شيطان على الصليب Devil On The Cross - ترجمة: عبد العزيز عروس - الكاتب الأفريقي: نجوجي واثيونغوNgugi Wa Thiongo

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:16 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصـل الرابع

(1)‏

.. لأن مملكة الخداع الأرضي يمكن تشبيهها بحاكم تنبأ بمقدم اليوم الذي سيرمى به فيه خارج‏

أحد البلدان من قبل الجماهير ومن قبل مقاتلي حرب العصابات من أجل الحرية. أصابه القلق‏

والإضطراب وهو يحاول تحديد الطرق اللازمة لحماية جميع الأطيان التي جمعها وكدسها في ذلك‏

البلد إضافة إلى تحديد الطريق لتدعيم حكمه وسيطرته على الرعية بوسائل أخرى. سأل نفسه ما يلي:‏

ماذا سأفعل، وأنا أعرف أن الناس الذين فرضت طغياني واستبدادي عليهم هم الآن على وشك طردي‏

من هذه المزارع والمصانع التي سلبتهم إياها؟ لم أعد قادراً على فلاحة الحقول، ولم أعد قادراً على‏

العمل بيدي، وإذا ما انتظرت حتى أضرب بالهراوات وتطلق علي النيران للخروج من البلد، فإنني‏

سأعيش العمر كله في عار بسبب جميع الحكايات المروعة والتي سردتها لهم عن قوة مدرعاتي‏

وقنابلي التي لا تقهر، ولأنني كنت دائماً أحاول أن أبين لهم بأن العرق الأبيض لا يمكن إطلاقاً التغلب‏

عليه من قبل العرق الأسود. وعندما ينتصر رجال العصابات، ويمسكون بزمام السلطة، لن أستطيع‏

إعادة امتلاك هذه المزارع والمصانع. هذه الشاي، هذا الأرز، هذا القطن، هذه القهوة، هذه الحجارة‏

الكريمة، هذه الفنادق، هذه الحوانيت، هذه المعامل، ثمار عرقهم الغالي هذه، كلها وأكثر منها سوف‏

تضيع مني، ولكنني أعرف الآن ما سأفعل، بحيث أنني حين أعود في نهاية المطاف إلى بلدي من‏

خلال الباب الأمامي، سأكون قادراً على الرجوع إلى هنا من خلال الباب الخلفي، وسوف أستقبل‏

أحسن استقبال، كما سأكون قادراً على بذر بذور تضرب جذوراً أشد وأقوى من البذور التي بذرتها‏

في الماضي.‏

استدعى عبيده الخلص وخدمه قام بتلقينهم كل أنواع الخدع الأرضية التي كان يعرفها، ولا سيما‏

خدعة تعطير السرقة واللصوصية وتجميلها وخدعة دس السم في الدسم وألاعيب شتى لتفريق صفوف‏

العمال والفلاحين من خلال الرشوة والدعوات القلبية والدينية. وعندما فرغ من ذلك، أبلغهم أنه على‏

أهبة الرحيل إلى بيته وراء المحيطات.‏

عندما سمع العبيد والخدم المخلصون أن مولاهم وسيدهم على وشك الرحيل، مزقوا ثيابهم‏

ولطخوا أجسادهم بالرماد، وركعوا على الأرض يبكون ويصرخون: كيف تستطيع الرحيل وتركنا‏

هنا، مجرد أيتام، في حين أنك تعرف حق المعرفة كيف اضطهدنا الجموع وارتكبنا جرائم عديدة‏

باسمك؟ ألم تقسم بأنك سوف لا تغادر هذه البلاد بتاتاً؟ كيف تستطيع الآن تركنا لرحمة الثوار‏

الوطنيين؟‏

فقال لهم المولى، سيدهم: هل إيمانكم قليل وضعيف؟ إياكم وأن تضطرب قلوبكم، إذ إن عليكم أن‏

تثقوا بالله الذي علمتكم معرفته، وعليكم أن تثقوا بي أنا، مبلّغ إرادته ومفسرها، إن عندي عدة طرق‏

لتحقيق رغباتي في هذه الأرض. ولو كان الأمر غير ذلك، لقلت لكم، بحيث يتسنى لكم الوقت للفرار‏

أو لإيجاد الحبال في سبيل شنق أنفسكم قبل أن تقعوا في أيدي الوطنيين. غير أن ما أريده الآن هو‏

