[ مدينة خارج الزمن ] - طالب عمران

(رواية من الخيال العلمي) - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:15 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الرواية 1997 الرواية 1998
 

-12-

وقرأ الشيخ حمدان صفحات جديدة من مخطوط جده الأكبر فاضل، حكى فاضل كيف أفسد كعب وسلطان الجميع، وسيطر عليهم بعبودية مطلقة، وجمع العديد منهم لينحتوا في الصخر بيوتاً..‏

وبدأت العملية بتواتر منتظم، وأشرف الأمير سلطان عليها، كان يعتبره المشروع الأهم في حياته، بنى بيوتاً من الصخر لجواريه، ونحت أمكنة للهو، وأمكنة لتكديس المال..‏

ونحت أقبية للمسجونين، ودفن العديد منهم وهم على قيد الحياة.. وتحولت مودس إلى مدينة مستسلمة لقدرها، وقد ساد فيها الفساد والكذب ووأد النفوس الخيّرة..‏

***‏

توقف الشيخ: حمدان عن القراءة قليلاً وهو يرمق عامر باهتمام.‏

- إنها قصةً محزنة، وما بقي منها أشدُ إيلاماً.‏

- استمر يا عماه، أريد أن أعرف ما جرى بعد ذلك، وكيف حدثت الكارثة..؟‏

أكمل متنهداً بحزن:‏

- ظلَّ كعبُ رُغمَ تقدمه بالسن، يتصيّدُ المتعة، ويتلّهى بتعذيبِ عبيدِهِ، ويقوّي من أزرِ ولده.. وازداد الظلم إلى حدٍ لا يمكنُ وصفه‏

- ولم ينفجر الناس بعد؟‏

- يؤكد جدي الأكبرُ أنه تمكنَ بصعوبةٍ كبيرة وبمعونةِ بعض تلاميذ والده من الوصول إلى إيجاد تجمعٍ للناس الذين انضموا إليه كي يقاوموا ما يفعلُه أتباع الأمير ووليُّ عهده.‏

- وكيف كان جدك الأكبر يا عماه، مستشاراً لكعب؟ هذا الطاغية الذي لا يرحمَ أحداً؟ أمر غريب فعلاً..‏

- كان كعبُ وليّاً للعهد، حين التحقَ والدُ جدي بالعمل في حاشيته، نتيجةً لنصيحة الأمير(قابس) والد كعب.. وقد رأى في والدي رجلاً حكيماً، قد يؤدب ولده ويرشده.. ولكن كعب الذي تزوج من ابنة أحد الوزراء قد تحول بالتدريج بعد وفاة والده وقد رأى السلطة جميعها في يده، والناسُ تدينُ له.. تحوّل إلى رجلٍ يجري وراء المُتعة، وحاولَ والدُ جدّي الأكبر إيقافه عن جُموحِه نحو المتعة بهدوء وصبر ولكنه لم يستطع، وأدى هذا التدخل المستمر من المستشار الحكيم، إلى أن يغضب عليه الأمير كعب، وجرى ما جرى.‏

- حكاية غريبة.. وماذا حدث لمدينة(مودس)؟‏

- بعد أن كثرَ الفسادُ والظلم؟ حسناً سأقرأ لك ما كتبهُ جدي الأكبرَ في نهاية مخطوطته:‏

((رأينا أحلاماً مخيفة لعدة أيام متتالية، كانت كلها تدور حول حرائق تصيب المدينة، وزلازل أرضية، وأجسام تتساقط من السماء وكأن تلك الأحلام نبهتنا إلى أن قدر المدينة أن تسير نحو الهاوية...‏

وهكذا اجتمعنا في مكان ما تحت الأرض، وقد ضاق المكان بنا، كان الذين انضموا إلينا قد أحضروا نساءهم وأطفالهم وأشياءهم الضرورية.. وهذا ما جعلنا نفتح السراديب على بعضها ليتوزع الناس.. ولم أنسَ تلك الأيام ولن أنساها.. في أحد الأيام كانت هناك امرأة تصرخ باسمي:‏

- يا سيدي فاضل.. يا سيدي فاضل.‏

- ما بك يا امرأة ماذا تريدين؟‏

- رأيته بعيني، رأيته بعيني، إنه يطير فوق المدينة.. طائر ضخم مخيف.. إنه شديد السواد، ويطلق أصواتاً مخيفة.‏

