[ مدينة خارج الزمن ] - طالب عمران

(رواية من الخيال العلمي) - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:15 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الرواية 1997 الرواية 1998
 

-16-

كان يقطع الطريق الرملي المتيبس قليلاً، وأضواء السيارة تشق عتمة الليل، دون أن يتوقف، وهو يرجو أن يصل إلى الطريق المعبد سريعاً..‏

طالعته أضواء من بعيد، كانت هناك استراحة كما خمّن.. فشعر بالارتياح وهو يقبض بأصابعه على أصابع سمية التي تكوّمت ملتصقة به.. أوقف السيارة ثم خرج منها قرب الاستراحة:‏

- سنستريح قليلاً، قبل أن نتابع رحلتنا.‏

- كما تشاء، افعل ما ترغبه يا عامر.‏

- انتظري قليلاً، سأرى من في الاستراحة وأعود إليك.‏

- حسناً يا عامر.‏

دخل عامر فوجد رجلاً مسناً:‏

- السلام عليكم.. ألا أحد هنا سواك يا عم؟‏

- لا يا بني، أنا أقيم هنا، ولا سيارات عابرة مسافرة في هذه الأيام فالطقس شديد الحر.‏

- نحتاج لبعض الماء والطعام.‏

- سأحاول أن أؤمن لك ما تشاء.. ولكن كيف تغامر بالرحيل في هذا الجو المضطرب، قد تنشأ الزوابع الرملية في أية لحظة.. العديد من المسافرين فقدوا داخل الرمال نتيجة تلك الزوابع؟‏

- الحدود بعيدة عن هنا؟‏

- ليس كثيراً بضعة كيلو مترات فقط.. تسافر وحيداً؟‏

- لا.. زوجتي معي إنها في السيارة.‏

- أصلحك الله كيف تسافر مع زوجتك في هذه الصحراء الشاسعة التي لا تخلو من وحوش الليل وقطاع الطرق.‏

- سافرت كثيراً من قبل ولم أتعرض لأي خطر.. عن إذنك سأحضر زوجتي..‏

اتجه صوب السيارة: -هيا يا سمية..‏

كانت نائمة.. لم يوقظها. أحضر الطعام إلى السيارة. وتابع المسير.. منطلقاً على الطريق العام وسمية نائمة إلى جانبه بعمق، وفجأة تذكر شيئاً فتحرك بقلق، وهو يراهم عن بعد:‏

- إنهم حرس الحدود، يا إلهي كيف لم أنتبه، ليس لدى سمية جواز سفر، كيف سأعبر بها الحدود؟‏

كان في السيارة متردداً بالاقتراب من رتل السيارات التي تعبر الحدود حين اقتربت منه سيدة عجوز:‏

- الأستاذ عامر؟‏

- نعم.. خير يا خالة؟‏

-.. لك أمانة عندي، انتظرتك طويلاً.. تفضل.‏

أعتطه مظروفاً وحين فتحه فوجئ مفاجأة لا توصف: ((يا إلهي معقول؟ إنه جواز سفر لسمية من أين أحضرته يا خالة؟ ومن الذي أعطاه لك؟))‏

- زوجي يعمل بالجوازات، وقد أتت لزيارتنا امرأة مسنة مريضة قليلاً، ومعها هذه الفتاة، وطلبت من زوجي أن يجهز جواز سفر لابنتها بسرعة كبيرة.. بارك الله بها، لقد شفت لي ابني من مرضه الطويل.. إنها أشبه بالقديسات.. عن إذنك يا أستاذ عامر..‏

شعر بالذهول وهو يتأمل جواز السفر، ويحدق بسمية النائمة.. ثم خرج من السيارة يقدم أوراقه لحرس الحدود وعبر الحدود مع زوجته بسهولة لم يكن يتوقعها.. واتجه صوب الشمال سعيداً للحظ الذي حالفه، ومستغرباً كيف أتاه جواز السفر، بتلك الطريقة التي لا تصدق؟‏

لابد وأنها(أم سمية) تلك العجوز الغامضة، ذات القدرة الخارقة التي ساعدت ابنتها بطريقة مجهولة.. غامضة أيضاً!!‏

ولم تستيقظ سمية، إلا مع تباشير الصباح الأولى.؟‏

- أين نحن الآن يا عامر؟ آه يا إلهي..‏

- أنت معي يا حبيبتي، يبدو أنك نمت طويلاً..‏

- كان حُلماً غريباً.. قادتني فيه أمي إلى مبنى كبير، لتقابل رجلاً يرتدي مثل لباسك وهي تهمهم ستحل المشكلة لا تخافي.. ولم أعرف عن أي شيء تتحدث.. آه مازلتُ أذكر ذلك المبنى الأبيض الكبير.‏

- لم يكن حلماً عادياً.. يا إلهي.. ألست جائعة يا حبيبتي؟‏

- قليلاً.. ألديكَ طعام؟‏

- نعم.. سنتوقف قليلاً ونتناول بعض الطعام قبل أن نتابع سيرنا.‏

تابع عامر وسمية طريقهما صوب الحدود الأخيرة.. واجتازاها بسهولة أيضاً وقبيل المغرب بقليل وصل إلى المدينة الصغيرة..‏

