شيطان على الصليب Devil On The Cross - ترجمة: عبد العزيز عروس - الكاتب الأفريقي: نجوجي واثيونغوNgugi Wa Thiongo

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:16 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصـل الثالـث

(1)‏

كان موقف"نياماكيما"، مثل مواقف العربات والباصات الكثيرة الأخرى في نيروبي، مكتظاً بالبشر وبالسيارات- بشر قادمون أو ذاهبون من وإلى وادي"جروجان"، حيث يحكى أن المرء لا يخفق هناك في الحصول على قطع تبديل لأية آلية أو لكل أنواع الآليات؛ وبشر قادمون أو ذاهبون من وإلى شارع النهر، الشارع الذي يحكى أن العمال والفلاحين، لا سيما من قدم منهم من المناطق الريفية، يتسوقون منه أيام السبت والأحد. وبعض هؤلاء مجرد ناس يشترون البطاطا والبصل وخضروات"سوكوما ويكي"، بينما يرغب آخرون بزيارة الملاهي والمطاعم للحصول على قارورة من الجعة وملء بطونهم قبل الرجوع إلى بيوتهم في المراكز: كاريوكور، ايستلي، بومواني، شورومويو، باهاتي، مكاندارا، أوفافاجريشو، كاريوبانغ، وداندورا. غير أن الأكثرية مسافرون ينتظرون العربة التي ستسافر إلى نايفاشا، جيلجين، أو لكالون، نياهورورو، ناكورو، روايني، وإيلموروج. أما نياماكيما، عندما يغص المكان بالبشر والسيارات، فإنها تحدث جلبة تعادل سبعة أسواق معاً.‏

لم يكن هناك في ذلك الأحد آليات كثيرة مسافرة إلى"روائيني" و"إيلموروج"، كانت"وارينجا" تتطلع بترقب كلما سمعت قرقعة وهدير ناقلة من الناقلات. ولكنها حين تسمع النداء يوجه إلى المسافرين إلى"ناكورو" أو"نياهورورو" فقط؛ كان قلبها يهبط. وعندما أزفت الساعة السادسة، بدأت وارينجا ترثي لحالها وتصلي بصمت: أيتها العذراء، مريم، يا أم الله، أشفقي علي. فأنا لا أرغب بقضاء ليلة أخرى في نيروبي. ساعديني لكي أجد حافلة، وإن كانت عربة يجرها حمار، أي شيء ينقلني بعيداً عن نيروبي ويأخذني إلى مسقط رأسي في"إيلموروج". المجد للأب والإبن والروح القدس، وكما كان الحال في البدء، سيكون الآن وسيظل أبد الدهر، آمين.‏

لم تكد تنهي صلاتها حتى وصلت ناقلة مسافرة إلى إيلموروج. لكنها عندما نظرت إليها أصيبت بالذعر: هل تم تجميع هذا الناقلة من أكوام الأنقاض في وادي"جورجان"؟ كانت الناقلة قديمة بالتأكيد، غير أن صاحبها حاول جاهداً إخفاء عمرها عن طريق طلاء جانبيها بعدد كبير من الإعلانات التي تجذب العين والعقل: إذا كنت تريد ثرثرة أو شائعات فاركب ناقلة"مواؤرا" من طراز"ماتاتو ماتاتا ماتامو"، دروبك هي دروبي. السرعة الزائدة تفلق حبة البطاطا. إزحف ولكن ابلغ بيتك بأمان.‏

وقبل أن تنتهي من قراءة كافة الإعلانات، شاهدت"وارينجا" السائق يقفز إلى الخارج ويشرع في الإطراء على ناقلته، وهو يجذب الانتباه لها بكلمات وأغان يقصد منها تحويل أعين الناس عن حالتها الصحية العاجزة.‏

ادخل واستقل ناقلة"ماتاتو" من طراز"فوردت" وسوف تجد نفسك في"ليمورو"، ساتلايت، نيفاشا، روائيني، وإيلموروج قبل أن ترمش رمشتين من عينيك. سمعت الفتيان مرة يغنون:‏

لو كان ملكوت الله قريباً‏

سوف آخذكن أيتها العاهرات إلى الإجتماع.‏

الشيء الذي منحكن إياه الرب بالمجان‏

تبعنه الآن بعشرين شليناً.‏

أيها الشباب، اسمحوا لي أن أحكي لكم سراً: صار ملكوت الله قريباً بواسطة ناقلة"مواؤرا" من طراز"ماتاتو ماتاتا ماتامو فوردت". وحتى السفر إلى مملكة الشيطان لا يشكل شيئاً لناقلة"مواؤرا". ادخلوها، ادخلوها. إن"إيلموروج" هنا، وليست أبعد من بعد العين عن الأنف.‏

لدى سماع كلمة شيطان، تعرضت وارينجا مرة ثانية لشعور غريب مخيف. تذكرت دعوتها إلى مهرجان الشيطان والمنافسة التي ستجري بصدد السرقة واللصوصية، فسألت نفسها من جديد: أي نوع من المهرجانات هذا المهرجان؟ ممَّ تتألف المنافسة؟ كان شخصاً طيباً جداً معي- فكيف يمكن له أن يكون شريكاً في عصابة من السارقين واللصوص؟ لماذا لم يسرق حقيبة يدي؟ ولكنها وهي تصغي للكلمات الصادرة عن لسان"مواؤرا"، نسيت العبء الثقيل الذي تحمله في قلبها.‏

أما الآن فكان عشرات من الناس قد خرجوا من الملاهي والخمارات وهم يقفون عند الحاجز الحجري لكي يشاهدوا صاحب الناقلة بأنفسهم، ويحضونه على المواصلة قائلين: نعم، نعم، قل لنا كل شيء.‏

(2)‏

بدا وكأن ناقلة"ماتاتو ماتاتا ماتامو" من طراز"فوردت" المسجلة تحت رقم 333. م. م. م لصاحبها"مواؤرا" هي أول سيارة آلية صنعت في الكرة الأرضية. كان المحرك يئن ويزعق مثل عدة مئات من الفؤوس وهي تضرب وتدك في آن واحد. أما جسم السيارة فكان يهتز مثل قصبة تلعب بها الريح. كما كانت الآلية برمتها تتهادى على الطريق مثلما تتهادى بطة فوق جبل.‏

في الصباح، وقبل تشغيلها، كانت الناقلة تمنح المشاهدين متعة رائعة.‏

كان المحرك يهدر ثم يسعل وكأن قطعة من المعدن علقت بحنجرته، ثم يحدث صريفاً وكأنه مصاب بمرض الربو. وفي مثل هذه الأوقات، كان مواؤرا يفتح غطاء المحرك بصورة درامية، ويتنقل من مكان لآخر، يلمس هذا السلك أو ذاك، ثم يغلق الغطاء بمثل تلك الدرامية قبل أن يعود إلى عجلة القيادة. ثم نراه يضغط برفق على المسرع بقدمه اليمنى، فيبدأ المحرك بالأنين وكأن تدليكاً جرى على بطنه.‏

غير أنه كان للناقلة ضابط اتصال عمومي يتمثل بشخص"مواؤرا". كان الناس يسألونه: يا مواؤرا، هل ترجع هذه السيارة إلى أيام النبي نوح؟ كان مواؤرا يضحك ويهز رأسه، ويستند على السيارة، ثم يحاول بعث النشوة في المشاهدين بالبرهان على أن السيارة من النوعية الممتازة.‏

إنني أقول لكم بصدق وأمانة: ليس ثمة سيارة حديثة يمكن أن تجاري بناء سيارة الفورد. لا تقتصروا على تبيان الفارق الصارخ في هيكل السيارة. ليس الجمال غذاءً. إن المعدن الذي تصنع منه السيارات الحديثة- من طراز بيجو وتويوتا وكانترز بل حتى سيارات فولفو ومرسيدس يتفتت إرباً إرباً بسهولة نقع الورق بمياه الأمطار. ولكن ذلك لا ينطبق على سيارات الفورد، أوه لا! إن معدنها من النوع الذي يحكى بأنه قادر على إحداث ثقوب في السيارات الأخرى. إنني أفضل الاحتفاظ بهذا الطراز القديم. إن الحجر الذي يشتد قسوة بمرور الأيام لا يبلى بمياه المطر. وقد يسبب العقد المستعار فقدان العقد الحقيقي الخاص. النماذج الحديثة ترد من اليابان وفرنسا وألمانيا وأمريكا. إنها تخب بنشاط مدة شهرين من الزمان ثم تتفسخ وتترك طراز"فوردت" في منتصف الطريق تماماً.‏

ومع ذلك كانت غاية مواؤرا هي جمع المال بالسرعة الممكنة في سبيل شراء عربة أكبر يمكنها أن تقل عدداً أكبر من المسافرين، بحيث تصب مبالغ أكبر من المال النقدي بسرعة في جيوبه.‏

كان"مواؤرا" واحداً من الذين يتعبدون في مقام إله المال. اعتاد أن يردد بأنه لا يوجد مكان لا يود زيارته، ولا نهر لا يجتازه، ولا جبل لا يتسلقه، ولا جريمة لا يقترفها في إطاعة مخلصة لرب المال المتوهج.‏

غير أنه بدا وكأن صلواته لا تلفت الانتباه أو لا تلاقي ترحاباً، لأن مواؤرا لم يملك في حياته أية آلية سوى تلك الناقلة التي تركها له أحد الأوروبيين ممن يطلق عليهم اسم"نيانجويكو". ونادراً ما كان مواؤرا يدفن نفسه في الحزن والأسى ويتساءل: هل كنت على الطريق طيلة هذا الوقت، وثمار النجاح تتدلى فوق ناظري هنا، وحين لا يكون علي سوى مدُّ ذراعي لالتقاطها، إذ بي أراها تتراجع إلى مسافة بعيدة بحيث لا أستطيع الوصول إليها وإن وقفت على أصابع قدمي؟‏

يحب"مواؤرا" أن يقول للناس: إن هذه النقود التي جلبها الأوروبيون إلى هنا شر بكاملها، حين نفكر أن النقود هي التي كانت سبباً في صلب"ابن مريم"، رغم أنه كان أول مولود لرب اليهود، فما الذي يمكن قوله بعد؟ أما بالنسبة لي، فأنا أود أن أبيع أمي نفسها عندما أعتقد أنها ستدر علي ثمناً باهظاً! تعوَّد الناس أن يفكروا أن هذا إنما هو تباه لا جدوى منه من رجل أعمال خلي الفؤاد، ثمة شخص واحد فقط كان يعرف أن"مواؤرا" لا يمزح حين يكون الشأن شأناً مادياً، ولكنه لم يرجع مطلقاً ليروي الحكاية. لقد تشاجر مع مواؤرا على خمسة شلينات. رفض الرجل أن يدفع، لا بل إنه وبخ"مواؤرا" بسخرية قائلاً: إنك دائماً تبتز المال مثل خنفساء في الروث الذي يمتص ماء المطر وسوف لا تكسب الثروة على الإطلاق. أما"مواؤرا" فقال له: لقد رفضت أن تدفع خمسة شلينات، رغم أنك تعرف تمام المعرفة أننا اتفقنا على أنك تستأجر السيارة مقابل خمسة وسبعين شليناً، لمجرد أنني نقلت مسافرين آخرين. هل كنت تستأجر مقعداً واحداً أم السيارة بكاملها؟ أتحداك أن تهرب بنقودي. إن"مواؤرا" الذي تراه لم يُشحذ من طرف واحد كالمنجل.‏

لقد وُجد الرجل في صباح أحد الأيام مشنوقاً في بيته. هذا وقد ترك إلى جانب الجثة قطعة ورق حملت الكلمات التالية المكتوبة بخط غير واضح-إياك أن تلعب بأملاك الآخرين. نحن أرواح الشيطان- رجال أعمال خصوصيون.‏

غير أن العمل الذي كان يعرف به"مواؤرا" هو قيادة السيادة من طراز فوردت تحت رقم 333 م. م. م.‏

(3)‏

ثمة قول مأثور مفاده أنه عندما يتعب عصفور طائر، لابد أن يحط على أية شجرة، وعندما لم تشاهد"وارينجا" أية سيارة أخرى مسافرة إلى"إيلموروج"، فإنها دخلت سيارة"مواؤرا". هذا ولما شاهد مواؤرا وارينجا تدخل سيارته، أضاف أشياء زخرفية أخرى لأغانيه وكلماته:‏

أيتها الصبية العذراء، إذا كان عليَّ أن أرجو وألتمس،‏

لا تقولي إنك ستحملين،‏

لأنني كما أعرف فرملة دراجة نارية،‏

هل تتصورين أنني لا أستطيع أن أستخدم الفرامل لك؟‏

توقف عن الكلام، جاش صدره بتنهيدة. ألقى نظرة فاحصة على الناس الذين أحاطوا به الآن. تبسم وهو يضع يديه على وركيه. ثم هز رأسه وقال: إن فرامل المتسكع فرامل مزيفة. ليس هناك فرامل تضاهي فرامل سيارة"ماتاتو ماتاتا ماتامو من طراز فوردت". خرج الناس عن طورهم من الضحك وراحوا يصفرون بصوت مرتفع. تابع مواؤرا إطراءه التماساً للركوب إلى ليمورا، نافاشا، روائيني، وإيلموروج. دعونا نذهب الآن. ولا تنسوا، إن دروبكم هي دروبي.‏

لقد سافر مواؤرا في ذلك السبت جيئة وذهاباً على طريق لمورو- نيروبي دون أن يوفق بما يكفي من الركاب لتسديد ثمن البترول المستهلك. وعندما قرر في وقت متأخر من تلك الظهيرة الذهاب إلى"نياماكيما" ليستطلع إمكانية نقل عدد قليل من المسافرين لكي يدفع ثمن البترول إلى"إيلموروج". لهذا السبب كان الآن يصيح بشدة وبأعلى صوته قائلاً:.... لا تنسوا: هذه بلادكم وهذه سيادتكم. إنسوا كل ما يتعلق بسيارات البيجو التي تقفز وتنط على طول الطريق فتسبب لنسائنا الإجهاض ازحفوا ولكن ابلغوا مرادكم.‏

صعد راكب آخر إلى السيارة. كان يرتدي وزرة خارجية زرقاء اللون مهترئة عند الركبتين والمرفقين. وكان حذاؤه مغطى بغبار الرماد. جلس قبالة"وارينجا". صعد"مواؤرا أيضاً وجلس في كرسي القيادة ودور المحرك قليلاً. ثم غادر السيارة بعد أن ترك المحرك يدور. خرج من السيارة مرة ثانية. شعر وكأن كل شيء سينتهي إلى الصفر. ليس هناك سوى راكبين فقط.‏

راح يتساءل بانفعال: هل سأنتهي حقاً إلى الاحتضار وأنا أثغو ثغاء الغنم؟ ألن تأزف ساعة أكون فيها قادراً على شراء سيارة جديدة مثل الآخرين؟ أما اليوم فأصحاب عربات اليد وعربات الحمير، وشباب الأحذية اللامعة، ممن يشوون الذرة ويبيعون الأرانب والفاكهة وجلود الغنم للسائحين على أرصفة الطرق يحصلون على دراهم أكثر مما أحصل أنا. ماذا سيحل بي في خاتمة المطاف أنا "روبن مواؤرا"؟ إن من الأفضل أن أتوقف عن سفرات الليل هذه. سوف أستأجر غرفة في نيروبي وأذهب إلى ايلموروج صباح غد.‏

ولكنه عندما تذكر الخسارة التي لحقت به فيما يخص ثمن البترول، شعر وكأن سكيناًحادة تشق أحشاءه. كان"مواؤرا" واحداً من أولئك الرجال الذين لا يستطيعون مطلقاً ترك قطعة نقد لامعة تقف في طريقهم- حتى وإن كانت قطعة من خمسة سنتات فقط. إنه يفضل أن يسقط في حفرة وهو يسعى للوصول إليها. ثم قال يحدث نفسه: أنا، هل أضحي باجرة هذين الإثنين؟ لا، ربما قبل الوصول إلى"ليمورو"، سأعثر على ركاب متروكين على الطريق في الليل، أو آخرين ممن ينتظرون بصورة طبيعية الباصات في محطة"موتاراكوا"، وأستطيع جعلهم يركبون سيارتي بالكلمات العذبة المعسولة. وفضلاً عن ذلك، أود في حقيقة الأمر أن أقضي الليل في"إيلموروج" لكي أكون في الغد بين أول المسافرين. إن من يفتش بدقة وعناية لا يخفق في العثور على شيء.‏

انتعش أمله بالثروة في الحال، وأخذ قلبه يدق بشدة، فصاح بحيوية كبيرة: إنكم على وشك أن تتخلفوا. إنكم على وشك أن تفوتكم سيارة"الماتاتو" وأنا خادم لكم. وجهوا أمركم لي بنقلكم إلى ملكوت الله أو مملكة الشياطين! لينتشر السلام! من الأفضل لنا أن ننطلق بعيداً، عليكم أن تصلوا إلى"إيلموروج" لكي لا يتوجب عليكم فيما بعد الاعتماد على الشائعات وتقولات الآخرين. ينبغي أن تكونوا في إيلموروج كي تشاهدوا بأم أعينكم وتسمعوا بآذانكم... فالثراء قد يكون مختبئاً على الطرف الآخر من الأجمة! اسمحوا لهذه السيارة أن تدور بكم حول تلك الأجمة التي تقف الآن بينكم وبين الثروة الطيبة! لقد حانت الساعة... وعلينا أن ننطلق إلى ايلموروج فالحظ الطيب قد ينقلب حظاً عاثراً، والسعد لا يقوم بزيارة مبكرة مرتين على الإطلاق.‏

هل تراه سينطلق أم سيبقينا هنا طيلة الليل مع حكاياته؟ سأل الرجل الذي يرتدي الوزرة الزرقاء.‏

إن سيارة"الماتاتو" مرتع للقيل والقال، والإشاعات والحديث التافه أجابت"وارينجا". صعد"مواؤرا" إلى داخل العربة، دور المحرك وصاح ثم بدأ ينطلق.‏

وفجأة اندفع الجمهور في كل ناحية يصفر صفيراً مرتفعاً ومنخفضاً، إنذاراً للسائق بالتوقف. أوقف مواؤرا السيارة بالفرامل.‏

صعد إلى داخل السيارة شاب يحمل حقيبة ملابس وكان يلهث فانضم إلى"وارينجا" والرجل صاحب الوزرة الزرقاء. وسأل هذا الشاب: هل السيارة ذاهبة إلى ايلموروج؟‏

أجل، أجل، إلى"إيلموروج". قال ذلك"مواؤرا" بمزاج طيب منشرح.‏

آه، كادت تفوتني! قال الشاب صاحب الحقيبة، ولكن أحداً لم يهتم بقوله، فقد مرت فترة صمت وسكوت.‏

هل كنت مع مسافر آخر؟ سأله مواؤرا.‏

لا، أجابه الشاب صاحب الحقيبة.‏

وضح الشاب الحقيبة بين ركبتيه. نظرت إليه وارينجا نظرة سريعة وقصيرة ورأت أن الحقيبة كانت تحمل اسمه وعنوانه أيضاً السيد"جاتويريا"، قسم الدراسات الإفريقية، جامعة نيروبي.‏

في الجامعة! أحست"وارينجا" إحساساً كريهاً مفسداً في بطنها.‏

انطلق"مواؤرا" بركابه الثلاثة، وارينجا، وجاتويريا وصاحب الوزرة الزرقاء. اجتاز موقفي باصات"ماكاكو" والسكة الحديدية دون أن يعثر على أي راكب آخر يحمله بسيارته. ثم ساق سيارته عبر شارع"هيل سيلاسي" ثم انعطف إلى شارع"نجونج". لم يراوده أي أمل في العثور على أي راكب آخر.‏

فتح الشاب الذي يدعى"جاتويريا" حقيبته وأخرج منها ثلاثة كتب هي: "حياة أعظم المؤلفين" للكاتب"هارولد شومبرغ" ثم كتاب"مقدمة لموسيقى كامبا" للكاتب"كافيو" والكتاب الأخير هو"الأدوات الموسيقية للكاتب"جراهام هيسكوب"، وألقى نظرة على كل من هذه الكتب ثم بدأ يقرأ كتاب حياة أعظم المؤلفين.‏

إن الشيء المقسوم لك يظل دائماً ملكك. عندما وصل مواؤرا إلى منعطف"داجوريتي"، بالقرب من المحل العائد"لوانيني كلان"، أوقفته امرأة ترتدي بدلة كتانية فوق ثيابها والبدلة كانت تغطي سلة ليفية تحملها. وكانت حافية القدمين هل إلى"إيلموروج"؟ سألت المرأة.‏

خذي مكانك في الداخل! قال مواؤرا بفرح. هيا ادخلي، يا أماه، فنحن منطلقون. هل هناك شخص آخر؟.‏

لا، قالت المرأة وهي تدخل السيارة. وما إن دخلت حتى وضعت يدها اليسرى حول ذقنها مثل الكوب. ثم تابع"مواؤرا" قيادة السيارة وهو يصفر.‏

وعند موقف باص"سيجونا"، بالقرب من"نادي الجولف"، حظي مواؤرا براكب آخر، بحيث أصبح مجموع الركاب خمسة. كان هذا المسافر يرتدي بذلة رمادية وربطة عنق عليها عينة من الأوراد الحمراء. وكان يحمل بيده اليمنى حقيبة جلدية سوداء مع بطاقة معدنية لامعة. أما عيناه فكانتا مدرعتين بنظارات سوداء قاتمة.‏

