لا بأس.. سأعرضُك على طبيبِ القصر. أمر أحدهم: - اصطحبهُ إلى طبيبنا المعروف، اذهب معه يا فاضل.. وأرجو أن تتحسّن صحتك على يديه . - شكراً لك يا مولاي. - لا تُطِل غيابَك عنّا يا فاضل، لماذا عمَّ الصمتُ مجلسكم أيها الأصحاب هه؟ لتحضرِ الراقصات والشراب.. ولتتمتّعوا.. فكرتُ مصعوقاً: ((ما أكثر الضحايا الذين ينتهون في هذا المكان دون شفقة؟)). E -9- وقرأ حمدان باللغة المودسيّة الشبيهة بالعربيّة، كيف بدأ جده الأكبر فاضل ينتبه لما يحدث في المدينة وكيف كان الأمير كعب وحاشيته يُسيطر على مقدرات المدينة، وقد جمع الأمير سلطان بنُ كعب حوله شباناً صغاراً يلهثون وراء المتع، ويتغنون بحكمته وشجاعته ويسبلون عليه الألقاب التي هي بعيدة عنه كل البعد.. كان في سبيل المتعة والتسلية يدفع بالأبرياء إلى حلبات الوحوش المفترسة، وكان الناس يعانون من الظلم والقهر والجوع.. انتبه فاضل بن علي المودسي لما يحدث في المدينة، وكان والده قد اعتزل الناس، بعدما غضب عليه الأمير كعب لأنه نبهّه إلى العنف الذي يسوم به ورجاله الناس. اتجه فاضل نحو المكان الذي كان ينزوي فيه الكهل، لم يكن قد رآه منذ فترة طويلة وقد أقصاه الأمير ومنع الناس عنه.كان يعيش في عزله تامة وهو في سنّ متقدم دون رعاية .. ولم يدر فاضل كيف يدخل إليه وقد سُدَّ الباب بالحجارة الضخمة.. دار حول المكان يفتش عن ثغرة.. ولم يجد شيئاً، بدا له المكان معتماً أشبه بقبر.. وبينما هو يجول حائراً انتبه على صبيّ يشدّه من يده.. كان صبياً هزيلاً بدت عليه ملامح الجوع الشديد.. تبع الصبي، فوجد مكاناً مغطىً بالحشائش أشار له أنه يزيل هذه الحشائش فخلفها فتحة تفضي إلى الكهل الحبيس.. مد يده إلى جيبه يستخرج صرته العامرة بالدراهم، أعطاه بعضها، ثم أخذ يزيل الحشائش بهدوء لتنفتح له الثغرة.. وقبع الصبي قرب المكان وهو يشير لفاضل أنه سيعيد الحشائش من جديد إلى مكانها حتى لا يلحظ أحد دخوله.. ابتسم له بود وولج من(الثغرة) إلى داخل المكان المظلم.. أخذ ينادي والده: - أبي.. أين أنت؟ كان المكان مظلماً وليس من بصيص للضوء.. سمع صوته: - كنتُ أتوقعُ مجيئك يا فاضل.. بدأت تعي ما يحدث يا بني، ارفع الغِطاء أمامك في اتجاه الصوت، إنه ساخن قليلاً سيعود الضوء للمكان.. إنه غطاءُ مصباحٍ كبير.. رفعه فانبعث الضوء يغمر المكان: - يا إلهي.. أبي.. ماذا حدث لك؟ تبدو هزيلاً مريضا. - أنا بخير يا بني.. المهمُ أن تنتبه لما يحدث للناس، أن يعودَ إليك وعيك وتميّز الظلم.. الكارثة قادمة ولا رادَّ لها.. آه يا بني، اقترب مني قليلاً - ها أنذا يا أبي.. بين يديك.. فكّر قلقاً: ((إنه لا يرى.. أبي أعمى آه يا إلهي)). - أنا أعرف ما يجولُ بفكرك، أنا فقدتُ بصري بالفعل، لأنه لا حاجةَ لي للبصرِ وأنا حبيس هنا، لا أرى شيئاً.. تفتح داخلي على طاقات كبيرةٍ جعلتني أُبصر الغيبَ وأتنبأَ به.. أعطاني الله سبحانه وتعالى القوة لذلك. - وما الذي تراه يا أبي؟ قل لي أرجوك. - سيزداد فساد الطغاة، ويزدادُ الأذى والظلم وأريدُ منكَ أن تحكي عمّا يحدث للناس، أن تكتبَ ذلك، أن تصفَه بدقة، فهو إرثنا للأجيال القادمة.. يجب أن يعرفوا الكثير عن هذا الماضي العكِر.. اسمع يا بني، انزوِ في مكانٍ بعيدٍ ولكن بعدَ أن تدور بين الناسِ وتعرفَ عنهم الكثير.. اكتب عن متاعبهم وتعاستِهم وظلمهم، وصف ما يعانون وما يفعلُ بهم أولئك الطغاة الذين استعبدوهم.. - أعدك يا أبي.. سأفعل كل هذا. - سيضايقونك، ولكن كن صلباً، ولا تخف، لقد تعرفتُ على الحقيقة بنفسي، وجابهتُ في سبيلها الكثير وسأموتُ في سبيل الزود عنها، وعن الحق.. رأى فاضل والده وهو يتضاءل وينكمش ويصغر حجمه بالتدريج، أذهلته المفاجأة صرخ: -ما الذي يحدث؟ أبي يتضاءل وينكمش؟ - لا تنسَ يا بني.. لا تنسَ ما قلتُه لك - أبي.. أبي.. ماذا هناك؟ ما الذي يحدث لك.. أسمع أصواتاً غريبة. - وداعاً يا بني.. حانت لحظةُ رحيلي عن عالمكم. - أبي.. أبي.. إنه يتضاءل يختفي.. كيف حدث ذلك.. يا إلهي. وروى فاضل لحظات ذهوله بعد اختفاء والده، ثم كيف توجه نحو باب الخروج فوجد الجند بانتظاره ووجد جثة الصبي الصغير مضرجة بالدم إلى القرب من الثغرة التي كانت مغطاة بالأعشاب.. كان مراقباً دون أن يدري.. ولاحقوه، حتى دخل الثغرة وبينما كان الصبي يسوّيها بالأعشاب.. طعنوه من الخلف.. وأبعدوه عنها.. وحين خرج فاضل وجد نفسه بينهم، عاثوا في المكان بحثاً عن الكهل فلم يعثروا عليه.. فسيق فاضل إلى الأمير سلطان.. - خُنتني أخيراً يا فاضل؟ أين أخفيتَ ذلكَ المتمرد؟ - لم أخنك يا مولاي.. ووالدي مات.. أصيب بمرض حوله إلى تراب.. ومع الأسف الشديد يا مولاي..فلقد أصابني بالعدوى سأموت بمرضه.. وأتحول إلى تراب. - ماذا تقولُ أيا المخبول؟ - الحقيقة.. يا مولاي، ألم يبحث رجالك عنه، هل وجدوا شيئاً غير التراب؟ لا.. لقد مرض أبي ومات وتحوّل إلى تراب، إنه مرض يحيل الإنسان إلى كومة من التراب بعد أن يتمكن منه.. وقد أصابتني العدوى.. - العدوى؟ كيف تحدّثُ هذه العدوى؟ - من يلمسني يا مولاي من يقترب مني يصيبه المرض الذي ينهش ببطء أعضاء الجسم، ويحولها إلى تراب.. آه.. من هذا المرض.. آه يا أبي، أعطيتني شيئاً لا أستطيع الخلاص منه.. صرخ: - أبعدوا هذا عني.. وألقوه في الأحياء الفقيرة يمرض سكانها ويحولهم إلى تراب.. هيا.. E -10- وقرأ حمدان ما كتبه فاضل عمّا جرى له بعد ذلك.. وكيف انتشر بين الفقراء يبصّرهم بواقعهم.. دون جدوى كانوا أشبه بالموتى.. كان عامر يستمع بشغف للشيخ حمدان.. ((هنا يصفُ جدّي الأكبر ما حلّ بالناس وقد انقلبت مفاهيمهم للحياة وانتشرَ الزيفُ والفساد والنفاقُ والجشع، وبدلاً من أن يحمي الفقراء أنفسهم مطالبينَ بالعدالة، استسلموا لمن يحكمُهم بعُبوديّة طاغية، وهذا ما حولهم إلى أشباه بشر بلا حس ولاعاطفة.