- ومتى رأيته؟‏

- قبل قليل.. خرجت أفتش عن ابني الذي يعمل حارساً عند الأمير سلطان..‏

- وكيف سمحوا لك بالخروج؟ ألم تعرفي أن الخروج من هنا ممنوع الآن.‏

- هذا ما جرى يا سيدي.. بحثت عن ولدي ولقيته.. طلب مني أن أبتعد حتى لا يراني أحد.. فيعاقبه الأمير سلطان.. ودعته وأنا أبكي وابتعدت، خائفة حزينة، جلست في مكان منزوٍ، وإذا بالظلام يحلُّ فجأة، نظرت إلى السماء لأرى ذلك الطير الأسود الضخم..‏

فكرت متسائلاً: ((معقول؟ تبدو صادقة وهي تروي الحادثة.. لا بأس يجب أن أستكشف الأمر)).‏

ثم قلت لها: - حسناً.. عودي إلى مكان إقامتك..‏

- وماذا ستفعل؟ أتعرف شيئاً عن ذلك الطير؟‏

- حتى الآن لا أعرف ماذا سنفعل، وبالطبع فقصة هذا الطير تبدو فريدة يا خالة..‏

- لم أر في حياتي طيراً بضخامته.. كأنه سحابة سوداء متكاثفة، لا تسمح بنفاذ الضوء.‏

- حسناً، عودي إلى مكانك بسرعة.‏

واقترب رجل آخر من رجالي: - ثمة شيء جديد يا فاضل.‏

- ماذا تقصد؟ ما الشيء الجديد هذا؟ أله علاقة بالمدينة؟‏

- نعم.. طيور سوداء كبيرة الحجم تجول حول المدينة.‏

- قالت لي تلك المرأة أن هناك طير واحد فقط.‏

- بل العديد من الطيور.. حراس المدخل حكوا لي عن ذلك.‏

- يجب أن نكتشف الأمر..‏

- ولكن بمنتهى السريّة لا نريد أن نحدث بلبلة.. لدى الناس‏

- معك حق.‏

((وخرجنا من فتحة سرية نستكشف الأمر، فرأينا طيوراً سوداء كبيرة تحوم فوق المدينة، كانت تحمل أجساماً سوداء في مناقيرها ومخالبها.. وهي تطير محوّمة.. وكان جند الأمير يطلقون نحوها السهام فلا تصل إلى الارتفاع الذي تطير به.. وقد استشاط الأمير سلطان غضباً وطلب من جميع جنوده طرد تلك الطيور الضخمة.. ولم تسفر محاولتهم عن شيء.. فقد ازداد عدد الطيور)).‏

حتى بالمشاعل والنار.. لم تكترث الطيور.. كان من الواضح عجز الجند والحراس وهم يخرجون بالعشرات من مناطق تواجدهم حول بيوت الأمير المنحوتة بالصخر..‏

ورأينا فجأة عجوزاً بوجه سمح تقترب منا:‏

- ماذا تفعلان هنا؟ عودا إلى المكان الذي تقيمان فيه.‏

سألتها باهتمام:‏

- لماذا تطلبين منا ذلك يا خالة؟‏

- لأن ما سيحدث سيكون رهيباً مرعباً.‏

- ومن أنت يا خالة، لماذا لا تختبئين ما دام الذي سيحدث سيكون رهيباً مرعباً؟‏

- لا تكثر من الكلام يا بني.. واذهب مع رفيقك إلى حيث المكان المناسب لاختبائكما.‏

وصرخت تحاكي الطيور:‏

- هيا أيتها الطيور تحركي، زلزلي الأرض، دمري هذه الصوامع المليئة بالفسق والظلم والفساد.. هيا أيتها الطيور..‏

كانت تركض مطلقة كلماتها وصراخها.. وهي توجه بصرها إلى الجو وبدت سريعة رغم تقدمها في السن يا لها من عجوز غامضة.. عدنا إلى ملجئنا، كانت الطيور تبدو وكأنها تستعد لقذف ما تحمله فوق المدينة يا إله السماوات، كم ستكون الكارثة كبيرة الحجم؟‏

((وعدنا إلى مكمننا مع بقية الناس الذين لجأوا إلينا، وبدأت تصلنا أصوات مدوية هزّت الأرض من حولنا، فلقد أطلقت الطيور السوداء الضخمة التي غطت أسرابها وجه الشمس، أطلقت كل ما لديها من أجسام ثقيلة صوب القصور والبيوت المنحوتة.. ودكّت تلك الأجسام كل الدور المزخرفة التي امتلأت بالظلم والفساد، وزلزلت الأرض حولنا، واشتد عويل النساء والأطفال.. كان يوماً مرعباً لا يمكن لنا أن ننساه.. ودمّرت الكارثة مدينة(مودس) الكبيرة تدميراً أتى على كل شيء، ودفن بين الأنقاض الأمير الظالم وحاشيته وأتباعه وخدمه وجواريه ومخازن أمواله.. كما دمرت كل الذين استسلموا له ليستعبدهم ويمتص منهم نامة الإحساس الإنساني المقاوم)).‏