إعداد مناصب القيادة من أجلكم، وزيادة القليل على الفتات الذي كنتم تجمعونه عن مائدتي. سوف‏

أعود، فيما بعد، بمبالغ كبيرة من المال ومصارف عديدة، وسوف أحضر لكم أيضاً مزيداً من العربات‏

المدرعة والبنادق والقنابل والطائرات، بحيث أبقى معكم وتبقون معي، لكي نحب بعضنا بعضاً دائماً‏

ونتناول الطعام سوية، أنا أملأ معدتي من أطباق فاخرة مختارة، وأنتم تتلقفون البقايا الثمينة الغالية.‏

ولقد صادف أنه بينما كان الحاكم على وشك العودة إلى بيته في الخارج، جمع مرة ثانية كل‏

خدمه وسلمهم زمام البلاد قائلاً لهم: سوف ينخدع رجال العصابات الوطنيون وسوف تنخدع جماهير‏

البلد الآن، لأنكم جميعاً سود، مثلهم، وسوف ينشدون شاهدوا، إن إخوتنا السود يملكون زمام البلد‏

الآن، شاهدوا، إن أخوتنا السود أنفسهم يملكون دفة التوجيه. هل كنا نقاتل من أجل شيء آخر؟ فدعونا‏

نلق أسلحتنا الآن، ونغني تسابيح المديح لقادتنا السود.‏

ثم وضع ثروته، وأطيانه في عهدتهم لرعايتها بل حتى لزيادتها ومضاعفتها. أعطى واحداً منهم‏

رأس مال قدر 500.000شلن، وأعطى واحداً آخر /200.000/شلن وأعطى ثالثاً /100.000/شلن،‏

لكلٍ بمقدار خدمته وولائه لسيده، وأتباعه لمذهبه، ومشاركته وجهة نظره، وهكذا رحل المولى عن‏

طريق الباب الأمامي.‏

أما الخادم الذي حصل على 500.000شلن، فسرعان ما انطلق وابتاع أشياء بأسعار رخيصة من‏

الفلاحين الزراعيين ثم باعها لعمال المدينة بأسعار أعلى، وبهذه الطريقة حصل على ربح مقداره‏

500.000شلن. كما فعل الخادم الذي نال 200.000شلن الشيء نفسه: إذ إنه اشترى بأسعار رخيصة‏

من المنتجين وباع بأسعار مرتفعة للمستهلكين، وبذلك حقق ربحاً قدره 200.000شلن.‏

وأما الخادم الذي حصل على 100.000شلن فقط، فاعتقد أنه ذكي، وراح يستعرض حياته وحياة‏

أهل البلاد مع حياة السيد الذي رحل لتوه إلى بلد أجنبي. أخذ يحدث نفسه قائلاً: لقد كان هذا السيد‏

والمولى يتبجح دائماً بأنه طور البلد بمساعدة المبلغ الضئيل من المال الذي جاء به، وراح يصرخ:‏

رأس المال! رأس المال! دعوني الآن أرى إذا كان رأس المال سيدر أرباحاً دون أن يغذّى ويسقى‏

بعرق العامل، أو دون شراء عرق الفلاح والعامل بسعر بخس. إذا كان بمقدور رأس المال بحد ذاته‏

أن يعود بالربح، فسوف أعرف معرفة اليقين أن المال هو الذي يطور البلاد. ذهب هذا الخادم ووضع‏

مبلغ الـ 100.000شلن في صفيحة معدنية وغطاها جيداً، ثم حفر حفرة بغرسة موز ودفن الصفيحة‏

في داخلها.‏

حدث بعدئذ أن عاد المولى إلى تلك البلاد قبل انقضاء فترة طويلة، عن طريق الباب الخلفي لكي‏

يلقي نظرة فاحصة على الأموال التي تركها وراءه. استدعى خدمه لكي يقدموا تقريراً عن الأطيان‏

والأموال التي عهد بها لكل منهم.‏

جاء الخادم الذي حصل على مبلغ 500.000شلن وقال: سيدي ومولاي، تركتني برأس مال قدره‏

500.000شلن وأنا ضاعفته. كان السيد مندهشاً حقاً وصاح بأعلى صوته: ربح 100% إنها نسبة‏

أرباح مذهلة. لقد فعلت خيراً أيها الخادم المخلص الطيب. لقد أثبتّ أنه يمكن أن يعهد لك بقليل من‏

الثروة. سوف أعينك الآن مشرفاً على عدة مشاريع. هيا، شارك سيدك سعادته ورخاءه. سوف أعينك‏