شعر مواؤرا أن قلبه ينتفخ. راح يحدث نفسه معزياً: بعد أن نقطع مسافة أبعد ربما أحظى بخمسة ركاب آخرين، فيصبح العدد عشرة ركاب مما يجعلني أحصل على المزيد من أجل البترول.‏

غير أنه عندما وصل إلى"موتاراكو" في"ليمورو"، أطبق عليه الحزن والأسى. لم يجد نفساً واحدة مسافرة نحو الغرب. تملكه من جديد التردد والشك. هل يترتب علي السفر إلى"إيلموروج" من أجل خمسة ركاب فقط؟ أخذ"مواؤرا" يفكر ويتأمل. ألا ينبغي علي أن أكذب وأقول لهم: إن العربة تعطلت وأنه سيترتب علينا أن ننام في"كامبريثو"، ثم نستأنف الرحلة في الغد؟ ولكن صوتاً آخر قال له: يا"مواؤرا"، لا تلبط النعمة. قد تغير النعمة رأيها وأنت نائم. لا تزدري فكة النقود القليلة.‏

وفي بطن الإنسان ينضم قدر من الطعام إلى قدر آخر فتتشكل وجبة كاملة. كما تتجمع البنسات واحداً بعد واحد وتتشكل شلينات كاملة في جيوب قانص المال والأرزاق.‏

دعس"مواؤرا" على المسرع واتجه نحو"إيلموروج" بركابه الخمسة وهم: وارينجا، جاتويريا، صاحب الوزرة الزرقاء والمرأة ذات الرداء الكتاني والسلة وصاحب النظارات السوداء.‏

(4)‏

كانت المرأة صاحبة الرداء الفضفاض أول المتحدثين. وكانت العربة قد اجتازت"نجو يروبي" وهي تقترب من"كينيني" عندما سمجت حنجرتها المرأة وقالت بصوت عالٍ: أيها السائق.‏

ناديني"روبن مواؤرا"، قال لها السائق مداعباً.‏

أيها الصديق، دعني أحكي لك مشكلتي قبل أن نجتاز مسافة بعيدة.‏

ليس عليك سوى أن تطرقي الباب حتى ينفتح. أجابها"مواؤرا" وهو يظن أن المرأة كانت تريد أن تبدأ ذلك النوع من المحادثة التي تعتبر معتادة في سيارة"الماتاتو". ثم أضاف يقول: إن الحكمة المختبئة في القلب لا يمكنها أن تكسب دعوى قانونية على الإطلاق.‏

ذلك هو المغزى، أيها الصديق. ليس في هذا العالم شيء هام وقيم مثل مساعدة الآخرين. إنني أركب سيارتك ولكنني لا أملك حتى بنساً واحداً أعطيه لك أجرة لركوبي. قالت له المرأة بحزن وأسى.‏

ماذا؟ صاح بها"مواؤرا".‏

لا أستطيع دفع الأجرة.‏

ضغط"مواؤرا" على الكابح فجأة. وفتحت الأبواب من الجهة التي كان يجلس فيها صاحب النظارات السوداء. ولولا رد الفعل المنعكس السريع لصاحب الوزرة الزرقاء لما نجا صاحب النظارات السوداء من الوقوع من السيارة على منحدرات"كينيني"، فقد كان هو الذي شاهد الخطر وقفز إلى الأمام كي يمسك بالرجل الآخر.‏

توقف"مواؤرا" على جانب الطريق.‏

لماذا تحاول قتل هذا الرجل؟ وجَّه صاحب الوزرة الزرقاء هذا السؤال إلى مواؤرا. هل رشاك أعداؤه؟ ولم تتيسر لصاحب النظارات السوداء الفرصة لقول أي شيء- سواء لتوبيخ"مواؤرا" أو لتوجيه الشكر لصاحب الوزرة الزرقاء.‏

الذنب كله ذنب هذه المرأة! أجابه"مواؤرا" بسرعة، ثم اتجه للمرأة قائلاً: لا أريد أية مشاحنات بيني وبينك. هذه السيارة لا تسير على البول.‏

عندما نصل إلى"إيلموروج"، لن أخفق في العثور على إنسان يقرضني أجرة السيارة.‏

ليس ثمة شيء مجاني في كينيا. وكينيا ليست تانزانيا أو الصين.‏

أيها العجوز، لم أعش أبداً على عرق الآخرين... ولكنك لو عرفت فقط ما رأيته وما مر بي في نيروبتكم هذه....‏

قطع عليها"مواؤرا" حديثها قائلاً: لا أرغب سماع أية حكايات عن الغيلان التي تأكل الآدميين. ادفعي الأجرة أو اخرجي من السيارة.‏

هل تعني حقاً تركي هنا في القفر؟‏

أيتها المرأة، إن عليك الخروج من السيارة ومتابعة السفر إلى"إيلموروج" مشياً على الأقدام. وإنني أكرر قولي: هذه السيارة لا تسير على البول.‏

إنني لا أقول سوى الحقيقة عندما أذكر أنني حاربت من أجل استقلال هذه البلاد بيدي هاتين. فهل يُفترض أن أقضي الليل هنا أشارك الوحوش في الغابة المظلمة؟ طرحت المرأة هذا السؤال بقلب مثقل، وكأنها تطرح بذلك مشكلة مألوفة بالنسبة لها، ولكنها أخفقت حتى الآن في العثور على جواب لها.‏

في هذه الأيام لا تكافئ البلاد من حررها ولكنها تكافئ من يأتون بعد تحريرها، قال لها مواؤرا. والاستقلال ليس حكايات عن الماضي ولكنه صوت النقود في جيب الإنسان. لا تمزحي معي اخرجي من السيارة أو دعيني أسمع صوت النقود الظريف لكي نتمكن من مواصلة السفر.‏

حل صاحب الوزرة الزرقاء الخلاف بينهما عندما قال: دعنا نواصل مسيرنا أيها السائق. فالحيوان لا يصرخ ألماً إلا إذا كان مجروحاً. سوف أدفع لك الأجرة عنها.‏

رفع الرجل المدعو"جانويريا" صوته قائلاً: أجل، شغل المحرك ودعنا نسير، سوف أساهم أنا أيضاً بدفع بعض السنتات عنها.‏

وأنا أريد أن أساهم أيضاً. قالت وارينجا بسرعة، وهي تستذكر أنها أيضاً كان يمكن أن تكون بلا نقود لدفع الأجرة لو أن حقيبتها فقدت على طريق النهر.‏

نستطيع تقسيم المبلغ على ثلاثة كي نجعل الحمل أخف. الحمل الكبير لا يصبح عبثاً إلا عندما يرفض الناس المشاركة به. قال صاحب الوزرة الزرقاء.‏

شغَّل مواؤرا السيارة وابتعد بها عن"كينيني".‏

واصلوا سفرهم مسافة قصيرة بجو من الصمت والسكوت. ولكن المرأة كسرت ذلك الصمت بكلمات عرفان الجميل.‏

أنا سعيدة جداً. غير أنني لا أجد شيئاً أستطيع القيام به لكي تعرفوا مشاعري إزاء مساعدتكم. إسمي هو"وانجاري". وأنا من مدينة"إيلموروج"، ومن قرية"نجيروكا". عندما نصل إلى"إيلموروج"، سأحاول بطريقة من الطرق الحصول على النقود لتسديدها لكم. ولكنني بللت صدري بشيء من اللعاب. أدعوا لله أن يجعلكم تحرثون دائماً حقولاً خصيبة.‏

لا تهتمي بما سأدفعه أنا، قال صاحب الوزرة الزرقاء. إذا لم نساعد بعضنا بعضاً، فسنغدوا كالوحوش. ذلك هو ما دفعنا أيام"الماو ماو" للقسم التالي: سوف لا أتناول الطعام بمفردي على الإطلاق.‏

ولا بما سأدفعه أنا أيضاً، بل انسيه ولا تفكري به- آسف، وأعني نصيبي من السنتات. قال"جاتويريا". كان جاتويريا هذا دائماً خجلاً من مزج الكلمات الإنكليزية مع كلمات"جيكويو"، وكان يحاول جاهداً أن لا يفعل ذلك. أما بالنسبة لي، فإنني أوافق على ما يقوله هذا الرجل، أضاف"جاتويريا": ولكن ما هو اسمك، لكي أتوقف عن تسميتك هذا الرجل؟ واسمي أنا هو"جاتويريا".‏

وأنا اسمي"موتوري"، أجابه صاحب الوزرة الزرقاء.. إنني عامل، وأختص بالنجارة، النحت على الحجر والسمكرة. أنا سمكري، نجار ونحات- ولكنني أستطيع أن أفعل أي شيء يتطلب استخدام اليدين. فالعمل هو الحياة.‏

وماذا عنك أيتها الصبية؟ سألت"وانجاري" "وارينجا".‏

أنا أُدعي"وارينجا"، "جاكينتا وارينجا" وأنا من"إيلموروج".‏

من أي حي؟ سألتها"وانجاري".‏

من القرية التي تسمى"نجارينديثيا"، بالقرب من"نجيروكا جيروساليم" الحديثة، أجابت"وانجاري".‏

كما تعرف، ما كنت تقوله.... بدأ"جاتويريا" موجهاً كلماته إلى"موتوري". توقف عن الكلام، تنحنح ثم سأله موتوري: هل تستطيع أن تقول لي من فضلك، وأقصد هل تستطيع... توقف مرة أخرى، وكأنه لم يكن يعرف تماماً ماذا يريد أن يسأل. حاول ثانية. هل تستطيع أن تقول بأن فكرة العروة الوثقى لها جذورها في أهداف ومرامي"الماو ماو"؟‏

قال موتوري وهو يضحك قليلاً- العروة الوثقى؟ ألم تسمع بما يغنيه راقصو"نياكينيوا"؟‏

إن العروة الوثقى التي ترونها الآن‏

إن العروة الوثقى التي ترونها الآن‏

ليست من أجل ناشري الأقاويل أو تجار الشائعات.‏

ولذلك ليس من الصالح بالنسبة لي نشر الأقاويل والشائعات بالنسبة لأي شيء له علاقة بالعروة الوثقى الحديثة. العروة الوثقى الحديثة؟ وهم! سوف أسكت، إذ يحكى أن الناس القادمين من بلاد الصمت نجوا مرة من المرات بوساطة الصمت. أما إذا طلب مني أن أقدم النصح والمشورة، فسوف أطلب من راقصي نياكينيوا إنشاد:‏

عروة النقود‏

عروة النقود‏

هي من أجل الأغنياء وأصدقائهم‏

عندما كنا نقاتل من أجل الاستقلال، فإن العروة الوثقى، أو دعنا نسميها الوحدة المنظمة- اتخذت شكلين.. كان هنالك منظمة حراس الوطن والإمبرياليون، كما كان هنالك منظمة الوطنيين بقيادة الماو ماو. وقد تعودت منظمة الوطنيين أن تنشد هذه الكلمات.‏

وجدت حباً كبيراً هناك‏

بين النساء والأطفال.‏

سقطت حبة فاصولياء على الأرض‏

فاقتسمناها فيما بيننا.‏

أما منظمة حراس الوطن والإمبرياليون فقد اعتادت أن تنشد على هذا الشكل:‏

حب الذات وحب التفريط‏

بين خونة البلاد.‏

إن حبة الفاصولياء التي نسرقها من الناس-‏

نجاهد لنرى من يستطيع خطفها كلها‏

أيها الناس، كانت عروة حراس الوطن والإمبرياليين منظمة من شأنها أن تشجع على البهائمية والوحشية: إذ ترى المرء يرمي بالأطفال والمعوقين في النار وهو مندفع طلباً لنفايات ومتروكات الإمبرياليين. أما عروة"الماو ماو" فكانت منظمة من شأنها نشر الفكر الإنساني، لأن أعضاءها تعودوا أن يقدموا حياتهم دفاعاً عن الأطفال والمعوقين. كانت منظمة حراس الوطن تهدف إلى بيع بلادنا للأجانب: بينما كان هدف"الماو ماو حماية بلادنا. وأنت، أيها الفتى! قلت لك: إني لن أتحدث عن العروة الوثقى الحديثة. فلهذه أصحابها الخصوصيون.‏

توقف"موتوري" بغتة. وضرب ذبابة كانت تزحف عبر ردائه الخارجي. خيم الصمت المطبق على السيارة من جديد. تمكن"مواؤرا" من التغلب على منعطفات منحدرات"كينيني" وهو يسوق السيارة باتجاه قاع"وادي رنعت" أخذ الظلام يشتد الآن، فأشعل"مواؤرا" المصابيح الأمامية.‏

راحت"وانجاري" تطقطق بلسانها، ثم تنحنحت وبدأت تتحدث بصوت مشبع بالمرارة. هل تقول: إذا ما سقطت حبة فاصولياء إلى الأرض، فإننا نقتسمها فيما بيننا؟ وأننا أرقنا الدماء بسبب الحركة العظيمة التي كانت لنا، لشعب كينيا، حركة الماو ماو، حركة الشعب، حتى يصبح بوسع أطفالنا أن يأكلوا إلى حد الشبع، وأن يرتدوا الملابس التي تبعد عنهم غائلة البرد وأن يناموا في أسرة خالية من البق؟ وأن على أطفالنا أن يتعلموا فن إنتاج الغلال والثروة لشعبنا؟ أجبني عن هذا السؤال: من غير الأحمق أو الخائن لا يضحي بدمائه الزكية في سبيل تلك الأهداف الماجدة؟ وأنا، هذه الوانجاري التي ترونها أمامكم، كنت طفلة صغيرة آنئذ. غير أن هاتين الساقين حملتا كثيراً من الذخيرة والبنادق لمقاتلينا في الغابة... ولم يعتريني الخوف بتاتاً، حتى عندما كنت أنسل عبر خطوط العدو وحلفائهم حراس الوطن. يا بني قومي، حين أتذكر هذه الأشياء اليوم، يضعف قلبي وأرغب في البكاء! ماذا قلت يا موتوري؟ هل إن تلك العروة الوثقى من أجل الأغنياء وأصدقائهم؟‏

لقد قلت قولاً حسناً.‏

لقد قلت قولاً حسناً.‏

لو كان معي لبن‏

لغسلتك به‏

لا يهم... لا يهم... ولكن، يا بني قومي، إنني لا أفتأ أسأل نفسي: هذه الأموال، آلاف وآلاف من الشلينات التي توهب يوماً بعد يوم- من أية أعماق بحرية ترد؟ الرجل القادر على منح مئات الآلاف يوماً بعد يوم- كم يدخر له ولأولاده؟ والحديقة ذات الغلال اللامحدودة- أي نوع من الحدائق تكون؟ والنبع الذي لا ينضب ماؤه- أي نوع من الينابيع يكون؟ وأصحاب هذا الرجل؛ الأصحاب الذين لا يظهرون للعيان كيما يشاهدوا- من هم؟ وهؤلاء الأصدقاء الذين لا تنكشف أسماؤهم للملأ- من هم؟ وهؤلاء الذين لا يحبذون إعطاء أي شيء إلا تحت غطاء الظلام- من هم؟ غير أن كل عمل سري غامض سينكشف على رؤوس الأشهاد يوماً، وعلى مرأى كامل الناس. إنني أقول لكم ما يلي: عندما كنا نقاتل من أجل الاستقلال، لم تكن النقود هي التي صنعت القتال: بل هو الحب، حب كينيا، بلادنا، هو ما منح شبابنا الشجاعة لمواجهة احتمال الموت الجماعي برصاص العدو- ولا يتركون تراب وطنهم. عندما كنا نقاتل من أجل الاستقلال، لم نكن ننظر إلى الطريقة التي يرتدي فيها الشخص ثيابه أو نقول: هذا يرتدي الأسمال البالية، فيلقى به في غياهب السجن. واقع الحال، هو أن من يرتدي الأسمال يكون في خط الجبهة الأمامي، ولا يعرف الانسحاب والتراجع، أما صاحب عقدة الرقبة فسوف يهرع لالتقاط قبعة الإمبريالي الذي جندلته رصاصات الخط الأمامي وقوات الاحتياط! وعندما تسمعونني أتحدث على هذه الصورة، يا بني قومي، لا تظنوا أنني كنت أشرب الكحول أو أدخن الحشيش. لا، إنني أتحدث بهذه الطريقة من جراء ما مررت به في بلدنا"نيروبي" التي خلفتها ورائي.‏

العروة الوثقى الحديثة.... لا أعرف إلى أين تقودنا، نحن الشعب الكيني.‏

توقفت"وانجاري". أحس"موتوري" و"وارينجا" و"جاتويري" بالتعاطف بسبب الأسى والمرارة في صوت وانجاري. أما صاحب النظارات السوداء فقد انكمش في زاوية جلوسه. دعس"مواؤرا" على المسرِّع، آملاً أن تزحف بهم السيارة جميعاً بعيداً عن حكاية"وانجاري".‏

قولي لنا: ماذا فعلت لك" نيروبي" حتى أثقلت عليك فؤادك؟ سألها"موتوري".‏

إنني في عجب إذا كان علي أن أصفها مذهلة أو مرعبة إلى درجة تجعل القلب والجسد يرتجفان. ردت"وانجاري" على وجه السرعة.‏

حكت لهم بعد ذلك"وانجاري" عن الأهوال المرة التي تعرضت لها في نيروبي، عاصمة كينيا.‏

تلك النيروبي- حتى الآن لا أعرف أية روح نقلتني من"إيلموروج" إلى نيروبي. هل ثمة زاوية واحدة في الأيام الحاضرة، حتى في الأصقاع البعيدة المترامية من كينيا، يستطيع الفقير الهروب إليها نجاة من الفقر؟ إيلموروج، مومباسا، نيروبي، ناكورو، كيسومو- فالمياه في هذه الأماكن جميعاً صارت مرة لاذعة بالنسبة لنا، نحن الفلاحين والعمال.....‏

قطعة أرضي الصغيرة، بمساحة فدانين، بيعت من قبل"مصرف كينيا للتطوير الاقتصادي" لأنني أخفقت في تسديد قرض أثقل على كاهلي، من أجل تربية أبقار هجينة. كان القرض بمبلغ/5.000/ شلين. اشتريت أعمدة وأسلاك سياج، كما اشتريت بقرة في الشهر السادس من الحمل. استخدمت قسماً من النقود لدفع رسوم تعليم ولدي. ولدت البقرة عجلاً. لم يدر الحليب سوى المبلغ الكافي لتغطية الفوائد الشهرية للمصرف. أصيبت بقرتي بالحمى الصفراء. ولم يصل الطبيب البيطري إلا بعد أن نفقت البقرة ودفنت. ولم أسدد ربع مبلغ الدين..‏

ولذلك عندما بيعت قطعة الأرض، ورأيت أنه لم يبق عندي أرض تحرث وتستثمر، ولا وظيفة في"إيلموروج"، فكرت أن أوجه وجهي نحو عاصمة كينيا بحثاً عن عمل. لماذا؟ لأنه عندما تقترض أموالاً من بلدان أجنبية، فهذه الأموال تصب في بناء"نيروبي" وبقية المدن الكبرى. عندما ينتج الفلاحون الطعام، فإنه يذهب إلى"نيروبي" والمدن الكبيرة الأخرى. أما فيما يتعلق بنا نحن الفلاحين، فإن كافة جهودنا تذهب لتسمين"نيروبي" والمدن الكبرى. لذلك قلت لنفسي وأنا وحيدة في كوخي: لا يمكن أن أفشل في إيجاد عمل في"نيروبي". أستطيع في أسوأ الأحوال أن أنظف المكاتب، أو أغسل أقفية الأطفال. لا يهمني نوع العمل الذي أقوم به، فمن يعطى قطعة من اللحم، لا ينتظر أن يعطى الدهن أيضاً. وربما لن يكون في"نيروبي" أي لصوص أو سارقين مثل أولئك الذين كانوا يزعجون ويقمعون عمال وفلاحي"إيلموروج" في الليل والنهار..‏

وهكذا ربطت بضعة سنتات في ثوبي وانطلقت.‏

حقاً! لم أر في حياتي مثل هذا العدد الكبير من السيارات التي تجري على طريق إسفلتي كالفيضانات في السهول- وأبنية أعلى من"قايين" الأسطوري الذي استطاع أن يلامس الغيوم، كما يقال. إن نيروبي أشبه بحديقة كبيرة من الحجارة، والإسفلت والسيارات. حين رأيت الحوانيت والفنادق والسيارات قلت لنفسي: لقد تطورت كينيانا تطوراً مذهلاً بالحق. ومن المؤكد أنني سأجد عملاً هنا. وهكذا دخلت أول حانوت مررت به.‏

كانت ألوان الألبسة تشع وتأتلق بكافة ألوان قوس قزح. وجدت هندياً يدير الحانوت فسألته عما إذا كان بمقدوري أن أعمل لديه، في كناسة الحانوت. أخبرني أنه لا يريد أحداً للقيام بهذا العمل في حانوته، ثم رجوته أن يسمح لي بتنظيف أوساخ أولاده، فقال، إنه لا يستطيع أن يعطيني ذلك العمل أيضاً. خرجت إلى الشوارع مرة ثانية، أبحث عن العمارات العالية والعالية جداً وحدها. وعندها دخلت أحد الفنادق. كان فندقاً كبيراً، بحجم قمة جبل كينيا. وهناك، على الطاولات لم يكن يجلس غير الأوروبيين. دخلت مكتباً من المكاتب ووجدت به أوروبياً. قال لي: إنه لا توجد أعمال. قلت له: لا فرق عندي أن يكون العمل مسح أحذية البيض، وإن كانوا يربون في تعدادهم عن الجراد. ضحك وقال لي: إن ذلك غير ممكن. وماذا عن غسل مراحيض البيض؟ حتى هنا، كان الجواب سلبياً، وبقيت بلا عمل أشغله.‏