وتابع حمدان يقرأ:‏

- ويستمرُ جديَ الأكبرُ في سرد تفاصيل الكارثة، وكيف صعدوا بعدما هدأ الزلزال وتوقف تساقط الأجسام الثقيلة.. ليجدوا أن كل شيء اختفى، أزيلَ عن الأرض تماماً، ولا أثر للقصور والمنازل الضخمة والكهوف المنحوتة التي تزخر بالتماثيل الجميلة، وأدوات المُتعة على اختلاف أشكالها.‏

- إنها حكاية أشبه بأسطورة.‏

- وظل صوت كعبٍ وولده سلطان يدويان في المنطقة يستغيثان من العذاب، وقد سمع جدي تلك الأصوات الغريبة التي تردد صداها بعد انتهاء الكارثة لعدة أيام.. كانت تذرفُ دموعَ الندم والتوبة، وتتوسلُ أن يتوقفَ عذابُها لكن دون جدوى.. وهكذا عاد جدي الأكبر يحاول بناءَ ما بقي من مخلفات الدمار.. مستعيناً بأولئك الناس الذين رفضوا الظلم وقاوموه لتنهض(مودس) جديدة صغيرة، أحب فيها الجميع الخيرَ، وتعاونوا من أجله‏

- هذه هي حكاية المدينة إذن؟‏

تنهد الشيخ حمدان وهو ينظر إلى عامر بعمق:‏

- وقد طلبت مني زوجتي أن أحكيها لك، وهو طلبٌ له مبرراته بالتأكيد.. ولكن ما هي هذه المبررات؟ بالتأكيد لا أعلم.. هيا بنا نعود إلى البيت.. سنعيد كل شيء إلى ما كان عليه هنا..‏

E‏

-13-‏

أعاد الشيخ حمدان ترتيب المكان وأقفل الصندوق المتطاول بعدما وضع فيه المخطوط الغريب كما أعاد ترتيب الصناديق مكعبة الشكل، وحرّك الصخرة الكبيرة التي تسدّ مدخل الكهف، وخرج وعامر إلى العراء، ثم أعاد الصخرة إلى مكانها لتمحو أي أثر يمكن أن يعرف على الكهف..‏

سار عامر صامتاً إلى جانب الشيخ وهو يستعيد الأحداث ويفسرها.. حتى وصلا إلى بيت الشيخ حمدان المنزوي في جانب المدينة المخفيّة تحت الأرض.‏

قالت لهما سمية بلهفة: - الحمد لله أنكما عدتما أخيراً، لقد عادت أمي إلى سباتها الطويل، أنها لا تتحرك.‏

هدّأها حمدان:‏

- لا تقلقي عليها، لم يحن أجلُها بعد.. ربما تغيبُ في سباتها لأيام..‏

- كانت تبدو حزينة دامعة.. يا لقلبي الذي يعتصره الحزن عليها؟‏

- سأذهب لرؤيتها، انتبهي لنفسك، هدئ من روعها يا عامر..‏

- سأفعل يا عماه.‏

خرج الشيخ حمدان، همس عامر بحب: - سمية أرجوك لا تزيدي من عذابي مازالت صور الكارثة تتخايل أمامي.‏

- سأحاول أن أتماسك يا عامر.. ولكن والدتي حكت لي أشياء كثيرة مرعبة قبل غيبوبتها.‏

- سأبعد عنك الخوف والرعب يا حبيبتي، لن أجعل الحزن يعرف طريقه إلينا.‏

- ولكن القدر أقوى من كل الأماني يا عامر..‏

- ماذا تقولين يا سمية؟ لماذا هذا التشاؤم؟‏

- ألم أقل لك، حكت لي والدتي أشياء كثيرةً مُرعبة قبلَ أن تغرَقَ في السُبات.‏

- مثل ماذا؟ قولي يا سمية.. أرجوك.‏

- لا أستطيع.. لم تُعطني إذناً.. بذلك.‏

- لا بأس.. كما تريدين.. ما رأيك لو نذهب لزيارتها معاً؟‏

- أمي في سُباتها الطويل لن تستيقظ سريعاً، وأخاف أن لا تستيقظ أبداً.. لو تعلم كم هي مُهمةٌ بالنسبةِ لنا.. إنها مِفتاحُنا على العالم، لولاها لكانت عزلتنا شديدة القساوة.. أنتَ الوحيدُ الذي اخترق عزلتنا يا عامر..‏