مديراً إدارياً للفروع المحلية لمصارفي هنا، كما سأعينك مديراً لعدد من الشركات. من هذا اليوم، لن‏

يرى الناس وجهي كثيراً. فأنت ستمثلني في هذه البلاد.‏

ثم جاء الخادم الذي نال مبلغ 200.000شلن وقال: سيدي ومولاي، لقد تركتني بمبلغ 200.000‏

شلن انظر! لقد عاد رأس مالك بمبلغ 200.000شلن أخرى. تحدث السيد المولى وقال: شيء رائع.‏

هذا لعمري شيء رائع حقاً. نسبة مماثلة من الأرباح المرتفعة! إنها بلد مستقر للاستثمار. لقد فعلت‏

خيراً أيها الخادم الوفي الطيب. لقد أثبتّ أنه يمكن أن يعهد لك بقليل من الثروة. ولذلك سوف أعينك‏

الآن مشرفاً عاماً على عدة مشاريع. شارك سيدك سعادته ورخاءه سوف أعينك مديراً للمبيعات في‏

الفروع المحلية لشركات التأمين، ومديراً للفروع المحلية لصناعاتي، ومديراً لعدة شركات أخرى‏

سأعرفك عليها. وسوف تكسب أنت الآخر أسهماً رمزية قليلة. سأخفي وجهي عن الناس منذ اليوم.‏

سأقف خلف المشاهد، وأنت ستقف على الباب والنوافذ، بحيث يكون وجهك مرئياً دائماً. ستكون أنت‏

كلب حراسة مشاريعي الاستثمارية في بلادكم.‏

مشى الخادم الذي حصل على مبلغ 100.000شلن إلى أمام وقال لسيده: أنت أيها السيد والمولى،‏

واحد من العرق الأبيض، لقد اكتشفت أحابيلك! لقد اكتشفت أيضاً إسمك الحقيقي. إمبريالي، ذلك هو‏

اسمك الحقيقي، وأنت سيد وغد. لماذا؟ لأنك تحصد حيث لا تبذر أبداً. إنك تستولي على أشياء لم‏

تهدر من أجلها قطرة عرق واحدة. لقد نصّبت نفسك موزعاً للأشياء التي لم تساعد من قريب أو بعيد‏

على إنتاجها. لماذا؟ لأنك مالك رأس المال فقط. ولهذا ذهبت ودفنت أموالك في التراب لكي أرى إن‏

كان بوسعها أن تكسب شيئاً إذا لم تُلقّح بعرقي أو عرق سواي من الناس. انظر، ها هو مبلغ الـ‏

100.000شلن العائد لك كما تركته تماماً. إنني أرد لك رأس مالك الآن. قم بعدّه وتأكد من عدم فقدان‏

فلس واحد منه. لقد كان الشيء البارز الأهم هو: إن عرقي وجهدي وفرا لي الطعام الذي آكله، والماء‏

الذي أشربه، والمأوى الذي أخلد به للنوم. ها! سوف لن أسجد بتاتاً مرة ثانية أمام إله رأس المال‏

الذي لا حياة ولا وعي فيه. لن أظل عبداً بعد الآن. لقد فُتِحَت عيناي الآن. وإذا وضعت اليوم يدي‏

بأيدي الآخرين الذين آثروا أن يكونوا أسياداً على عرقهم الخاص، فلن يكون هنالك حد للثراء الذي‏

يمكن إنتاجه لشعبنا وبلادنا.‏

نظر إليه السيد وكثير من القذى يملأ عينيه، وكثير من الألم يعتصر فؤاده ثم خاطبه قائلاً: أنت،‏

أيها الخادم الكسول الرديء الخائن، أيها العضو في جماعة ثورية! ألم يسعك وضع المال في مصرف‏

أو في أيدي من يتاجرون بالمال، بحيث أتمكن عند رجوعي من حصاد بعض الربح والفائدة؟ هل‏

تعرف كم يؤذيني أن أجد بأنك دفنت أموالي في قبر، مثل جثة هامدة؟ من أماط اللثام عن سر إسمي؟‏

من أسدى لك النصح برفضي ونبذي لمجرد أنني أحصد حيث لا أبذر وأربح أشياء لم أهدر عليها‏

قطرة من عرقي؟ من قال لك إن الحصاد والتوفير ليسا عملاً شاقاً؟ لا، إنكم أيها السود قاصرون عن‏