همت بعد ذلك على وجهي من حانوت لآخر، بحثاً عن حانوت يُشغِّل السود. إن عائلة المرء وزمرة- دمه أمران لا يمكن التبرؤ منهما على الإطلاق. ونحن السود، ألسنا جميعاً من فصيلة واحدة وعشيرة واحدة؟ دخلت حانوتاً يبدو كمخزن للحاجات المنزلية وأدوات الحديقة. كانت المجارف والمناجل والمعزقات والأباريق والصحون والمقالي مكومة على الرفوف وكان هناك رجل أسود في الحانوت، طفق قلبي يخفق بالأمل.. حكيت له عن كافة مشاكلي وسألته: هل تصدقها؟ أصابه الانهيار من شدة الضحك! أخبرني أن العمل الوحيد الذي يستطيع تقديمه لي هو نشر ساقيي، وأن النساء ذوات الأجسام الكاملة النمو على خبرة في ذلك العمل. أحسست بعدها بدمعة تسقط على الأرض.‏

طفت الشوارع غير عارفة بما أعمل أو أين أتجه. ثم رأيت فندقاً آخر فدخلته مباشرة. سألت عن المكتب، ووجدت رجلاً أسود اللون، طلبت منه العمل. قال لي: أنت أيتها المرأة، ألم تكوني هنا قبل هنيهة؟ ألم يخبرك الرجل صاحب الفندق بأنه لا توجد أعمال لأمثالكم. هنا أصبت بالصدمة والخوف الكبير. لقد مشيت على شكل دائرة أعادتني إلى الفندق الأول الذي بدأت به سابقاً. هذا وكنت على وشك الرحيل عندما ناداني الرجل مرة أخرى. طلب مني الجلوس على كرسي بينما اتصل هو هاتفياً بمكان كان يعرف أنه لا يخلو أبداً من أعمال لأمثالنا من الناس. دق قلبي فرحاً. لقد جاء الاستقلال بحق إلى بلادنا، انتظرت حظي السعيد بصبر يشبه صبر صائد السمك.‏

أوه، يا بني قومي، ماذا بوسعي أن أقول لكم؟ قبل أن أعطس مرتين، رأيت رجال شرطة يدخلون المكتب. سلمني الرجل الأسود لرجال الشرطة، الذين كانوا سوداً مثلي، وأخبرهم بأنني كنت أراقب الفندق. وعندما استدعي مالك الفندق الأوروبي قال الشيء نفسه وأضاف: إنني قضيت النهار بأكمله أدور حول الفندق بطريقة تدل دون أدنى ريب على نيتي المبيتة بالسرقة. ربت الأوروبي على كتف الرجل الأسود وقال له بصوت يبدو وكأنه يخرج من منخريه: هذا عمل طيب، يا سيد"موجويت"، عمل طيب، أو شيء من هذا القبيل. كان مفتش الشرطة لا يفتأ يقول، أجل، أجل، لعمري إن النساء من شاكلة هذه المرأة هن اللواتي يوظفن من قبل اللصوص والسارقين للتجسس على الحوانيت والفنادق والمصارف.‏

دفعت بعد ذلك إلى داخل سيارة من سيارات الشرطة ونقلت إلى زنزانة. ولكن هل كانت زنزانة أم ملجأً للناموس والقمل والبراغيث والبق؟ نمت في تلك الزنزانة ثلاث ليال متواليات. أنا، وانجاري، التي لم تسرق في عمرها حبة بطاطا واحدة من أي شخص آخر! وانجاري التي وهبت عمرها من أجل بلادها! أنا، وانجاري التي ترونها الآن أمامكن والتي ترتدي حلة من الكتان وتحمل سلة، قضيت ثلاث ليال أختنق برائحة نتن البراز والبول.‏

نقلت بعدئذ إلى محكمة في صباح هذا اليوم بالذات، بتهمة قصد السرقة والطواف حول نيروبي، رغم أنني لست مقيمة في المدينة، دون عمل ودون منزل ودون إذن بذلك. إنهم يسمونه التشرد، أو شيئاً من هذا القبيل. ولكن، يا بني قومي، فكروا: أنا، "وانجاري" الكينية المولد- كيف يمكن أن أكون متشردة في بلدي؟ كيف أتهم بالتشرد في بلدي الخاص؟ لقد أنكرت التهمتين كلتيهما: والبحث عن عمل لا يعد جريمة.‏

كان القاضي أوروبياً، ذا بشرة حمراء مثل لون الخنزير، وكانت جلدة أنفه مسلوخة، مثل جسم السحلية. وكان يلبس نظارات ذات ذراع طويلة.‏

قام صاحب الفندق الأوروبي بدور الشاهد، كما كان السيد"موجويت"، الذي هو واحد من عبدان الأجانب، شاهداً آخر.‏

قال لي القاضي: هل عندك ما تقولينه للمحكمة قبل إصدار قرار الحكم؟ وحتى في هذه اللحظة، لا أستطيع أن أقول أين وجدت الشجاعة التي تملكتني على حين غرة(هل كانت شجاعة أم ألماً؟) فقلت للقاضي: انظر إلي نظرة سليمة. لست أجنبية مثلك. ولست متشردة هنا في كينيا، ولن أكون في يوم من الأيام أجنبية أو متشردة في كينيا هنا. كينيا هي بلدنا. لقد ولدنا هنا. اللّه وهبنا هذه الأرض، وقد افتديناها بدمائنا من أيدي أعدائنا. إنك ترانا اليوم نرتدي الأسمال، ولكننا نحن العمال والفلاحين هم الشعب نفسه الذي كان هنا وهناك حول"كيماثي". والآن، انظر إلي بتمعن مرة ثانية. لست سارقة ولست لصة. إذا أردت معرفة من هم اللصوص والسارقون الحقيقيون، فاتبعني وسوف أريك مخابئهم وكهوفهم في"إيلموروج". أعطني نفراً قليلاً من رجال الشرطة وسوف نلقي القبض الآن فوراً على اللصوص والسارقين، الذين كانوا مصدر إزعاج لنا. لا أعرف شيئاً عن نيروبي والأماكن الأخرى، ولكن اللصوص والسارقين في"إيلموروج"، بلدنا إيلموروج، لا يزعجون أنفسهم حتى في الاختباء.‏

جلست أرضاً.‏

خلع القاضي نظاراته ومسحها بمنديل أحمر اللون. ثم أعادها إلى أنفه المسلوخ، عاينني مرة ثانية. ورحت أقول في قلبي: أجل، انظر إلي بإمعان إذا لم يسبق لك سماع لسان"وانجاري"، الفلاحة ولو أنني كنت لا أزال أعيش ذلك الزمن الآخر، لكنت أنت تنظر إلى سبطانة بندقية، أيها الشيطان، طلب مني أن أكرر ما قلته عن لصوص وسارقي"إيلموروج". فقلت له: حقاً! لماذا أكذب عليك؟ من سيكون أكثر سعادة، أنت أم أنا إذ نسمع أن أولئك اللصوص والسارقين يصرون بأسنانهم في المعتقل؟ أعطني نفراً قليلاً من رجال الشرطة وسوف أريهم أين يسرح اللصوص ويمرحون.‏

وقال القاضي: بما أنني عرضت التعاون مع الشرطة لاجتثاث السرقة واللصوصية من البلاد، فلن تعتقلني المحكمة. سوف يترتب علي دفع غرامة فقط لأنني كنت أسرح حول"نيروبي" دون إذن بذلك وبهذا فإنني أخالف قوانين التشرد.‏

هل تفهمون ذلك؟ إنني أطلب منكم تقليب الموضوع في أذهانكم. هل صحيح أنني أحتاج إلى تصريح من أجل الدخول إلى نيروبي، تماماً كما كان يجري أيام الطوارئ عندما كان مستعبدونا الأوروبيون معتادين على جعلنا نحمل جوازات السفر؟‏

طلب القاضي من رئيس الشرطة اتخاذ التدابير اللازمة لاعتقال كافة اللصوص والسارقين في"إيلموروج". لقد كان تعاوني الجاهز هو الذي أنقذني من دخول السجن ستة أشهر.‏

نقلت من قاعة المحكمة إلى مركز الشرطة أولاً. وكما تلاحظون، بدؤوا يسترضونني بألسنة كأنها الشهد، كما أخذوا يتملقونني. قالوا لي: لو كان كافة المواطنين مثلي يتعاونون مع الشرطة، مثل شتلة البطاطا وشجرتها الداعمة، فإن الدولة بكاملها ستتحرر من السرقة واللصوصية والارتكابات المشابهة ومن يفعل ذلك فسيكون قادراً على التمتع برزقه في سلام وطمأنينة وينام نوماً عميقاً دون أي شيء يعكر ذلك.‏

اتفقنا على أن أعود إلى"إيلموروج"، على نفقتي الخاصة لكي أعرف تماماً متى وأين يجتمع اللصوص والسارقون بصورة طبيعية. وبعدما أجمع تلك المعلومات، سأمضي وأبلغ مركز الشرطة في إيلموروج. إن شرطة نيروبي، من جانبها، سوف تطلع رئيس شرطة"إيلموروج" وهو المدير"جاكونو" عما يجري ويعطونه اسمي بحيث يتم العمل بتقريري في الحال.‏

هكذا تركنا بعضنا. غير أنهم لم يعطوني نصف سنت كأجرة للسفر. وأنا أقول لكم: إن كافة نقودي البالغة/200/ شلين تركت في المحكمة. وتركت أنا لكي أمشي على قدمي إلى"إيلموروج". أما الآن، فلولا أن دفعكم الله بريحه في طريقي، أين يمكن أن أنام هذه الليلة؟ وماذا سآكل؟‏

اليوم، هذا اليوم بالذات، وكما نجلس معاً أنتم وأنا، إذا ما وقع شخص ما من السماوات العلا وطلب مني أن أغني مدائح عروة المال، فسأعطيه كلمتين أو ثلاث كلمات لن ينساها أبد الدهر.....‏

توقفت وانجاري بغتة عن الكلام، وكأن أفكارها لا تزال تتلبث أقبية الشرطة وقاعات المحاكم، والقضاة ورجال الشرطة.‏

أما"وارينجا" فقد تظاهرت، كأنها تفتح حقيبة يدها لإخراج البطاقة التي أعطيت لها في موقف باص"كاكا". هل كانت وانجاري تعرف شيئاً عن مهرجانات الشيطان تكريماً للسرقة واللصوصية في"إيلموروج"؟ السؤال جعل"وارينجا تتوقف. نظرت إلى وانجاري وسألتها بصوت مرتعش قليلاً: قولي لي هل تقولين بصدق إن هنالك أو كاراً وكهوفاً للسارقين واللصوص في إيلموروج؟‏

ماذا؟ وأنت تدعين أنك من"نجيروكا" في "إيلموروج"! من أي حي أنت؟‏

أجابت وانجاري سائلة.‏

إنه... إنني حقاً لا أعرف... أجابت"وارينجا" مترددة.‏

الآن تعرفين الحقيقة. قالت"وانجاري" لوارينجا" ثم لزمت الصمت.‏

(5)‏

لزم المسافرون الآخرون الصمت أيضاً، وكأنهم لا يملكون ما يضيفونه على حكاية وانجاري أو على سؤال"وارينجا". ولكنهم بعد أن قطعوا مسافة قصيرة في صمت، بدأ موتوري حديثاً.‏

هذه البلاد، بلادنا نحن، بلاد حبلى. ولا يعرف إلا الله ماذا ستلد... فتصوروا! إنه مكتوب على أبنائنا نحن العمال أن يتعرضوا لأشعة الشمس، عطاشاً، جياعاً، حفاة عراة يمعنون النظر بالفاكهة التي نضجت على أغصان الأشجار وهم عاجزون عن قطفها حتى لتهدئة بطونهم المطالبة بها. مكتوب عليهم رؤية الطعام يغلي ويتبخر في الآنية، ولكنهم عاجزون عن تغميس طاسة القرع لاغتراف نزر يسير منه! مكتوب عليهم السهر في الليل وهم يحكون لبعضهم بعضاً حكايات عن الأسى والدموع، ويسألون بعضهم بعضاً الألغاز نفسها يوماً بعد يوم: أوه، كم نتمنى الحصول على قطعة من تلك الأشياء!‏

من الموز الناضج! أجابت وانجاري، وكأن"موتوري" سألها لغزاً حقيقياً.‏

أوه، ليتنا نحصل على قطعة من ذلك! قال"موتوري".‏

ماء بارد عذب في كهف يملكه شخص آخر، أجابت"وانجاري"، إجابة ثانية.‏

- يا "وانجاري" حكايتك تبين أن هذه البلاد، بلادنا، كان يجب أن تلد ذرية منذ عهد طويل. كان موتوري يجتر ما قاله من ذي قبل. إن ما تحتاجه الآن هو القابلة، أضاف يقول: أما السؤال فهو: من هو المسؤول عن الحمل؟‏

إنه الشيطان يؤدي رسالته. قال ذلك" روبن مواؤرا" وهو يتدخل في المناقشة دون سابق إنذار.‏

كان مواؤرا محرجاً قليلاً من الحقد والبغضاء اللتين أظهرهما في"كينيني". فمنذ اللحظة التي اتفق فيها"موتوري" و"وارينجا" و"جاتويريا" على دفع أجرة سفر"وانجاري" كان"مواؤرا" يحاول أن يجد مفتاحاً يغير به وجهة الحديث، وأن يبتعد بالموضوع عن"وانجاري" ومشاكلها. أخذ الآن يغني:‏

سوف أقرع قرعة على الشيطان‏

سوف أقرع قرعة على الشيطان‏

سأقول له، دعني وشأني‏

فأنا لا أنتمي لعالم الشياطين.‏

أحست"وارينجا" بكل جسدها يسخن بعد أن استرجعت كافة الأشياء التي حصلت ذلك النهار. سألت نفسها: لماذا يبدو أن أحداث النهار تكرر نفسها؟ أم أن هذا كله مجرد حديث؟‏

نظر"جاتويريا" نظرة خاطفة إلى السائق وكأنه يريد من"مواؤرا" متابعة الأغنية. لقد أزعجت حكاية"وانجاري" "جاتويريا" إزعاجاً كبيراً. جعلته يسأل نفسه مرات ومرات: هل من الممكن حقاً حدوث مثل هذه الأشياء في كينيا الجديدة؟ ثم وقد تذكر وجود قوانين تشرد في كينيا، فإنه صدق حكاية وانجاري. ولكن ما جعله يأمل في مواصلة"مواؤرا" للأغنية كان له صلة بالعبء الذي يحمله في داخله، وبعبء آخر يحمله في حقيبة سفره.‏

تراجع صاحب النظارات السوداء مسافة أبعد منكمشاً في زاوية جلوسه، وكأنه كان يشعر بأنه سيهاجم من قبل الآخرين، فقد كان يظن أنهم معاً.‏

توقف"مواؤرا" فجأة عن الغناء، تاركاً الأغنية معلقة في الجو.‏

سأله موتوري: ماذا! هل قطعت الخيط؟‏

لا، إنني أرمي الخيط لك، أجاب"مواؤرا".‏

قال"موتوري": كنا أنفسنا معتادين على إنشاد الأغنية بهذه الطريقة، أو لعل علي أن أقول: لقد اعتدنا أن ننشد اللحن نفسه بهذه الكلمات:‏

سوف أقرع أقرع البيض‏

سوف أقرع أقرع البيض‏

سأقول لهم: اذهبوا إلى وطنكم الآن.‏

لأن كينيا لا تخص الإمبرياليين!‏

وبينما كان"موتوري" على وشك إنشاد الأشعار التالية، انضمت إليه"وانجاري". راح الاثنان يغنيان الآن بصوتين امتزجا وتناغما بشكل جميل، مثل مزيج من زيوت العطر من نوع واحد.‏

كينيا لا تخصكم، أيها الإمبرياليون!‏

كينيا لا تخصكم، أيها الإمبرياليون!‏

احزموا حقائبكم وارحلوا!‏

فمالك البيت في الطريق إليه!‏

أنهى"موتوري" و"وانجاري" ثنائيتهما معاً، مثل خبراء محترفين في الغناء.‏

قال مواؤرا: بالنسبة لي، لم يكن هناك أغنية لم أرغب إنشادها آنئذ.‏

وحتى الآن، ليس هناك أغنية لا أرغب إنشادها. أنا أقول: هذا العالم دائري، إذا ما مال بذلك الاتجاه، ملت بذلك الاتجاه معه. إن يتعثر، أتعثر معه. إن ينحنِ أنحنِ معه. إن يستقم، أستقم معه,, إن يهدر، أهدر معه. وإذا كان صمتاً، أكون صامتاً أيضاً، أول قانون للضبع يعلن: لا تكن مدققاً في الاختيار، بل ازدرد ما يتوفر. إن أجد نفسي بين أفراد من طائفة"أكورينو"، أصبح واحداً منهم، وعندما أكون بين الناجين، فإنني ناجٍ أيضاً، وعندما أكون مع المسلمين، أعتنق الإسلام، وعندما أكون بين المشركين، أصبح مشركاً أيضاً.‏

قال"جيكويو": إن ما من أحد يستطيع أن يطهو قدرين من الطعام في آن واحد دون أن يحرق محتويات واحد منهما، هكذا ذكر عنه"موتوري". غير أنك، يا"مواؤرا"، تبدو قادراً على طهو ألفي قدر في وقت واحد! فهل أنت بالفعل قادر على مراقبة الطعام في القدور جميعاً، أم أنك تنتهي ببقايا طعام مفحمة؟‏

الفم الذي أكل نفسه! قال"مواؤرا" وضحك. أحس قلبه بالخفة والمرح منذ أن ابتعد الحديث عن"وانجاري" ومشاكلها. يبدو وكأننا نحن سائقي"الماتاتو" وراء صياغة القول المأثور. نحن معروفون بأصواتنا المرتفعة وألسنتنا اللقلاقة. لماذا؟ ذلك لأن صائد السمك لا يعرف بالضبط في أي مكان من النهر يظفر بصيده. إنه يرمي خيطه هنا وهناك. أما بالنسبة لنا، سائقي"الماتاتو"، فإن ألسنتنا هي سناراتنا‏

- لاصطياد النقود؟ قاطعه موتوري.‏

أجل، لاصطياد النقود، وافق مواؤرا على ذلك في الحال. "والناس. أو دعنا نقل: إن ألسنتنا هي طعم للناس وأموالهم.. ذلك لأن المال يأتي عن طريق الناس. ولذلك فإنك إذا ما أعرت اهتماماً كبيراً لما نقوله، قد تضل وتضيع في ضوء النهار البارق. خذ مثلاً على ذلك هذه المرأة هنا. لعلها فكرت مثلاً أنني كنت أقصد فعلاً تركها لكي تنهشها وحوش الغابة. لا، إنني فكرت أن أدخل الرعب إلى قلبها قليلاً فقط. إن علينا في أغلب الأحيان أن نتخذ موقف الغضب لأن هناك مسافرين يحبون غشنا وخداعنا. أنا أحمل بصورة طبيعية حقيبتين، حقيبة للعسل وحقيبة للسموم المرة.‏

للحياة والموت؟ سأل"موتوري" للتأكد، مع نفحة من التهكم في صوته.‏

لقد أصبت عين الحقيقة، أجاب مواؤرا ببساطة، وكأنه لم يلاحظ نفحة التهكم. ما الذي تظن أنه يسمح لنا بالبقاء على قيد الحياة فوق هذه الطرق؟‏

إنني أعترف بأن ما قلته يمكن أن يكون صحيحاً، قال"موتوري"، ثم أضاف عن قصد وهدف: لأننا عندما كنا في"نياماكيما"، كنت تنشد بصوت عال بأنه ليس هناك مكان ترفض أن تقل مسافراً إليه في سعي دائب وراء المال، سواء لفردوس الله أو لجهنم الشيطان، فعلى أي جانب أنت؟‏

جانب الله أم جانب الشيطان؟‏

ذلك هو السؤال، أجاب موتوري.‏

أحسب أني في بيتي على الجانبين كليهما. ألم تذكر قبل هنيهة أنني شخص يطهو قدرين في آن معاً. لقد كُنت مصيباً تماماً في ذلك. ولكنني لا أحب أن أحرق الطعام في أي من القدرين. دعنا نرجع الآن لمسألة الله والشيطان. لم يقع بصري على أي منهما أبداً، ولكن دعنا نقر ونتفق بأنهما كليهماموجودان، وإن كلاً منهما يملك قواه الخاصة. من الصحيح تماماً أنهما كليهما كانا يبحثان عن فئات المؤيدين على الأرض، أصوات الاقتراع المعلقة في قلوب الرجال. ألا ترى إذاً، أن كلاً منهما قادر على تحسين أو تخريب حظوظكم على هذه الأرض؟ ومثلما تجد مرشحين يتنافس بعضهم مع بعض التماساً للأصوات خلال الانتخابات، فهكذا نحن رجال الأعمال، نجري مباراة بين الله والشيطان في مجابهة أحدهما بالآخر، نحن لا نحب إغضاب أي منهما. إننا نصلي لهما كليهما.‏