- أليست هناك قرى ومدن قريبة من(مودس)؟ ألا يسافر الناس خارج مودس ويستكشفون الأماكن البعيدة؟‏

- لا يا عامر.. منذ أن تفتحت عيناي على النور، لم أر أحداً يسافر ويعود من جديد، حتى إخوتي ذهبوا ولم يعودوا، لذلك قرر المجلس الاستشاري منع السفر والرحيل، والاكتفاء بالحياة هنا وقراءة أسفار الأجداد والتعلم منها.‏

- الآن فهمت كيف أخرج حضوري المفاجئ سكان المدينة عن رتابة حياتهم.. ولكني لن أقيم هنا إلى الأبد.. سأعود للبحث عن سيارتي الغارقة في لرمال وأكمل سفري إلى بلدي في الشمال..‏

همست بخوف:‏

- كيف؟ وتتركني؟‏

ضمّها إليه بحب:‏

- لا.. سأصطحبك معي كزوجة وحبيبة.. لا أستطيع الابتعاد عنها للحظة واحدة.. أنت كل شيء في عالمي الآن.‏

زفرت بحزن وهي تهز رأسها:‏

- ليس الأمر سهلاً كما تظن.. أمي ستقرر خياري.. حينما تستيقظ من سباتها هذا إذا استيقظت.‏

- لماذا لا نذهب إليها الآن يا سمية؟ أرجوك.. قلبي يحدثني أن أمراً ما يحدث هناك.‏

استسلمت لطلبه: - لا بأس يا عامر.. تفضل سنذهب إلى أمي.. وأرجو أن يكون حدسك في محلّه..‏

وحين وصلا غرفة الأم قالت لهما الخادمة:‏

- سيدتي نائمة بعمق لم تستيقظ بعد.. والشيخ حمدان إلى جانبها.‏

- هل منعتنا من زيارتها؟ أقصد أنا وعامر؟‏

- لم تقل شيئاً من هذا القبيل.‏

همهمت سمية: - ادخل يا عامر.. الحمد لله لم تَمنع عنا زيارتها في سُباتها.‏

كان تنفسها مضطرباً.. تتنفس بسرعة قليلاً ثم تخمد وتسكن تماماً كأنها ميتة.. خاف عامر وسمية أن تكون العجوز قد دخلت مرحلة الخطر.. هز الشيخ حمدان رأسه:‏

- من يعلم؟ ما الذي يخبئه الله لها ولنا؟‏

ولكن تنفسُها عاد من جديد.. بدأت الخادمة في محاولة لإيقاظها:‏

- سيدتي هل تسمعينني؟‏

شجعها الشيخ حمدان: - حاولي معها.. قد تستيقظ..‏

همس الشيخ حمدان موضحاً لعامر:‏

- لابد أن لغة مشتركة بينهما. إنها تقيم معها منذ بدء مرضها هي تعرف الكثير مما لا نعرفه عنها.‏

واستمرّت الخادمة تحاول إيقاظ العجوز:‏

- أتسمعينني يا سيدتي.. الجميع هنا حولك الشيخ حمدان وسمية وذلك الغريب.. إنهم حولك.‏

فتحت العجوز عينيها بهدوء ونظرت حولها ثم تمتمت: - آه.. اسندي رأسي..‏

أخذت تحدق شاردة في البعيد:‏

((آه يا إلهي.. كنت أطير فوق البلدان، رأيت الكثير من الحوادث المرعبة.. آه.. لا أستطيع أن أفتح عيني مازلت أحلق فوق(مودس) المنغلقة على نفسها.. آه.. سمية يا ابنتي))‏

- أنا إلى جانبك يا أماه.‏

- ستغادريننا سريعاً وتعانين الكثير.. ولكن عامر سيكون قوياً يحميكِ ويبعد عنكِ الأذى.. آه لا أستطيع أن أفتح عيني.. أنت ستدخلين أمكنة لم تريها من قبل، سيكون كل شيء مدهشاً غريباً.. أرى طريقاً أسود ينقلك فوقه جهاز عجيب يدور يتحكم به عامر.. آه هناك متاعب في الطريق.. الأشرار في كل مكان.. ولكن لا خوف عليكما من قوى الشر.. آه.. لست أدري ما الذي يضغط على صدري؟‏