فهم مثل هذه الأفكار الثورية! لا، إنكم أيها السود عاجزون عن رسم واستنباط الأساليب لقطع الحبال‏

التي تربطكم بأسيادكم. لا بد إذاً أن تكون مضللاً من قبل الشيوعيين. لا بد أنك حصلت على تلك‏

الأفكار الهدامة من حزب العمال والفلاحين. نعم، لقد تسمم عقلك بالأفكار الشيوعية. أيتها الشيوعية..‏

لقد أصبحت خطراً حقيقياً على السلام والاستقرار اللذين كانا يوجدان في هذه البلاد سواء بالنسبة لي‏

أو بالنسبة لممثليّ المحليين، حراس أملاكي المحليين. لسوف تشعر الآن بحرارة نار مضطرمة‏

تجعلك تنسى إسمي الحقيقي أبد الآبدين. اعتقلوه، الآن، قبل أن ينشر هذه الأفكار السامة في صفوف‏

بقية العمال والفلاحين، وقبل أن يعلّمهم بأن قوة الوحدة المنظمة أشد فتكاً من كل قنابلي وعرباتي‏

المدرعة! جردوه حتى من النزراليسير الذي يملكه وتوزعوه فيما بينكم. ذلك لأن صاحب الثروة‏

يعطى ويزاد، أما الفقير فيسلب حتى من القليل الذي يملكه احتياطاً. ذلك هو أهم أوامري، فماذا‏

تنتظرون، أيها الناس؟ امضوا وأحضروا الشرطة والجيش لاعتقال هذا الرجل، الذي تحلى بالوقاحة‏

في رفض العبودية. ارموه في المعتقل أو في الظلام الدامس الأبدي بحيث لا تستطيع أسرته أن تجني‏

سوى الدموع وصرير الأستان!‏

حسن! حسن! لقد قمتم أيها الناس بعمل جليل. طبقوا هذه المعاملة نفسها على جميع المتمردين‏

من هذا الطراز، بحيث يخاف بقية العمال خوفاً شديداً من الإضراب طلباً لرفع الأجور أو من امتشاق‏

السيوف لتحطيم حبال العبودية.‏

أما بالنسبة لكم، فمن الآن فصاعداً لن أسميكم عبيداً وخدماً بصورة علنية أنتم الآن أصدقائي بكل‏

صدق وحق. لماذا؟ لأنني حتى بعد أن أعدت إليكم مفاتيح بلدكم، تابعتم تنفيذ أوامري والمحافظة على‏

أملاكي، وجعلتم رأس مالي يدر نسبة من الربح أعلى مما كانت عليه الحال عندما كنت أحمل المفاتيح‏

شخصياً ولذلك لن أسميكم خدماً بعد الآن. فالخادم لا يعرف مرامي وآراء سيده. ولكنني أسميكم‏

أصدقائي لأنكم تعرفون.. ولسوف أظل أجعلكم تعرفون كل مخططاتي لهذه البلاد، وسوف أعطيكم‏

بعضاً مما أكسب، لكي تتوفر لكم القوة والدوافع من أجل تحطيم رؤوس من يتحدثون عن الجماهير‏

بأي مقياس من مقاييس الجدية.‏

يعيش السلام، ويعيش الحب والاتحاد بيني وبين نوابي المحليين! ما هو الشيء السييء جداً في‏

ذلك؟ أنتم تعضون مرتين وأنا أعض أربع مرات. سوف نضلل الجماهير الساذجة. يعيش الاستقرار‏

من أجل التطور! يعيش التطور من أجل الربح! يعيش الأجانب والخبراء المهاجرون!‏

(2)‏

عندما أنهى رئيس المراسم حديثه في الحكايات الرمزية، هبّ جمع السارقين واللصوص الذين‏

تجمعوا في الكهف من أجل المنافسة واقفين وقابلوه بحفاوة بالغة حتى إن تصفيقهم كان شبيهاً بقصف‏

الرعد. صاح بعضهم: "ذلك الحذاء يتناسب تماماً مع القدم.. لاحاجة لأية جوارب، بينما راح آخرون‏

يتجاذبون ويشدون قمصان وأكمام بعضهم بعضاً ويتهامسون: ألم تسمعوا ذلك؟ من له يعطى ويزاد..‏

لقد أصاب رئيس المراسم عين الحقيقة في حديثه عن الوحدة القائمة بيننا وبين الأجانب. هم يأكلون‏