وهو يقدم هنا أمثلةً ((غريبةً أمرٌ غريبٌ فعلاً)) - ماذا يا عماه؟ اقرأ لي من فضلك ولا تترك شيئاً.. أريد أن أعرف القصة بكاملها.. - حسناً.. يقول جدي الأكبر.. ((كان الأمير سلطان قد استولى على جميع ممتلكاتنا بعدما زرت والدي تلك الزيارة المحزنة.. كنت أعيش حياة التشرد والفقر، وقد ابتعد عني الجميع.. نظراً لما نشره عني الأمير من أخبار حول مرضي المعدي الذي يحول الإنسان المصاب به إلى تراب خلال فترة محدودة.. كنت تحت شجرة(خرّوب) كبيرة أسند رأسي إلى جذعها وقد تناهت إلى سمعي أصوات تغريد الطيور.. حين سمعت صوتاً خلفي: - ماذا تفعل هنا أيها التعس؟ لماذا لا تشاهد حفلةَ الإعدام هه؟ كان رجلاً هزيلاً محني الظهر ينظر لي بحذر: - حفلة الإعدام؟ ما الذي تقصده؟ - اكتشف الأمير سلطان أن بعض الفقراء سرقوا الخبز من مطابخه، وقد جهّز لهم حفلة إعدام كبيرة.. وطلب من الجميع حضورها.. - وما صفتك أنت حتى تدعوني لحضور هذه الحفلة؟ هل أنت من أتباعه؟ - لا.. أيها التعس.. لست من أتباعه.. أنا رجل بسيط لا أتبع أحداً، ولا أملك في هذه الحياة شيئاً سمعت يوماً ذلك الشيخ الجليل(علي المودسي) يحكي عن الظلم ويطالب الناس بالتحرك فأثرت بي كلماته، ولكني لم أجد مجالاً للحركة، فلجأت إلى هذه الجبال ألعنُ عجزي وقصوري. - وكيف سمعت إذن بتلك الحفلة؟ - كنت في أول يوم تجوال لي بعد عزلتي، أتنقل في المدينة أرى ما آلت إليه أحوال الناس.. - وانتهت حفلة الإعدام؟ - لم تبدأ بعد.. رأيت بعض الجنود كانوا يسوقون الناس إلى الساحة الكبيرة في المدينة، سمعتهم ينادون ويصرخون مطالبين الجميع بالحضور إلى هناك، ومن لم يحضر فسيكتشفون عدم حضوره ويعاقبونه. -ولماذا ناديتني بهذا الاسم(التعس)؟ ولا أراك متحمساً لحضور الحفلة؟ - تبدو متشرداً مثلي.. قلت لنفسي((منظرك يوحي بالرثاء والشفقة)) قد يعاقبك الجند، لذلك نبهتك إلى الحفلة وضرورة حضورها. - ألا ترغب بحضورها أنت؟ - سآوي إلى الجبال هرباً من ذلك.. قد أموت ويتوقف قلبي حين أرى حفلة الإعدام تلك.. أنا ضعيف البنية، شديد الحساسية. - لذلك أنت دون فاعلية، لا تؤثر على أحد.. ؟ اذهب معي إلى حفلة الإعدام ولا تخف.. قد تثير همم الناس بمقاومة الظلم. - أنت.. الذي تبدو أشبه بشبح من الهزال والضعف؟ - لا تخف، مازال جسمي قوياً، وقلبي ينبض بروح المقاومة.. صرخ الرجل فجأة: - هاقد اقترب الجند من مكاننا.. سأسرع في الاختفاء. قلت بغضب: - أيها الجبان الرعديد. قال بخوف وهو يبتعد: - قل ما شئت، الهرب هو سلاحي الوحيد. والتف الجنود حولي: - لماذا أنت هنا أيها المتشرد؟ - خير؟ ماذا تريدون؟ - الناس يتجمعون في الساحة الكبيرة، هناك حفلة عظيمة يقيمها سمو مولانا الأمير سلطان.. هيا تحرك إلى هناك قبل أن ألهب ظهرك بهذا السوط؟ - ولكني لا أستطيع السير.. جسمي ضعيف.. - سنوقظ فيك روح القدرة على السير.. انهالوا علي بالسياط فصرخت: - حسناً سأحاول أن أسير. وفجأة علا صوت بعيد يصرخ بهم: - اتركوه ماذا تفعلون؟ - ماذا يا سيدي؟ - إنه الموبوء.. سيصيبكم بأمراضه. - الذي طرده مولانا الأمير من بلاطه؟ - نعم.. اتركوه.. إن رغب بالتفرج على حفلة الإعدام فسيندس بين صفوف الناس المعدمين ويصيبهم بالعدوى - هيا نتابع تفتيشنا بسرعة.. قالوا ساخرين وهم ينظرون إلي ويبتعدون بقرف: - انظروا إليه إنه بالكاد يقف.. - فتشوا تلك الغابة القريبة، وأحضروا من ترون من الناس إنها حفلة كبيرة، ورغبة مولانا الأمير أن يرى الجميع هناك كيف يتم إعدام من تسوّل له نفسه العبث بأموال مولانا. همهمت وأنا أنهض: -لن تفوتني مثل هذه الحفلة.. E -11- اتجهت صوب مكان الحفلة، وأنا أرى الناس يتراكضون من كل مكان حتى لا يتعرضوا للعقاب.. كنت أشعر بحزن كبير لما آلت إليه الأحوال، أهكذا يستعبدهم الأمير كعب دون أن يقاوموا؟ اندسست بينهم أطل على الميدان الكبير، حيث رأيت في الجانب الآخر الأمير كعب وإلى يمينه الأمير سلطان اللذين كانا باللباس التقليدي الرسمي، كان كعب يجلس على كرسي من الرخام مثبت فوق مصطبة تطل على الساحة، وسلطان يجلس على كرسي آخر أصغر منه وأخفض منه مستوىً.. ودوّى النفير يعلن عن بدء الاحتفال.. وشاركت في حوارات الناس: - لم يظهر البؤساء بعد؟ قال أحدهم: - من تقصد بالبؤساء؟ أتعني أولئك المجرمين الذين سطوا على مطابخ الأمير؟ - نعم.. وهم ليسوا مجرمين، لا يمكن أن تطالب الجائع بإسكات معدته بالصمت والصبر.. أفهمت؟ - انتبه الجنود حولنا في كل مكان. قلت: - أنا ابن علي المودسي لا أخشى أحداً.. لم يركع والدي لهم.. ظلّ شامخاً رافضاً الظلم حتى مات. - أنت الموبوء المريض بمرض والدك؟ هه.. ابتعد عنّا قد تنقل إلينا العدوى. -إنها كذبة ساذجة انطلقت على أميرك الشاب وحاشيته. - كذبت على الأمير؟ كيف تجرؤ؟ - يكفي، لماذا أنت مرتعب لهذه الدرجة؟ ما الذي يستطيع الأمير أن يفعله لكم لو كنتم متحدين متعاونين؟ هه؟ اقترب منّا رجل كان يسمع الحوار: -معك حق بالتأكيد قال الأول: - بدأ الاحتفال.. ابتعد عني ولا تلمسني، سأتفرج على إعدام أولئك اللصوص . - كما تشاء.. وإن كنت متأكداً أنك ستبلغ عني جنود الأمير.. شخصيتك الهشّة تدل على ذلك . أخذت أتكلم بصوت مرتفع: - أمعقول أن يمثل بجائع يسرق رغيفاً بهذه الطريقة؟ إنه الظلم كيف للأمير أن يفعل كل شيء دون اهتمام منكم؟ أتخافونه إلى هذا الحد؟ معقول؟ وانبعث صوت أحد الجلادين: - هؤلاء الثلاثة الأوغاد سيُعدمون بقطع الرؤوس.. هكذا يرغبُ مولانا الأميرُ سلطان.. صرخ الأمير سلطان: - هيّا نفذوا فيهم الحكم.. فوق المنصّة.. اقطعوا رقابهم.. - حسناً يا مولاي. وهمهم الأمير وهو يرى تنفيذ الحكم:- تدحرجت رؤوس الأوغاد الذين جرؤوا على الاقتراب من مطابخ مولاهم.. أحضروا المرأتين.. - حسناً يا مولاي الأمير.. وصرخ المنادي: - أتسمعون أيها الناس؟ هاتان المرأتان تسللتا إلى أحد مطابخ القصر، وحاولتا سرقة الطعام.. انظروا إليهما.. قفزت مرعوباً: - مستحيل، إنهما أمي وأختي.. كيف حضرتا إلى هنا.. لقد أرسلهما والدي إلى قرية بعيدة، إلى بيت أخيه الأكبر لتعيشا خوفاً من ظلم الأمير.. أمعقول؟ لا أصدق ما يجري. كان الأمير يحاول إخضاع أمي: -ألن تعترفي أيتها المرأة بجريمتك؟ - لم أرتكب جريمة، حين جئت أسأل عن ولدي فاضل.. لم أكن أعرف أنك غضبت عليه، كما غضبت على والده.. - أمرٌ مثير للسخرية، تسألين عن المريض الموبوء الذي تتحوّل أعضاؤه إلى تراب؟ . إنه مثير للقرف ينشر العدوى في كل مكان.. كوالده.. - أنت لا تقول الصدق، ابني سليم الجسم.. كما كان والده.. أنا أعرفهما جيداً".. ألم يكن فاضل صديقك المقرب، ما الذي حولك عنه أخيراً"؟ - عثر عليه الجند في مكان عزلة والده، رفض أوامري بعدم الاقتراب من ذلك الجحر الذي يعيش فيه زوجك المخبول.. - لم يكن زوجي مخبولاً، كان يمقت الظلم والظالمين.. - ابنتك صبية حلوة، سأضمها إلى الجواري.. أتسمح لي بذلك يا أبي؟ قال كعب: - إنها هديتك يا سلطان، فكوا قيد الصبية وأحضروها إلى هنا. كنت كالملدوغ: - يا إله السماوات كيف سأجتاز هذه الحواجز.. لأصل إليهما؟ صرخت أختي: -اتركوني أيها الأنذال. قال الأمير: -لا تضايقوها.. ستأتي مرغمة إلي.. هيا يا جميلة. همهمت أمي: - عفراء.. لا تستسلمي له يا ابنتي. - لا تخافي علي يا أماه. صرخ سلطان وهو يهتز: -تعالي.. تعالي.. أرأيت يا أبي، يبدو أنها الشخص السليم بين عائلة المودسي. همهم كعب: - ستكون متعتك المقبلة يا بني. لم أستطع الصبر على هذا الموقف أكثر من ذلك فدفعت من حولي مخترقاً الصفوف. -ابتعدوا من هنا.. سألني من إلى جانبي: - ما الذي يجري يا أخ؟ - أمي وأختي أمام الطاغية.. يجب أن أصل إلى هناك. قال: - لا تكثر من الضجيج حتى لا ينتبه إليك الجند.. سأوصلك إلى هناك.. تعال. كان كعب يسأل سلطان: -وبماذا حكمت على المرأة يا سلطان؟ - هذه العجوز الشمطاء الطويلة اللسان.. ستوضع فوق المحرقة. - حكم ممتاز.. والفتاة تصبح جارية لك. صرخت أمي: - لن تصبح ابنتي جارية لك أيها الوغد.. وفجأة استلت سيفاً من سيوف الحرس: - دافع عن نفسك أيها الوغد.. أتحدّاك.. - تجيدين استعمال السيف؟ هه؟ حاصروها بسرعة.. وأطلقوا حرابكم في اتجاهها.. هيا.. كانت أمي تجيد فعلاً استعمال السيف وكانت محاربة ماهرة. صرخ سلطان: - وجهوا صوبها السهام من كل جانب.. وانضمت أختي إليها وقد تمكنت بغفلة من الحراس أن تستل سيف الحارس الواقف إلى جانبها: - أنا معك يا أماه. كان سلطان يصرخ: -حاصروهما واقتلوهما.. هيا.. وكنت قد وصلت إليهما: - تشجعي يا أماه.. أنا قادم. غمغم سلطان بخوف: - الموبوء. قلت: - سأقترب منك وأنقل إليك العدوى. قال الرجل الغريب الذي يساعدني: - تقدم لا تخف.. أنا أحمي لك ظهرك؟ بدا الوضع مستحيلاً، ولكن ذلك الرجل إلى جانبي، تمكن من إنقاذي وأمي وأختي، بإطلاق شيء قذفه بعدما أشعله، فأخرج ذلك الشيء ضباباً من الدخان، أعمى أعين الجند وأحدث ارتباكاً كبيراً ولم نشعر إلا ونحن مع الرجل في مكان ما تحت الأرض تضيئه المشاعل.. قلت له ممتناً لصنيعه: - ما فعلته أشبه بمعجزة.. كيف أطلقت كل هذا الدخان؟ - طريقة تعلمتها من والدك، أنا أحد تلاميذه، صداقتك لسلطان أبعدتك عن معرفة والدك . -ولمَ لم يهتم والدي بإبعادي عن سلطان؟ - لأنه رغب أن تكتشف الحقيقة بنفسك، علمني والدك الكثير وحين عرفت بنبأ اختفائه بعد عودتي من رحلتي الطويلة.. جن جنوني، شعرت كمن يفقد أحد أهم محاور حياته.. بحثت عنك طويلاً فلم أرك.. قيل لي أنك مريض، وتعتزل الناس، بعدما أصابك اليأس من محاولة إقناعهم بمقاومة الظلم.. كان المكان أشبه بكهف ضخم يتفرع إلى أنفاق وممّرات، تضيئها المشاعل، وفي بعض زواياه أثاث للنوم وصناديق فيها كتب ومخطوطات.. كان من الواضح أن الغريب يقيم فيه.. تجولنا قليلاً لنتعرف على ممراته وأنفاقه، كان هائل الاتساع. وقد أكد الرجل لنا: - أنه مكان لا يعرفه أحد، ستبقون فيه المدة التي تريدون. - من الأفضل أن تذهبي يا أماه وعفراء إلى بيت عمي الأكبر في القرية البعيدة..(مودس) هذه الأيام تفقد توازنها، بفقدان أبنائها لعقولهم. قال الرجل: -وأنا مع فاضل يا خالة.. من الأفضل لكما أن ترحلا. - وأنت يا فاضل. ما الذي ستفعله هنا؟ - سأنفذ وصية والدي يا أماه.. سأبقى هنا أقاوم الظلم. قالت أختي: -لم لا نبقى هنا معك، لنقاوم الظلم جميعاً"؟ - أرجوك يا أختاه.. لا مكان لكما هنا.. أعدك أنني سآتي إليكم حالما تأتي اللحظة المناسبة للقائنا من جديد.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |