شيطان على الصليب Devil On The Cross - ترجمة: عبد العزيز عروس - الكاتب الأفريقي: نجوجي واثيونغوNgugi Wa Thiongo

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:16 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصــل الثاني

(1)‏

ظهر الشيطان "لجاكينتا وارينجا" في يوم أحد في مضمار"الجولف" ببلدة"إيلموروج" بمقاطعة"ايسيسيري" وقال لها - تريثي! إنني اشتق؟.. الحكاية. إن مشاكل وارينجا لم تبدأ في"إيلموروج". دعنا نقتفي آثار خطونا من جديد....‏

لقد جرَّ النحس وجرت المشاكل أذيالها وراء وارينجا قبل مغادرة"نيروبي" بزمن طويل، حيث كانت تعمل سكرتيرة(في الضرب على الآلة الكاتبة والاختزال) في مكاتب شركة البناء والإنشاء في شارع"توم مبويا" قرب بناء الأرشيف الوطني.‏

النحس والبلاء أسرع من أسرع الأرواح، والمشكلة تفرِّخ مشكلة أخرى. في صباح يوم الجمعة، فُصلت وارينجا عن عملها بسبب رفضها عرض رئيسها"بوس كيهارا"، المدير الإداري للشركة. وفي ذلك المساء هجرها حبيبها"جون كيموانا" بعد أن اتهمها بأنها خليلة"بوس كيهارا".‏

وفي صباح السبت زارها صاحب البيت الذي تسكن فيه، في حي"أوفافاجريشو" في"نيروبي" حيث كانت تستأجر غرفة(أهو منزل أم عش للطيور؟ فأرض الغرفة محفرة، والجدران متشققة والسقف تدلف ماء) قال صاحب البيت: إنه سيزيد الأجرة، رفضت وارينجا أن تدفع له أكثر. طلب منها أن تترك البيت فوراً. وفي تلك اللحظة، اعترضت على ذلك وقالت: إنهم يجب أن يرجعوا بالموضوع إلى محكمة الأجور. استقل صاحب المنزل سيارته من طراز"مرسيدس بنز" وساقها وانطلق.‏

وقبل أن ترمش وارينجا بعينيها، كان قد عاد مع ثلاثة سفاحين يرتدون النظارات الشمسية. وقف صاحب المنزل على مسافة قريبة من"وارينجا"، وذراعاه على خاصرتيه وهو يؤنبها ويوبخها: ها أحضرت لك محكمتك. أُلقيت أشياؤها خارج الغرفة، وأقفلت الغرفة بقفل جديد. ثم ألقى أحد زبانيته؟.. ورقة كتب عليها:‏

نحن ملائكة الشيطان: رجال أعمال خصوصيون‏

قومي بأوهى حركة لنقل هذه القضية للسلطات‏

ونحن سنصدر تذكرة فردية ننقلك بها إلى‏

ملكوت الله أو ملكوت الشيطان- تذكرة ذهاب فقط إلى الجنة أو إلى جهنم.‏

ثم استقل الجميع سيارة"المرسيدس بنز" وتواروا عن الأنظار.‏

حملقت وارينجا في الورقة لحظة، ثم دستها في حقيبة يدها.‏

جلست على صندوق وأمسكت رأسها بيديها متسائلة: لماذا دائماً أنا من بين عباد الله جميعاً؟ أي ربٍ شتمت تناولت مرآة صغيرة من حقيبتها وراحت تفحص وجهها بحيرة وذهول، وهي تقلِّب في ذهنها مشاكلها جميعاً. وجدت أنها مكمن الخطأ، فأخذت تلعن النهار الذي ولدت فيه؛ وسألت نفسها: ياوارينجا المسكينة، بمن ستلوذين الآن؟‏

عند هذا فقط قررت أن ترجع إلى ذويها. وقفت وجمعت أشياءها معاً، ثم كدستها في غرفة المدخل المجاورة التي تخص"مكامبا" وشرعت تضع الترتيبات من أجل الرحلة، ومرجل من المتاعب يغلي في ذهنها.‏

كانت"وارينجا" مقتنعة بأن مظهرها هو السبب الأساسي لكل مشاكلها. كانت في كل مرة تنظر إلى نفسها بالمرآة تعتقد أنها قبيحة جداً. أما ما كانت تمقته كثيراً فهو سوادها، ولذلك كانت تشوه جسدها بمبيضات البشرة من نوع"آمبي" و"سنو فابر" متناسية المقولة: إن من يولد أسود لن يصير أبيض بصورة من الصور. كان جسدها الآن مغطى ببقع فاتحة وداكنة مثل الدجاج الحبشي. كان شعرها مقصوفاً وقد تحول إلى لون فرو الجلد، لأنه سُرح بالأمشاط الحديدية الساخنة. وكانت من ناحية أخرى تكره أسنانها، فقد كانت ملطخة قليلاً؛ إذ لم تكن بيضاء كما كانت تتمنى. كانت في أكثر الأحيان تحاول إخفاءها، ونادراً ما كانت تضحك ملء شدقيها. وإذا ما ضحكت عن طريق الخطأ وتذكرت أسنانها فيما بعد، فإنها تلوذ بالصمت فجأة أو تغطي شفتيها بيدها.‏

كان الرجال يضايقونها عندما ينادونها"وارينجا"، أيتها المرأة الغاضبة، بسبب شفتيها اللتين كانتا دائماً مطبقتين.‏

أما عندما تكون"وارينجا" سعيدة وتنسى قلقها بالنسبة لتلاشي بياض أسنانها أو قلقها بالنسبة لسواد بشرتها، وتضحك من أعماق قلبها فقد كان ضحكها يستميل الناس تماماً. كان صوتها ناعماً كزيت العطر. وكانت عيناها تسطعان مثل النجوم في الليل. كان جسدها وليمة لأعين الناظرين. وفي أغلب الأحيان، عندما كانت تمشي في الطريق من دون وعي ذاتي، كان نهداها يتأرجحان طرباً مثل ثمرتين ناضجتين تتأرجحان مع الريح. فتوقف الرجال في مسيرهم.‏

لم تكن تستطيع تقييم روعة جسدها الحقة. كانت تتوق إلى تغيير ذاتها في سعي دائب وراء جمال الأخريات. وكانت غالباً ما تخفق في ارتداء ثياب تنسجم مع جسدها. كانت تندفع لتقليد الأخريات في طريقة لبسهن، وكانت الموضة هي التي تتحكم في اختيار ملابسها، بغض النظر عن ملاءمة ذلك للون بشرتها أو لشكل جسمها.‏

وكانت أحياناً تشوه قوامها وهي تحاول تقليد مشية فتاة أخرى. لقد نسيت القول المأثور: "تقليد الآخرين يفقد الضفدع كفليه".‏

لقد شكل الشك- الذاتي الملحاح والشفقة- الذاتية الساحقة العبء الذي تحمله"وارينجا" ذلك السبت. وهي تسير عبر شوارع"نيروبي" باتجاه أحد مواقف الحافلات للحاق"بالماتاتو" التي ستقلها إلى موطن ذويها في"إيلموروج".‏

وحتى بعد مضي أيام عدة، وبعد أن تغيرت حياتها على منوال لم تكن تحلم به مطلقاً، كانت وارينجا عاجزة عن أن تشرح بوضوح كيف رتبت أمر سيرها على طول"طريق النهر" وأن تجتاز شارع"رونالد نجالا"، بحيث تجد نفسها واقفة على طرف شارع"ريس كورس" أو مضمار السباق، بين كنيسة القديس"بطرس كليفرز" وبين محل ماكينات الخياطة عند موقف باص فندق"كاكا".‏

أقبل باص مدينة داخلي متسارعاً باتجاهها. أغمضت"وارينجا" عينيها. ارتعش جسدها. ابتلعت كتلة وطفق قلبها يدق كأنه يدق لإيقاع الصلاة: في أوقات الشدة، لا تنظر، يا أبتاه، إلى الطريق الآخر؛ لا تخف وجهك عني في وقت الدموع هذا.... الآن... تلقاني....‏

وفجأة سمعت"وارينجا صوتاً في رأسها: لماذا تحاولين قتل نفسك مرة ثانية؟ من أخبرك أن عملك على الأرض قد اكتمل؟ ومن أخبرك أن عمرك انتهى؟‏

فتحت"وارينجا" عينيها على عجل. جالت بطرفها ذات اليمين وذات الشمال. فلم تستطع أن ترى صاحب الصوت وشعرت الآن بالرعشات تتصاعد من أصابع قدميها إلى قمة رأسها وهي تستذكر ما كانت على وشك أن تفعله.‏

وسرعان ما أحست بالدوار. أخذت"نيروبي" بأهلها، ومبانيها، وأشجارها وسياراتها وشوارعها تدور كالدوامة أمام عينيها. انسدت أذناها. انقطع الضجيج كله عندما غطت المنطقة في صمت كبير. تراخت ساقاها عند الركبتين، وانحطت قوتها من المفصلين، فشعرت كأنها تفقد وعيها وتوازنها. ولكنها وهي على وشك السقوط، شعرت بشخص يمسك بها من ذراعها الأيمن لكي يساعدها.‏

كنت على وشك السقوط، قال لها الرجل الذي يمسك بها. تعالي واجلسي في ظل المبنى. ابتعدي عن الشمس.‏

لم تكن"وارينجا" بحال تسمح لها برفض أوامر محدثها أو حتى استطلاع شخصيته. تركت نفسها تساق إلى درج صالون لحلاقة الشعر. كان باب الصالون مغلقاً، جلست وارينجا على الدرجة الثانية. أمسكت رأسها بجمع يديها، بينما كانت أصابعها تلامس شحمتي أذنيها. اتكأت على الحائط خلفها. وعلى حين غرة هجرها آخر ما تبقى من قوتها، فزحفت إلى أعماق الظلمة. خيم الصمت، سمعت بعد ذلك أصواتاً صافرة، ثم أصواتاً غير صافرة: فقد بدت وكأنها أصوات تغني بعيداً، لحناً حمل صوت أغنية على متن الريح تقول:‏

إنني أندب جسدي الخاص‏

الجسد الذي أعطاني إياه الرب، صاحب القوة والقدرة‏

وأسأل نفسي: حين سيوارونني الثرى،‏

من الذي سيشاركني قبري...؟‏

ثم تحول الصوت فلم يعد أغنية، ولم تعد الكلمات مفهومة. لقد تحللت إلى تنافر في النغمات، إلى نبع من رغبة وزبد وضوضاء لا معنى لها.‏

راود وارينجا الآن ومن جديد كابوس ألفته منذ كانت تتردد على كنيسة"الحديقة المقدسة" وهي طالبة في ثانوية"ناكورو".‏

كان أول ما شاهدته هو الظلام، ظلام متناثر عن أحد الجوانب لكي يميط اللثام عن صليب، معلق في الهواء. ثم شاهدت جمهرة من الناس يلبسون الأسمال البالية ويسيرون في النور، يدفعون الشيطان نحو الصليب. كان الشيطان يرتدي بذلة من الحرير وكان يحمل عكازاً على شكل مظلة مطوية.‏

كان على رأسه سبعة قرون وسبعة أبواق لإطلاق ألحان شيطانية في الثناء والتمجيد. كان للشيطان زوج من الأفواه، واحد على جبينه، وآخر عند مؤخرة رأسه، كان بطنه متدلياً وكأنه على وشك أن يلد كافة شرور العالم.‏

كان جلده أحمر اللون وكأنه جلد خنزير. أخذ يرتجف قرب الصليب، وحوَّل عينيه نحو الظلام كأنهما كانتا تلفحان بالنور. أخذ ينوح وهو يتوسل للناس أن لا يصلبوه، مقسماً أنه وأتباعه سوف لا يبنون جهنم ثانية لأهل الكرة الأرضية.‏

غير أن الناس صاحوا بصوت واحد: إننا نعرف الآن أسرار كافة الأردية التي تخفي وتموه مكرك وخبثك. إنك ترتكب جريمتك ثم تلبس أثواب الشفقة، وتذهب لتمسح الدموع عن وجوه الأيتام والأرامل. إنك تسرق الطعام من خزائن الناس في منتصف الليل، ثم تزور الضحايا عند الفجر وأنت ترتدي أثواب المحبة والإحسان وتقدم لهم قرعة مليئة بالحبوب التي سرقتها. إنك تشجع الدعارة لمجرد إشباع شهواتك، وبعدها ترتدي أثواب الصلاح وتحض الناس على التوبة، وعلى اتباعك لكي تريهم دروب الصفاء والخلاص. إنك تستولي على ثروة الناس، ثم ترتدي أثواب الصداقة لتعلمهم المشاركة في ملاحقة الوغد الذي سلبهم ثروتهم.‏

في ذلك المكان وفي تلك اللحظة صلب الناس الشيطان على الصليب ثم ابتعدوا وهم ينشدون أغاني النصر.‏

وبعد ثلاثة أيام، جاء آخرون يرتدون البدلات وعقد الرقبة، ممن لم يبرحوا جدار الظلمة، وأنزلوا الشيطان عن الصليب. ركعوا أمامه وصلوا له بأصوات مرتفعة، يرجونه إعطاءهم قسماً من أثواب مكره. بدأت بطونهم تتورم، ووقفوا، ثم ساروا نحو"وارينجا" يضحكون عليها ويمسدون بطونهم الكبيرة، البطون التي ورثت الآن شرور هذا العالم كلها.....‏

أجفلت"وارينجا"، وحدقت إلى ما حولها، فأحست وكأن عقلها قد أخذ يعود إليها بعد أن غادرها في رحلة بعيدة. رأت أنها لم تزل في شارع"ريس كورس" وأنها لا تزال على موقف باص فندق"كاكا" قرب كنيسة القديس بطرس كليفرز"، وأن الأصوات التي كانت تسمعها ليست سوى هدير محركات سيارات. فسألت نفسها: كيف وصلت إلى هذا المكان؟ أية ريح حملتني إليه؟ إنني أتذكر ركوب الباص/78/ القادم من "أوفافا جيريشو". لقد مر عبر"القدس" و"باهاتي" وانعطف إلى شارع"جوجو"، مروراً بمحطة باصات مقاطعة ماكاكو.... و.. آه... نعم... وكنت أنا في طريقي إلى الجامعة، لأرى"جون كيموانا"، حبيبي، للمحة واحدة أخيرة، ونزلت من الباص عند موقف الباصات خارج مبنى الأرشيف الوطني، بالقرب من محلات تنظيف"الزهرة البيضاء". مشيت في شارع"توم مبويا" وعبر مسجد"كونجا". عبرت حدائق"جيفانجي" مروراً"بفندق الحديقة"، ووقفت عند منعطف شارعي"هاري ثوكو" و"الجامعة"، أمام مركز الشرطة العام. هل كان ذلك هو المكان الذي رجعت منه؟ إذ إنني عندما نظرت إلى مباني الجامعة، ولا سيما إلى مباني كلية الهندسة، تذكرت أحلام شبابي، حين كنت في المدرسة في إعدادية"باهاريتي" وثانوية"باكورو" وتذكرت كيف سحقت أحلامي وديست في الغبار من قبل العجوز الغني من"نجوريكا". حين اندمجت تلك الذكريات مع الأفكار المتعلقة"بجون كيموانا" الذي تركني الليلة الماضية أغوص حتى ركبتي في مستنقع المشاكل، شعرت فجأة أن دماغي وقلبي يحترقان ألماً، وتبدى لي أن غضبي يخنقني.... والآن، ماذا فعلت بعد ذلك؟ أين ذهبت؟ آه! يا إلهي. أين حقيبة يدي؟ أين تركتها؟ وأين سأجد أجرة السفر إلى"أيلموروج"؟‏

مرة ثانية، حدقت"وارينجا" إلى ما حولها. عندئذ فقط وقعت عيناها على عيني الرجل الذي أمسك بها من يدها اليمنى والذي جعلها تجلس على أدراج قاعة التدليك.‏

ها هي، ها هي حقيبة يدك، قال الرجل وهو يمد يده لكي يعطيها حقيبة سوداء مزينة على أحد جانبيها بقطعة من جلد حمار الوحش المدبوغ.‏

تناولت"وارينجا"، وهي لا تزال جالسة، حقيبة يدها منه. رمقته بنظرة سريعة متسائلة. كانت بنيته فتية، رغم أن وجهه كان ينم عن النضوج والكبر. وكان يعلو رأسه مقدار من الشعر الأسود الفاحم كما تعلو ذقنه لحية تشبه شعر جدي الماعز. كانت عيناه السوداوان تشرقان بنور حكمة ومعرفة ترى أشياء كثيرة مخبأة في مكان بعيد.... وكان يرتدي بنطالاً من"الجينز" الخاكي وسترة جلدية رمادية. كما كان يحمل تحت ذراعه حقيبة جلدية سوداء. وبعد ذلك شرح كيف حصل على حقيبة وارينجا.‏

أنت رميتها في"ريفر رود" بالقرب من"حجرة الشاي"، عند موقف سيارات"نيري" و"مورانغ" وأنا التقطها لك ولحقت بك. لقد كنت محظوظة جداً هذا اليوم- إذ كان من السهل تماماً أن تدهسي.‏

كنت تجتازين الشوارع وتتفادين السيارات المارة مثل رجل أعمى يدخن الأفيون وهو مشحون بالشجاعة الطائشة المتهورة. لقد لحقت بك بينما كنت تترنحين فوق الحاجز الحجري على طرف الطريق. أمسكت بك من يدك وأخذتك إلى مكان ظليل، ومنذ تلك اللحظة حتى الآن وأنا أقف إلى جانبك دون أي عمل أقوم به، أنتظر عودتك من البلاد التي نقلتك إليها تجارب القلب.‏

كيف عرفت أنني كنت بعيدة جداً؟ سألته"وارينجا"؟‏

من وجهك، ومن عينيك وشفتيك. أجاب الفتى الشاب.‏

إنني مرتاحة جداً لاستعادة حقيبة يدي. قالت"وارينجا". لم أكن أعرف أنني رميتها. ولا أملك حتى نصف"بنس" من النقود في جيبي.‏

قال لها الفتى: افتحي حقيبتك وتأكدي من أن أشيائك كلها موجودة فيها لاسيما النقود.‏

فقالت وكأنها ترثي لحالها لم يكن بداخلها مزيد من النقود.‏

على الرغم من ذلك، من الأفضل أن تتأكدي. ألا تعرفين أن اللص الذي يسرق خمسة وعشرين"سنتاً" يشنق عادة؟‏

فتحت"وارينجا" الحقيبة اليدوية، ونظرت بداخلها دون اكتراث ثم قالت: كل شيء في مكانه. سؤال كان يزعجها. هل هذا هو الرجل الذي تدخل صوته عندما كانت على وشك أن ترمي نفسها في الطريق؟ كيف سبر أغوار أفكارها؟ كيف عرف أن هذه ليست المرة الأولى التي حاولت قتل نفسها فيها؟ سألته: هل أنت هو الرجل الذي كلمني قبل أن أغيب عن وعيي تماماً؟‏

هز الفتى رأسه وقال: لقد وصلت وأنت على وشك السقوط. هل أنت مريضة؟‏

لا، أجابت"وارينجا" بسرعة. إنني متعبة فقط، جسداً وروحاً، من "نيروبي".‏

أنت على حق في تعبك، قال لها الفتى. إن"نيروبي" شاسعة واسعة، عديمة الحيوية وفاسدة عفنة. اقترب الشاب من"وارينجا" واستند على الحائط وتابع يقول: ولكن ليست"نيروبي" وحدها هي التي تبتلى على هذا النحو.‏

الشيء نفسه صحيح تماماً بالنسبة لجميع المدن في أي بلد تخلص حديثاً من نير الاستعمار. إن هذه البلدان تجد أن من العسير عليها دفع الفقر عنها لسبب بسيط هو أنها أخذت على عاتقها تعلم طريقة إدارة اقتصادياتها من الخبراء الأمريكيين. ولذلك تم تعليمهم مبدأ المصلحة الذاتية ونظامها، كما تعلموا بأن عليهم أن ينسوا الأغاني القديمة التي تمجِّد فكرة المصلحة المشتركة. لقد تعلموا أغاني جديدة وترانيم جديدة تمجد حيازة المال. ذلك هو السبب في أن نيروبي تعلم الآن:‏

الاعوجاج للمستقيمين‏

والخسة والوضاعة لأصحاب الكياسة واللطف‏

والكراهية للمحبين‏

والشر لأهل الخير.‏

كما تدعو أغنية- الرقص اليوم إلى:‏

إن من ينقر لا ينقر لسواه‏

إن من يقرص لا يقرص لغيره‏

إن من يرتحل لا يرتحل لسواه‏

فأين هو الباحث الذي يبحث لسواه؟‏

قلِّبي هذه المسائل في ذهنك، وسلي نفسك: ذلك النوع من الأغاني إلى أين سيودي بنا؟ أي نوع من القلوب يتربى فينا؟ هل هو النوع الذي يدفعنا للانقلاب على أعقابنا من الضحك عندما نراقب أطفالنا يحسمون الأمر في معركة مع الكلاب والقطط من أجل بقايا الطعام في سلال المهملات؟‏

العاقل يمكن أن يتعلم الحكمة أيضاً.‏

ولذلك دعيني أقول لك:‏

قال"جيكوكو": إن الكلام تمهيد للمحبة‏

وإن اليوم الحاضر هو كنز المستقبل‏

والغد حصاد ما نزرعه اليوم‏

ولذلك دعينا نقول لأنفسنا:‏

النواح والأنين، من تراه ربح منهما؟‏

غيِّروا البذور، لأن لايقطينة تحوي بذوراً من أكثر من نوع واحد!‏

غيروا الخطوة، فالأغنية لها أكثر من إيقاع واحد!‏

إن رقصة"مومبوكو" في هذه الأيام تتألف من خطوتين ودورة.‏

خلد الفتى فجأة إلى الصمت ولكن صوته وكلماته كانا يرنان في أذن وارينجا.‏

لم تفهم وارينجا كل الأشياء التي ألمح لها الشاب بلغته الملغزة. ولكنها استطاعت أن تشعر من نقطة إلى أخرى أن كلماته تبلغ مستوى الأفكار التي راودتها في وقت من الأوقات. تنهدت وقالت: كانت كلماتك تخفي معاني شتى. غير أن ما تقوله صحيح تماماً. لقد تجاوزت هذه المشاكل حدود التحمل والصبر. من ذا الذي لا يرحب بالتغيير في سبيل الهروب منها؟‏

شعرت"وارينجا"، وهي تتحدث، بلسانها يرتخي. راحت تتكلم وكأنها ترفع حملاً ثقيلاً عن قلبها. تحدثت بصوت معتدل، ليس حاداً ولا مكتوماً، ليس لاهثاً ولا مثأثئاً، كان صوتاً، مشبعاً بالألم والأسى والدموع.‏

(2)‏

"خذ فتاة مثلي"، قالت"وارينجا" وهي تمعن النظر ببقعة واحدة وكأنها تكلم نفسها. أو خذ أية فتاة أخرى في"نيروبي". دعنا نسميها"ماهواكاريندي". ثم دعنا نفترض أنها ولدت في قرية أو في قلب الريف. ولنفترض أن ثقافتها محدودة.‏

بل دعنا نفترض أنها حصلت على الشهادة الثانوية، وانتقلت إلى مدرسة عليا. دعنا حتى نفترض أن المدرسة مدرسة جيدة على غير شاكلة مدارس"هارامب" التي يدفع فيها الفقراء مبلغاً لا بأس به من المال، حتى ولو لم تفخر الصفوف بالمدرسين.‏

قبل أن تصل إلى الصف الثاني، تكون"كاريندي" قد حصلت عليه. إنها حامل، من هو المسؤول؟‏

لنقل إنه أحد الطلاب. وهذا الطالب لا يملك سنتاً واحداً باسمه.‏

كانت صداقتهما تتمثل في تبادل إعارة الروايات التي كتبها"جيمس هادني" و"تشارلس مانجوا" أو ديفيد مايلو. كما كانت صداقتهما تتمثل في ترديد بعض الأغنيات من تسجيلات"جيم ريفز" أو"د. ك" أو "لورنس ندولو". إلى أين تتوجهين الآن يا كاريندي؟‏

يمكننا من ناحية أخرى أن نتصور أن الرجل المسؤول عن الحمل هو متسكع من القرية وهذا المتسكع عاطل عن العمل. إنه لا يملك مكاناً يريح عليه رأسه.‏

لقد عزز علاقتهما عزف"الجيتار" ورقصات المساء في القرية. وكانت علاقتهما الغرامية تمارس في أكواخ مستعارة أو في بساتين مكشوفة بعد حلول الظلام. يا"كاريندي" الصغيرة، إلى أين ستتجهين؟ الطفل بحاجة لطعام وملابس.‏

ربما كان للمتسكع عمل في المدينة، غير أن راتبه لا يتعدى خمس شلينات في الشهر. لقد قوي حبهما وتعزز بأفلام"بروس لي" و"جيمس بوند"- بخمس دقائق في فندق رخيص أو في طريقهما إلى البيت بسيارة أجرة. من سيمسح دموع كاريندي الآن؟‏

ثم لنقل إن والد الصبي رجل غني. أليس ذلك النوع من العلاقات الغرامية هو السائد في هذه الأيام؟ الغني له زوجة. والمسألة هي مسألة علاقة في سيارة"مرسيدس بنز" يوم الأحد. كانت العلاقة الغرامية تدعم بمبالغ صغيرة من الأموال النقدية مما تلقته"كاريندي" كمصروف جيب قبل العودة إلى المدرسة. كما أنها تعزز بشراب قوي يرتشفانه في الفنادق على مسافة بعيدة عن القرية.‏

وسواء كان طالباً، أو متسكعاً أو غنياً-لا تتغير الاستجابة- عندما تخبرهم"كاريندي" عن وضعها. ماذا! من تدعين أنه مسؤول عن الحمل؟ أنا؟ كيف لفقت ذلك؟ هيا وضايقي شخصاً آخر بأوهامك، يا"كاريندي"، يا ذات الفخذين الرخوين، يا"كاريندي" العشر سنتات. بوسعك أن تبكي حتى تملأ دموعك -براميل الزيت- فذلك لا يشكل فارقاً أو اختلافاً. يا"كاريندي"، إنك لا تستطيعين أن تحملي ممن هب ودب، ثم تلقين ما تلدين على بابي لمجرد أنني غازلتك في يوم من الأيام!.‏

لنقل إن"كاريندي" لا تحتاج إلى لسان مستعار. إنها تقف هناك، بذراعين حول الخصر ثم تتهجم على حييب الأمس. هل تحسين أنك السكر ذاته؟ إنني أفضل احتساء الشاي دون سكر. هل تتصورين أنك سيارة باص؟ إنني أفضل السير على الأقدام. هل تظنين أنك منزل؟ إنني أوثر النوم في العراء، أو هل تحسبين أنك السرير نفسه؟ إنني أختار أرض الغرفة. لقد فقدت ثقتي بأصحاب الألسنة الحريرية ممن يعيشون عالات على المومسات. ولكن"كاريندي" تحاول مواجهة الأمور بشجاعة رغم أن قلبها في داخلها يستشيط حنقاً وغضباً.‏

لنفترض أن"كاريندي" ترفض تناول العقاقير الطبية. إن من المرعب بمكان أن يخرج الأطفال من أرحام أمهاتهم جثثاً ميتة. أما"كاريندي" فتحصل على الطفلة، وهي لا ترميها في المرحاض ولا تتركها على طرف الطريق أو في الحافلة. كما أنها لا تضعها في الغابة أو في سلة المهملات. تلقي"كاريندي" على كاهل أمها أو جدتها عبء تربية هذه الطفلة، التي جاءت إلى هذا العالم رغم الحقيقة الدامغة التي تفيد بأن أبويها لم يرحبا بها ولم يستعدا لوصولها. غير أن أمها وجدتها تحذرانها من أن تجعل هذا الأمر عادة دائمة: "حاذري من الآن فصاعداً، يا"كاريندي". تذكري أن للرجال إبراً تلسع، إبراً مزعجة وفاسدة، مما لا يبرح سمها لحم ضحاياه.‏

الآن فقط، تعرف"كاريندي" حق المعرفة أن ما من أحد يتوب نيابة عن ذنوب الآخرين. ليس ثمة إنسان يندم على الذهاب بقدر ما يندم على العودة. الابتسام لك لا يعني أنك محبوب. ولذلك فإن"كاريندي" تعض شفتيها عضاً مبرحاً وتعود إلى المدرسة وتحصل على شهادتها، وهي شهادة تبين أنها نجحت في اللغة الإنكليزية أو السواحلية والدين.‏

إلى هنا وكل شيء على ما يرام.‏

غير أنه ليس للمشاكل أجنحة تطير بها إلى مكان ناءٍ وبعيد. ويترتب على والدي"كاريندي" الآن من جديد تفتيش جيوبهما. ويسحبان من تلك الجيوب القروش التي كانا يدخرانها، والتي تمثل العصا الموضوعة جانباً احتياطاً من مقابلة فأر بصورة غير متوقعة- وقد ظهر الآن مثل ذلك الفأر. إنهم يدرجون بسرعة إسم"كاريندي" في معهد نيروبي لتعلم السكرتارية لكي تتعلم الضرب على الآلة الكاتبة والاختزال. وفي نهاية تسعة شهور تصبح كاريندي ضاربة آلة كاتبة مجتهدة، بمعدل خمس وثلاثين كلمة في الدقيقة، كما أصبحت خبيرة في الاختزال- إذ حققت سرعة ثمانين كلمة في الدقيقة الواحدة. إن لغة العين مختلفة عن لغة الأذن. لقد حصلت كاريندي على شهادتي"بيتمان" في الضرب على الآلة والاختزال وامتلكت هاتين المهارتين.‏

وتمضي الآن"كاريندي" متسكعة في شتى أرجاء نيروبي بحثاً عن وظيفة. تدخل وهي مسلحة بمهارات"بيتمان" مكتباً إثر مكتب. تجد في أحد المكاتب السيد"بوس" وهو يتمدد في كرسيه طلباً للراحة والاطمئنان. يعاين"كاريندي" من قمة رأسها إلى أخمص قدميها ويخاطبها قائلاً: ماذا تريدين؟ هل تريدين عملاً؟ لا بأس، ولكنني منشغل جداً في هذه اللحظة. سأقابلك الساعة الخامسة. وتنتظر"كاريندي" الساعة الخامسة على أحر من الجمر. تندفع إلى المكتب لاهثة. يبتسم لها السيد"بوس" الآن، ويقدم لها كرسياً، ثم يسألها عن اسمها، الاسم الذي سميت به عند الولادة واسمها الإنكليزي المكتسب، ثم يستفسر عن الأشياء التي تزعجها، وينصت لأجوبتها بصبر وحذر. وبعد ذلك يقرع السيد"بوس" على المقعد باصبعه أو بالقلم وهو يقول: آه، يا"كاريندي"، ليس من السهل في هذه الأيام الحصول على الوظيفة ولكن فتاة مثلك.... سيكون من العسير إيجاد شيء ما تعملينه. ولكن قضية كهذه يصعب إنهاؤها في المكتب يا"كاريندي". دعينا نذهب سوية إلى ملهى الحب الحديث ودعينا نبيت معاً كي نناقش الأمر بصورة مسهبة كاملة. ولكن كاريندي تتذكر إبر اللسع السامة في السنوات السابقة. إن من يرى مرة يتعلم، ومن شرب من قربة يستطيع تعيين حجمها. ولذلك ترفض"كاريندي" كافة الدعوات إلى الفنادق المصممة لتبادل الحب، سواء كانت تقليدية أو حديثة. وفي اليوم التالي كانت"كاريندي" لا تزال تمشط المدينة بحثاً عن العمل.‏

تدخل"كاريندي" مكتباً آخر. وتلتقي هناك بسيد"بوس" آخر. الابتسامات نفسها، والأسئلة نفسها، كما أن موعد اللقاء واحد، والهدف المنشود هو فخذا"كاريندي". لقد صار فندق الحب الحديث والمبيت هما مكتب الاستخدام الرئيسي بالنسبة للفتيات. كما صار فخذا المرأة الموائد التي توقع عليها العقود. فتاة بكر تغرق مرة في بحر من الحب والحلاوة. إن بلدنا الحديث كينيا، على كل حال، يغني لـ"كاريندي": أيتها الأخت، إن قضية الأحمق تستغرق وقتاً طويلاً للحل. كما أن كل جلسة من جلسات المحكمة تبدأ بالاحتفال. يا أخت"كاريندي"، ليس ثمة أحد يلعق يداً فارغة. اعتني بي وأنا سأعتني بك. إن المشاكل الحديثة تحل بواسطة الفخذين. إن على من يرغب بالنوم أن يكون متحمساً لتسوية الفراش.‏

إن كاريندي عازمة على عدم إعداد الفراش. إنها تفضل أن تترك المشكلة بلا حل. هذا وبما أن الله ليس آكل أو ثمالي حقاً، فإن كاريندي ستحصل على عمل دون أن يكون عليها أن تزور أي فندق سعياً وراء الحب الحديث. إن السيد"بوس كيهارا" هو المدير الإداري للمؤسسة. وهو في متنصف العمر وله زوجة وعدة أطفال. وفضلاً عن ذلك، إنه عضو في اللجنة التي تدير"كنيسة الفردوس.." هذا وإن "كاريندي" تؤدي واجبات مكتبها بكل دقة.‏

وقبل انقضاء شهر واحد، تجد"كاريندي" لنفسها عشيقاً شاباً. وهذا الفتى طالب في الجامعة ويحمل أفكاراً حديثة وتقدمية. وعندما تعترف له"كاريندي" بأن عندها طفل صغير في البيت، يسكتها العاشق بقبلات الحب ويقول لها: إن الطفل ليس نمراً، قادراً على إيذاء الناس. ثم إن الولادة بحد ذاتها دليل على أنك لست بغلاً شموساً. لدى سماع ذلك تبكي"كاريندي" بدموع السعادة والمسرة. عندها وفي ذلك المكان تقسم على الإخلاص قسماً صادراً عن أعماق قلبها بقولها: بما أنني محظوظة جداً وبحثت فوجدت عشيقي، وهو فتى ذو أفكار حديثة، فها أنا، "كاريندي" أقسم بأنني لن أغضبه أبداً أو أخالفه الرأي في أية قضية. إذا صرخ بوجهي، سألوذ بالصمت. سوف أغض طرفي له بكل بساطة مثل نمر خجول أو مثل سنبلة بالغة وديعة. وسوف أساعده في توفير لقمة العيش لكي يتمكن من إنهاء دراسته دون مشاكل أو تأخير ولكي نستطيع معاً بناء منزل له جذور ثابتة، ثم إنني لن أنظر من قريب أو بعيد إلى شخص آخر.‏

كانت الفتيات الأخريات، صديقات"كاريندي" يحسدنها، ويقدمن آيات النصح لها: "يا كاريندي من الأفضل لك تغيير أساليبك. إن البذور داخل القرع ليست جميعاً من نوع واحد". وتجيب"كاريندي": إن الطفلة القلقة تغادر البيت بحثاً عن اللحم مثلما تكون الشاة وهي على وشك الذبح. غير أن الفتيات الأخريات يقلن لها: أيتها الصديقة، هذه هي كينيا الحديثة. ينبغي على كل واحد أن يدخر شيئاً لسد حاجات المستقبل. ومن يدخر قليلاً من الطعام لن يعاني من الجوع مطلقاً. تجيبهن"كاريندي": إن تناول مزيد من الطعام يخرب المعدة. ويقلن لها بسخرية وتهكم: إن الغذاء المحدود غذاء روتيني. ترفض ذلك"كاريندي" وتقول لهم: إن استعرت عقداً ربما تضيّع عقدك.‏

الآن، وبينما تفكر"كاريندي" في أن حياتها تجري بصورة لطيفة جداً، يبدأ السيد"كيهارا" بسبر واستطلاع رأيها بكلمات مختارة بكل دقة وحذر.‏

يحضر في يوم من الأيام إلى مكتبها. ويقف بجانب آلتها الكاتبة، متظاهراً بأنه يفحص الأوراق التي أنجزت طباعتها ؟.. يحدثها بالقول: بالمناسبة، يا"كاريندي"، ما هي مشاريعك بالنسبة للعطلة الأسبوعية؟ أريد منك مرافقتي بسفرة صغيرة فما رأيك بذلك؟ ترفض"كاريندي" ذلك بأدب. فالرفض المحاط بالتهذيب لا يولد مشاعر سيئة. يتريث"بوس كيهارا" على أمل أن تستسلم"كاريندي" في النهاية، في العجلة الندامة وبعد شهر واحد، نراه يبادر الحديث معها من جديد في المكتب قائلاً: يا"كاريندي"، توجد هذا المساء حفلة كوكتيل في نادي الفردوس، وتغلف"كاريندي" رفضها بعبارات مهذبة من جديد.‏

إن"كامو نجوني" شخصية في أغنية"كيكومو" الشعبية التي تدور حول فتاة صبية يريدها والدها أن تتزوج من"وايجوكو"، وهو رجل عجوز ثري ذو صدر يملؤه الشعر، بينما تفضل هي اختيارها الخاص، وهو شاب مسكين فقير يدعى"كامونجوني".‏

هذا ويأزف اليوم الذي يحاكم فيه"بوس كيهارا" الموضوع على الشكل التالي: إن الصياد الذي يطارد طريدته خلسة ببطء وروية قد يخيفها فتبتعد عنه آخر المطاف. كما أن التسول يستدعي القيام بتكتيكات متبدلة باستمرار الاستحمام يستدعي خلع الألبسة كلها، لذلك فإنه يواجه "كاريندي" بشجاعة قائلاً: بالمنسابة، يا"كاريندي"، إن عندي عملاً كبيراً يحتاج للتنضيد بسرعة. أريدك أن تبقي في المكتب بعد الساعة الخامسة. وسوف تدفع لك المؤسسة أجراً إضافياً.‏

تنتظر كاريندي. أزفت الساعة الخامسة. السيد"بوس كيهارا" في مكتبه يكتب مسودة الرسائل. دقت الساعة السادسة. الجميع ذهبوا إلى بيوتهم. يدعو"بوس كيهارا" كاريندي. يطلب منها الجلوس لكي يتسنى له محادثتها.. وبعد دقيقة واحدة أو دقيقتين، ينهض السيد"كيهارا" ويجلس على طرف مقعده. يبتسم بخبث ومكر. تجد كاريندي الآن صوتها ولسانها فتقول: من فضلك، يا سيد بوس، إملِ عليَّ الرسائل الآن. لقد كنت أخطط للخروج من البيت هذا المساء، والدنيا تشتد ظلمة.‏

"لا تقلقي، يا كاريندي. إذا تأخر الوقت، فسوف أقلك بسيارتي إلى البيت.‏

أشكرك، ولكني لا أريد حقاً إزعاجك بذلك. أجابته"كاريندي" بهدوء ورصانة، لكي تخفي تهيجها وتوترها.‏

أوه، لن يكون في ذلك أي إزعاج. وباستطاعتي أن أتصل هاتفياً بالبيت لكي أعلم سائقي الخاص بلقائك ونقلك إلى البيت.‏

إنني أتمتع في التنقل بالحافلة فرجاءً أين الرسائل؟ ينحني السيد"كيهارا" قليلاً قليلاً نحو"كاريندي"، يرتسم على وجهه نور خاص يشع في عينيه ويخفض صوته قائلاً: يا عزيزتي"كاريندي"، إن رسائلي رسائل يمليها الفؤاد.‏

عن ظهر قلب.‏

هل قلت ذلك؟ تسأله كاريندي بسرعة، وهي تتظاهر أنها لا تفهم مضامين كلماته. هل من العقل والحكمة بالنسبة لك أن تملي مثل هذه الرسائل على أحد الموظفين؟ أليس من الأفضل لك أن تدقها على الآلة الكاتبة بنفسك، بحيث لا يقرأ أسرار فؤادك شخص غير معني بها؟‏

يا"كاريندي" الجميلة، يا وردة فؤادي، لا يستطيع أحد سواك طباعتها فأنا أريد إرسالها إلى عنوان قلبك، لكي تقرأها عينا فؤادك، ولكي تحفظ بعد ذلك داخله ويختم عليها هناك إلى أبد الآبدين. وأنت عندما تتلقين الرسائل، أضرع إليك أن لا تكتبي عليها يعاد للمرسل. يا عزيزتي، يا وردة قلبي. لاحظي كيف أن حبي لك جعلني ضعيفاً تجاهك،‏

سيد"بوس" يا سيدي أرجوك. تحاول"كاريندي" أن تنبس بكلمة واحدة، يرتعب جزء منها وهي ترى كيف كان"كيهارا" يلهث. غير أن جزءاً آخر منها يشعر بالميل إلى الضحك وهي تدرس تناقض الكلمات التي تصدر متعثرة من فم"بوس كيهارا" إضافة إلى البقعة الصلعاء الباهية المتألقة على رأسه. كانت كاريندي تبحث عن كلمات تجعل هذا العجوز يشعر بالخجل والعار فقالت: لنفترض أن زوجتك تسمعك وأنت تنطق بهذه الكلمات! ماذا ستفعل؟.‏

لا شأن لها فالمرء لا يستخدم عطراً عديم الرائحة عندما يذهب للرقص. رجاءً ، يا"كاريندي"، يا ثمرة قلبي الصغيرة، اسمعيني بدقة لأنني سأحكي لك أشياء جميلة. سوف أستأجر لك منزلاً في حي"فوراها" أو في وسط المدينة. في شارع"كينياتا"، أو في أي جزء آخر من المدينة. اختاري أية شقة أو منزل ترغبين. إنني سأزين المكان بالأثاث والسجاجيد، والفرش والستائر من باريس ولندن وبرلين وروما ونيويورك وطوكيو واستوكهولم أو من هونغ كونغ. سيكون أثاثاً وحاجات منزلية مستوردة. وسوف أشتري لك ألبسة، لأنني أريد لك ارتداء أحدث الأزياء من شارع الأكسفورد في لندن أو من محلات راقية في باريس. أما أحذية العقب العالي وأحذية الدرج فستأتي من روما في إيطاليا. حين تخرجين بتلك الأحذية التي تسمونها أنتم"بلا هدف- فلماذا يترتب علي أن أعجل"؟ أريد من كل إنسان في"نيروبي" أن يدور ويصفِّر من الحسد والغيرة وهو يقول: تلك هي خليلة"بوس كيهارا" السكرية. وإذا ما دامت هذه المسرات، وإن استطعت جعلي سعيداً متمتعاً بكل مباهج الدنيا، فسوف أشتري لك سلة صغيرة من أجل السوق والتسوق، أو من أجل مشاوير المتعة يوم الأحد- وإني أعتقد أن سيارة من طراز"ألفاروميو" هي السيارة التي تناسب عروساً مثلك. يا"كاريندي"، يا تفاحتي الصغيرة، ويا برتقالتي، يا وردة فؤادي، هيا إلي وقولي: وداعاً أيها الفقر.‏

كانت"كاريندي" الآن تحبس ضحكها بصعوبة كبيرة فقالت له: يا سيد"بوس"، أرجوك، وهل يمكنني أن أسأل سؤالاً؟‏

اسألي ألف سؤال وسؤال.‏

هل تقول: إنك سوف تتزوجني؟‏

آه، لماذا تتظاهرين أنك لا تفهمين الطريقة التي تجري بها الأمور؟ ألا ترين.... يا تفاحة قلبي الصغيرة، كوني لي الآن، كوني خليلتي وحبيبتي.‏

لا. لا أرغب بتاتاً بعلاقات غرامية مع رؤسائي!‏

ماذا تخشين، يا تفاحتي الصغيرة؟‏

ثم إني لا أرغب في تحطيم منزلك. والعقد المستعار قد يجعل الإنسان يفقد عقده الخاص.‏

ألم أقل لك: إن الإنسان لا يذهب إلى الرقص معطراً بعطر قديم عديم الرائحة؟ كاريندي، يا عقدي الجديد، يا غرسة البندورة التي تنمو على التربة الغنية لمنزل مهجور! ممَّ تخافين؟ وما خطبك؟‏

إني أعشق شاباً اسمه"كامونجوني".‏

ها! يا كاريندي، لا تجعليني أضحك، هل أنت حقاً من الطراز القديم؟ هل تتحدثين عن واحد من الصبية الذين يتظاهرون أنهم رجال؟ وهل تم ختان أولئك الصبية؟‏

إن حبة البطاطا التي يقتلعها المرء لنفسه لا تكون ملطخة بالوحل. كما أن قصب السكر الذي يقتلعه المرء ليس له أطراف غير ناضجة. وإن أولئك الذين يحبهم الإنسان لا يتحولون. والفتى الذي تدعي أنه غير مختون هو حبيبي المختار.‏

اسمعي يا"كاريندي". سأحكي لك شيئاً، يقول ذلك"بوس كيهارا" وهو يلهث. يبتعد عن الطاولة ويقترب كثيراً من"كاريندي". إن مسألة الاختيار في هذه الأيام بين"وايجوكو"، الرجل ذو الصدر الممتلئ بالشعر و"كانجوكو" العاشق الشاب، لم تعد مسألة سارية. فقد تمت حلاقة صدر"وايجوكو" المملوء بالشعر بواسطة المال... ولكن بما أن من الصحيح تماماً أن القلب لا يجوع إلا إزاء من اختاره، فإنني لن أشدد على قضية كونك خليلتي. لقد رفضت منزلاً جميلاً، كما رفضت ثياباً باهظة الكلفة، ورفضت حمل سلة التسوق: لا بأس. كما تشائين، ولكن اسمحي لي بطلب واحد فقط. لا ترفضيني.‏

ألست عضواً في"كنيسة الفردوس"؟ هل تقرأ الإنجيل دائماً؟ عندما تذهب إلى البيت، اقرأ إنجيل"رومانس"، الفصل الثالث عشر، والسطر الرابع عشر: إياك أن تعقد عقوداً من أجل لحم البشر، وتنصاع لتحقيق الشهوة والشبق الجنسي من جراء ذلك....‏

ولكن في الكتاب نفسه كتب: اطلب وسوف يعطى لك، فتش وسوف تجد، اقرع الباب فيفتح لك: لأن كل من يطلب ينال، ومن يفتش يجد، ومن يقرع الباب يفتح له.... يا ثمرتي الصغيرة، يا حبيبتي، لسنا بحاجة حتى لإزعاج أنفسنا بالمجاملة. إن أرض هذا المكتب مناسبة. ولو كانت هذه المكاتب تحكي، فإنها ستحكي قصصاً كثيرة. إن الأرض الإسمنتية الناعمة تشكل فراشاً خيالياً. إنه يجعل الظهر وكافة عظام الحبل الشوكي مستقيمة من الأسفل وحتى الرقبة.‏

لا أريد جعل ظهري مستقيماً! ردت"كاريندي" بحدة، وهي لم تعد تخفي غيظها وغضبها.‏

يحاول"بوس كيهارا" معانقة كاريندي وتطويقها بذراعيه الآن. ويكاد الاثنان يسقطان عن الكرسي. تنهض"كاريندي" وتعلِّق حقيبتها اليدوية على أحد كتفيها وتبتعد عنه إلى الوراء، ولكن"بوس كيهارا" يصل إليها. يدوران حول بعضهما في المكتب وكأنهما يرقصان رقصة الصياد والطريدة. لقد تخلى"بوس كيهارا" عن كل تظاهر بالشرف والكرامة.‏

ينقض"بوس كيهارا" فجأة على كاريندي، تمسك إحدى يديه بخصرها بينما تحاول اليد الأخرى تلمس جسدها. أما كاريندي فتحاول التملص من قبضة الرجل، وهي في الوقت نفسه تضرب بقبضتي يدها على صدره كما تحاول عبثاً فتح حقيبتها اليدوية لكي تستل منها مطواتها التي تحملها بصورة طبيعية. كان صوت أنفاسهما الثقيلة يملأ المكتب. تشعر"كاريندي" أنها على وشك أن تغلب. وفجأة تنسى أن هذا هو رئيسها ورب عملها وتصيح بصوت مرتفع: إذا لم تتركني أذهب، فسأصرخ طلباً للنجدة.‏

يتوقف"بوس كيهارا". يتذكر زوجه وأولاده. يتذكر أنه في أيام الأحد غالباً ما يكون الشخص الذي يقرأ الإنجيل في مذبح كنيسة الفردوس، وأنه من حين لحين يتحدث في حفلات الزفاف وهو يوجه النصيحة للعروسين عن حاجة الأبوين والأطفال للعيش في كنف المحبة والانسجام؛ إنه يتذكر هذه الأشياء كلها في آن واحد. يتصور ازدراء البلاد كلها إذا اتهم باغتصاب سكرتيرته. تنطفئ النار لديه فجأة، وتخبو حماسته. يرفع يديه عن"كاريندي" يتناول منديلاً من جيبه ليمسح عرقه. يوجه نظراته لـ"كاريندي". يحاول أن يقول شيئاً، ثم يتوقف. إنه يحاول أن يجد الكلمات لكي ينقذ ماء وجهه. ويحاول أن يضحك، لكن الضحك يخونه ومن أجل أن يقول شيئاً نراه يسأل، هل يعني ذلك يا"كاريندي" أن لا أحد في البيت يداعبك ويغازلك؟ على أية حال، لا تتوصلي إلى استنتاجات متسرعة. لم يكن هذا سوى مزاح بين والد وابنته. اذهبي إلى البيت الآن. من الأفضل أن تضربي الرسائل على الآلة الكاتبة غداً.‏

تذهب كاريندي إلى البيت، وهي لا تزال تفكر بالمزاح بين الأب وابنته. لكم كانت تعرف ذلك المزاح بصورة جيدة. إنه مزاح بين نمر كاسر وعنزة ضعيفة.‏

تأتي"كاريندي" إلى العمل في الصباح كعادتها. تتأخر مدة خمس دقائق. وتجد أن"بوس كيهارا" قد وصل قبلها. يطلبها"كيهارا" إلى مكتبه. تدخل"كاريندي" المكتب. ينتابها قليل من الحرج وهي تسترجع في ذاكرتها المشادة بينهما في الليلة الماضية، غير أن"بوس كيهارا" لا يرفع عينيه عن الجريدة اليومية،‏

يا آنسة كاريندي، يبدو في الأيام الأخيرة وكأنك سيدة نفسك.‏

آسفة يا سيدي. فقد تأخر الباص.‏

يرفع"بوس كيهارا" نظره عن الجريدة. ويستند إلى الوراء في كرسيه. يوجه نظرة مليئة بالمرارة إلى"كاريندي".‏

لماذا لا تعترفين أن المشكلة تكمن بالمشاوير التي بقدمها لك الصبية الصغار؟ يا آنسة"كاريندي" يبدو وكأنك لا تهتمين كثيراً بالعمل. أشعر وكأن علي أن أدعك تتبعين دوافع قلبك. سيكون من الأفضل لك الذهاب إلى البيت فينة من الزمان. وإذا شعرت في يوم من الأيام أنك بحاجة للعمل، كما تعمل بقية الفتيات، فأنا لن أغلق الباب. خذي راتب هذا الشهر وراتب الشهر القادم أيضاً بدلاً من الإنذار.‏

لم يعد لدى صديقتنا"كاريندي" عمل الآن. إنها تطوف الشوارع مرة ثانية بحثاً عن عمل. تعود إلى البيت لكي تحزن وتتحسر بصمت. تجلس في غرفتها حتى المساء، منتظرة حبيبها الشاب. يدق قلبها طرباً بإيقاع الفرح والسعادة وهي تتذكر صوت كلمات حبيبها الشاب. الإنسان يهتم بمن يحب. سوف يمنحها حبيبها"كامونجوني" القوة لتحمل هذا الأسى من خلال كلمات الغرام والهيام. يأتي"كامونجوني" بعد طول انتظار إلى البيت.‏

تحكي"كاريندي" كامل قصة"وايجوكو" الذي تمت حلاقة شعر صدره بالمال ليس ثمة حب أكبر من هذا، وهو أن ترفض فتاة معاصرة دراهم"وايجوكو" لأنها تحب"كامونجوني". تختتم"كاريندي" حكايتها، إنها تنتظر منه تنهيدة عاطفية. إنها تتوقع أن يغمرها بالقبل التي تغسل عنها دموعها ولكن لا.‏

إن"كامونجوني" هو الشخص الذي يخفض عينيه مثل النمر الخجول أو مثل سنبلة مليئة محنية. غير أن حافزه هو حافز النفاق والرياء، يلقي محاضرة على"كاريندي". يعلن أنه يعرف حق المعرفة أنها تلوَّت في فراش"وايجوكو كيهارا"، وأن كيهارا ليس أول شخص ينال من فخذيها، وأن فتاة رشفت مباهج المال لا تستطيع البتة التوقف عن الشراب والارتشاف، إن من يستطعم شيئاً يكتسب ميلاً وولعاً بالاستطعام. الحرباء تظل دائماً حرباء. إن فتاة تعودت على الذهاب مع رجال من عمر والدها وهي لم تزل في المدرسة، وإلى حد إنجاب أطفال وهي لم تزل تلميذة، كيف لها أن تتوقف؟ أخبريني هذا، يا"كاريندي"، يا ذات الفخذين الرخوين، لو سمحت"لوايجوكو" أن يمسح سخامه عن فخذيك، فهل تأتين لتحكي ذلك لي؟ لا. إنك تنسجين هذا النسيج لمجرد أن"وايجوكو" رفض أن يتركك تواصلين صناعة سريره في الفنادق من أجل الغرام الحديث.‏

تلوذ"كاريندي" بالسكوت.‏

تنساب الدموع على وجنتيها، ولا تعمل على مسحها. يشتعل الغيظ والمرارة في فؤادها.‏

تسأل كاريندي نفسها أسئلة كثيرة دونما أجوبة. لقد توقفت البقرة الأصيلة عن إعطاء الحليب، فهل لم تعد تصلح لغير الذبح الآن؟‏

بالنسبة لـ"كاريندي"، احترق السيف من طرفيه، لقد عادت إلى حيث بدأت. وهكذا قل لي، قل لي يا من أمسكت بيدي لكي تحميني من السقوط ثانية، هل يعني ذلك أن"كاريندات"كينيا الحديثة لهن عضو واحد فقط؟ من سيمنع"كاريندي" من الطواف في الشوارع وكأنها أخت"قايين" الأسطوري؟‏

ذلك لأن"كاريندي" قررت اليوم أنها لا تعرف الفارق بين:‏

أن تستقيم وأن تنحني،‏

أن تبتلع وأن تبصق،‏

أن تصعد وأن تهبط،‏

أن تروح وأن تغدو.‏

نعم، فمن هذا اليوم لن يكون بمقدورها التمييز بين:‏

المعوج والمستقيم،‏

الأحمق والحكيم،‏

الظلام والنور،‏

الضحك والدموع،‏

جهنم والجنة‏

وبين مملكة الشياطين وملكوت الله.‏

من قال إنَ في حياة الإنسان على الأرض يومين فقط؟ يومين من‏

العسل والأسيد‏

والضحك والدموع‏

والولادة والموت.‏

وبالنسبة"لكاريندات" كينيا الحديثة، أليس كل يوم مساوياً تماماً لبقية الأيام؟ لأن اليوم الذي ولدن به هو عين اليوم الذي يدفن فيه كل عضو من أجسادهن باستثناء عضو واحد- ولذلك يبقين بعضو واحد فقط. فمتى ستجفف"كاريندات" كينيا الحديثة الدموع عن وجوههن؟ ومتى سيكتشفن الضحك في حياتهن؟‏

(3)‏

عندما فرغت"وارينجا" من حكايتها، نظرت إلى الأعلى لكي تدرس وجه الفتى. ثم أطرقت ونظرت إلى شارع"ريسكورس"، فلاحظت أن الناس لا يزالون يتمشون منهمكين بأعمالهم وأن السيارات لا تزال تنعق وهي تجتاز بعضها بعضاً وأنه لم يطرأ على"نيروبي" أي تغيير منذ اللحظة التي طردت فيها من بيتها في"أوفافاجريشو".‏

في تلك اللحظة بدأت أجراس كنيسة القديس"بطرس كليفرز" تدق، تذكِّر الناس بصلاة التبشير قبل الغروب. اتجهت وارينجا مع الفتى نحو دقات الأجراس. لكأن الأجراس نفسها كانت تغنّي، وسمعت وارينجا الكلمات التالية:‏

تعالوا، تعالوا‏

تشبثوا بمحراثكم‏

ولا تنظروا إلى الوراء‏

تعالوا، تعالوا....‏

سألت"وارينجا" نفسها: إنني دائماً أسمع هذه الأصوات- فأين مصدرها؟ وإلى أين ستقودني؟ وعلى الرغم من أنها لم تدخل الكنيسة منذ عهد بعيد، وجدت نفسها تتمتم كلمات الصلاة:‏

أيتها العذراء المقدسة، مريم، والدة الإله وأمنا،‏

وأنت يا يوسف المقدس‏

وأنت يا ملاكي الحارس،‏

بل يا كل القديسين.‏

صلوا من أجلي‏

بحيث يمكن أن أتخلى‏

عن ذنب الرغبة في إنهاء حياتي‏

قبلما أكمل عمري على الأرض‏

راقبوني واحموني اليوم‏

وفي كل أيام عمري‏

حتى يحين يوم قضائي. آمين.‏

وعندما سكتت أجراس كنيسة"القديس بطرس"، اتجهت"وارينجا" إلى الفتى وقالت: أشكرك لأنك استمعت لي بصبر كبير. إنني أشعر وكأن أحمال قلبي قد خفَّت مثلما كان يحدث لقلبي بعد الاعتراف للكاهن الكاثوليكي.‏

ربما أكون كاهناً لم يرسَّم بعد... ولكنني أنتمي لجماعة تداعت لتأدية الخدمة بسبب فقر أهل كينيا. لقد كانت قصتك، وأقصد قصة"كاريندي"، و"وايجوكو" و"كامونجوجي" طعنة في صميم قلبي، وكأنها رمح مرق فيه. هناك كاريندات لا حصر لهن ولا عد في كينيا، كما تقولين. ولكنني لا أتفق معك في أن أطفالنا لن يعرفوا الضحك أبداً. علينا أن لا نيأس أبداً. فاليأس هو الذنب الذي لا يمكن غفرانه. إنه الذنب الذي لن يغفر لنا عنه من قبل الأمة والأجيال القادمة. أين ستذهبين الآن؟ وما هو اتجاه سيرك؟‏

"إيلموروج".‏

إلى "إيلموروج"؟ هل هي مسقط رأسك؟‏

نعم، "إيلموروج" هي مسقط رأسي. لماذا؟‏

ليس هناك سبب خاص. كنت أسألك فحسب. ولكن الباصات إلى"إيلموروج" لا تقف هنا. إن موقف"كاكا" هذا من أجل الباصات التي تذهب إلى"كياميو" و"ندو مبيري" و"تينج آنج" و"نجيموا" و"إيكونو" و"كاريا إيني" و"جيثو نجوري". أما الناقلات إلى إيلموروج فتتوقف في موقف الناقلات المسافرة إلى"نياكورو" نفسه هناك في موقف"نيامكيما".‏

أعرف. كان ذلك في الحقيقة مقصدي. ولا أعرف أية ريح دفعتني إلى هذا الطرف من الشارع.‏

وقفت"وارينجا"، مثل شخص ينهض مستيقظاً من حلم مهلك في النهار، ثم علقت حقيبتها اليدوية على أحد كتفيها وقالت للفتى، لا بأس، انتبه لنفسك، كانت سعيدة ولكنها خجلة قليلاً.‏

انتبهي لنفسك وأرجو أن لا يصيبك الدوار مرة ثانية.‏

عندما استدارت وارينجا لكي تشق طريقها نحو"نياماكيما"، ناداها الفتى قائلاً: انتظري لحظة....‏

توقفت""كاريندي" ونظرت إلى الوراء وهي تتساءل: هل يمكن أن يكون"كامونجوني" آخر ويظن أنه ظفر بـ"كاريندي" ذات الفخذين الرخوين؟‏

فتح الرجل الحقيبة التي كان يحملها. فتش داخلها، ثم أخرج بطاقة وأعطاها"لوارينجا" وهو يشرح لها: لقد قلت لك: إن قصتك أو حكايتك الرمزية عن"كاريندي" و"وايجوكو" و"كامونجوني" طعنتت فؤادي. إذا كنت ترغبين معرفة المزيد عن الظروف التي تولدِّ"كاريندات" و"وايجوكوات" حديثة فاذهبي إلى المهرجان المسجل على البطاقة عندما تصلين إلى"إيلموروج".‏

ابتعد الرجل عنها وهو يمشي بخطوات مديدة. سارت"وارينجا" في شارع"ريس كوريس" عبر ملحقات محطة"إسو" النفطية، وعبر شارع النهر قدماً إلى"نيا ماكيا". لم تنظر خلفها سوى مرة واحدة. لم أسأل عن اسمه أبداً، راحت تفكر. ربما يكون الاسم على البطاقة التي أعطاها لي. ولكن الرجال كافة، بكل مشاربهم، ليسوا سوى مصاصي دماء ظرفاء. يطلب مني الذهاب إلى مهرجان. وأنا لا أميل إلى الذهاب لأي حفل. لا أريد مزيداً من العلاقات، ولو كانت مع"وايجوكو"، العجوز ذو الصدر المكسو بالشعر أو مع"كامونجوني"، من العشاق الشباب.‏

لم يكن هناك أية عربة في"نياماكيما" على خط السفر إلى"إيلموروج" أو"ناكورو".‏

اتكأت وارينجا على جدار حانوت لبيع البصل والبطاطا بالقرب من ملهى"نياماكيما": وبعد هنيهة ضبطت وارينجا نفسها تتلمس بأصابعها البطاقة التي أعطيت لها. فقد تذكرت أنها لم تقرأها بعد. توقفت ثم أخرجتها من جيبها وفحصتها فحصاً دقيقاً وكان هذا ما قرأته:‏

مهرجان الشيطان‏

تعالوا وشاهدوا بأنفسكم‏

منافسة يرعاها ويكفلها الشيطان‏

من أجل اختيار سبعة خبراء في السرقة واللصوصية‏

مقدار كبير من الجوائز‏

جربوا حظكم‏

منافسة لاختيار أمهر سبعة لصوص في"إيلموروج"‏

عدد وافر من الجوائز‏

عصابة ملائكة الجحيم بين الحضور‏

التوقيع - الشيطان‏

ملك جهنم‏

برعاية عرين اللصوص والسارقين‏

مرتفعات إيلموروج الذهبية.‏

شعرت وارينجا وكأنها طعنت بحد سكين في بطنها. أمعنت النظر فيما حولها، منقلة عينيها من طرف لآخر، أمامها ومن خلفها، لكي تتأكد فيما إذا كان جسدها حقاً في"نياماكيما" أو أنها كانت تحلم مرة أخرى. أخذت الأسئلة تداهم مسامع ذهنها مثل جماعة النحل في حالة التنقل والحركة. ومثلما تترك نحلة واحدة في المؤخرة أحياناً، فإن سؤالاً واحداً بقي ساكناً في ذهن"وارينجا". من هو ذلك الشاب الذي أمسك بيدها؟ وهل يعني ذلك أن حقيبة يدها ردت إليها من قبل لص سارق؟ أخذت ترتجف. تلمست البطاقة مرة أخرى كما استندت على جدار حانوت البصل والبطاطا لكي تحول دون سقوطها إلى الأرض.‏

غير أن قلبها كان يدق بسرعة. مهرجان شيطان في"إيلموروج"! ومنافسة بين اللصوص والسارقين في"إيلموروج"! هل غداً هو يوم الأحد؟ من ذا الذي يعتقد أن مثل هذه المعجزات يمكن أن تقع؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244