لحم البشر ونحن ننظف العظام.. الكلب الذي يملك عظمة أيسر بكثير من كلب خالي الوفاض.. ولكن‏

لا تخطئوا، ليس سوى عظم عليه قليل من اللّحم.. فتلك هي الاشتراكية الافريقية.. على غير شاكلة‏

اشتراكية "نيريري" وأصدقائه الصينيين، اشتراكية الجسد الخالص، الاشتراكية التي تسعى لمنع‏

الإنسان من التقاط عظمه.. ونحن لا نريد الإتجاهات الصينية في بلدنا، إننا نريد المسيحية..‏

طلب رئيس المراسم منهم الجلوس، وخف الصخب والتصفيق. كان له جسم معلوف جيداً: إذ‏

كانت وجنتاه مستديرتين مثل بطيختين، وعنياه كبيرتان حمراوان، مثل خوختين وكان عنقه ضخماً‏

مثل جذع شجرة "البوباب" الإستوائية. كان بطنه أكبر قليلاً من عنقه. كان له سنّان ذهبيان في فكه‏

الأسفل، وعند الكلام، كان يفتح شفتيه على مصراعيهما لكي تتسنى مشاهدة الأسنان الذهبية. وكان‏

يرتدي بزة حريرية تلمع مع النور، وتبدّل لونها وفقاً لكثافة الضوء وزاوية الحزمة الشعاعية. وقدم‏

لجمهوره ومشاهديه تفاصيل إضافية عن المنافسة.‏

سوف يعتلي كل متسابق المنصة، وسوف يحكي لنا كيف باشر السرقة والنهب وأين باشرهما،‏

كما سيحكي لنا بعد ذلك بإيجاز عن آرائه في كيفية إيصال مهاراتنا في السلب والنهب إلى حد‏

الكمال. أما الأهم من ذلك فهو أن عليه أن يبين لنا إمكانية تطوير شراكتنا مع الأجانب بحيث نعجّل‏

ارتقاءنا إلى جنان البضائع الأجنبية ومباهجها. وأنتم، أيها المستمعون، ستعملون عمل القضاة، ولذلك‏

فإن عليكم أن تصفقوا لكل متحدث حتى تبينوا مقدار ما نالكم من إلهام من جراء وصفه لأحاييله‏

وخدعه الأرضية.‏

إنني الآن، وأنا أتكلم كرئيس لفرع "إيلموروج" في منظمة السرقة واللصوصية الحديثة، أريدكم‏

أن تلاحظوا ما يلي.. إن منافسة هذا اليوم هي المسنُّ الذي نشحذ عليه أنيابنا ومخالبنا لكي نقضم بها‏

ثروات الآخرين في وحدة وسلام. ذلك، كما تعرفون، لأن بيتا فيه مسن عند الباب لا يكون فيه سكين‏

مثلومة.‏

ولذلك فإن على الخاسرين ألا ييأسوا. إن عليهم أيضاً الاستمرار في السلب والنهب، كما إن‏

عليهم أن يتعلموا أحابيل جديدة من الفائزين، فالحكمة يمكن تعليمها للحكماء أيضاً. لم يكن النمر‏

يعرف كيف يفترس بمخالبه حتى تعلم ذلك من الراعي.‏

أما الآن، وقبل أن أجلس، فإنني سأدعو رئيس الوفد الأجنبي من المنظمة الدولية للسارقين‏

واللصوص التي يوجد مقرها، في نيويورك بالولايات المتحدة لكي يتحدث إليكم. وأعتقد أنكم جميعاً‏

تعرفون أننا تقدمنا بطلب للحصول على العضوية الكاملة في منظمة السارقين واللصوص. إن زيارة‏

هذه المنظمة، إضافة إلى التاج والهبات التي أحضروها لنا، هي إيذان بقيام مرحلة تعاون مثمر تماماً،‏

وهناك أحابيل كثيرة يمكن تعلمها منهم. إن علينا ألا نخاف من الإعتراف بحقيقة أننا لا نعرف مثلما‏

يعرف الأجانب، وعلينا ألا نشعر بالعار والمذلة إذ نشرب من مناهل أجنبية في العلم والمعرفة ولذلك‏

دعونا نرش ونبلل صدورنا باللعاب داعين إلى الله أن يغدق بركاته على أعمالنا.‏

قام رئيس المراسم الآن بدعوة زعيم الوفد الأجنبي من السارقين واللصوص إلى المنصة لكي‏