اجتاز الشوارع حتى وصل إلى حيّه الفقير.. كان خائفاً مرتبكاً من استقبال أمه له ومعه عروسه الغريبة من تلك المدينة المجهولة(مودس) بين رمال الصحراء وصخورها..‏

استقبله اخوته بفرح كأنهم لم يصدقوا وقد انقطعت أخباره عنهم لنحو أسبوعين متواصلين..‏

منذ أن هتف لهم أنه قادم وسيصل خلال يومين.. استغرقت رحلته أسبوعين في حساب التواريخ، أخذ يبرر لهم تأخره من أنه أراد أن يفاجئهم بزواجه.. وكان الشيء الذي يخاف منه هو أن يتقبلوا زواجه باستغراب وعدم رضا.‏

ولكنه شعر بالسعادة لأنهم أحبوا سمية التي انطلقت بالحديث تجاريهم بأحاديثهم البسيطة عن المرأة والزواج والأولاد..‏

ودخل معها إلى غرفة أمه المريضة.. وهو قلق خائف:‏

- آه يا بني.. خفنا عليك كثيراً.. الحمد لله أنت بخير.‏

- هذه زوجتي يا أماه.‏

- رأيتها في الحلم، بارك الله لكما.. لقد أحببتِك كثيراً في الحلم، وسأحبكِ أكثر وأنت إلى جانبي زوجة لابني.‏

- بارك الله بك يا أماه.‏

- أماه؟ نعم سأكون بمقام أمك يا حبيبتي لن تشعري بالغربة معي.‏

غمغمت: - الحمد لله.‏

شعر عامر أن(ظل أم سمية) معهما دائماً يساعدهما في كل شيء.. ولكنه في تلك الليلة صحا على بكاء سمية.. كانت تفتقد أهلها.. ضمها بين ذراعيه بحنان وهو يكفكف دمعها.. وقد صمم أن يحاول بعد أشهر البحث عن(مودس) المدينة المختفية في قلب الصحراء.‏

ولم يسلم عامر خلال إجازته من تعليق أقربائه على زواجه.. بل إن بعض بنات عمه حاولن مضايقة سمية بالسخرية من الزي الذي ترتديه، والتي أصرت أن تستقبل به الناس، رغم محاولات عامر أن يجعلها تستعيض عنه بأثواب جديدة كثيرة أحضرها لها لاستقبال الضيوف..‏

آه ماأروع تلك الزوبعة الرملية التي قذفت به قرب(مودس) وجعلته يعثر على سمية ويتعشقها.. ويعود بها زوجة بعدما عثروا على سيارته، كأنها لم تخدش ولم يمس أحد الأشياء التي بداخلها..؟‏

***‏

عاد(عامر) إلى البلاد التي يعمل بها.. ومعه سمية، بعد أن ودعتها أمه بحرارة وبكاء، وهي توصي عامراً بها.. وخلال مسيرته في الصحراء، شعر بالحنين لرؤية(مودس) من جديد ولكنه خاف أن يغامر بالاتجاه الذي تخيله ليضيع في صحراء مترامية الأطراف..‏

وهكذا تابع طريقه إلى المدينة التي يعمل بها ومعه سمية.. التي كانت شاردة وهي تلتصق به بمحبة وحنان.‏

E‏

-17-‏

ما الذي يحصل لك يا سمية؟ لماذا أنت ساهمة شاردة؟ ما الذي يجري لك؟ ألا يغمرك حب عامر وينسيك غربتك؟ خرجتما من(مودس) المدينة الصغيرة، الجزء الباقي من(مودس) الكبيرة التي دمرها الظلم والفساد فأتى الزلزال على القسم الأكبر منها، وألقت طيور سوداء كبيرة الحجم الحجارة الضخمة من مناقيرها ومخالبها فوق بيوت فسادها المنحوتة في الصخر..‏

كنتما سعيدين، تسع فرحتكما العالم، وتقبلتك أم عامر في وطنه، كأم لك، شعرت بحنانها يسيل عذوبة وعاطفة، فأركنت رأسك إلى صدرها باطمئنان، وهي تساهم في تعريف من حولك بك، أنت التي جئت كالحلم، زوجة لابنها، قرة عينها عامر..‏

***‏

والسيارة تقطع بهما الطريق الصحراوي صوب المدينة التي يعمل بها عامر، كانت سمية صامتة شاردة حزينة، وعامر مشفق على حزنها، وقد أيقن أنها تتذكر أهلها في المدينة الضائعة في الصحراء..‏

ولكن شرودها وحزنها زاد عن الحد بالنسبة له.. فأمسك يدها بحنان:‏

- ما بك يا حبيبتي؟ لماذا أنت شاردة حزينة هكذا؟‏

- إنهم هنا، في مكان ما من هذه الصحراء، أمعقول أن لا نعثر عليهم، وكيف جئت إلينا هكذا؟ كيف قذفت بك الزوبعة صوبنا وتعرفت على (مودس) وصرت واحداً من أهلها؟ يعني أن(مودس) موجودة قريبة لو بحثنا عنها جيداً..‏

- ترغبين بالبحث عن (مودس)؟ لا بأس يا حبيبتي.. سألبي رغبتك هذه بعد أيام.. سآخذ إجازة من عملي من جديد لأيام قليلة. وأزرع الصحراء باحثاً عنها.. لن أخذلك يا سمية.. وإن كنت أظن كما قال لي والدك، أن العثور عليها من جديد قد يكون مستحيلاً..‏

- لماذا يا عامر؟ ما دامت موجودة سنعثر عليها، ونحطم أسطورة ضياعها الطويل تلك..؟‏

- معك حق.. وأنا متحمس لرؤية أهلك من جديد، للإجابة عن تساؤلات أخرى، مازالت ترهقني حول ما حدث لنا على الحدود.. وقد سلموني جواز سفرك الذي لا أدري كيف استخرجوه..‏

- أمصمم أنت على الالتحاق بعملك على الفور؟ ألا تستطيع تأجيل ذلك يا عامر؟‏

- لا يا حبيبتي.. يجب أن ألتحق بعملي غداً، إنهم لا يرحمون من يتأخر عن عمله وقد زادت أيام تأخري عن السبعة.. ماذا أفعل وأنا أعلم القوانين الصارمة في شركتي؟ لقد قدمت لها الكثير من الإنجازات إبان فترة عملي، ولكن التأخير لأكثر من أسبوع، قد يجعلهم يصدرون قرار تسريحي، لأنني لم أرسل لهم أي تبرير لغيابي..‏

- حسناً.. كما تشاء، ولكن عدني أن نعود للبحث عن(مودس) من جديد‏

شد على يدها بحب: أعدك يا سمية.. ولن أخلف وعدي يا حبيبتي..‏

***‏

فوجئ زملاء عامر بزواجه السريع، واعتقد بعضهم أنه أحضر زوجة من وطنه، حتى لا يبقى وحيداً في بلاد ليس فيها سوى العمل ورتابة الحياة الفارغة المملة..‏

رتب عامر سكنه الجديد بسرعة، واشترى بعض اللوازم، ووجدت سمية نفسها فجأة مسؤولة عن البيت وعن تنظيفه، وعن طبخ الطعام، والعناية بزوجها، واعتادت سريعاً على التقنيات الجديدة التي لم تألفها من قبل.. تقنيات الطبخ والأدوات الكهربائية المختلفة، حتى فكر عامر بتعليمها الحاسوب وأسلوب برمجته، وقد رأى فيها امرأة شديدة الذكاء..‏

ولكن سمية لم تنسَ أن تذكر عامر بالإجازة الموعودة كل فترة وهو يؤجلها لأيام أخرى.. وفي أحد الأيام..‏

- لدي مهمة في المنطقة الغربية يا سمية. سأغيب ليومين فقط.. وأضع لك كل احتياجاتك في البيت قبل سفري..‏

- تتركني وحدي ليومين؟‏

- ماذا أفعل المكان الذي سأذهب إليه ليس فيه سوى الرجال..‏

- أين هذا المكان؟‏

- إنه في أعماق الصحراء، معسكري ليس فيه سوى العمال والفنيين، ومهمتي هناك، حاولت كثيراً أن أقنع الإدارة بتكليف غيري، ولكنهم رفضوا..‏

- لا أستطيع أن أتصور كيف سأنام وحيدة وأنت عني بعيد؟‏

- أرجوك ساعديني يا سمية، لقد وعدوني فور عودتي بإعطائي إجازة لمدة أسبوع.. سأتفرغ فيه لك، لنبحث عن (مودس)..‏

- متأكد من ذلك؟‏

- نعم يا حبيبتي..‏

- حسناً.. سأصبر على وحدتي وعزلتي ليومين.. كما تشاء يا حبيبي..‏

تنهد عامر وهو يضمها: - الحمد لله..‏

***‏

وسافر عامر في مهمته، وبقيت سمية وحيدة، تقفل عليها باب المنزل دون أن تأبه بمن يرن جرس باب البيت، أكان بائع الحليب؟ أم بواب العمارة أم بعض أصدقاء عامر؟..‏

بدا للجميع أن البيت خال من سكانه.. وهكذا نامت ليلتها الأولى بعد أن سهرت لساعة متأخرة.. وحلمت بالشيخ حمدان-والدها- ينظر إليها ويبكي.. وفي اليوم التالي.. سمعت صوتاً جهة الباب.. كانت الساعة لم تبلغ الثانية عشرة ظهراً.. اقتربت بحذر شديد تتنصت..‏

كان هناك حوار بين رجلين وامرأة أمام الباب..‏

- كيف ستستطيعان فتح الباب، يبدو مستعصياً.‏

- لا تخافي، لدينا وسائلنا الخاصة..‏

- متأكدة أن لا أحد هنا؟‏

- بالطبع، مر كثيرون أمس واليوم وقرعوا الباب ولم يفتح لهم أحد، يبدو أن الرجل قد اصطحب امرأته إلى منزل أحد أصدقائه، بدلاً من تركها وحيدة..‏

- أعطني حزمة المفاتيح لنجربها.‏

سمعت سمية خشخشة المفاتيح وهي تجرب في القفل بدت جميعها غير مناسبة‏

سمعتهم يتساءلون:‏

- وما العمل؟‏

- سنفك القفل.. وقد نكسره..‏

- من الأفضل أن تفكه، وتعيد تركيبه.. وحاذر أن تخلع قفازاتك..‏

- لا تقلقي.. قفي هناك أمام المصعد، قرب الدرجات، ونبهينا إن حضر أحد.. وإن كنت واثقاً أن لا أحد يروح ويجيء في مثل هذه الساعة.‏

- الأولاد في المدارس، والأمهات في البيوت والآباء في أعمالهم.. لا داعي للخوف..‏

- معك حق.‏

وسمعت سمية أصوات الطرق ومحاولة فتح الباب وهي ترتجف من الخوف.‏

- يبدو مستعصياً.‏

- دعني أجرب..‏

تأكد لديها أنهم لصوص، سيقتحمون البيت، ماذا تستطيع أن تفعل؟ ومن أين تطلب النجدة؟. بدا لها أنها في ورطة حقيقية..‏

يبدو أن اللصوص صمموا على خلع الباب وتوصلت سمية إلى قرارها أخيراً:‏

- لن أتركهم يستولون على كل شيء.. يجب أن أصرخ..‏

وفعلاً أطلقت صوتها الصارخ..‏

- أيها اللصوص.. ابتعدوا من هنا..‏

همهم أحدهم:‏

- هناك أحد في الداخل..‏

صرخت:‏

- ابتعدوا من هنا، قبل أن يتجمع الناس على صراخي..‏

سمعت ضحكاتهم:‏

- أنت وحيدة، ولا أحد في هذا الطابق، لن يسمعك أحد..‏

- وماذا لو صرخت، بعد أن أفتح النافذة الأمامية؟‏

أعطى أحدهم أمره:‏

- عجلوا ادفعوا الباب معي، لن نعطيها الوقت لذلك..‏

وفعلاً تحطم الباب وسقط وسمية تصرخ وقد فتحت النافذة:‏

- النجدة.. يا ناس.. اللصوص يهاجمون منزلنا..‏

اندفع إليها أحدهم:‏

- لنسكتها قبل أن ينتبه الناس..‏

- النجدة.. إنهم يعتدون علينا.. يا ناس.. أرجوكم.. النجدة.. النجدة‏

- تعالي هنا.‏

ولكنها لم تكن صيداً سهلاً فقد تصدت بقوة لمهاجمها،‏

زمجر رفاقه:‏

- استخدم سكينك في إسكاتها، بسرعة..‏

ولكنها قاومت وهي تصرخ:‏

- لن أسمح لك باستخدامها..‏

لوت ذراعه بقوة هائلة، وقلبته على الأرض ووضعت كرسياً في يدها تحاول به صد هجومهم عليها..‏

واندفع الصخب خارج المنزل فلقد نجح صراخ سمية في جلب بعض الناس من الشارع..‏

خرج اللصوص مسرعين قد أصابت ضربات سمية أحدهم في وجهه وصدره.. وبطنه.. وقد حاول بعض الناس إمساكه، إلا أنه دفع الجمع المتكاثر حوله ورفاقه وفروا مسرعين إلى السيارة التي كانت المرأة قد دخلتها وأدارت محركها.. وَضُحَ للجميع أن هناك محاولة اعتداء على البيت وعلى المرأة التي بداخله.‏

وخلال دقائق حضرت الشرطة.. استفسر قائد الدورية من سمية عما حدث.. وكتب الشكوى التي أبلغتها له.. وطمأنها أنه سيضع شرطياً في المدخل..‏

- لا تخافي يا سيدتي، لن يجرؤوا على إعادة الكرة.. ولكن أين البواب لماذا لم يظهر حتى الآن قلت إن زوجك في مهمة، كيف يتركك وحيدة هكذا؟ كان من اللازم أن تكوني معه؟‏

- إنه في مهمة في قلب الصحراء في منطقة بعيدة..‏

- ألا تعرفين أحداً هنا؟‏

- لا يا سيدي.. جئت وزوجي قبل أقل من شهر، لم أتمكن من التعرف إلى الناس بعد..‏

- لا بأس..‏

وأتى البواب وهو يرتجف والضابط يحدجه بنظرات غاضبة:‏

- كيف تركت مكانك في مدخل العمارة وسمحت للصوص أن يقتحموا بيت هذه السيدة..؟‏

- كنت في المشفى مع ابني..‏

- مع ابنك؟ ومن يشهد لك بذلك؟‏

- زوجتي يا سيدي.‏

- أي مستشفى؟ سنتأكد من ذلك.‏

- كيف يا سيدي؟ ألا تصدقني؟‏

- يجب أن تثبت أنك كنت في المشفى..‏

- أرجوك يا سيدي، سامحني.. لم أكتب اسمي في سجل الزوار في المشفى.. لن تجد دليلاً على وجودي هناك..‏

- لأنك لم تكن موجوداً هناك.. أين كنت أصدقني القول؟‏

همس البواب منكسراً:‏

- كنت في عمل يا سيدي.. في مكان قريب من هنا.. لم أفكر يوماً أن بيوت عمارتنا ستتعرض للاقتحام.. سامحني يا سيدي..‏

- كنت تعمل إذن؟ هذا مخالف للقانون.. يجب أن أسجنك.. أنت المسؤول عن أمن البناء.. وستعاقب لأنك أهملت واجباتك.‏

- أرجوك يا سيدي سيطردني صاحب البناء.. لن أعيدها صدقني.. سأستقيل من وظيفتي الأخرى..‏

- لا بأس. سنرى ما يمكن عمله..‏

اقترب من سمية بذل:‏

- هل أنت بخير يا سيدتي..؟‏

- كيف ستكون بخير وقد كسروا الباب واقتحموا عليها البيت؟‏

أخذ يبكي وهو يردد:‏

- آسف يا سيدتي‏

أشفقت عليه: - لا بأس.. لقد سامحتك..‏

واعترض الضابط:‏

- ولكني لن أسامحك، هناك الحق العام.. هيا جهز نفسك للرحيل معنا..‏

رجته سمية:‏

- أرجوك يا سيدي.. اتركه، إنه فقير يستحق الشفقة.. لديه سبعة أولاد، كالجراد في قبوه المعتم في البناية.‏

- حسناً يا سيدتي سنسامحه.. بعد أن نأخذ أقواله.. أتريدين شيئاً الآن؟‏

- نعم.. هذا الباب المخلوع من سيصلحه؟‏

قال البواب:‏

- سأحضر نجاراً إن سمحت لي يا سيدي.‏

- لا بأس ولكن بسرعة.‏

E‏

-18-‏

قضت سمية ليلتها الثانية برعب شديد، وقد تخيلت أن اللصوص عاودوا الكرة وهاجموا البيت من جديد وغفت أخيراً بعد أن تذكرت أمها.. فعاد إليها الهدوء والاطمئنان، واستيقظت على قرع الباب..‏

- من بالباب الآن؟ إنها السادسة صباحاً.. من الذي يطرق الباب، ربما كان البواب.. يجب أن أعرف من بالباب.‏

ولكنها سمعت صوت عامر فاختلج قلبها:‏

- افتحي يا سمية.. أنا عامر..‏

صرخت بفرح غامر:‏

- عامر.. معقول.. حمداً لله على سلامتك يا حبيبي..‏

- سمية، أنت بخير؟‏

- لماذا؟ هل حكوا لك ما جرى؟‏

- ما جرى؟ ماذا تقصدين؟ أحدث شيء في غيابي؟‏

- تبدو متلهفاً؟‏

- رأيت حلماً مزعجاً كأن الأفاعي تطاردك وأنت خائفة؟ أنهيت عملي بسرعة غريبة وجئت إليك خائفاً قلقاً.‏

- سأحكي لك كل شيء.. يا حبيبي.‏

حكت له ما جرى لها.. مع اللصوص، فشعر بالقهر والغضب، كيف طاوعته نفسه على تركها وحيدة؟‏

أحس بدفق من الحنان يتدفق في شرايينه فضمها بين ذراعيه بعاطفة جياشة..‏

ولكن سمية، سرعان ما عادت إلى هدوئها..‏

- ستطلب من الشركة منحك الإجازة كما وعدك المدير..‏

- أمازلت مصرة على البحث عن(مودس)؟‏

- نعم يا حبيبي.. أشعر بالحاجة لرؤية أهلي.. أنا مشتاقة لرؤيتهم.. قد أستطيع أن أجد(مودس) وأتعرف على مكانها بصحبتك.. عندها سيكون سهلاً علينا زيارتهم بين فترة وأخرى.. بل وإقناعهم بزيارتنا..‏

- أرجو أن يتحقق حلمك يا سمية.. سأستريح قليلاً ونتناول الإفطار ثم أذهب للشركة وأطلب الإجازة التي وعدتك بها..‏

- يا أغلى من حياتي.. آه كم أحبك يا عامر..‏

- وأنا أحبك يا سمية حباً يفوق الوصف..‏

ناما بعمق تلك الليلة.. وبعدما حصل عامر على إجازته الموعودة وهيأ السيارة والمؤونة اللازمة للرحلة في مساء ذلك اليوم... وفي الصباح الباكر من اليوم التالي استيقظ على سمية تدعوه لتناول الإفطار والبدء بالرحلة الغامضة للبحث عن(مودس) المدينة الضائعة..‏

نقل عامر الأغراض للسيارة.. وأوصى البواب بالانتباه والحذر حتى لا يعود اللصوص من جديد، ثم اتجه وسمية صوب الغرب.. نحو عمق الصحراء، وبعد عدة ساعات وصلا إلى بناء بدا وحيداً على الطريق:‏

- هذه هي الاستراحة التي تزودت فيها ببعض الماء والطعام قبل أن تدهمني الزوابع الرملية.. ما رأيك لو نستريح بها قليلاً ثم نتابع المسير؟‏

- لا بأس.. يا عامر.. كما تشاء.‏

- ألست جائعة؟‏

- لا.. ثم أن لدينا طعام خاص أعددته لرحلتنا.‏

- سنشرب الشاي إذن.‏

- أرى سيدة عجوز تجلس هناك.‏

- ربما كانت زوجة ذلك الشيخ الذي قابلته حين بدء رحلتي.‏

- إنها تنظر إلينا بفضول.‏

اقتربا منها:‏

- السلام عليكم يا خالة.‏

- وعليكم السلام ماذا تريدان؟ الطعام أم الشراب؟‏

- سنشرب كأسين من الشاي فقط.‏

- لا بأس.. وإلى أين تقصدان في هذا الطقس الحار؟‏

- الغرب يا خالة.‏

- الطريق ليس سهلاً.. وقد غطت معظمه الزوابع الرملية أمس.‏

- سنحاول الاستعانة بالبوصلة لتحديد الاتجاه.‏

أحضرت لهما الشاي، سألها عامر:‏

- زوجك ليس هنا؟‏

- إنه في مهمة وقد تأخر، أتوقع عودته خلال لحظات..‏

- مهمة؟ أي نوع من المهمات يمكن أن يكلف بها؟‏

- مهمة مستحيلة، ولكنه يراها ممكنة التحقيق.‏

ذهبت إلى عملها وتركتهما يتسامران.. وبعد دقائق سمعا صوت سيارة تقترب كان الشيخ قد أقبل فعلاً وركن سيارته الضخمة إلى جانب البناء:‏

- هه.. لدينا ضيوف؟‏

وقف عامر مرحبا:‏

- ألا تتذكرني يا عم؟ كنت مسافراً في الصحراء ونصحتني بعدم المتابعة..‏

- آه.. تذكرت.. أحدث لك شيء؟‏

- تجاوزت الزوابع وأكملت طريقي نحو أهلي في الشمال..‏

- وماذا تفعل الآن؟ عائد إلى بلادك؟ الناس آتون بعد أن أنهوا عطلتهم وأنت عائد؟‏

- ظرف اضطراري.‏

- انتبه إلى الزوابع.. قد تلتقي ببعض الناس في الاتجاه المعاكس.‏

- الزوابع كثيرة في هذا الوقت من العام؟‏

- بعد المغيب، قد تظهر بشكل فجائي..‏

قالت له الزوجة العجوز.‏

- تبدو متعباً.. قلت لك أكثر من مرة لن تعثر على شيء.. لماذا الإصرار على البحث؟ إنها الصحراء الواسعة، قد تبتلعك وتضيع فيها للأبد.. أمعقول أن لا تشفق علي وتتركني وحيدة؟ ليس لي غيرك..‏

- كفى أرجوك.. لا داعي أن تظهري حزنك أمام الضيوف..‏

سأله عامر: - هل أضعت شيئاً يا عم؟‏

- نعم.. وأنا أبحث عنه طيلة سنوات.. دون نتيجة..‏

همست سمية: - كأنني أعرف هذا الوجه يا عامر..‏

- ماذا تقولين يا سمية؟ عند عودتنا لم نتوقف هنا.. ربما يشبه أحد الناس الذين قابلتهم.‏

عادت الزوجة تحكي بألم:‏

- لا أستطيع أن أكبت ما في نفسي.. لماذا أنت مصر على البحث المستمر وتعلم أن لا أمل لك؟‏

عاد عامر يسأله:‏

- هل فقدت عزيزاً عليك تاه في الصحراء؟ تبدو متأثراً.‏

- إنها قصة طويلة.. لا داعي لأن أزعجك بتفاصيلها.‏

أخذت العجوز تبكي:‏

- منذ سنوات طويلة وهو يبحث.. ولم يتوقف عن البحث رغم تقدمه في السن ومرضه.. أقنعه يا بني بالتوقف عن ذلك.. لم يعد قوياً كما كان.. قد تبتلعه الصحراء إلى الأبد..‏

خفف عنها الشيخ:‏

- هوني عليك. أنا أعرف هذه الصحراء جيداً، رغم كل الزوابع والأنواء، كنت أعود إليك، لم أفقد طريقي أبداً.. أنا من هذه الصحراء أهلي من البدو الذين خبروا الصحراء وعرفوها جيداً.. لا داعي للخوف.‏

همس عامر في أذن سمية:‏

- هل نذهب يا سمية؟ سنتأخر.‏

- أرجوك يا عامر يجب أن نعرف قصته..‏

كانت العجوز تبكي:‏

- كدت تفقد بصرك قبل شهرين نتيجة الرياح الرملية التي أغشت بصرك بذرات رملها الناعم.. آه.. ماذا أقول؟‏

- لم تقل لنا يا عم عماذا تبحث؟‏

- مصر على معرفة ذلك؟‏

- إن سمحت يا عماه.. قد أخفف عنك حزنك وقلقك..‏

- أبحث عن أهلي، إنهم في مكان ما من هذه الصحراء.‏

- بدو رحل؟ قبيلة من البدو؟‏

- ليسوا رحلاً إنهم يعيشون في مدينة صغيرة بين الصخور .‏

صرخت سمية:‏

- مودس؟ مدينة مودس؟‏

- وما أدراك يا ابنتي؟ كيف تعرفين بوجود(مودس)؟‏

قال عامر:‏

- لأنها منها، كنت تبحث عن مودس إذن يا عماه؟‏

- نعم.. ولكن ماذا قلت؟ إنها من مودس؟ كيف؟‏

- أنا ابنة شيخ مودس الشيخ حمدان.. وكنت قبل أسابيع أحد سكانها..‏

- أنت من مودس؟ معقول؟‏

انبرى نحو زوجته منفعلاً:‏

- قلت لك(مودس) موجودة.. هي ليست حلماً من أحلامي، أو خيالاً مجنحاً من خيالاتي.. أنا ابن(مودس) ولست ابناً للوهم..‏

- حسناً يا عماه.. ما هي قصتك..؟‏

- ربما لو حكيتها لك.. قد تساعدني وزوجتك.. ما دمتما تعرفان أين تقع مودس في هذه الصحراء؟‏

- أسمعت يا سمية.. إنه يبحث عن(مودس) ولم يعثر عليها، منذ سنوات ربما كانت طويلة.‏

تنهدت سمية:‏

- لا بأس يا عماه.. احك لنا القصة قد نساعدك.‏

- أنا أحد أبناء(مودس) كنت شاباً فتياً حين خرجت منها باحثاً عن الناس.. مخترقاً عزلتها الرهيبة آه.. لم أتذكر اسم(شيخ مودس) في ذلك الحين، وإن كنت متأكداً أنه لم يكن حمدان.. ليت ذاكرتي تسعفني‏

- هل كان اسمه الشيخ(هايل المودسي)؟‏

- نعم.. نعم.. كان الشيخ هايل.. كيف غاب عن ذهني هذا الاسم؟‏

- إنه جدي.. والد أبي..‏

قال عامر:‏

- حدثنا يا عم.. متى غادرت(مودس)؟ ولماذا غادرتها؟‏

- آه يا بني.. أمعقول أن أعثر على بعض أبناء(مودس)؟ لست أصدق نفسي أنا سعيد بمعرفتكما.. على كل حال سأحكي لكما شيئاً من قصتي الطويلة..‏

((اسمي حسن بن أحمد المودسي.. كنا أربعة أخوة.. نعيش في أسرة هادئة.. كان أبي يعمل في صناعة الفخار.. وكانت أمي تساعده أحياناً.. كنت الأصغر بين أخوتي.. وكانت أمي تدللني كثيراً.. وأنا آخر العنقود كما يقولون.. توزع أخوتي في مهن مختلفة، ولم يعمل أي منهم في الفخار كأبي.. وهذا ما جعل أبي يضع ثقته بي.. لأرثه في تلك الصناعة التي كانت ضرورية في(مودس) كانت أمي تقول لي باستمرار.‏

آه يا حسن، لو منحني الله أنثى، بين هؤلاء الذكور، لساعدتني كثيراً وأنا أتقدم في العمر.. كنت أتمنى لو أن زوجات أخوتك يعاملنني كأم.. كم أنا بحاجة لذلك.. ولكني لا أرى أياً منهن إلا كل شهر حيث يجتمع الجميع هنا.‏

وكنت أقول لها:‏

- عندما أبلغ العشرين سأحضر لك زوجة تخدمك طيلة حياتك وأبي..‏

- أنت في الثامنة عشرة، هل أنتظر كل هذا لوقت، حتى العشرين؟ أغلب أخوتك تزوجوا في مثل سنك.. حاول أن تعجل بالزواج.. سأختار لك أجمل فتيات مودس..‏

فكرت حائراً: ((لقد اخترتها يا أمي.. (عبلة) هي أجمل الفتيات وأكثرهن عاطفة ووعياً)).‏

لحظت شرودي:‏

- أتفكر في فتاة معينة؟ قل لي اسمها سأخطبها لك اليوم.‏

- لم يحن الأوان بعد يا أماه.. أرجوك أمهليني بعض الوقت؟‏

- كما تشاء يا بني.. ولكن لا تطل هذا الوقت..‏

E‏

-19-‏

((كانت"عبلة" ابنة صانع مقابض السكاكين والخناجر.. وكنا نحب بعضنا منذ الطفولة.. وتفتحت أنوثتها وأنا أرقبها كزهرة عطرة ولم تكن أمي قد تأكدت من أن عبلة هي فتاتي وقدري.. وذات يوم كنت وعبلة نطل من فتحة الصخور على الشمس، التي تنزلق خلف حافة الأفق)).‏

- أتعلمين يا عبلة.. مازالت أمي تلح علي لا يفوتها يوم دون أن تلمح لي بالخطبة والزواج.. وكدت أبوح باسمك لها.. مع أنني متأكد أنها تشك بأنك أنت من أريدها.‏

- عندما تنتهي المهلة المحددة يا حسن..‏

- كما تشائين يا عبلة.. ولكن ألم يحن أوان كشف سر هذه المهلة بعد؟ أصدقيني القول يا حبيبتي..‏

- آه يا حسن.. كنت أتمنى أن أكشف لك كل شيء.. ولكني مرتبطة بقسم أقسمته أمام تلك العرافة العجوز التي ظهرت لي قرب المدخل الشرقي للمدينة.. ثم اختفت.. كأنها طيف.‏

- العرافة؟ لماذا أصرت هذه العرافة على ربطك بقسم، يجب أن لا تحنثي به؟ ومن هي تلك المرأة.. هل هي من مودس؟ وهل أعرفها؟‏

- حتى أنا لا أعرفها يا حسن، هي ليست من مودس قلت لك أنها ظهرت لي قرب المدخل الشرقي..‏

وقضت معي وقتاً حكت لي كل شيء عن مستقبلي ثم اختفت..‏

- إنه أمر غريب.. ليتك تحكين لي عن كل شيء.. لماذا ربطتك بذلك القسم؟‏

- آه يا حسن.. لم يعد الوقت الذي يفصلني عن كشف السر، طويلاً حاول أن تصبر.‏

- كما تشائين يا حبيبتي.. انظري للشمس بدأت تغيب وظهرت نجمة المساء.. آه.. لن تكتمل سعادتي دونك يا عبلة.‏

ومر الوقت بطيئاً ثقيلاً، وحانت اللحظة التي حددتها لي عبلة من أجل كشف السر، وكنت متلهفاً لذلك..‏

كانت عبلة في تلك الأيام تذوي شيئاً فشيئاً.. دون أن أعرف شيئاً عن مرضها.. وكانت متعبة حين طلبت الاجتماع بي وحين ذهبت إلى دارها حادثني والدها:‏

- أرجوك يا حسن حاول أن تقوي من عزيمتها، هي ترفض الطعام والشراب ولا تتناول الدواء الذي يصنعه طبيب الأعشاب الشيخ..‏

- مرضها ليس سهلاً إذن؟ أمعقول يا عماه أن لا أعرف ذلك؟‏

- أرجوك يا بني.. هي من طلبت مني كتم الموضوع.. ولست أدري السبب.‏

- كيف لي أن أعيد لها البسمة؟ يا إلهي معقول؟‏

- إنها تريدك الآن حاول إقناعها بتناول الطعام والدواء.. أرجوك يا حسن..‏

- سأفعل كل شيء لإنقاذها يا عماه..‏

دخلت إليها كانت ممددة على السرير ذابلة كالزهرة:‏

- حسن.. جئت أخيراً؟‏

- أمعقول يا عبلة؟ أنت متعبة مريضة، وكنت أظن أنك تتهربين من لقائي، حتى يحين موعد كشف السر.‏

- طلبت من أبي وأخوتي أن لا يخبروك.. حانت اللحظة الآن.‏

- ستكشفين لي السر وأنت متعبة.‏

- أتت لحظتي يا حسن.. أنا في آخر أيامي.. قد أموت اليوم أو غداً.. هكذا قالت لي العرافة.. في مثل هذه الأيام قابلتها.. وحكت لي الكثير من الأسرار، وقالت لي ستظلين في ذاكرة حسن طوال عمره.. أرجوك يا حسن.. اعذرني.. نهشني المرض، منذ زمن بعيد، وقد طلبت من العرافة أن تحكي لي عن مستقبلي فصمتت طويلاً وأمام إصراري حكت لي.. آه يا حسن.. أمعقول أن أعطيك موافقتي على الزواج وأنا أعرف أنني سأموت.. آه.. يا حبيبي.‏

كدت أنفجر من القهر.‏

- أمعقول يا عبلة؟ كيف يحدث هذا كيف؟ يا إلهي؟ أكاد أجن.‏

وماتت عبلة ودفنتها بيدي، وأنا أشعر بحزن لا يوصف، ولم يطل بي المقام في(مودس) فخرجت منها هارباً من أحزاني ومتاعبي.. ولم أستطع الابتعاد كثيراً، رغم أنني تزوجت وأنجبت الأولاد، فقد كانت عبلة، تأتيني كثيراً في الحلم فأشعر بدافع يدفعني وأنا أتذكر أيامي مع عبلة لمعرفة ما جرى لأهلي، وأهل عبلة.. ومنذ سنوات طويلة ومودس في خاطري أجوب عنها الصحاري لائباً حائراً دون نتيجة..‏

شدت العجوز على يده راجية:‏

- يكفيك حزناً يا حسن.. تذكر أنني موجودة لم أمت بعد..‏

- لا بأس.. قلتِ يا ابنتي يا سمية إنك تبحثين عن مودس.. وقد خرجتِ منها مؤخراً، في أي اتجاه ستبحثين؟‏

- لا أدري.. سنحاول زرع الصحراء أنا وعامر بحثاً عنها.‏

- كنت أعتقد أن المقولة.. التي حكى عنها أبناء مودس.. أن من يخرج من مودس لا يعود إليها أبداً.. مجرد خرافة..‏

- لن نيأس يا عماه.. قد نعثر عليها.. من يعلم؟‏

- سنبحث عنها سوية في الغد.. أنا أعرف الصحراء جيداً.. لماذا لا تنامان هنا اليوم وفي الغد نبكر في التجوال والبحث؟.‏

همس عامر:‏

- ما رأيك يا سمية؟‏

- كما تشاء يا عامر.. قد يفيدنا، إنه خبير بالصحراء..‏

ولم يسفر البحث عن شيء.. وما زالت سمية وعامر وذلك الشيخ المتعب يأملون بالعثور على(مودس) المدينة الضائعة في قلب الصحراء.‏

الرياض- شباط ( فبراير)1998.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244