إنك تتحدث مثل مسافر ضيع دربه. ألم تسمع بما قيل من أن ما من إنسان يمكن أن يخدم سيدين محترمين؟ وحتى المقترع فإنه يعطي صوته لسياسي واحد في النهاية.‏

إن لرجل الأعمال أسياداً عدة. وعليه أن يؤدي الطاعة لهم جميعاً. إن ينادني هذا، أهرع إليه، وإن ينادني ذلك، أهرع إليه أيضاً.‏

خلد كلاهما إلى الصمت. كان مواؤرا يسوق سيارته بحذر لأنه كان متوتراً عصبياً بسبب المنحنيات والمنعطفات على ذاك الطريق. فقد كانت ناقلات النفط والقاطرات المقطورة والشاحنات المحملة بالفحم والبطاطا والخضار تمشي على الطريق بكثافة كبيرة.‏

اجتازوا الطريق المؤدي إلى"بعثة كيجابي الإرسالية"، والكنيسة التي أنشأها السجناء الإيطاليون خلال الحرب العالمية الثانية، وكانوا الآن يهبطون إلى أسفل"وادي الريفت".‏

ضغط"موتوري" على"مواؤرا" بتوجيه سؤال آخر: ألا تؤمن بأي شيء؟ أليس ثمة شيء يعتبره قلبك رديئاً أو جيداً؟‏

كان مواؤرا هادئاً في البداية، وكأنه لم يسمع السؤال بوضوح. ألست أحمل شخصية رجل دين متعصب، شخصية يسوع كمثل على المخلِّص؟ راح يسأل نفسه.‏

انتظر المسافرون الآخرون بصمت إجابة مواؤرا لأنهم من جهتهم كانوا يقلِّبون سؤال"موتوري" في أفئدتهم.‏

كان مواؤرا مدركاً شوق الآخرين لسماع جوابه، سحج حنجرته. إنك تسألني عن معتقداتي، هل ذلك صحيح؟ إن شؤون القلب يصعب سبرها. وقلوب الرجال لا ينفتح بعضها لبعض مثل حفر الخلد. إن شؤون القلب غابة كثيفة، لا يستطيع أي شخص سبر أعماقها. في البداية، اسأل نفسك هذا السؤال: ما هو القلب؟ وأين يسكن ويستقر؟ وهل القلب عضو مصنوع من اللحم، أم هو مجرد همسة؟ مرة عندما كنت طفلاً صغيراً حكت لي جدتي حكاية عن أسد مريض شفي، على أثر التهام قلب حمار، من مرضه وعلته. كنت حزيناً جداً وسألت جدتي: ماذا سيفعل ذلك الحمار عندما يعود يسوع المسيح ويحيي الموتى؟ فقالت لي جدتي: لا تزعجني بالثرثرة، فحمارك لن يبعث من جديد.‏

قد يرجع المرء إلى بيت سبق أن هجره. أول أمس عدت للسؤال نفسه الذي طرحته وأنا طفل عندما قرأت في إحدى الصحف، "تايفاليو"، أنه يمكن في أيامنا الحاضرة نزع القلب من شخص من الأشخاص وزرعه في شخص آخر. يصبح السؤال، هل ذلك الشخص هو الشخص نفسه الذي كان من قبل، أم تراه الآن شخصاً جديداً لأن له قلباً جديداً؟ وحين يحين يوم البعث والنشور، ماذا سيفعل الاثنان عندما يدَّعي الجسدان كلاهما ملكية القلب نفسه؟ فكروا بالقلب الذي تقاسمه الجسدان. افترضوا أن القلب مستقيم، ومطيع، ونظيف. ماذا سيمنع الجسدان من التدافع في طلبه وامتلاكه؟‏

الشكوك والوساوس تغمرني. عندما يتم نقل القلب من جسد إلى جسد آخر، فهل تراه يهاجر بكل استقامة وكمال الجسد الأول أو بكل شروره وأذاه أم تراه ينتحل فساد الجسد الجديد وقبحه؟‏

دعونا الآن نتصور أرضاً مسكونة بالرعايا الأغنياء والفقراء، قد ينغمس الغني بكل صنوف الشر لكنه حين يوشك على الفناء، فإنه يذهب إلى المستشفى ليشتري قلب رجل فقير مستقيم. وهكذا يذهب الغني إلى الفردوس بسبب استقامة وتقوى الرجل الفقير، كما يذهب الفقير إلى جهنم بسبب شرور الغني وآثامه أو لأنه الآن بلا روح! ها! ها! ها!‏

اقتضب"مواؤرا" مونولوجه بالضحك. راح يضحك ويضحك مثل شخص على وشك أن يقول شيئاً هزلياً مضحكاً ولكنه وهو يحاول قوله، يصاب بحمى فكاهته. ثم تابع مواؤرا وهو لا يزال يضحك: أحب أن أبدأ بتجارة القلوب، أن أفتح سوقاً للقلوب البشرية، حانوتاً للقلوب الآدمية، سوقاً مركزية للقلوب الآدمية، بيع دائم... وإنني لأتساءل عن مقدار ما يدره قلب مثل قلبي من نقود؟‏

بهذا، أصيب"مواؤرا" بالانهيار من شدة الضحك.‏

ولكن أي مسافر آخر لم يشاركه الضحك.‏

بمرور هذا الوقت كانوا قد اجتازوا"نير نجير" و"ناروك". كانت محطة الأقمار الصناعية على يسارهم، كما كانت روابي"كيجابي" على يمينهم. أما قمة"لونغ نوت" فكانت أمامهم. وكان الظلام قد لف المنطقة بأكملها. غير أن الأنوار الصادرة عن سيارة"مواؤرا" من طراز فورد.ت. ومن السيارات الأخرى الذاهبة في الاتجاه نفسه أو عكس الاتجاه كانت تضيء ممراً، فاصلة بذلك الظلام إلى نصفين. كان بعض السائقين لا يطفئون أنوارهم، وعندما كانت عينا"مواؤرا" تعميان بهذه الأنوار، كان يقسم بأمه ويستخدم عبارات طويلة لا يجوز ذكرها في شتيمة هؤلاء السائقين. قال مرة: إن إجازات سوق هؤلاء السائقين الذين يحصلون عليها بالشراء إنما تخلق الأخطار على الطريق! ألا تعتقدون في أيامنا هذه أن طفلاً غراً قادر على دس إجازة سوق في جيبه مقابل خمسماية شيلين؟ مع أنه لم ير في حياته مقود سيارة!‏

صار الماء حامضاً! قال له"موتوري".‏

كما صارت قلوب الرجال فارغة! أضافت"وانجاري". ثم أخذ"موتوري" و"وانجاري" يغنيان معاً:‏

تفاقمت المجاعة في بلادنا‏

غير أنها منحت أسماء أخرى‏

حتى لا يكتشف الناس‏

أين أخفي الطعام كله.‏

سيدتان بورجوازيتان‏

التهمتا لحم أبناء الفقراء‏

لم تستطيعا رؤية آدمية الأطفال‏

لأن قلبيهما فارغان.‏

بيوت كثيرة، وفدادين من الأرض،‏

وأكوام من المال المسروق‏

وهذه لا تجلب السلام إلى الشخص‏

لأنها اختلست من الفقراء..‏

ابتعد الآن بنظرك عن الأغنياء‏

وانظر إلى الفقراء والأطفال.‏

إنهم جميعاً يترنحون على الطرقات العامة‏

لأن قلوبهم فارغة.‏

علق"موتوري" قائلاً: الأغنياء يترنحون من فرط ما يأكلون.‏

وأضافت وانجاري: والفقراء لأنهم يتضورون.‏

ثم أنشدا معاً: .... لأن قلوبهم فارغة....‏

ومن جديد سأل"مواؤرا" نفسه: أي نوع من العصبية الدينية أثُقلت كاهلي؟ هل يمكن أن يكونوا جميعاً أعضاء في طائفة"المياه العميقة"؟‏

هل عدت إلى مشكلة القلب البشري؟ سأل"مواؤرا" بلهجة نمت عن ضيقه من كل من"موتوري" و"وانجاري". قلوب، قلوب، قلوب! ما هو القلب؟ هل هو نسمة، هبة ريح، أم صوت؟ لا، ما القلب إلا غيمة عابرة تتحول بوساطة أحلام الإنسان الذي سحقه الفقر المدقع إلى سلم ذهبي يصل إلى فردوس الله أو سلم من جمر شيد لإرشاد أعدائه الهبوط إلى جهنم. أين أجد السوق التي أبيع بها قلبي إلى رجل مجنون أحمق مقابل أي مبلغ من المال يدفعه؟‏

أجاب"موتوري" بسرعة: القلب البشري؟ هل هو نسمة، أم هبة ريح، أم غيمة عابرة؟ هل هو سلم حلم في ذهن شخص فارقه النوم بسبب الفقر المدقع؟ لا! القلب البشري لحم وليس لحماً. إنه يصنع الإنسان ويُصنع من قبل الإنسان. القلب يحمله الجسد وهو بدوره يصبح الجسد. في الإنسان عضو يسمى القلب. وذلك العضو نوع من المحركات التي تضخ الدم في الأوعية والشرايين التي تحمل الغذاء لكافة خلايا الجسم وتزيل الشوائب في كل أنحاء الجسم. إن على هذه الأعضاء أن تعمل سوية لكي تجعل الكائن البشري يرى ويلمس ويسمع ويتذوق ويتحدث ويحرك يديه ويمشي ويبدأ يبني حياته.‏

إن ما يبنيه الإنسان بنفسه هو القلب الآخر. وذلك القلب الآخر هو الإنسانية التي نصوغها بيدنا، يساعدهما على ذلك عينانا وأذنانا وأنوفنا وأفواهنا. القلب الآخر هو من إنتاج أعمالنا وأفعالنا، التي يهديها دربها عقلنا- تلك الأعمال والأفعال التي من شأنها تحديد الطبيعة لجعل الأشياء تلبي حاجاتنا مثل ملجأ يحمينا من المطر، وألبسة تحمينا من البرد والشمس، وغذاء يجعل الجسم ينمو ويكبر بالإضافة إلى حاجات كثيرة أخرى.‏

تلك الإنسانية هي الأخرى حصيلة عمل أيد عديدة معاً، ذلك لأن، كما قال"جيكويو" مرة، الإصبع الواحدة لا تستطيع أن تقتل القملة، كما أن حزمة حطب واحدة لا تستطيع أن تبقي النار مضطرمة آناء الليل كله؛ وأن رجلاً واحداً، مهما بلغت قوته، لا يستطيع أن يبني جسراً عبر أحد الأنهار؛ في حين أن أيدي كثيرة تستطيع أن ترفع حملاً، مهما كان ثقيلاً. إن وحدة عرقنا هي التي تستطيع جعلنا قادرين على تغيير قوانين الطبيعة، وقادرين على تسخيرها لحاجات حياتنا، بدلاً من أن تبقى حياتنا خاضعة لقوانين الطبيعة. وذلك هو ما جعل"جيكويو" يقول أيضاً: تغيروا، لأن البذور في اليقطينة ليست كلها من نوع واحد.‏

تلك الإنسانية، ثمرة عمل أيدينا وعقولنا وهي تناضل سوية لإخضاع الطبيعة، إنما هي ما يميز الكائن البشري عن الحيوان، وما يميز الشجرة وكافة الكائنات في مملكة الطبيعة.‏

أجبني عن هذا: هل ثمة مخلوق آخر قادر على احتباس واستعباد الريح، أو الماء، أو البرق والبخار؟ وقادر على ربط أرجلهم وسواعدهم بالسلاسل والإقفال عليهم، جاعلاً إياهم مساجين راضخين ومطيعين لحاجاته؟ لا، الطبيعة البشرية والطبيعة الحيوانية مختلفتان تماماً. الحيوانات تطأطئ الرأس أمام الطبيعة، يسمحون لها بتوجيههم ذات اليمين وذات اليسار، مثلما يضبط الصبية الصغار النقانق بصورة عرضية في النار. غير أن الكائن البشري يتصارع مع الطبيعة ويكافح لكي يخضعها لإمرته ومشيئته.‏

انظر إلى ثمار العمل المشترك لأيد كثيرة وعديدة: من طرق وسكك حديدية وقطارات وسيارات وأنواع عدة من العجلات التي تتيح للإنسان أن يجري أسرع من الأرنب البري أو أسرع من أسرع حيوانات الغابة؛ وطائرات تمنح الإنسان أجنحة أقوى وأسرع من أجنحة أي طائر في السماء، وقذائف أسرع من الصوت والبرق؛ وسفناً ثقيلة تطفو، بأعجوبة، فوق البحار العميقة دون أن تغوص كما غاص بطرس في بحر الجليل؛ وأجهزة هاتف ومذياع وتلفزيون، وهي مبتكرات من شانها أن تأسر صوت الكائن البشري ومعدنه، بحيث أن صورته وصوته يبقيان على قيد الحياة بعد أن يموت ويدفن ويفنى. أية معجزة يمكن أن تكون أكبر من ذلك؟ انظر إلى المدن التي شيدناها بأيدينا: مومباسا، نيروبي، ناكورو، ايلدوريت، كيتالي، كيسومو، روائيني وإيلموروج. انظر إلى القهوة والشاي وقصب السكر، والقطن، والأرز والفاصولياء والذرة التي أنتجناها من حفنة من البذور. أنظر إلى النار التي حبسناها داخل الأسلاك النحاسية التي تمتد من أنهار روئيرو، وآثي، وساجان، بحيث نستطيع الحصول على شموس وأقمار ونجوم في مدننا وفي منازلنا بعد أن خلدت شمس الطبيعة وقمرها ونجومها إلى النوم. لو أن ثمار ذلك التعاون لم تغتصب من قبل عشيرة الطفيليين، فأين تعتقد أننا سنكون نحن طائفة المنتجين اليوم؟ هل كنا لا نزال نعرف معنى البرد والجوع والعطش والعري؟‏

تلك الإنسانية هي قلب الإنسان لأن قلب الإنسان مرتبط ارتباطاً أزلياً مع نمو طبيعته كإنسان. فهل تستطيع أن تقول لنا ثمن القلب الآن، أيها التاجر الرخيص والأحمق؟‏

كان"موتوري" يلهث قليلاً من جراء حماسة نقاشه والأفكار الدائرة في رأسه. كان في أغلب الأحيان يقلب هذه الأفكار في ذهنه، ولكنه لم يسبق أن رتب تغليفها بالكلمات. كان مندهشاً مع نفسه، لأنه لم يستطع التعرف على مصدر هذه الأفكار الفلسفية.‏

لجأ"مواؤرا" إلى راكبه. قال مخاطباً"موتوري": وفقاً لرؤياك، ليس هناك قلوب طيبة أو قلوب سيئة. إنها جميعاً جزء من إنسانيتنا. إذ تذكر، كنا نتحدث عن الخير والشر. الآن، رؤيتك ورؤيتي متطابقتان. ليس في هذا العالم خير وشر وليس في هذا العالم قلوب طيبة وقلوب شريرة. القلب هو القلب. إن الحديث عن الجنة والنار لا يتعدى كونه جمعاً للحكايات التي من شأنها أن ترعب الأطفال. عم نتناقش ونتجادل؟ دع السلام ينتشر! وليكن هنالك أموال!‏

الجنة والنار؟ حشر"موتوري" نفسه في الحديث من جديد. كلاهما موجود، وهناك اختلاف بينهما، مثلما هناك اختلاف بين الخير والشر، وبين القلب الطيب والقلب السيء. اسمع. إن حيواتنا أرض معركة يجري الاقتتال عليها في حرب دائمة بين القوى التي تأخذ على نفسها تأكيد إنسانيتنا والقوى العازمة على تعريتها، بين القوى التي تكافح لبناء سور حماية حولها والقوى التي تريد جرها إلى الأسفل، بين القوى التي تسعى لصياغتها وتشكيلها، والقوى التي من شأنها تحطيمها، بين القوى التي تهدف لفتح عيوننا وجعلنا نبصر النور ونتطلع إلى الغد، متسائلين عن مستقبل أطفالنا، والقوى التي تريد أن تهدهدنا لإغماض عيوننا، وهي تشجعنا لكي لا نهتم اليوم بغير بطوننا، دون أي تفكير بمستقبل بلادنا.‏

إنها حرب بلا مشاهدين. ذلك لأن كل إنسان جزء من القوى التي يتم تجنيدها من أجل الخلق والبناء، وجعل إنسانيتنا تنمو وتترعرع لتغذية طبيعتنا الإنسانية وخلق فردوسنا الخاص بنا، وبذلك تضطلع بطبيعة الله- وهذه هي قوى طائفة المنتجين؛ أو أن يكون الإنسان جزءاً من قوى التدمير، والتفكيك، وإنهاك البنائين والمبدعين وقمعهم، تلك القوى التي تسعى لكبت إنسانيتنا، وتحويلنا إلى وحوش كاسرة لكي يتسنى لنا خلق جهنمنا الخاصة، وبذلك نضطلع بطبيعة الشيطان- وتلك هي قوى طائفة الطفيليين. هذا وكل قوة من القوتين تبني القلب الذي يعكس طبيعة طائفته. ولذلك يوجد قلبان، القلب الذي بنته طائفة الطفيليين وهو قلب الشر؛ والقلب الذي بنته طائفة المنتجين وهو القلب الطيب.‏

إن أفعالنا هي التي تبين على أي الطرفين نحن وبذلك تبين أي نوع من القلبين نحن نبني. ذلك لأن أيدينا، وأعضاءنا، وأجسادنا، وطاقتنا تشبه سيفاً حاداً. وهذا السيف، في يد المنتج، يستطيع أن يحرث ويجعل الغذاء ينمو، ويستطيع أن يدافع عن الحراث، بحيث أن بركات وثمار عرقهم لا تغتصب منهم! والسيف نفسه، في أيدي الطفيليين، يمكن أن يستخدم لتخريب المحاصيل أو حرمان المنتجين من ثمار صناعتهم.‏

في يدي المنتج يملك سيف النار القدرة على فعل الخير، أما في يدي المتطفل فإن لسيف النار القدرة على فعل الشر. إن أفعال سيف النار تصور الطبيعة الخيرة والشريرة سواء بسواء. والشيء نفسه صحيح بالنسبة لعمل أجسادنا.‏

قال"جيكويو" مرة: لم يكن النمر يعرف كيف ينبش بأظافره، بل تعلم ذلك. هذا صحيح، ولكن النمر كان يملك دائماً المخالب والقدرة على الحفر. فهل تراه يحفر لقتل أطفاله؟ أم تراه يحفر لقتل أعدائه؟‏

ثمة أمر واحد مؤكد. ما تم فعله لا يمكن إلغاؤه. إن أفعالنا هي اللبنات التي نستخدمها لكي نشيد قلباً رديئاً أو قلباً طيباً.‏

إن القلب يصبح بدوره المرآة التي نستطيع من خلالها أن ننظر إلى أنفسنا وعملنا على هذه الأرض. وإذا كنت لا تريد مرآة تعكس الخير والشر معاً، فليس لك محل هنا على الأرض. عليك أن تكون سريعاً في ذلك: ادفع بقلبك إلى السوق، فتبقى لإنسان. في تلك الأيام التي تعرفونها جميعاً، اعتدنا أن نغني أغنية خاصة. والأغنية تجري على النحو التالي:‏

حتى وإن تتنهد وتنتحب‏

بسبب ذنوبك‏

إلى أن تدخل في خدمة وطنية لمساعدة الوطن‏

لن تجد السلام أبداً مطلقاً.‏

عندما ضللت ولم تستطع رؤية الطريق‏

للحياة.‏

كان الدليل معتاداً على الإشارة للطريق الوحيدة.‏

وحدة الشعب المنظمة.‏

أيها السائق! ثمة طريقان: طريق يقود الناس إلى الموت وطريق يقود الناس إلى الحياة. أرني طريق الموت، أرك طريق الحياة. أرني طريق الحياة، أرك طريق الموت. ذلك لأن الطريقين يلتقيان في أفعال كل إنسان، وهو يبني القلب الذي يريده... يا"مواؤرا"، لقد أخبرتنا قبل هنيهة عن أول قانون من قوانين الضبع، هل ذلك صحيح؟ إنني أسألك: الضبع الذي حاول السير على طريقين في آن واحد- إلى أين انتهى؟ يا"مواؤرا":‏

اختر طريقاً واحداً وتشبث به. بهذا أنهى موتوري كلامه.‏

لقد اخترت طريقي منذ عهد بعيد، أجابه"مواؤرا".‏

أي طريق هو؟ سأله"موتوري".‏

الطريق إلى الموت، أجاب مواؤرا، وهو يضحك قليلاً، وكأنه يمزح. أين تظن أنك تتجه الآن؟ سأل مواؤرا ساخراً. وخيم على السيارة صمت مطبق.‏

(6)‏

سمعت"وارينجا" طنيناً في رأسها، وكأن ناموسة حبست في داخله. كان قلبها يدق مثل قلب شخص قضى النهار كله يدور ويدور حول سياج"ميتجو وابانيا" في"حديقة المدينة" في نيروبي، وهو يبحث عن طريق للهرب والنجاة. لم تتابع المناقشة بين"مواؤرا" و"موتوري" بوضوح، سواء من أين بدأت أو إلام أفضت، ذلك لأنها في وسط الاستماع والإنصات كانت تجد نفسها فجاءة تعود إلى مشاكلها الخاصة: "جون كيموانا"، "بوس كيهارا"، والعمل الذي فقدته، وطردها من منزلها، وانتحارها الذي حاولته، والشاب الذي أمسك بيدها، والدعوة إلى مهرجان الشيطان، والمنافسة بين السرقة واللصوصية- وكل هذا الحديث الآن عن الموت والحياة والروح. فتساءلت: متى سأصل إلى البيت حتى أستطيع أن أريح ذهني وجسدي؟ هل ستنتهي مشاكلي؟ متى بدأت؟ أين؟ ومع من؟‏

تذكرت وارينجا العجوز الثري من"نجوريكا"، "ناكورو"، قبل عهد بعيد، فأحست بأن جسدها كله يمتلئ مرارة.‏

قطع"جاتويريا" أتون سيل أفكار"وارينجا". وقال بصوت عال: أرجوكم، انتظروا لحظة!. نظر إليه"موتوري" و"وانجاري" و"وارينجا" والرجل صاحب النظارات السوداء. أدار"مواؤرا" رأسه قليلاً، ثم نظر ثانية إلى مقود السيارة والطريق.‏

أخفض"جاتويريا" صوته وقال: أرجوكم، اسمحوا لي بسؤال.‏

تردد جاتويريا مثل شخص يتحرق للوصول إلى جوهر مسألة هامة ولكنه غير واثق من أين يبدأ.‏

هيا، وجه سؤالك. قال"مواؤرا" مشجعاً. لا أحد يعتقل بسبب توجيه الأسئلة. آه، ولكن في كينيا هذه الأيام؟ غمغم موتوري بالتساؤل.‏

لا تقلق، راح"مواؤرا" يشجع جاتويريا. عندما تكون في سيارة"مواؤرا" طراز فورد .ت، فأنت في لب الديموقراطية.‏

أوه، نعم، إنك مصيب في ذلك، قالت"وانجاري" مؤيدة. إن السيارات هي المكان الوحيد المتبقي حيث يستطيع الناس مناقشة الأشياء بحرية. في السيارة تستطيع أن تطلق العنان لأفكارك دون أن تلقي نظرة أولية من فوق كتفك لرؤية من يستمع إليك.‏

حين تكون في سيارتي، فأنت داخل سجن أو قبر. ليس ثمة ما لا تستطيع أن تحكيه.‏

إن جدلكم، آسف، إن نقاشكم... عفواً... ثم توقف"جاتويريا" عن الكلام ثانية.‏

كان"جاتويريا" يتكلم لغة"جيكويو" مثل كثير من المثقفين في كينيا- أولئك الذين يتأتئون كالأطفال الصغار حين يتحدثون بلغتهم الوطنية ولكنهم يتحدثون بطلاقة في اللغات الأجنبية. كان الاختلاف الوحيد هو أن"جاتويريا" في أقل الدرجات على معرفة بأن استعباد اللغة هو استعباد للفكر والذهن وليس شيئاً يفتخر به ويعتز. غير أنه في حمأة النقاش كان بوسع"جاتويريا" التحدث بلغته دون توقف، أو تردد أو رجوع إلى اللغة الإنكليزية.‏

يحكى أن الاختلافات في الرأي تولد الكراهية. ولكن حيث يكون هنالك تضارب، تنبت براعم من الحقيقة، قالت ذلك"وانجاري" "لجاتويريا" على سبيل التشجيع.‏

تنحنح"جاتويريا"، ثم حاول الكلام مرة أخرى. "لا أستطيع أن أرى تماماً الاختلاف... آسف، أعني الاختلاف بين موقفيكما.... دعوني أسأل.... آسف، أقصد دعوني أطرح عليكم السؤال. هل تعتقدون أن الله والشيطان موجودان، وأقصد أنهما على قيد الحياة مثلكم ومثلي؟‏

إذا كان الله موجوداً، قال"مواؤرا"، فالشيطان موجود. ولكنني شخصياً لا أعرف.‏

ولكن ماذا عن الإيمان والاعتقاد؟ ماذا تعتقد أنت؟ ألح جاتويريا بالسؤال.‏

أنا؟ أيها الشاب. أنا لا أنتمي لتلك الكنائس التي تنتمي إليها. الشغل هو معبدي والمال هو إلهي. ولكن إذا كان يوجد إله آخر، فلا بأس. إنني في بعض الأحيان أصب قليلاً من الشراب لأجله، حتى لا يفعل بي ما فعله مرة مع"جوب" Job. أنا لا أفحص العالم فحصاً دقيقاً جداً. ألم أقل سابقاً: إن يمل بهذا الاتجاه، فأمِلْ معه. الأرض كروية، وهي تتغير، ذلك هو ما دفع جيكويو إلى القول: إن الشمس لا تشرق بالطريقة التي تغرب فيها. ليس الحذر علامة على الجبن. ليس عندي أسئلة كثيرة أطرحها. أرني أين النقود، وسوف أنقلك إلى هناك.‏

ماذا عنك؟ سأل"جاتويريا" "موتوري" بعد أن فرغ"مواؤرا" من كلامه.‏

أنا؟ إنني أؤمن وأعتقد.‏

ماذا؟‏

أن الله موجود.‏

وتؤمن أنه على قيد الحياة؟‏

أجل.‏

والشيطان؟‏

إنه موجود أيضاً.‏

وهل هو على قيد الحياة أيضاً؟‏

أجل، إنه على قيد الحياة.‏

هل تؤمن حقاً بهذه الأشياء؟‏

نعم! أؤمن بها حقاً.‏

ولكنك لم تر أياً منهما بأم عينيك؟ وجه"مواؤرا" هذا السؤال" لموتوري".‏

كان هذا الشاب يسأل عن الإيمان، أجاب"موتوري". أنا أعتقد أن الله والشيطان صورتان عن أعمالنا في أدمغتنا ونحن نصارع الطبيعة بصورة عامة، ونصارع الطبيعة الإنسانية على وجه الخصوص، في سعينا وراء شيء نأكله أو نرتديه أو نأوي خلفه لكي نتقى حرارة الشمس والبرد والرياح. إن طبيعة الله هي صورة الخير الذي نعمله هنا على الأرض. السؤال المهم هو هذا: ما هي أفعال الشر وما هي أفعال الخير؟ أيها الشاب، إنك تجعلني أكرر الكلمات التي قلتها ورميتها وراء ظهري. ثمة نوعان من بني الإنسان: الإنسان الذي يعيش بوساطة عرق جبينه والإنسان الذي يعيش على عرق الآخرين. هناك يكمن اللغز، ولذلك حل ذلك اللغز وأعطيك قطعة أرض، لأنك على مايبدو على معرفة ودراية بالدراسة والكتب.‏

من عرق وجهك، بدأت"وانجاري" تتكلم وكأنها تقرأ من إنجيل مفتوح أمامها، من عرق وجهك سوف تأكل الخبز، حتى تعود إلى الأرض. أغلقت"وانجاري" الإنجيل الذي كان في ذهنها واتجهت نحو"جاتويريا": ذلك لغز آخر، وعليك حله أيضاً، بحيث نستطيع جميعاً سماع الجواب. وخذ قطعة أرض مني أيضاً.‏

لن آخذ كثيراً من قطع الأرض لأنك من نساء العشيرة، أجاب"جاتويريا" وهو يضحك قليلاً.‏

أوه، إذاً فأنت تتحدث لغة"جيكويو" جيداً وكنت أحسب أنك تعرف لغة"طاب صباحك" فقط. قالت له"وانجاري" بخفة ودعابة.‏

أحس"جاتويريا" أنه مرتاح بشكل من الأشكال.‏

ثم أجاب"جاتويريا": تعودت الاستماع إلى مباريات الألغاز قبل أمد طويل. ولكنني الآن غير قادر على حل أبسط الألغاز. وإذا ما تعين علي التنافس معك، فإنك ستكسبين كل قطع الأرض إلى أن تحصلي على أملاكي بكاملها. ولكن دعينا نرجع إلى أساس الموضوع. إن علي أن أقول: إنني شعرت أن حديثك أحيا الوساوس والصراعات التي كنت أعيشها في داخلي منذ عهد طويل. وأنا أقصد، أن عندي عقدة في قلبي وسوف أكون مسروراً جداً إن تساعديني على فكها أو حلحلتها قليلاً.‏

توقف"جاتويريا" مرة ثانية.‏

أحست"وارينجا" أن صوت"جاتويريا" تغير. شعرت بالخوف فجأة، وكأنها سمعت ذلك الصوت في مكان آخر، قبل أمد طويل، غير أنها لم تستطع تحديد المكان. قررت أن ما أثار الخوف هو رغبة جامحة لمعرفة نوع العقدة التي كانت تزعج جاتويريا.‏

كان الركاب الآخرون جميعاً يجلسون متنبهين، وتواقين لسماع الحكاية. لكأنهم كانوا يخشون أن تكون عقدة"جاتويريا" مشابهة للعقدة التي يحملها كل منهم.‏

سحج"جاتويريا" حنجرته مرة ثانية. نظر إلى"موتوري" وقال: إنك تتحدث وكأنك تعرف أنني جئت من الجامعة، وهذا صحيح، إنني من هناك. إنني واحد من طلاب البحث في الثقافة. إنني طالب بحث صغير في الثقافة الإفريقية. إن ثقافتنا... آسف، أقصد إن ثقافتنا طغت عليها الثقافات الغربية الإمبريالية. ذلك ما نسميه في اللغة الإنكليزية الإمبريالية الثقافية. والإمبريالية الثقافية هي مصدر عبودية العقل والجسد، لعمري إن الإمبريالية الثقافية هي التي تولد العمى والصمم العقلي اللذين يدفعان الناس للسماح للأجانب بتعليمهم ما يفعلونه في بلادهم، وجعل الأجانب آذاناً وأفواهاً لقضاياهم الوطنية، متناسين القول المأثور: إن من يعش في البرية وحده الذي يعرف ماذا تشبه. ومن ثم لا يمكن للأجنبي أن يصبح من قريب أو بعيد المرشد الحقيقي لشعب آخر. وعن جيلنا غنى المنشد:‏

الأصم، الأصم،‏

الأصم هو من لا يستطيع السماع من أجل الوطن!‏

الأعمى، الأعمى،‏

والأعمى هو من لا يستطيع الرؤية من أجل الوطن!‏

دعونا ننظر حولنا الآن. أين هي لغاتنا القومية الآن؟ أين هي الكتب المخطوطة بأبجدية لغاتنا القومية؟ أين هو أدبنا الخاص الآن؟ أين هي حكمة ومعرفة آبائنا الآن؟ وأين هي فلسفة آبائنا الآن؟ إن مراكز الحكمة التي اعتادت حراسة المدخل إلى بيت الأجداد هُدمت على بكرة أبيها، كما سمح لبريق الحكمة أن يخبو ويزول، ورميت المقاعد التي كانت تحيط بموقد النار على كومة قمامة؛ ودمرت مراكز الحراسة؛ كما علق شباب الوطن دروعهم ورماحهم. والمأساة أنه ليس ثمة مكان يمكن أن نذهب إليه لتعلم تاريخ بلادنا. الطفل بلا أبوين ينصحانه ويشيران عليه، ما الذي يمنعه من الوقوع في الخطأ فيعتبر البراز الأجنبي طبقاً وطنياً لذيذاً؟‏

حكاياتنا، ألغازنا، أغانينا، عاداتنا، تقاليدنا وكل شيء بالنسبة لإرثنا القومي قد ضاع بالنسبة لنا.‏

من يستطيع أن يعزف"الجيكاندي" لنا اليوم ومن يقرأ ويفسر الأشعار التي دونت على حبة القرع؟ من يستطيع اليوم أن يعزف"الوانديدي" والكمان ذا الوتر الواحد، فيجعله يبدو مثل صوت شاب يافع يخطب ود حبيبته وهي عائدة من التقاط البازلاء في البساتين، أو وهي تحضر الماء من كهف في الوادي، أو وهي تستخرج الغشاء المغذي من نباتاته، أو وهي تقطِّع قصب السكر في منحدرات الوديان؟ من يستطيع اليوم أن يعزف قيثارة الخيزران، التي يجعل صوتها قلب الشاب اليافع والفتاة العذراء يدقان في انسجام وهما ذاهبان إلى الحقول لإفزاع العصافير من أصابع الجاورس(الدخن)، بينما يصب القمر نوره على الأرض.‏

ذلك هو ما يدفع بعض الناس في الجامعة، من طلاب ومدرسين، لكي يحاولوا الآن اكتشاف أصول ثقافتنا.. هذا ويمكن البحث عن جذور الثقافة القومية الكينية في تقاليد الجنسيات كافة في كينيا فقط.‏

أنا، على سبيل المثال، أعمل في قسم الموسيقا، الذي يهتم بالموسيقا. وبالأدوات الموسيقية واستخداماتها. إنني أدرس الأدوات التراثية بالدرجة الأولى- من طبول وقيثارات وصنوج وخشاخش والأوريكس، والأبواق- وكافة أنواع الأدوات الوترية، مثل القيثار والكمان ذي الوتر الواحد.‏

إنني مؤلف موسيقي أيضاً. وطموحي وحلمي هو تأليف مقطوعة موسيقية من أجل عدد كبير من الأصوات البشرية بمرافقة أوركسترا قوامها كافة أنواع الأدوات القومية: من جلدية وهوائية ووترية ونحاسية. لقد ألفت عدداً من الأغاني. غير أنني لم أجد حتى الآن لحن أو موضوع موسيقى أحلامي. إنني أبحث ليل نهار عن اللحن والموضوع، ولكن دون جدوى.‏

لا يمكنكم أن تعرفوا مدى الألم الذي أحمله في قلبي.‏

في الغالب، عندما أكون بمفردي في كوخ تغطيه الأعشاب ونباتات السرخس أثناء هطول المطر أو عصف الرياح، أو عندما أكون مستلقياً وحدي في الليل والقمر ينير الأرض، أستطيع أن أسمع الأصوات العديدة التي قضت، والأصوات العديدة التي تعيش الآن، والأصوات العديدة التي ستأتي إلى الحياة، وكلها تغني لي همساً. وفي أوقات كهذه، أشعر وكأني على وشك الإمساك باللحن والإيقاع وبموضوع الموسيقى التي كنت دائماً أتحرق لكتابتها, ولكنها تنساق بعيداً، محمولة على أمواج الريح.‏

وفي أوقات أخرى، عندما أستلقي تحت ظلال شجرة وارفة أو أمشي وحيداً في السهول أو بجانب شاطئ البحر، أسمع غالباً بمسامع قلبي الكمان والأبواق يعزفها كورس من الرعاة في السهوب، وصوت طبول البلاد كلها وهي تدعو شباب الوطن للذهاب إلى الحرب، ثم أسمع ألف صنج وخشخيشة يهزها أبطالنا الوطنيون وهم ينشدون أغاني النصر، ثم أصوات النساء وهن يزغردن إطراءً لأبنائهن المنتصرين. وفجأة أسمع صوت البوق الوطني وهو ينفخ زهواً وانتصاراً، إضافة إلى أبواق الأوريكس وآلات أخرى وهي تتجاوب معها طرباً وفرحة. ثم أسمع أصوات وألحان كافة الرجال وكافة الأدوات وهي تنطلق سوية لتنتهي بصوت واحد في عدة أصوات، أو بأصوات عدة في صوت واحد، مثل جوقة من الملائكة الدنيويين وهي تحتفي معتزة بالمآثر البطولية الخاصة بالوطن.‏

وأمسك بالقلم والقرطاس لكي أدون رسالة الأصوات قبل أن تذروها الرياح.‏

يا بني قومي، ماذا بوسعي أن أقول لكم الآن؟‏

هل حلمتم في حياتكم بالفاكهة المعلقة تماماً فوق الرأس وأنتم في حالة عطش كبير تحت شمس لاذعة محرقة خلال شهر مجدب وعندما ترفعون أيديكم لالتقاط الفاكهة من أجل ترطيب لسانكم الظميء، فإذا بالثمرة ترتفع رويداً رويداً بعيداً عن متناول اليد وتختفي في السماء؟ "ها أنا هنا! ها أنا هنا! ولكن بما أنكم رفضتم التقاطي فإنني سأبتعد.... أو لعل ذلك هو ما يبدو أنها تقوله، تعذبكم لمجرد استثارة شهيتكم ورغبتكم. وعلى هذه الصورة تعذب الأصوات والآلات شهيتي.. غير أنني عندما أباشر كتابة الموسيقا وتدوينها، مع الأسف، أرى أن الموسيقا والكمان لم يعد لها وجود هناك.‏

أعزي نفسي بالادعاء أن الأمر سيان: من تراه ربح عن طريق التوجع والأنين؟‏

وأبدأ البحث الكامل الشامل من جديد. إنني شخصياً أسأل سؤالاً طرحته مرات عدة: ماذا بوسعي أن أفعل لكي أؤلف موسيقا قومية حقيقية لبلادنا كينيا، موسيقى تعزفها جوقة قوامها أدوات كافة الجنسيات التي تشكل الأمة الكينية، موسيقى نستطيع نحن، أبناء كينيا، إنشادها بصوت واحد نابع عن أصوات عدة- هارمونيا في تفرع الأصوات وتعددها.‏

قضيت ليالي عدة بلا نوم. إن المؤلف العاجز عن تلمس اللحن والموضوع والإيقاع الخاصة بموسيقاه إنما هو محارة في شكل مخلوق بشري.‏

في غضون سنة أو قرابة ذلك بعد عودتي من الخارج، كنت أشبه بالمزارع الذي يحاول استئصال شجرة صمغ زرقاء بعصا حفر مثلمة ولم أستطع الوصول إلى أسفل الجذر الذي كنت في إثره....‏

لخص"جاتويريا" حكاية بحثه أو سعيه الأزلي. ولم يتكلم أحد.‏

شعرت"وارينجا" بالقلق، ولكنها لم تعرف السبب، هل كان ذلك بفعل كلمات جاتويريا، أم طريقة سرده لحكايته، أم من مجرد صوته في الكلام؟‏

كان صوته يشبه صوت رجل أمضى أياماً عدة وهو يحمل حملاً ثقيلاً من المشاكل العويصة أو أمضى ليالي طويلة من الأرق وهو يصارع الأسئلة التي لا يستطيع إيجاد أجوبة عليها. لماذا ختم قصته عند هذه النقطة؟ راحت وارينجا تسأل نفسها. وما هي العقدة التي كان يريد المساعدة في فكها وحلها.‏

اتجه"جاتويريا" إلى"وارينجا" وكأنه تمكن من قراءة أفكارها. غير أنه قبل التمكن من مواصلة القصة مرة ثانية، أخذ الرجل الذي يلبس النظارات السوداء يتحدث بالإنكليزية قائلاً: إذاً أنت من هيئة التدريس بالجامعة؟‏

أوقع صوت الرجل الذهول لدى بقية الركاب. كانت هذه أول كلماته منذ دخل السيارة عند موقف"سيجونا". فقد ظل قابعاً في ركنه طيلة الرحلة وكأنه كان يخشى من الاغتيال في سيارة"مواؤرا"‏

أجل، أجل، أنا من هيئة البحث. أجابه"جاتويريا" بالإنكليزية.‏

وإذاً فأنت تعرف الأستاذ"نجاريكوما" والأستاذ"جاتوي جايتموبي"؟‏

نعم، الأستاذ"نجاريكوما" في فرع العلوم السياسية، أما الأستاذ"جايتموبي" فهو في قسم التجارة والاقتصاد.‏

وماذا عن الأستاذ"كيمين يوجيني".؟‏

إنه في قسم التاريخ. ولكنه لا يعرف سوى تاريخ أوروبا.‏

والأستاذ"باري كويري"؟‏

إنه في فرع اللغة الإنكليزية- الأدب الإنكليزي، غير أنه يحاضر أحياناً في فرع الفلسفة والدين.‏

أفهم، أفهم، قال الرجل الذي يرتدي النظارات السوداء، بصوت يدل على أنه أكثر اطمئناناً وراحة بال.‏

- انتظر الباقون منه أن يسأل سؤالاً آخر أو أن يضيف شيئاً آخر، لكنه لم يتكلم ثانية، ظهر، من ناحية أخرى، أنه الآن أقل تخوفاً بكثير وأنه جلس مكانه بارتياح أكبر. ثم استأنف جاتويرياً قصته.‏

أقبل النهار الذي اعتقدت أنني سأرى فيه النور على الأقل. إذ إن رجلاً عجوزاً من قرية باهاتي في "ناكورو"..‏

"باهاتي"، هل قلت باهاتي"؟ صرخ "مواؤراً" هل "باهاتي"، باهاتي في ناكورو؟ أجل، أجاب "جاتويريا، ما الأمر؟‏

لا شيء.. لا شيء ذو أهمية. تابع حكايتك. قال "مواؤراً بصوت مضطرب على أية حال، إن رجل "ناكورو"، من قرية باهاتي هو الرجل الذي هداني الطريق. ذهبت إليه وقلت له متوسلاً: أيها الأب، احك لي قصصاً قديمة -قصصاً عن الغيلان والحيوانات. كان صامتاً. نظر إلي، ثم ضحك قليلاً، قال لي: ليس ثمة فارق بين الحكايات القديمة والحديثة. الحكايات حكايات. كل القصص قديمة. وكل القصص حديثة. القصص كلها تخص الغد والمستقبل. والقصص ليست عن الغيلان أو عن الحيوانات أو عن البشر. القصص كلها عن المخلوقات البشرية. أيها الفتى، أنا لا أستطيع فهم نمط التربية التي تتلقونها في هذه الأيام ونمط التعليم الذي ترغبون اكتسابه وراء البحار على مدار سنوات عدة. كم عددها؟ خمس عشرة سنة؟ هل سبق أن علموكم بأن الأدب هو كنز الأمة وذخيرتها؟ إنما الأدب هو الشهد لروح الأمة، يحافظ عليه لكي يتذوقه أبناؤها على مر الأيام، قليلاً في كل حين. لقد قال "جيكويو": إن من يدخر شيئاً لا يجوع بتاتاً. هل تحسب أن "جيكويو" كان أحمق حين قال ذلك؟ إن الأمة التي تتنازل عن أدبها هي أمة باعت روحها وبقيت مجرد محارة. غير أن من الجميل أنك أتيت. قل نعم، وسوف أروي لك القصص التي أتذكرها.‏

كان الوقت مساءً، وبعد آنٍ قصير من حلول الظلام. كان لهب مصباح الصفيح الذي ليس له زجاجة يتماوج مثل علم أحمر اللون مع الريح، فجعل بذلك خيالينا كلينا يلعبان على جدران غرفة العجوز المربعة الشكل.‏

روى العجوز لي أول ما روى عن مزارع فلاح اعتاد أن يحمل الغول على ظهره. غرز الغول أظافره الطويلة في عنق الفلاح وكتفيه. لقد كان الفلاح هو الذي يذهب إلى الحقول للحصول على الطعام، وهو الذي يذهب إلى الوديان لإحضار الماء، وهو الذي يذهب إلى الغابة للحصول على الحطب وهو الذي يقوم بالطبخ أما عمل الغول فهو تناول الطعام لينام فيما بعد على ظهر الفلاح نوماً عميقاً.‏

صار الفلاح أشد هزالاً وأكثر اكتئاباً في نفسه، فيما كان الغول يزداد رفاهاً ونضرة، إلى حد أنه صار مدفوعاً لترتيل التسابيح التي تحض الفلاح على تحمل قسمته ونصيبه على الأرض بجلد وصبر، لأنه سوف يجد راحته فيما بعد في جنان الخلد. وفي يوم من الأيام، ذهب الفلاح إلى أحد العرافين. قال العراف له: إن الحل الوحيد هو أن يغلي شيئاً من الزيت ويصبه على أظافر الغول أثناء نومه العميق. فقال الفلاح: وماذا لو أحرقت عنقي وكتفي؟ قال العراف: لم يتأتّ أبداً شيء حسن عن شروط تامة. امض إلى البيت. ولم ينج الفلاح من موت محقق إلا عندما فعل ما نصح العراف به.‏

كانت الحكاية الثانية عن فتاة، بجمال أسود اللون وفجوات مغرية بين أسنانها كانت تسمى "نيانجيرو كانياراري" لأسباب ثلاثة: كانت سوداء، وكانت جميلة حقاً، كما أنها رفضت طلب الزواج من جميع الشبان في بلدها. ولكنها عندما شاهدت شاباً من بلد أجنبي في يوم من الأيام فقد ادعت على الفور أنه الشاب الذي كانت تنتظره، لحقت به. وهل تعرفون ماذا؟ لقد كان الأجنبي الشاب غولاً من أكلة البشر. ولقد مزّق أطراف نيانجيرو واحداً بعد الآخر والتهمها.‏

أما الحكاية الثالثة فهي الحكاية التي خلّفت ندبة ثابتة في فؤادي كيف سأحكيها لكم؟ إنني أتمنى لو أتمكن من محاكاة أسلوبه في سردها، والطريقة التي كان يرفع ويخفض صوته بها على سبيل المثال. لكن لا، إنني لا أستطيع حتى محاولة ذلك. إن نمط التربية المورث لنا عن طريق البيض قد قص جوانح قدراتنا فتركنا نعرج في سيرنا كالطيور الجريحة. دعوني أحكي لكم بإيجاز الحكاية التي رواها لي العجوز من قرية "باهاتي" بحيث تتمكنون من معرفة أين تكمن العقدة التي تحدثت عنها.‏

بدأ روايته بعدد من الأقوال المأثورة. وأنا لا أستطيع تذكرها جميعاً غير أنها كانت كلها عن الجشع والنزوة. حدثني أنه على الرغم من أن "ريح" الغني ليس له رائحة، وأن الغني سيستغل حتى المعبد المحظور المقدس، ومع ذلك فإن كل شخص ينبغي أن يعرف بأن من اعتاد على الرقص لا يستطيع الآن سوى المراقبة والتفرج بينما يرقص الآخرون، ومن اعتاد القفز فوق النهر لا يستطيع الآن سوى الخوض فيه. إن يملك المرء كثيراً جداً يتشجع على الغرور واتباع النزوات، وإن يملك قليلاً، فليس له إلا التفكير. إن الإفراط في الجشع قد يدفع الإنسان لبيع نفسه بشكل رخيص. "أيها الفتى، اسعَ وراء الرزق ولكن إياك أن تعرض عريك على الله، وإياك أن تحتقر الناس. إن صوت الشعب هو صوت الله" لماذا أقول هذه الأشياء؟‏

قبل عهد طويل جداً عاش عجوز يدعى "ندينجوري". لم يكن "ندينجوري" هذا يملك كثيراً من الأطيان. غير أنه كان يملك روحاً غنية وموهوبة كان محترماً جداً بسبب استبساله كلما هاجم العدو القرية، وبسبب حكمة قلبه ولسانه. لقد حافظ على ثقافة وطنه وتقيّد بكافة الطقوس اللائقة. كان في أحيان كثيرة يضحي بعنزة ويصب قليلاً من الجعة على الأرض من أجل أرواح الخير، وهو يطلب منها تخليصه من الشرور التي ربما تأتت عن عيوبه الخاصة أو دخلت بيت الأجداد من خلال حقد وبغضاء أرواح الشر. لم يكن رجلاً خاملاً كسولاً، بل كان قادراً على تأمين ما يكفي من المطعم والملبس له ولأفراد أسرته. أما مالم يكن يعانيه فهو رغبة جامحة جشعة إزاء قطعان الآخرين أو الأراضي التي تخص عشيرته أو غيرها من العشائر. إن افتقاره للجشع فضلاً عن سخائه الذائع الصيت منعاه من جمع وتكديس الثروة التي كانت تجعل بعض المسنين يرتدون الخواتم على أناملهم ويتركون حراثة الحقول وتربية الماشية للعبيد، والخدم، والعمال والفلاحين وزوجاتهم وأطفالهم، بينما كانوا يومياً يقيمون الحفلات على جعة العسل. "أليدان تبنيان الرجل": هذا هو ما كان يؤمن به "ندينجوري".‏

وذات يوم، هاجم طاعون غريب القرية. دمر الطاعون كافة أملاك "ندينجوري" وأصاب عنزته داخل حظيرتها الخاصة. ماذا بوسع "ندينجوري" أن يفعل الآن؟ فسأل نفسه: لماذا حل بي ذلك، وقد كنت دائماً أضحي للأرواح الخيرة بالماعز وأسكب الجعة لها، لماذا انقلبت ضدي الآن؟ سوف لا أضحي بشيء من أجلها مرة ثانية.‏

في صباح باكر، وقبل انبلاج الفجر، ذهب "ندينجوري" إلى كهف معين تسكنه أرواح الشر. قابلته عند مدخل الكهف روح على شكل غول. كان شعره طويلاً وبلون جلد الخلد وكان منسدلاً حتى الكتفين، مثل شعر البنت كان له زوج من الأفواه، واحد في جبينه والثاني في مؤخرة رأسه. أما الفم الموجود في مؤخرة رأسه فكان مغطى بشعره الطويل، ولم يكن يُرى إلا عندما تعصف الريح وتدفع الشعر جانباً. سألته روح الشر: لماذا حضرت إلى كهفي بيدين خاويتين. هل يحمل الإنسان سلة فارغة إلى السوق إذا كان يرسم لمقايضة سلعه؟ هل تخلت عنك الأرواح التي كنت دائماً تقدم لها الأضاحي؟ هل تظننا لا نحب الأضاحي مع بعض الجعة لغسل اللحم؟‏

رد عليها "ندينجوري" أن الفقر هو الذي جاء به إلى هناك. إن سخاء الفقير يظل رهينة في القلب. ضحكت روح الشر بمكر وقالت: ألم أسمع أنك تملك نفساً غنية؟ ليس ثمة شيء جيد يتأتى عن شروط كاملة. سوف أمنحك الثراء والأنعام، ولكن عليك أن تعطيني روحك، وعليك ألا تضحي مرة ثانية لأرواح الخير، لأن الخير والشر لم يكونا في يوم من الأيام أصحاباً. سأل "ندينجوري" نفسه: ما هي الروح؟ إنها مجرد صوت هامس. ثم قال لروح الشر: خذي روحي. وقالت له روح الشر: لقد استوليت عليها. انصرف الآن. اذهب إلى بيتك وتقيّد بهذه الشروط: أولاً، يجب أن لا تخبر أي شخص بأنك إنسان بلا روح. ثانياً، حين تصل إلى البيت، أمسك بالطفل الذي تحبه حباً جماً، ثم اثقب واحداً من أوردة عنقه، واشرب دمه بكامله حتى يصبح جسده كله جافاً، ثم اطبخ الجسد وكل اللحم. لقد حولتك، يا "ندينجوري"، إلى واحد من أكلة لحوم البشر وشارب لدمائهم. فقال "ندينجوري". ماذا! كيف يمكن أن يكون ذلك؟ هل يتعين علي تدمير جمال أطفالي؟ ثم قالت روح الشر: هل نسيت الآن أنه لم يعد لك روح وأنك بعتها مقابل الثروة والملكية؟ اسمع، من الآن فصاعداً، لن تكون قادراً على رؤية جمال الأطفال، أو جمال النساء أو أي بشر آخرين. ستكون قادراً فقط على رؤية جمال الملكية. اذهب الآن، اذهب إلى البيت. افترس أشباح الناس الآخرين. ذلك هو العمل الذي أوكله إليك حتى ذلك اليوم الذي أحضر به لاصطحابك.‏

منذ ذلك اليوم فصاعداً، بدأ "ندينجوري" يضرط ملكية ويتبرز ملكية، يعطس ملكية وينبش ملكية، ويضحك ملكية ويفكر ملكية ويحلم ملكية ويتحدث ملكية ويتعرق ملكية ويتبول ملكية. صارت الملكية تفر من أيدي الآخرين كيما تحط على راحتي ندينجوري. أخذ الناس يتساءلون عجباً: كيف جرى أن تهرب أملاكنا من بين أناملنا إلى يدي "ندينجوري"؟ والأنكى من ذلك أنه الآن يلبس خواتم حديدية على أصابعه، مما كان يمنعه عن العمل شخصياً.‏

تغيرت شخصية"ندينجوري" وسلوكه صار خسيساً وصار جلفاً متوحشاً. كان دائماً يتورط بقضايا قانونية وهو يستولي على أراضي الآخرين، موسعاً بذلك حدود أملاكه أبعاداً وإبعاداً. هجره أصحابه. وأخذت خسته تنتأ كما تنتأ براعم حبة البطاطا الحلوة. عندما كان الناس يموتون من الجوع، كان "ندينجوري" من أسعد الناس لأنه في مثل هذه الأوقات يكون الناس على استعداد للتخلي عن أملاكهم مثلما يتخلصون من القدور المكسرة.‏

شرع الناس في قريته يسألون أنفسهم: أين ذهب لسانه اللطيف؟ ما هو ذلك الشيء الذي يأكله في منتصف الليل، مثل الساحرة؟ عندما يرى ملكية رجل آخر، يسيل لعاب فمه: وعندما ينال ملكيته هو، يجف فمه بسرعة. انظر الآن كيف يزداد ظله كبراً، بينما تصبح أظلتنا أصغر فأصغر. هل يمكن أن يكون الأمر هو أن أظلته تبتلع أظلتنا، فتجعلنا نتساقط صرعى واحداً إثر واحد؟‏

أرسل وفد من المسنين، رفاق "ندينجوري"، لكي يذكره بأن ما من إنسان يحفر حفرة عميقة في ساحة القرية، لأن أطفاله قد يسقطون فيها قالوا له: يا "ندينجوري"، يا ابن كاهاهامي، استمع لصوت الشعب. ليس في أذنيك شمع -أو إذا كان فيهما ذلك، فخذ كسرة خشب وانزعه.‏

إن صوت القرية هو صوت سلسلة الهضاب، وصوت البلاد، بله صوت الأمة، وهو صوت الشعب. وصوت الشعب، يا ندينجوري، هو صوت الله. نحن هنا لكي نبلغك هذه الرسالة: تجنب أساليب الساحرات والمجرمين اترك نفسك تنبهر بجمال وحسن الملكية، ولسوف تنبهر فقط بروح الشر. ولكنك في عظمة أمتك ترى وجه الله. سعيد هو المرء الذي يدافع عن طيب خاطر عن ظل وطنه، لأنه سوف لا يموت مطلقاً، بل سيعيش اسمه أبد الدهر في قلوب الناس، أما من يبيع ظلال وطنه فهو ملعون لأن اسمه سيظل دائماً ملعوناً من قبل الأجيال القادمة، وعندما يموت سيصبح روحاً شريرة.‏

لم يفعل "ندينجوري" شيئاً سوى أنه ضحك وسأل: ما هي القرية؟ ما هي الأمة؟ ما هو الشعب؟ ارحلوا وقولوا هذا كله لشخص آخر. لماذا أنتم عاجزون عن العناية بأنفسكم وبظلالكم؟ ولماذا أنتم كسولون خاملون إلى درجة أنكم لا تستطيعون حتى الانحناء لنزع برغوث عن أطرافكم السفلى؟ تابعوا كلامكم حتى تمطر الدنيا أو تسقط السماوات -فلن يجدي كلامكم شيئاً إلا أنه سيذهب مع الريح. لاحظوا الآن أن كافة شؤوني في نظام تام كامل. ريح بطني ليس لها رائحة. لماذا؟ دعوني أقل لكم: لأن الملكية هي الخالق العظيم والقاضي العظيم.. الملكية تحول المعصية إلى طاعة، والشر إلى خير، والقبح إلى جمال، والكراهية إلى حب، والجبن إلى شجاعة والرذيلة إلى فضيلة. الملكية تحول السيقان المتقوسة إلى سيقان تخاض المعارك من أجلها من قبل حسناوات الأرض.‏

الملكية تلطف الروائح الكريهة، وتتخلص من العفونة، كما أن جرح الغني لا يحدث صديداً. وريح بطن الغني ليس لها رائحة. عودوا إلى بيوتكم، عودوا إلى أكواخكم وحظائركم التي تسمونها دون خجل بيوتاً، بل عودوا إلى قطع الأرض الضيقة التي لا تتورعون عن تسميتها مزارع. وإذا كنتم لا تستطيعون ذلك، عودوا أدراجكم إلى هنا واعملوا كشغيلة بأجرة يومية في حقولي المتعددة. ليس ثمة ما يمكنكم أن تفعلوه لي أنا، "ندينجوري" ابن "كاهاهامي"، لأنني بلا روح!‏

عندما سمع المسنون ذلك، أصابهم الخوف والذعر، وراحوا ينظرون شزراً بعضهم إلى بعض متسائلين: إذاً، هل كنا نخفي ساحرة في قريتنا؟ وإذاً، هل كنا نؤوي قملة في أجسادنا؟ هذا الرجل سيشرب دماء الشعب كله عن آخرها حتى ينفد الدم كله من الأرض. عندها وفي ذلك المكان، ألقوا القبض عليه، ولفوه بأوراق الموز اليابسة ثم أحرقوه في منزله.‏

منذ ذلك اليوم تخلصت القرية من الشر، وأخذت ظلال الناس تنمو بصورة صحية من جديد. "الأيدي الكثيرة تستطيع رفع أثقل الأحمال".‏

توقف جاتويريا مرة أخرى عن الكلام.‏

كانت السيارة لا تزال تتهادى في سيرها على طول الطريق. كانت بهذا الوقت قد تجاوزت الطريق إلى "ناكورو"، وانعطفت لكي تسلك الطريق الدولي عبر افريقيا الذي يمر عبر "روائيني" و"ايلموروج" خيم صمت مطبق على السيارة، وكل واحد منشغل بأفكاره الخاصة عن الحكاية، وفي شغف لمعرفة المكان الذي تنطبق فيه عقدة جاتويريا. ثم تابع جاتويريا حكايته.‏

- لم تراودني فكرة جديدة إلا بعد سماع تلك الحكاية إذ وجدت موضوعاً جديداً أستطيع الآن أن أحيك حوله أغنية جديدة. ولكن هل كانت الفكرة جديدة حقاً أم كانت الفكرة نفسها التي كنت أبحث دائماً عنها؟ إن ما أرغب فعله الآن هو رواية تلك الحكاية بالموسيقا. إذ ما هو الشيء الذي يمكن أن يبز الحكاية التي رواها لي ذلك العجوز من قرية "باهاتي"؟ أية حكاية تحمل موضوعاً أجمل أو تعلم درساً أكثر أهمية من حكاية رجل يبيع روحه من أجل مغانم دنيوية. لقد أردت أن أقارن "ندينجوري واكاهاهامي مع "يهوذا" في الأدب اليهودي، الذي باع سلام روحه مقابل ثلاثين قطعة من الفضة.‏

كنت أريد أن تكون خلفية الموسيقا قرية معينة من قرانا قبل مجيء الامبريالية البريطانية إلى كينيا. كنت أعتقد أنني سأبدأ بالحديث عن أصول القرية. أردت مجموعة واحدة من الأصوات والأدوات لكي تمثل هجرات الناس الريفية قبل عهد الإقطاع. وسوف تمثل مجموعة أخرى من الأصوات الطرق المختلفة التي كانت القرية تنتج فيها الثروة وتوزعها. أردت مجموعة واحدة من الأصوات تمثل الرعاة، ومجموعة أخرى تمثل الفلاحين، وأخرى تمثل العمال في المعادن وغيرها. سأقدم بعدها حركات أخرى من الأصوات والآلات ترمز للمجاعة والمرض والفقر وبدايات الحكم الإقطاعي. ثم سأقدم حكاية "ندينجوري" ابن كاهاهامي.‏

بدأت تأليف الموسيقا، ونار كبيرة تستعر في داخلي.. ولكنني بعد سطور قليلة شعرت بأن النار تخمد، وترك رماد العمل دون أدنى لهب أو شرارة.‏

لماذا؟ لماذا؟ رحت أصرخ دون أن أعرف من أخاطب.‏

لم أكن في داخلي أؤمن بوجود الغيلان والأرواح، أو أية مخلوقات من غير هذا العالم. وفي ليلة من الليالي اللاحقة سمعت صوتاً خفيفاً يُسرُّ لي الأسباب الحقيقة لخمود النار. كيف تستطيع تأليف الموسيقى وأنت لا تؤمن بوجود موضوع مؤلفك؟‏

إيمان.. إيمان.. أين أستطيع الحصول على الإيمان؟ فالإيمان ليس سلعة تباع في السوق. حاكمت الموضوع في نفسي بالطريقة التالية: في الماضي، وقبل الامبريالية، كان عندنا نظام فئات العمر، ونظام العائلات الموسعة، ونظام العشائر والعشائر الفرعية. كان عندنا في تلك الأيام أنواع شتى من تنظيم الشعب. كان عندنا، مثلاً، منظمة "أوجاما وامواخريكا"، التي هي بالانكليزية الاشتراكية الافريقية. فمن أين جاءنا، إذاً، آكلو البشر وقتلتهم؟ طفق قلبي يدق. ليس للأرواح، سواء كانت شريرة أو خيرة، وجود. وليس هنالك وجود للمخلوقات القادمة من عوالم أخرى. ليس في بلادنا كينيا قتلة أو أكلة للحم البشر، أناس يشربون الدماء ويختطفون أظلة الآخرين، في هذه الأيام، ليس هناك شرب لدم البشر أو أكل للحومهم. كما أن الأرواح والغيلان ومخلوقات العوالم الأخرى اختفت من أمد بعيد.. وأنت يا من تريد تأليف الموسيقا، امتداحاً لبلدك، ابحث عن الأصول والمواضيع في قصص حقيقية!‏

تلك هي الحال التي صرت إليها منذ ذلك التاريخ، حالة قلق يصطرع بها في داخلي ألف سؤال وسؤال..‏

يا بني قومي، يمكنكم أن تتصوروا كيف كنت مندهشاً بالأمس عندما ذهبت إلى مكتبي الخاص بتصنيف الأوراق في الجامعة حيث تحفظ رسائلي فوجدت.. أوه، كيف لي أن أحكي لكم عنه؟ كيف لي أن أزعم بأنني لم أكن أهتز كقصبة في مهب الريح؟ وحتى في هذه اللحظة وأنا أجلس في هذه السيارة، لا أستطيع أن أصدق تماماً دليل عيني..‏

قاطعته "وانجاري"، وهي تتحرق لوعة لمعرفة ما هو الشيء الذي شاهده "جاتويريا" بسؤالها، ما هو الشيء فوق العادي الذي شاهدته وجعلك تنسى وتتوقف عن الكلام مثل الحرباء التي أُرسلت مرة من عند الله للناس ولكنها لم تبلغ الرسالة التي حملتها أبداً بسبب ترددها الطويل.‏

هناك في مكتب تصنيف أوراقي، أخذ "جاتويرياً" يعجل في سرد قصته، وجدت بطاقة تدعوني إلى مهرجان للشيطان غداً في "إيلموروج" كانت البطاقة تحمل الكلمات التالية. أخرج جاتويريا البطاقة من جيب سترته وقرأ على الملأ:‏

مهرجان الشيطان‏

تعالوا وشاهدوا بأم أعينكم‏

مباراة يكفلها الشيطان‏

لاختيار سبعة خبراء في السرقة اللصوصية‏

مقدار وافر من الجوائز‏

جربوا حظكم‏

منافسة لاختيار أمهر سلعة‏

سارقين ولصوص في ايلموروج‏

الجوائز وافرة!‏

عصابة ملائكة جهنم بين الحضور!‏

التوقيع: ابليس‏

ملك جهنم‏

برعاية عرين السارقين واللصوص‏

مرتفعات إيلموروج الذهبية‏

صرخت "وارينجا" وسقطت على "موتوري" أدار "مواؤرا" رأسه بسرعة. وأخذت السيارة تترنح وتتمايل عبر الطريق.‏

أوقف السيارة! من يحمل مصباحاً؟ صاح "موتوري".‏

ما الخطب؟ ما الخطب؟ سألت وابخاري، ولكن لم يجبها أحد.‏

ليس معي نور كشاف! قال مواؤراً، وهو يوقف السيارة على جانب الطريق الدولية.‏

أنا أحمل بعض أعواد الثقاب، قال "جاتويريا".‏

أعطوني مصباحاً! أشعل عود ثقاب! قال له موتوري، ثم لاذ الجميع بالصمت وكأنهم يقفون بجانب مزار من المزارات.‏

(7)‏

كانت السيارات القادمة من "إيلموروج" والذاهبة إليها تجتاز بعضها بعضاً على الطريق، وهي تضيء من لحظة إلى أخرى سهول "وادي الريفت" غير أن الظلام الذي كان يلف الأرض خلف الأنوار بدا أشد كثافة من أي وقت آخر.. جلس صاحب النظارات السوداء في زاويته دون أية حركة. ولم يفارق مواؤرا مقعده. أما الثلاثة الآخرون فانكبوا على "وارينجا".‏

كان لهب عود الثقاب يضيء لفترة قصيرة وجه وارينجا، ثم يرتعش ويخبو، وبعدها يشعل "جاتويريا" عود ثقاب آخر، ولكنهم عندما شاهدوا "وارينجا" تفتح عينيها، وهي لا تزال تتنفس وقلبها يدق، باشروا الحديث معبرين عن آرائهم المختلفة.‏

أعتقد أن هذه المرأة مريضة، قال "موتوري" لعلها مصابة بالملاريا أو ذات الرئة.‏

إن قلبها يدق بسرعة كبيرة، قال "جاتويريا".‏

يمكن أن يكون مرضها مرض النساء، قال "مواؤراً" هل تصدقون؟ لقد ولدت إحدى النساء في هذه السيارة بالذات في الآونة الأخيرة.‏

لماذا لا تحملوها خارج السيارة للحصول على نفس من الهواء العليل؟ اقترحت عليهم "وانجاري" بسرعة، وكأنها تريد أن تضع حداً لحكاية "مواؤراً" وتعليقه.‏

بعد ذلك أخذت "وارينجا" تتحدث بصوت خافت، وكأن لسانها كان في رحلة طويلة.‏

آسفة، ولكنني شعرت بغتة بدوار شديد. قالت لهم "وارينجا" رجاءً، دعونا ننطلق الآن دعونا نخرج من هذا المكان.‏

عاد كلٌّ إلى مقعده. حاول "مواؤرا" تشغيل السيارة. خرج "موتوري"، "وانجاري"، و"جاتويريا" وصاحب النظارات السوداء من السيارة وأخذوا يدفعونها. بدأ المحرك يزأر معلناً عن عودته للحياة. استقل الجميع السيارة، وسارت بهم مسافة قصيرة، والكل صامتون.‏

عادت "وانجاري" إلى موضوع الدوار الذي أصاب "وارينجا" وسألت: هل كان النقاش الذي كنا نديره هو ما أحدث الوعكة؟‏

أجل، كان له علاقة بذلك.. نعم، الحديث هو السبب.. أجابت وارينجا.‏

هل أفزعك الموضوع؟ سأل موتوري.‏

نعم.. و..لا، قالت "وارينجا" مرتابة.‏

لا تقلقي، قالت لها "وانجاري" تلك الأشياء لم تعد موجودة -لا غيلان، ولا قتلة، ولا أكلة للبشر، لا أرواح شر ولا أرواح خير، ولا شيطان بسبعة قرون. ما هذه كلها سوى اختراعات يقصد منها تخويف الأطفال المتمردين لكي يصلحوا سلوكهم وتشجيع المطيعين منهم على اتباع السراط المستقيم.‏

بدأ "مواؤرا" يصفر بلحن من الألحان، مثل شخص يحمل آراءً مختلفة حول الموضوع، أو يعرف عنه قليلاً أكثر من سواه ولكنه لا يريد الإفصاح عما يخفيه في داخله. ثم بدأ يغني: أيتها العذراء، هل يتعين أن أطلب منك، امنحنيني رغائبي، ولا تكوني بخيلة إزاءها،‏

بحيث أنك حين تكشفين فيما بعد أنك حبلى،‏

لن أنكر أنا المسؤولية.‏

حَسَبْ أن الركاب سيضحكون، وينتقلون إلى موضوعات أخرى مختلفة، ويهجرون الحديث عن قتلة البشر وآكلي لحومهم، وعن الأرواح والشياطين وعن مهرجانات المتنافسين على السرقة واللصوصية. ومع ذلك، أذهلت "وارينجا" الجميع بالعودة إلى الموضوع.‏

"ولكن ماذا لو كانت مثل هذه الأشياء موجودة بالفعل؟ ماذا لو كانت هذه ليست مجرد حكايات تروى للأطفال في العشيات؟ ماذا ستفعلون؟ قولوا لي: ماذا ستفعلون إذا كانت أرواح الشر والخير موجودة حقاً؟ وإذا كان الشيطان موجوداً بالفعل، وإذا ما زار كينيا، وإذا ما كان يرعى الولائم على الأرض ويرتب المباريات من أجل أتباعه الدنيويين؟‏

أنا؟ قفز "مواؤرا" وكأن السؤال كان موجهاً إليه. أنا؟ سأل ثانية، كأنه يريد بذلك أن يتأكد. ولكنه حتى قبل أن يتلقى جواباً، مضى يقول: دعيني أحكي لك، فإني رأيت أشياء غريبة. حسناً، أُسرت ذات يوم من قبل بعض المحتالين في هذه السيارة بالذات. ولكن هل كانوا محتالين أم ثلاثة شبان يرتدون بزات وهمية غريبة؟ التقيتهم في "ركن المزارع" في ليمورو. كان ذلك في المساء وقبل قليل من حلول الظلام. قالوا: إنهم يريدون الذهاب إلى مدينة "كيكويو" من نظرة واحدةً ألقيتها عليهم، حسبت أنني وقعت على ثروة طيبة. دفعت أجرة الركوب. إنني أقول لكم. إنه لدى وصولنا إلى "موناراكوا" بدأت أرى الأشياء من خلال فمي. لقد استلو مسدساً وصوبوه بشكل محكم إلى رأسي، وقالو لي: إذا كنت لا تريد قطعاً معدنية تفتت رأسك إرباً إرباً، فامش بسيارتك نحو غابة "كينيني"، وإياك أن تتجاسر وتنظر إلى الخلف أو إلى الجانب. لا أحد يستطيع القول بأن كل دراهمي إضافة إلى ملابسي أخذت مني! تُركت مثلما ولدت عليه -في عري كامل! ولكنهم لحسن حظي لم يسرقوا مفاتيح السيارة.‏

وفي يوم آخر استأجر هذه السيارة سأئح أمريكي، كان هذا الأمريكي عجوزاً كهلاً. كان وجهه مليئاً بالوديان العميقة. وعلى الجانب الآخر من جلده، كانت طيات الجلد تستلقي على شكل طبقات ملفوفة. غير أنه كان معه فتاة افريقية، صغيرة جداً، بحيث يمكن أن تكون تلميذة مدرسة. جلسا في المؤخرة سقت بهما في كل أرجاء نيروبي لمدة ساعة تقريباً. لم يتحدثا كثيراً. كما أنهما لم يفعلا شيئاً كثيراً أيضاً، كل ما كان العجوز يفعله هو أن يضغط على فخذي الفتاة ويقرصهما، وكانت الفتاة تدلك وجهه -فتضيع أناملها أحياناً في ثنايا طيات جلده. وعندما كانت الفتاة تتظاهر بالشعور بالألم وتصرخ قليلاً، كانت عينا الأمريكي تشعان بالفرح والسعادة. كان اللعاب يسيل على جانبي فمه، وكان يئن ويتأوه وكأن الفعل الشنيع كان يجري. عندما نزلا من السيارة، خارج فندق "نيوستانلي" أخرج الأمريكي قطعة نقود من مئة شلين وأعطاها للفتاة، التي تركته وابتعدت. تخلف السائح الأمريكي في السيارة، معدداً لي فضائل البلد وكأنني أنا مالك كينيا: إن كينيا بلد رائع.. لعبة خيالية متوحشة.. وبعد ذاك نساء خياليات، على جمال صارخ.. فحتى أنا، العجوز الهرم.. أستطيع الحصول على فتاة صغيرة.. لسوف أرجع مع عدد أكبر من السائحين لكي يتفرجوا على لعبة كينيا المتوحشة ونسائها بأنفسهم.. حقاً إنها بلاد جميلة.. استقرار.. تطور.. ثم انصرف هو الآخر إلى داخل الفندق. ولكنه دفع لي مبلغاً لا بأس به من المال.‏

وهكذا فإن هذا العالم مليء بعدد كبير من الأشياء الغريبة. إن الإنسان الذي لا يغترب يعتقد أن أمه وحدها هي التي تطبخ الخضروات البرية.. هل سألتموني ماذا أرغب لو دعيت إلى مهرجان الشيطان؟ سوف أذهب إليه، لأنني لن أشعر بالإكتفاء بما يقوله الآخرون عنه. الإيمان معناه أن ترى وتلمس. إنني "توماً الحديث. فأنا، "مواؤرا"، رأيت الكثير وفعلت الكثير. والآن، اتركيني وحدي أيتها السيدة! فالشمس لا تشرق أبداً بالاتجاه الذي تغرب فيه.. أنهى "مواؤرا" كلامه بنغمة تبدو وكأنها تشير إلى أشياء كثيرة وتخفي أشياء كثيرة أيضاً.‏

وماذا عنك؟ سألت "وارينجا" "موتوري" ماذا ستفعل؟‏

ليس من اليسير الإجابة عن ذلك، أستطيع أن أقول لك. أجاب "موتوري" فقد قال "جيكويو" مرة: لا تنظر إلى الأسفل على قطرة مطر. وليس ثمة ما هو مفزع جداً إلى درجة عدم إمكان مواجهته من قبل الرجال. نحن العمال لا نملك بيتاً، أو قرية، أو حتى بلداً. الكرة الأرضية كلها هي بيتنا، لأن المسألة بالنسبة لنا هي مسألة أين نستطيع أن نجد شخصاً ما يشتري عملنا فنستطيع بذلك كسب قليل من النقود لشراء قليل من الدقيق والخضروات الرخيصة. ولكن سيان، فنحن الذين شيدنا هذه الأرض. كيف، إذاً، يمكن لنا أن نترك أرضنا للشيطان وأرواحه الشريرة وأتباعه ومريديه، بحيث يتمكنون من فعل ما يريدونه بها؟ دعوني أسألكم حل لغز حديث..‏

هل تعتقد أنني أستطيع أن أفرق بين الألغاز الحديثة والألغاز القديمة؟ سألته "وارينجاً.‏

أنا أسير بهذا الاتجاه وبذلك الاتجاه قال موتوري.‏

دروب الصيادين. ردت "وانجاري" "بدلاً من "وارينجا".‏

لا!‏

خذ قطعة أرض!‏

طرق البنائين! أجيبي عن لغز آخر!‏

سوف أفعل!‏

أنا أسير بهذا الاتجاه وبذلك الاتجاه!‏

طرق البنائين.‏

لا، أعطني قطعة أرض‏

هي لك‏

إنها طريق العمال، أجيبي عن لغز آخر‏

سوف أجيب‏

إنني أسير بهذا الاتجاه وبذلك نحو الثورة‏

إنها دروب العمال‏

نعم ولا. إنك مدينة لي بقطعة أرض ولكنني لن آخذ كل شيء لأنك عرفت نصف الجواب‏

أقبل ذلك‏

الجواب الصحيح هو دروب المقاومة. وتلك هي الدروب التي يصنعها العمال. لماذا أقول ذلك؟ لأن تلك المرأة سألتني سؤالاً عسيراً. ولكنه سؤال بسيط أيضاً، لأن الأسئلة الصعبة هي الأسئلة البسيطة.. والأشياء التي تبدو بسيطة هي الأشياء الصعبة. أستطيع الآن أن أقول لكم: إنني لا أعرف عن شيطان أسوأ من رب العمل الذي كنت أعمل لديه. كما تعرفون، أنا نجار، وبناء، وسمكري، ودهان، تلك الأعمال جميعها. كنت في حقيقة الأمر رئيس العمال المسؤول عن الموقع. اعتاد رب عملي الحصول على عقود عمل تساوي عشرات الملايين وأكثر. كان عنده مستشار درج على ملاحقة قضيته في لجنة منح العقود. أما أجور الذين يصنعون مئات الملايين فلم تكن شيئاً يذكر في الواقع -بضع شلينات فقط، مائتين، أو ثلاثمائة، أو خمسمائة لا أكثر. وأنتم تعرفون كيف كانت الأسعار ترتفع، بدأت المشاكل عندما طالبنا بزيادة قدرها خمسون شليناً وطالبنا بأن الأجور يجب أن تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة. هل تعرفون أن بعض الناس لا يدرون أنه عند ارتفاع الأسعار وبقاء الأجور على حالها، فذلك بمثابة تخفيض في الأجور في الحقيقة؟ غير أن أرباح أرباب العمل تزداد بالمعدل نفسه كارتفاع الأسعار -والواقع إن زيادة الأرباح تكون أحياناً أعلى من زيادة الأسعار. وهكذا فعندما يرتفع سعر سلعة من السلع، فإن أرباب العمل يستفيدون من ذلك، أما جموع العمال فتزداد ضنكاً وسوءاً. عندما اتخذنا قراراً بالاضراب، جاء إلينا رب العمل، لاهثاً. تحدث بلسان عذب وقال: إنه سوف يدرس كافة مظالمنا ومطالبنا ويأخذها بعين الاعتبار، وإن علينا جميعاً العودة إلى العمل، وإنه سوف يقدم لنا تقريراً بعد أسبوع، وفي اليوم المحدد لتقديم التقرير، عاد رب العمل، بصحبة رجال شرطة مسلحين بالمسدسات والهراوات والدروع الحديدية. راح رب العمل يتحدث بأسلوب لاذع جداً، مثل رجل تشاجر مع زوجته في الليلة السابقة. قال لنا: إن كافة الإضرابات حظرت بمرسوم رئاسي. ثم أضاف: إن كل متعب من العمل يستطيع الذهاب إلى البيت لأن هناك عدداً كبيراً من العاطلين الذين يبحثون عن عمل. وتم فصل زعماء الإضراب عن عملهم. هل تظنون أننا في كينيا نلتقط النقود عن الأرض؟ أما بالنسبة لك، يا موتوري، لا تحسب نفسك ذكياً جداً. إن سجلك مع "الفرع الخاص" طويل ومعروف ونحن نعرف أنك لست بمفردك. ولذلك تفرقنا. البندقية الواحدة لا يمكن أن تجابه إلا ببندقية أخرى، وليس بأيد خاوية، ذلك ما يجعلكم ترونني أبحث عن العمل هنا وهناك. ومرد ذلك أنني رفضت أجرة العبيد ليس إلا. ليس عليكم إلا تصور العيش على راتب من ثلاثمائة شيلن شهرياً في "نيروبي"!‏

في أية شركة كنت تعمل؟ سألت "وارينجا".‏

"شركة المحارب للإنشاءات"‏

"شركة المحارب للإنشاءات؟" كررت وارينجا السؤال. هل الشركة التي يديرها "بوس كيهارا؟".‏

أجل، ولماذا تسألين؟ لماذا أنت مستغربة سألها "موتوري"‏

-لأنني كنت أعمل لصالح الشركة نفسها‏

-في مكاتب المدينة؟‏

-أجل، وكان "كيهارا" رئيسي. ولكن يا له من رئيس! وأنا اليوم على الطريق أبحث عن عمل آخر‏

-هل أضربت عن العمل أيضاً؟ سألها "جاتويريا".‏

-لا، ولكني أبيت أن أكون خليلته. قالت وارينجا.‏

-لقد أضربت عن العمل دون ريب -أضربت ضد استبداد غرفة نوم الرئيس. قالت "وانجاري"، وكأن السؤال كان موجهاً لها.‏

-هل ترون؟ هل تفهمون الآن؟ سأل "موتوري" بمقدوركم الآن رؤية السبب في عدم استطاعتي بكل بساطة ترك الكرة الأرضية للشيطان يدور فيها ويلف بهذا الاتجاه وبذلك على هواه! مهرجان الشيطان! أود أن أذهب إليه لكي أتحدى الشيطان!‏

اتجهت "وارينجا" نحو "جاتويريا" وسألته: ماذا بالنسبة لك؟ هل تؤمن حقاً بمثل هذا المهرجان؟‏

-إنني ماضٍ إليه، أجابها "جاتويريا" بتؤدة. غداً هو يوم مهرجان الشيطان‏

-هل هو غداً؟ يوم الأحد؟ سألت "وانجاري".‏

-أجل غداً. ويبدأ في الساعة العاشرة‏

-وأنت لست خائفاً؟ سألت "وارينجا".‏

-مم أخاف؟‏

-من الشيطان. أليس مفترضاً أن له سبعة قرون؟‏

ذلك هو بالضبط جوهر العقدة التي كنت أحكي عنها: هل الشيطان موجود أم لا؟ أريد الذهاب إلى هناك لكي أضع حداً لكافة وساوسي وظنوني لكي أتمكن من الاستمرار بتأليفي. فأنا لا أستطيع الاستمرار بذهن مثقل بوساوس ليس لها أول أو آخر. الطمأنينة! المؤلّف بحاجة إلى طمأنينة في فؤاده.‏

-أوه، نعم، لتنعم قلوبنا جميعاً بالسلام والاطمئنان! ردت "وانجاري".‏

-وماذا عنك أنتِ؟ توجهت وارينجا بهذا السؤال إلى "وانجاري".‏

إذاً فأنتِ لا تزالين تطلبين جواباً؟ سألت "وانجاري" وقالت: أما بالنسبة لي، فسواء كنت مدعوة أو غير مدعوة، إنني لو صادفت هذا الشيطان الشهير، فسأعلمه أن لا يضطهد نهائياً البنائين الحقيقيين لهذه الكرة الأرضية!‏

ولكن قولي لي: لماذا تسألين هذه الأسئلة؟ أي عبء يرهق كاهل فؤادك؟‏

كان هذا السؤال نفسه يدور في ذهن الآخرين. أي نوع من النساء كانت هذه المرأة؟ كانت صامتة تماماً بعد مغادرة "نيروبي" ثم صرخت فجأة. وبعد ذلك أغمي عليها. أما الآن، وبعد أن عادت لوعيها، أخذت تطرح أسئلة لا حدود لها.‏

-نعم، لماذا تطرحين السؤال نفسه علينا جميعاً، بالفعل؟ سأل "جاتويريا".‏

فقالت "وارينجا": ذلك لأنني أنا الأخرى أملك عقدة في فؤادي.‏

-عقدة؟ سألها "جاتويريا" و"وابخاري" في آن معاً.‏

لقد تلقيت دعوة مثل دعوتكم، ولا أعرف تماماً كيف وقعت في يدي.‏

ماذا؟ فسري ما تقصدين.‏

أنا أيضاً أملك بطاقة دعوة إلى مهرجان الشيطان في "إيلموروج" غداً. ولقد شاهدت اليوم أشياء غريبة شتى بحيث لا أتمكن الآن من القول فيما إذا كنت أحلم أو كنت مريضة فقط ومصابة بالهذيان. لقد ظهر أمامي رجل في مدينة نيروبي وفي منطقة "كاكا" بالقرب من كنيسة "القديس بطرس". كنت على وشك.. دعوني أقل بكل بساطة: إنني لم أكن أشعر شعوراً طيباً من الناحيتين الفيزيولوجية والنفسية. لقد أعاد لي الرجل هذه الحقيبة بالذات بعد أن وقعت مني في "طريق النهر" دون علمي. غير أن محياه، وعينيه وصوته جعلتني أفتح قلبي له في الحال، فحكيت له قصتي كلها، وحين فرغت من حكايتي شعرت أن قلبي صار أكثر خفة ودعة. عند افتراقنا فقط أعطاني البطاقة. وعندما وصلت إلى "نياماكيما" قرأت ما كتب عليها. وها هي البطاقة معي.‏

أخرجت وارنيجا البطاقة من حقيبة يدها. كانت صورة طبق الأصل عن بطاقة "جاتويريا".‏

ماذا؟ هذه أكثر من نكتة! قالت "وابخاري". إن علينا ألا ننظر لأسفل على قطيرة ماء. ألم أتكلم مع رؤساء الشرطة اليوم بالذات؟ هذا وبحسب هذه البطاقات، فإن السارقين واللصوص يتقاطرون للتجمع من أجل مهرجان الشيطان فليتجمعوا!‏

دمدمت "وانجاري" بصوت هادر كان من ناحية تهديداً ومن ناحية أخرى تنهيداً. ثم بدأت تنشد:‏

تعالوا جميعاً،‏

وشاهدوا المنظر الرائع‏

منظرنا ونحن نطارد الشيطان‏

مع كافة أتباعه ومريديه‏

تعالوا جميعاً!‏

راح "مواؤرا" يصرخ: هي! كم أتمنى لو أن أولئك الأوغاد الذين سلبوا مالي وجردوني من كل شيء سيكونون جميعاً هناك غداً! غير أن صوته كان يحمل أثراً من السخرية والتهكم، وكأنه كان يعرف أشياء يجهلها الآخرون. ثم إن موتوري هو الآخر لم يظهر دهشاً كبيراً إزاء بطاقات الدعوة الموجهة لحفل الشيطان.‏

هدأ "مواؤرا" كما لاذ الجميع الآن بالصمت، وهم على وعي بأن مدينة إيلموروج" لم تعد بعيدة جداً. وراحت سيارة "مواؤرا" تثب وثباً خفيفاً على طول الطريق، وكأنها تقول: السرعة الزائدة تفلق حبة البطاطا، الصبر يجلب الثراء. من الخير أن نصل بسلام. كما أن السفر بسيارة "الماتاتو" أكثر أمناً وسلاماً. هذا ويجب أن تفضّل مدينة "إيلموروج" على كل المدن الأخرى.. إننا في طريقنا لحضور مهرجان الشيطان..‏

(8)‏

عند ذلك فقط فتح صاحب النظارات السوداء فمه، مثل حمار "بلعام" الوارد في الإنجيل وقال: عفوكم!‏

اتجه كافة المسافرين باستثناء "مواؤرا" نحوه لتلقف ما كان يقول. دعوني أر تلك الدعوات، قال مخاطباً "جاتويريا" "وارينجا".‏

أخرج "جاتويريا" بطاقته وأعطاها له. فطلب الرجل من "جاتويريا" أن يشعل عود ثقاب. نظر إلى البطاقة ثم توجه نحو وارينجا وطلب منها: دعيني أر بطاقتك أيضاً.‏

فتحت "وارينجا" حقيبة يدها وأخرجت بطاقتها. رفعتها إلى الأعلى، مع قصاصة الورق التي حصلت عليها ذلك الصباح من ملائكة الشيطان. ورمت قصاصة الورق على قدمي موتوري دون أن تعرف أنها فعلت ذلك. ثم سلمت بطاقة الدعوة لصاحب النظارات السوداء.‏

تفحص الرجل البطاقة بدقة وإمعان، كما قارنها بالبطاقة التي أعطاها له "جاتويريا". فتح بعدئذ حقيبته وأخرج بطاقة أخرى، من حجم بطاقتي "جاتويريا" و"وارينجا" بالتمام والكمال.‏

سلمها "لجاتويريا" وطلب منه النظر إليها بدقة، وقراءتها بصوت عال للآخرين بعدئذ تناولت "وارينجا" علبة الثقاب وأشعلت عوداً "لجاتويريا". وهذا هو ما قرأه:‏

حفل كبير!‏

تعالوا وشاهدوا بأم أعينكم‏

منافسة لانتقاء سبعة خبراء‏

في السرقة الحديثة واللصوصية‏

الجوائز تشتمل على قروض مصرفية‏

وعلى مناصب مدراء‏

لعدد من بيوت المال‏

جربوا مهاراتكم!‏

جربوا حظكم!‏

لربما تحملون إلى البيت تاج‏

السرقة واللصوصية الحديثة!‏

منافسة لاختيار أمهر سبعة‏

سارقين ولصوص حديثين‏

جوائز بقروض مصرفية مكفولة‏

ومناصب مدراء‏

لرابطة واحدة أو عدة روابط‏

من بيوت المال‏

بحضور عصابة ملائكة جهنم!‏

التوقيع: رئيس المراسم‏

برعاية عرين السارقين واللصوص‏

مرتفعات ايلموروج الذهبية‏

هل تلاحظ أي فرق بين هذه البطاقة وبطاقتك؟ سأل الرجل "جاتويريا. إن البطاقة التي أعطيتها لك الآن هي البطاقة الأصلية الموثوقة. أعتقد أنك سوف تلاحظ ولا بد عدم وجود أي ذكر للشيطان أو لإبليس. ثم إسمح لي أن أقول لك شيئاً آخر: إن أغلبية من سيحضرون الاحتفال يؤمنون بالله. أنا، مثلاً، أتردد على كنيسة "المشعل" في "ثوجوتو" كل أحد. وإن الذين طبعوا بطاقات الدعوة المزيفة هم أعداء التطور الحديث إنهم يريدون تخريب الاحتفال فقط.‏

ومن هم هؤلاء الذين يريدون تخريب الاحتفال؟ سأل "جاتويريا".‏

-من هم؟ أظن أنهم طلاب جامعة بالتأكيد. إن مما يليق بأولاد المدارس وحدهم أن يفكروا بهذه الحملة الصبيانية الوسخة ضد المحترمين من الناس.‏

-أما أنا، فلا أرى أي فارق بين البطاقتين! قالت "وانجاري" كيف يمكن للطلاب تخريب سمعة السارقين واللصوص؟‏

عن طريق الزعم بأن هذا هو مهرجان الشيطان. وعن طريق الإدعاء بأنه تم ترتيبه من قبل إبليس، ملك جهنم. وفضلاً عن ذلك، فهم لم يشيروا على بطاقاتهم بأن هذه منافسة في السرقة واللصوصية الحديثة.‏

وأنا من جانبي لم أر الفارق بينهما، قال "موتوري" السرقة هي السرقة واللصوصية هي اللصوصية.‏

بدا أن صاحب النظارات السوداء تأذى وجُرح من موقف كل من "موتوري" و"وانجاري". راح يتحدث وكأنه يعظ الناس الذين فقدوا إيمانهم ودينهم.‏

إسمي هو "مؤيريري" "واموكيراي". أنا لا أستطيع تحمل الأسماء الأوروبية. فلقد تخليت عن إسمي "جون" من عهد قريب. وكما قلت قبل هنيهة، إنني أتجه الآن إلى إيلموروج. إن سيارتي من طراز "بيجو" 504، توقفت في "كيكويو". تركتها خارج فندق "أونديري". وحملني أحد أصدقائي بسيارته إلى "سيجونا". حسبت أنني سأجد ضيوفاً مرموقين مسافرين إلى المنافسة هذا المساء. لم أقابل أحداً. كثير من الضيوف قالوا: إنه سيصلون غداً صباحاً. ولكن بما أن المرء لا يستطيع الاطمئنان تماماً إلى الذين يشربون ويسكرون فقد عقدت العزم على السفر بالحافلة.‏

تعلمت في ثانوية "سيريانا" الثانوية وفي ماكيريري، حين كانت ماكيريري عن حق وحقيق، وليست الجامعة التي هي عليه الآن. درست الاقتصاد في ماكيريري -والاقتصاد هو العلم أو الدراسة التي تبين كيف نخلق الثروة في بلد من البلدان. تخرجت في "أوغندا" بشهادة بكالوريوس في الاقتصاد. لم أتوقف عند هذا الحد. انتسبت إلى جامعتنا هنا. حالفني النجاح وتخرجت بإجازة في علم التجارة. وكانت تلك شهادة بكالوريوس في التجارة. ثم تابعت مسيرتي قدماً وصعوداً في أمريكا، انتسبت لجامعة كبرى تدعى "هارفارد"، وهناك درست كل ما يتعلق بإدارة الأعمال. حصلت على إجازة أخرى، بكالوريوس في إدارة الأعمال. إسمي الكامل هو "مؤيريري وموكيراي، وأحمل إجازة في الاقتصاد من لندن، وإجازة في التجارة من نيروبي، وبكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد. إنني إذ أعدد تلك الشهادات، أراني على ثقة بأن "جاتويريا" يفهم بشكل كامل أهمية ما أقول. كان طموحي في تلك الأيام هو مزاولة التعليم في الجامعة وحتى في هذه الأيام، إن عدداً كبيراً من أساتذة الجامعة أصدقاء لي. غير أنني بحثت عند ذاك فيما حولي فلم أجد إلا نفراً يسيراً جداً من المثقفين الكينيين في الأعمال والتجارة. ولذلك آثرت انتهاج سيرة في حقل التجارة.‏

لماذا قدمت نفسي بمثل هذه الجعجعة؟‏

لقد أصغيت لحديثكم كله، وسمعت كل النقاش وكل الشكوك التي آثارها بعض منكم.‏

لن أخفي شيئاً عنكم. إن نمط حديثكم هذا هو الذي يخرب البلدّ!.. إن لذلك النوع من الحديث جذوراً في الشيوعية. إن المقصود منه هو بعث الحزن والأسى في قلوبنا وجعلنا في قلق دائم. ومثل هذا الكلام قد يحرفنا نحن الشعب الأسود عن السراط المستقيم، وأنتم تعرفون كم نفكر بالله والمسيحية بعمق وإيمان. إن كينيا بلد مسيحي ولذلك نحن مباركون جداً.‏

أول ما أبدأ به، ليس هذا المهرجان مهرجاناً للشيطان، كما أنه لم ينظم من قبل إبليس، لقد رتبت له منظمة السرقة واللصوصية في "إيلموروج"، للاحتفال بزيارة ضيوف أجانب قادمين من إحدى منظمات السارقين واللصوص الحديثين في العالم الغربي، ولا سيما من أمريكا وانكلترا وفرنسا وإيطاليا والسويد واليابان، وإسمها "المنظمة الدولية للسارقين واللصوص".‏

ثانياً، أصبح طلاب جامعاتنا مغرورين جداً، فقد ابتكروا الآن أساليب لدحض السرقة واللصوصية حتى قبل أن يعرفوا ما هي السرقة واللصوصية الحديثة بالفعل. إن هؤلاء الطلاب يذيعون نمط الكلام الذي سمعته تواً من وانجاري وموتوري، وهو أن السرقة واللصوصية يجب أن تنتهي.‏

لذلك أود أن أقول ما يلي: إنني على ثقة تامة أن الناس لا يمكن أن يكونوا متساوين كالأسنان، لقد نبذت الطبيعة البشرية المساواة. وحتى الطبيعة الكونية نفسها نبذت أي هراء عقيم يتعلق بالمساواة. انظروا إلى فردوس الله فقط. الله يتربع على العرش. على الجانب الأيمن يقف ولده الوحيد. وعلى الجانب الأيسر تقف الروح القدس. أما عند قدميه فتجلس الملائكة. وعند أقدام الملائكة يجلس الكهنة والقديسون. عند أقدام الكهنة يجلس التلامذة جميعاً، وهكذا دواليك، يقف نسق تحت نسق حتى نصل إلى نسق المؤمنين هنا على الأرض. وجهنم شيدت بالطريقة نفسها. ليس ملك جهنم هو الذي يصنع النار، ويحضر الحطب أو يقلب الرمم المحترقة. لا، إنه يترك هذا العمل الروتيني لملائكته وأرواحه، ومناظريه، وتلاميذه وخدمه.‏

قاطعه موتوري قائلاً: هل ذهبت إلى الجنة في عمرك؟‏

لا‏

وإلى جهنم.؟‏

لا‏

إذاً، وهذه الصورة التي رسمتها لنا! من أين حصلت عليها؟ هل هي صورة، تشبه ظل الشجرة؟ أين هي الشجرة نفسها؟‏

إن تنظر إلى هذا العالم، فسترى بأم عينيك أن ما أقوله صحيح تماماً. رد عليه "مؤيريري" على وجه السرعة. بعض الناس طويلو القامة وبعضهم قصيرون بعضهم أبيض وبعضهم أسود. بعض الناس يعيشون حياة رغيدة عندما يتعلق الأمر بالثروة، بينما لا يلوي آخرون على شروى نقير ولو عشرة سنتات. بعضهم كسالى، بينما يولد آخرون مجدين مجتهدين. هناك من أصحاب الشأن العظيم بالفطرة، مدراء ثراء طبيعيون وآخرون تافهونأناس مبددون طبيعيون للثروة. بعض الناس يعرف ما هي المدنية، بينما لا يملك آخرون فكرة عنها على الإطلاق. يعرف بعض الناس كيف ينظمون أنفسهم، بينما لا يستطيع آخرون العناية بأنفسهم أبداً. وبعض الناس، وهم الأغلبية، لا يمكن جرهم إلى المجتمع الحديث إلا بحبل حول أعناقهم أو بخيط عبر أنوفهم، بينما آخرون، وهم القلة، إنما يولدون لكي يقوموا بعملية الجر. ثمة نوعان من المخلوقات في كل بلد من البلدان، المدير والمدار، الذي يمسك بزمام الأمور، والذي يشتهي الوصول إلى النفايات، الذي يعطي والذي ينتظر العطاء..‏

أيها السيد، قاطعته "وانجاري" سائلة: ألا تعرف أن ما من شيء يدوم أبد الدهر؟ ألم تسمع ما قاله "جيكويو" منذ أمد مديد: إن من اعتاد على الرقص لا يستطيع الآن سوى مراقبة الآخرين وهم يمارسونه؟ وإن من اعتاد على القفز فوق النهر لا يستطيع الآن سوى تدبير الخب فيه؟ الراعي لا يقبع في بقعة واحدة. تغيروا، لأن بذور حبة القرع ليست جميعاً من نوع واحد.‏

إنني أتحدث عن أشياء درستها دراسة مستفيضة، قال "مؤيريري" "لوانجاري" دعينا نعد إلى مسألة التجارة والاقتصاد ونوجه السؤال التالي لأنفسنا: هل السرقة واللصوصية شيء سييء بصورة دائمة وفي كل مكان ولكل الناس؟‏

صدقيني حين أقول: إن السرقة واللصوصية هما معيار تطور بلد من البلدان. ففي سبيل ازدهار السرقة واللصوصية، لا بد من وجود ما يمكن سرقته. وفي سبيل تمكن المسروقين من اكتساب أموال وأطيان تسرق مع بقاء القليل لهم، فإن عليهم مضاعفة جهدهم للحصول على الثروة. التاريخ يبين لنا أن ما من حضارة نشأت إلا وكان قوامها السرقة واللصوصية؟ وماذا بالنسبة لانكلترا وفرنسا وألمانيا واليابان؟ لعمري إن السرقة وحدها هي التي جعلت من الميسور تطور العالم الغربي. إياكم وخديعة الدعاية الماركسية. إذا ما ألغينا السرقة في بلد من البلدان، عوقنا حركة التقدم والتطور.‏

لذلك سأنتهي بقول ما يلي: إن من المناسب أن تتمركز الثروة في أيدي رجال الوطن الناجحين، الرجال الذين يولدون وهم يملكون القدرة على استخدام الثروة وإدارتها حتى في نومهم. تصوروا فقط ما سيحدث لو سقط بلد من البلدان في أيدي التافهين- من مخربين وكسالى وأشقياء، هؤلاء العجزة الذين يصعب عليهم الإنحناء لنزع البراغيث عن أصابع أرجلهم، وقتل القمل تحت زنانيرهم أو حتى كش البراغيث بالتخويف؟ ألن يكون ذلك أشبه تماماً بإلقاء الجواهر الثمنية للخنازير، التي ستدوس على الجواهر وتخلطها بالوحل ليس إلا؟ قبل أمد بعيد كان راقصو "موكونجوا" يغنون:‏

ينبغي أن يؤخذ جرس الرقص من الضعيف‏

وينبغي أن يمنح للبطل الشهم العظيم‏

السؤال المهم هو: من هم الأبطال الجدد؟ نحن هم الأبطال الجدد -أهل الثروة والمال. نحن من أثبت القدرة على التفوق على السارقين واللصوص الأجانب عندما تحق الحقيقة ويتعلق الأمر بجني المال والأطيان. إن عيوننا مفتوحة بشكل كامل الآن، ونحن قادرون أن نرى بجلاء كامل أن السرقة واللصوصية هما القواعد الحقيقية للتطور والتقدم الحديث. ذلك هو ما يدفعني شخصياً لتعليق أهمية كبيرة على المنافسة في مدينة "إيلموروج" تلك المنافسة التي يجري نقدها وتشويه سمعتها من قبل طلاب الجامعة، وهذا ما يدفعني لأن أسألكم جميعاً حضور المنافسة غداً لكي تشاهدوا بأم أعينكم، وإذا شعر أي منا بالرغبة في دخول المباراة والكشف عن مواهبه، فما عليه إلا القيام بذلك بكامل الحرية. وأنا شخصياً أومن بالمبدأ الديمقراطي الذي يقول: إن من يستطيع السطو يجب أن يسمح له بذلك. أنتم تسمحون لي بالسطو، وأنا أسمح لكم بالسطو أنتم تسطون، وأنا أسطو، وسوف نرى من يتفوق ومن يتقهقر في اللعبة. يجب أن يلتقي القادرون على العض في الهواء الطلق كي يبددوا كافة الشكوك والوساوس إزاء من يملك أشد الأسنان حدة. غير أن علينا جميعاً وضع حد لمسألة تدمير سعادة الآخرين هذه بالأساليب السرية الملتوية. ارموا تلك البطاقات المزيفة التي طبعها طلاب الجامعة، وسوف أزودكم ببطاقات صالحة.‏

توقف "مؤيريري واموكيراي" عن الكلام. أخرج منديلاً من جيبه ومسح وجهه ثم أنفه أما المسافرون الآخرون، فكانوا على هدوء كامل، وكأنهم لا يستطيعون تصديق ما تسمعه آذانهم من شواهد.‏

كانت "وانجاري" أول الخارجين عن حالة الذهول العامة هذه فقالت: من الصحيح تماماً أن الألم في القلب لا يقتل! هل تجرؤ حقاً على تسميتنا تافهين؟ وهل تسمينا نحن العمال والفلاحين بلا خجل وحياء خنازير؟ هل تطلب أننا يجب أن نسلب جواهر أرضنا؟ من تراه يحرث تلك الجواهر؟ ثمة من يبذر ويحصد، وثمة من يأكل ما أنتجه الآخرون- فأيهما هو الكسول؟ وعن أي منهما تنتج أبهى اللآلئ؟‏

أنت! أضاف "موتوري". أنت مثقف ثقافة عالية جداً. ولكن دعني أقلْ لك ما يلي: عندما يسلب السعدان من صغيره، تقدم له لقمة من طعام مقابل ذلك. أما أنتم، أيها الناس، فتذهبون إلى أبعد من ذلك. إنكم تسلبوننا نتاج أيدينا، ولا ترمون لنا حتى النزراليسير. إنكم تسدون النهر فوقنا، بحيث لا تنفذ قطرة ماء واحدة لنا في الأسفل. لا تتاح الفرصة للرب نفسه حتى يعرف مقدار قوة أفخاذكم. لقد سمعت من يقول: إن الأرض تغزل باستمرار ولا تقف عند نقطة واحدة بحد ذاتها. الحياة هي دوران الدم، بينما الموت هو انسداد الدم في الشرايين والأوردة. الحياة هي دقات القلب والموت هو سكونه. نعرف أن الجنين في رحم أمه لا يولد ساكناً ما دام يلعب داخله ويتحرك. إفهم أنت! قد ينبلج الفجر عن جديد لم يكن موجوداً في الليلة السابقة. لا تستخفوا بالجماهير. فما زال جيل "إيريجي" على قيد الحياة متمرداً ثائراً. ماذا قال المغني في ذلك اليوم؟ قال: من الأفضل لكم أيها الناس أن تحذروا- ونحن من خاضوها مع "كيماثي".‏

لم يعر "مؤيريري" اهتماماً كبيراً لثورة "وانجاري" و"موتوري" رفع صوته قليلاً وراح يتحدث وكأنه في المذبح، يوجه الموعظة لحشد من الناس والإنجيل مفتوح أمام ناظريه.‏

لماذا أنتم مندهشون؟ بدأ "مؤيريري واموكيراي" يقول. ألم تقرؤوا كتاب الله، كتاب الحياة الأزلية، الكتاب الذي جلبته لنا البعثات التبشيرية؟ ألم يتنبأ ذلك الانجيل بكل هذه الأشياء؟ أنا أقول: من كانت له عيون، فلير، ومن كانت له آذان، فليسمع..‏

انحنى كل من "وارنيجا" وجاتويريا ومواؤرا" و"موتوري" و"وانجاري" إلى الأمام حتى لا تفوت أياً منهم كلمة واحدة. صارت سيارة "الماتاتو" من طراز "فوردت" مثل الكنيسة، وأصيب المسافرون بالصمم من جراء ضجيج العربة وهي تخب على طول الطريق العامة، تقلهم نحو "إيلموروج"، معقل المنافسة الكبرى في السرقة واللصوصية.‏

سمع "موتوري" حفيف قصاصة من الورق عند قدميه. انكب والتقطها ثم دسها في جيبه وتابع الاستماع.‏

أخفض "مؤيريري" صوته. راح يتكلم بصوت هادئ خفيض، كأنه ينشد تهويدة من شأنها أن تبعث النوم في أرواحهم وعقولهم..‏

.. لأن ملكوت السماء يشبه رجلاً مسافراً إلى بلد بعيد، يستدعي خدمه الخاص، ويسلمهم بضاعته. يهب واحداً منهم خمس مواهب، ويهب الثاني موهبتين، والثالث موهبة واحدة..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244