سألتها الخادمة: - هل أرفع رأسك قليلاً يا سيدتي؟‏

لا.. لا داعي لذلك.. اسمع يا حمدان.‏

- نعم يا أم سمية.. ماذا تريدين؟‏

- ستظل مدينتنا الصغيرة منسية لسنوات طويلة أخرى، وسيظل سكانها معزولين عن العالم.. آه يا حمدان.. العالم حولنا يزداد حركة وغرابة.. آه.. أنا أدور فوق مدن ليس فيها سوى الأبنية العالية والطرق السوداء التي تسرح فيها آلات كالحشرات السريعة تبدو لي وأنا أطير فوقها.‏

- ألا تريدين أن تقولي شيئاً يا أم سمية؟‏

- معك حق.. يجب أن أقول شيئاً للناس فأنا سأعود إلى سباتي الطويل، كان يجب أن لا أستيقظ الآن ولكنني عدت من سباتي من أجل عامر وسمية.. إنهما متحابان.. بارك حبهما يا حمدان.‏

وانتبه للناس، شعرت بقلبيكما الصغيرين يا بني ينبضان بحب صادق.. رغم كل ما هو موجود حولك من إغراءات فأنت صادق الطوية يا عامر..‏

- أنت امرأة نادرة يا خالة.‏

- آه.. حمدان.. اذهب إلى الركن الشرقي من(مودس) هناك شجار بين رجلين حول قطعة معدنية رأياها بين تلال الرمل، إنها ليست قطعة فقط.. ربما آلة كبيرة أشبه بالآلات التي تسير بين المدن ذات الأبنية العالية والطرق السوداء.. آه.. هيا يا حمدان.. اذهب إليهما سريعاً ولا تنسى أن تزور الشيوخ وتقدم لهم المساعدة.. الناس هنا مازالوا راضين بعيشتهم الرتيبة.. وجود عامر بينهم يدهشهم ويزيد من استغرابهم، وفضولهم لمعرفة ما يجري خارج مدينتهم في العالم البعيد"‏

سعلت سعالاً شديداً، سألتها الخادمة:‏

- ما بك يا سيدتي، هل أحضر لك الماء؟‏

- لا بأس.. يبدو أن سباتي سيكون طويلاً بعد قليل.‏

أحضرت لها كأساً من الماء شربت منه بهدوء:‏

- اخرجوا الآن.. رافق حمدان يا عامر.. وأنت يا سمية انتظري عودتهما.. لا أريد أن يزعجني أحد حتى تخبركم خادمتي.. هيا.‏

- ليكن الله معك يا أم سمية..‏

انفجرت سمية بالبكاء أوقفتها العجوز بإشارة من يدها:‏

- لا تبكي يا ابنتي.. يجب أن تظلي قوية متماسكة.. مع السلامة.. هيا أنقذ الرجلين يا حمدان قبل أن يفتكا ببعضهما.‏

- حالاً.. هيا يا عامر.. وأنت يا سمية ابقي في غرفتك.. لن نتأخر طويلاً..‏

همهمت العجوز لخادمتها وهم يخرجون:‏

- أعيديني إلى وضعي.. آه.. يجب أن أعود إلى عوالمي الغريبة.‏

- نعم يا سيدتي..‏

-14-‏

توجه الشيخ حمدان وعامر صوب الركن الشرقي من(مودس) لم يكن المكان بعيداً اجتازا الأزقة الضيقة بين البيوت الحجرية، ولم يكن الضوء المتسرب من الفتحات العلوية للمدينة كبيراً ولكنه كان كافياً لرؤية الطريق..‏

كان هناك تجمع لبعض الناس من سكان المدينة، وصلت الأصوات إلى الشيخ حمدان وعامر، فهرعا مسرعين صوب المكان.. كان هناك رجلان يتعاركان عراكاً شديداً، كما وصفتهما أم سمية:‏

- لقد اكتشفتها أولاً، ولن أدعك تقاسمني، سأضعها في ساحة المدينة ليتفرج عليها الناس، ستدر علي ربحاً وفيراً.‏

- لولا مساعدتي، لم تستطع استخراجها من تلة الرمال تلك.. لي الحق بجزء منها.‏

- أترون يا ناس.. يريد ثمن مساعدته؟‏

- إنه حقي..‏

دخل الشيخ حمدان ومعه عامر بين الجمع:‏

- ما الذي يجري؟ أمعقول أن أرى الشجار يتطور إلى هذا الحد؟ لماذا تحملان السلاح؟ أتريدان استخدامه؟‏

- لقد حاول الاعتداد على حقي يا شيخ حمدان ، تصور عثرت على قطعة معدنية ضخمة جميلة في إحدى تلال الرمال، استغرق مني ذلك جهداً كبيراً، لا أنكر أنني استعنت به، ولكنه يرغب بمقاسمتي .‏

قال الرجل الآخر: بذلتُ جهداً كبيراً أيضاً.. وهذا من حقي.‏

وتدخل أحد الشيوخ: -حاولنا إقناعهما بالهدوء، ولكن كلاً منهما أصرّ على موقفه .‏

سأل حمدان: - أين هذا الشيء الذي تتشاجران من أجله؟‏

- إنه في الأعلى سأستخدم الخشب الطويل لجره لساحة القرية.‏

- يجب أن أراه.‏

- يجب أن تحكم بالحق، إنه ملكي يا شيخ حمدان أرجوك.‏

- ولكن لولاي لم تكن تستطيع إخراجه، ساعدتك وبذلت جهداً يوازي جهدك أيضاً.‏

- توقفا عن الكلام.. أريد رؤية هذا الشيء هيا.‏

سار الجميع نحو المكان الذي دل عليه الرجل كان قد غطى ذلك الشيء بقماش بمساحة كبيرة وحالما رفع الغطاء صرخ عامر مذهولاً بفرح: - سيارتي.. عثرت عليها أخيراً.‏

أوقفه الرجل: - ماذا تقول أيها الغريب؟ ابتعد عن هذا الشيء إنه ملكي..‏

- سيارتي بوضع جيد أيضاً.. لا أصدق نفسي..‏

عاد الرجل يهدده:‏

- لا تقترب منه.. أحذرك.‏

أوقفه حمدان:‏

- هذا الشيء هو ملك له، هذا الغريب حضر به إلينا.‏

أدار عامر محرك السيارة فبدأت بالحركة صاح فرحاً: - إنها تعمل.‏

ابتعد بها وسط دهشة الجميع: - إنه يسير وحده.. يا إلهي.‏

أيقظهم حمدان من دهشتهم:‏

((استمعوا إلي جيداً.. ذلك الشاب قذفته إلينا زوبعة رملية طمرته الرمال، وطمرت هذا الشيء بعيداً عنه.. كنّا نحاول البحث عنه قبل أيام.. ولم نكمل بحثنا.. هذا الغريب أتى من البعيد بهذا الشيء، إنه من عالم مختلف عنا..وسيرحل به إلى بلاده البعيدة.. لا نستطيع أن نقف في وجهه)).‏

صرخ الرجل: - يا حسرتي على الجهد والتعب الذي بذلته من أجله.‏

وأكمل الآخر: - وأنا أيضاً بذلت الكثير من الجهد.‏

- سنرى ما يمكننا أن نكافئكما به على صنيعكما من أجل هذا الضيف الغريب.‏

قال شيخ: - أليس من العار أن تطالبا بمكافأة؟ إنه عمل خير، وعمل الخير لا يجب أن يكون له ثمن.‏

قال حمدان: - معك حق.. ولكن إن رغبا بمكافأة، لن نتأخر في تقديمها لكل منهما.‏

انبرى الرجل رافضاً الفكرة:‏

- لا يا شيخ حمدان ما دام الوضع هكذا لا أريد شيئاً.‏

وقال آخر:‏

- وأنا أيضاً يا شيخ حمدان لا أريد شيئاً..‏

تنهد حمدان بارتياح:‏

- الحمد لله.. الآن ثبت لي أن أبناء(مودس) مازالوا يحتفظون بنزعة الخير لديهم.. هيا تصافيا وتصالحا.‏

- بارك الله فيك يا شيخنا..‏

كانت السيارة بوضع جيد، شكرهما عامر بارتباك: - لا أدري ما أقول لكما.. وبماذا أكافئكما؟‏

- لا تقل شيئاً.. نحن سعيدان بعثورك على هذا الشيء.‏

- نعم.. لا نريد شيئاً منك.. نتمنى لك التوفيق.‏

كان العثور على السيارة أمراً مفاجئاً لعامر، الذي عاوده هوس الرحيل وقد تذكر أقوال أم سمية عنه وعن سمية ورحيلهما معاً..‏

ولم يلحظ الحزن الذي سيطر على الشيخ حمدان، وقد شعر بنيته للرحيل بابنته بعيداً.. كانت سمية المخلوقة الوحيدة التي شعر نحوها بحب يفوق الوصف كانت ابنته وصديقته ومستودع أسراره، والوحيد الباقي من أبنائه ولكن رغبة الأم كانت بمثابة أمر لا يمكن مخالفته.‏

ركن عامر سيارته في مكان يطل على مدخل المدينة الشرقي، ثم هبط وبقية الرجال إلى المدينة.. وتفرق عنه الجميع ولم يبق سوى الشيخ حمدان الصامت الدامع..‏

وكأنما شعر عامر بحزن الشيخ حمدان.. هذا الحزن الذي بدا سببه واضحاً وهو اصطحاب عامر لسمية معه.. وفي بيت الشيخ حمدان دار حوار افتتحه عامر بالقول:‏

- ستكون سمية أمانة في عنقي يا عماه، لن أسمح لشيء أن يزعجها مهما كان‏

تنهد حمدان وهو يربت على كتفه:‏

- لا بأس يا بني.. تلك هي رغبة أم سمية، ستتزوجان غداً وإن رغبتما بالرحيل سريعاً سنسهل لكما ذلك ما استطعنا..‏

- وأنا جاهز يا عماه لتنفيذ رغبتك.‏

زفر الشيخ بحزن:‏

- سترحلان بالتأكيد، سريعاً أعلم ذلك، أنت من عالم مختلف، ويجب أن تلتحق بهذا العالم..‏

أكدت سمية: -إنه قدري يا عامر، حكت لي أمي كثيراً عنه.‏

هز حمدان رأسه بحزن:‏

- هيا نستعد ليوم الغد، سيكون احتفالاً كبيراً لم تشهده(مودس) منذ زمن بعيد.‏

وقضى عامر ليلته الأخيرة في(مودس) وهو يفكر بالأيام المقبلة.. حيث سيكمل رحلته مع سمية إلى بلاده في الشمال شرق البحر المتوسط..‏

كان سعيداً برحلته مع الفتاة التي تعشّقها قلبه.. متجاهلاً الكآبة التي ظهرت على محيّا الشيخ حمدان رغم تظاهره بالسرور والفرح.‏

انفرد بسمية لدقائق قبل أن يتدفق الضيوف إلى بيت الشيخ حمدان تعبيراً عن مواساتهم له برحيل ابنته الوحيدة الباقية..‏

وأتت خادمة أم سمية تسأل عن عامر.. وحين التقى بها قالت له هامسة:‏

- استيقظت سيدتي للحظات وطلبت مني أن أنقل إليك الاتجاه الذي يجب أن تسلكه في الرحيل بآلتك مع سمية..‏

- هل حددت لكِ هذا الاتجاه؟‏

- قالت لي فقط ليتجه عامر بآلته بحيث يكون نجم القطب إلى يمينه فسيصل الطريق الذي ينشده لا تنسى يا سيدي.‏

- لن أنسى أبداً.. بارك الله فيك.‏

سأله حمدان: - قالت لك عن الوجهة التي يجب أن تسير بها؟‏

- نعم.‏

- لم تنس شيئاً أبداً.. كن مطمئناً يا بني، ستظل قلوبنا معك ما دمت إلى جانب سمية، إنها أغلى شيء في حياتنا.‏

- إنها أعز من عيني.. لا تقلق يا عماه".‏

دارى الشيخ رأسه منسحباً وقد سالت الدموع من عينيه رغماً عنه..‏

E‏

-15-‏

وفي اليوم التالي، استيقظ عامر على دقات الطبول وعزف ناي حزين، كانت المدينة الصغيرة قد تجمعت كلها في الساحة الوحيدة بين الصخور..‏

كانوا رجالاً ونساءً وأطفالاً يرتدون لباسهم التقليدي ويتجمعون في حلقات شهدت بعض مظاهر الفرح الذي يراه عامر لأول مرة في مجتمع(مودس) الصغير.‏

أتى بضعة شبان إليه وألبسوه زيهم التقليدي وأهدوه سيفاً مزخرف الغمد ثم اصطحبوه إلى السرادق حيث اجتمع وجهاء المدينة.‏

رأى نفسه فجأة أمامهم، فشعر بارتباك ولكن الشيخ حمدان غطى على ارتباكه بتعريفه بضيوفه:‏

- هذا الزواج الذي باركته(أم سمية) وطلبت مني التعجيل به، يجري لأول مرة منذ سنين طويلة بين فتاة من(مودس) وغريب حطَّ علينا فجأة من رحم الغيب، فلم نجد فيه سوى الشهامة والرجولة والنبل .‏

- بارك الله بك يا عماه، وأرجو أن أكون عند حسن ظنكم بي.‏

- أكان العثور على آلته الغريبة هو الذي عجّل برحيله؟‏

- تعلمون أن كثبان الرمل الصغيرة تخفي الكثير من الأشياء المعدنية التي لا نعرف عنها شيئاً.. إنها تأتي مع الزوابع وتندفن في الرمل، نحن مختفون في قلب الأرض، والعالم حولنا كبير ومجهول.‏

- هل يعني أننا قد نخرج من عزلتنا يا شيخ حمدان؟‏

- لا أدري، وإن كنت أعتقد أن خروجنا من عزلتنا لم يأتِ أوانه بعد.‏

- قد تكون سمية، هي أول سكان(مودس) تخرج من هذه العزلة الطويلة المستمرة.‏

- مكتوب بالألواح أن من يخرج من (مودس) لا يعود إليها أبداً.. لقد فقدت أولادي الشبان، والعديد منكم فقد أولاده الذين رحلوا في الظلام خارج (مودس)، ولم يعد أي منهم حتى الآن.‏

- يعني أن سمية لن تعود إلينا أبداً؟‏

- الله وحده يعلم.. قد يحدث ذلك، ولكن على الأغلب لن تعود..‏

قال عامر مخففاً: - قد نحاول زيارتكم في المستقبل.. إنه وعد سأحاول تنفيذه.‏

- من الصعوبة أن تعثر على مدينتنا يا بني.. إنها مختفية تحت الأرض لا يظهر منها سوى الصخور.. وركام الصخور الضخمة منذ أن حدث الزلزال الكبير ودمر المدينة الواسعة.‏

وأتت سمية خجلة تهمس في أذن الشيخ حمدان:‏

- أبي، تطلبُكَ خادمة أمي.. لابد وأن تبلغك بأمرٍ هام.‏

- حسناً.. عن إذنكم يا جماعة سأعود حالاً.‏

قالت الخادمة حين قابلها حمدان:‏

- أبلغتني سيدتي أن أقول لك، أنك تبالغ بمظاهر الفرح، ويجب أن تحدّ منها.‏

- هل استيقظت من جديد؟‏

- للحظات فقط.‏

- حسناً.. لا بأس، سأحاول الحدّ من مظاهر الفرح.‏

بدأ حفل الزفاف.. وسمع قرع الطبل مصحوباً بعزف ناي.. جعل الشبان والفتيات يزدحمون في حلقة الرقص رغم محاولات الشيخ حمدان الحدّ من مظاهر الفرح..شرد عامر: ((كأنني أعيش في حلم، إنه مظهر احتفالي قد لا أرى مثله في حياتي)).‏

- عامر.. ما بك؟ تبدو شارداً.‏

- أتأمل مظاهر فرح المدينة بزفافنا.‏

- ولكن أبي حزين، ألم تلحظ الحُزنَ على حركاتِه؟‏

- لا بأس يا سمية كل الآباء والأمهات يحزنون لفراق فتياتهم اللواتي يذهبن إلى بيت رجل آخر .‏

- ولكني أتزوج غريباً عن مجتمع مدينتي الصغيرة.. ولن أعود إلى هنا أبداً.‏

- خائفة يا حبيبتي؟‏

- معك لا أخاف شيئاً، ولكني حزينة على والدي.‏

- إنه حزن ممزوج بفرح.‏

- قد لا يرى أحفاده.. من خرج من(مودس) لا يعود إليها أبداً.‏

- سنحاول زيارتها في المستقبل، أعدك..‏

واستمرت مظاهر الفرح حتى قبيل الغروب حيث صرف الشيخ حمدان الناس وهو يشكرهم.. وقاد بيديه سمية وعامر إلى البيت..‏

- كل شيء جاهز لرحيلكما، ما إن يعم الظلام حتى تتحركا من هنا في حفظ الله كما حددت والدتك.. اعتنِ بسميّة يا عامر.. ولا تنسى أنها ستكون غريبة بين أهلك.‏

- أرجوك يا عماه، لا تقل مثل هذا الكلام، لن أجعلها تحسّ بالغربة أبداً.. هي نسيم الحياة الذي أتنشقه‏

- بارك الله فيك.. أعددنا لكما عشاءاً خفيفاً، وحين تظهر النجوم في السماء سنودعكما إلى خارج المدينة .‏

قضى عامر وسمية بعض الوقت، وتناولا عشاءيهما، وكانت سمية تبكي بحرقة على فراق والدها، وبعد أن ظهرت النجوم من بين فرجات الصخور، تحرك عامر وعروسه صوب السيارة.‏

ورافقهما جمع غفير، وظل الناس ينظرون باستغراب للسيارة وعامر يتحرك بها بعيداً وقد وضع نجم القطب على يمينه، من الجهة الغربية من المدينة.. كما أوصته والدة سميّة..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244