يخاطب جمهور المتنافسين. وكانت الحفاوة التي لقيها رئيس الوفد الأجنبي عندما تسلق الدرج صاعداً‏

إلى المنصة أقوى من قصف الرعد. سحج رئيس الوفد حنجرته قبل بدء الخطاب.‏

كان أحد الرجال الانكليز هو أول من قال: "العصر عصر المال". ونحن الأمريكيون نؤمن‏

بالشيء نفسه: العصر عصر المال؛ ولذلك لن أضيع عليكم وقتكم بفيض من الكلام. إن الحكاية‏

الرمزية التي رواها لنا رئيس المراسم شملت أهم النقاط التي ينبغي ذكرها.‏

لقد جئنا من دول عديدة، بعيدة وكبيرة: من الولايات المتحدة وانكلترا وألمانيا وفرنسا ومن الدول‏

الاسكندنافية، السويد والنروج والدانمارك، ومن إيطاليا واليابان. دعونا نتوقف عن الكلام ونتأمل ذلك.‏

دول مختلفة، ألسنة مختلفة، وألوان جلود مختلفة، وديانات مختلفة- ولكن منظمة واحدة ذات هدف‏

واحدة وعقيدة واحدة هي السرقة.‏

جئناكم كأصدقاء لنا، كما جئنا أيضاً إلى أصدقائنا هم أيضاً كلاب حراسة على استثماراتنا.‏

ونحن عندما نكون بينكم نشعر وكأننا في بيتنا. لقد زرنا مغاور ومخابيء كثيرة يملكها سارقون‏

ولصوص محليون، ونحن في غاية السرور للعمل الذي أنجزتموه أيها الإخوان. وعلى الرغم من‏

حقيقة أنكم بدأتم في مرحلة حديثة متأخرة أساليب السرقة واللصوصية الجديدة، فإنه يبدو أنكم سيطرتم‏

على الأساسيات وأحرزتموها بشكل سريع جداً. وإني لأعتقد أنكم إذا تابعتم هذا المنوال، فستصبحون‏

خبراء حقيقيين في السرقة واللصوصية الحديثة، تماماً مثل أقراننا في العالم الغربي.‏

إن ما نرمي إليه هو اختيار سبعة تلاميذ. وسيصبح هؤلاء ممثلين لممثلينا، سارقون يعلّمون‏

سارقين آخرين، ولصوص يعلّمون لصوصاً آخرين، بل خبراء يعلّمون خبراء آخرين، ذلك لأنه،‏

وكما كان رئيس المراسم يحكي لي، ونحن جالسان معاً على الطاولة، لديكم قول عن وجود أدوات‏

حديدية تستطيع ثقب الحديد ذاته. إن المنافع التي ستصبح من حق هؤلاء التلاميذ السبعة هي ما يلي:‏

ما إن يتم تتويجهم، حتى لا يبقى ثمة باب واحد من أبواب الفروع المحلية لمصارفنا ودور التأمين -‏

أو لنقل الفروع المحلية لكافة بيوتنا المالية، مغلقاً في وجوههم. إن أي إنسان يعرف أي شيء عن‏

السرقة الحديثة يعرف حق المعرفة أن هذه المؤسسات المالية هي التي تحكم كل شيء في الوقت‏

الراهن -سواء كانت صناعات أو ضروباً أخرى من التجارة. إن بيوت المال هذه هي التي تملي‏

توضّع هذه الصناعة أو تلك، وتوسيع هذه الصناعة أو تلك. إنها تملي الملكية والنماء- إنها تحدد فيما‏

إذا كانت صناعة من الصناعات ستشاد من قبل "كاماو" أو من قبل "أونيانجو"، وفيما إذا كانت ستتوسع‏

أو تغلق أبوابها. إن بارونات دور المال هم الأصوات الحاكمة في العالم هذه الأيام. المال يحكم‏

العالم! وهذه الدور هي أيضاً الخزائن الوحيدة الموثوقة لإيداع الموجودات التي سلبها الإنسان من هنا‏

وهناك. سيكون من واجب هؤلاء المريدين السبعة أن يبينوا للسارقين واللصوص الآخرين، لا سيما‏

من لا يملك منهم خبرة أو تجربة، أفضل الطرق في النهب والسلب، وأفضل الطرق في الأكل‏

والشرب والغط في النوم وأفضل الطرق في ترويح الهواء كما يروحه الأغنياء، هذا الترويح الذي‏

تقولون أنتم أيها الأخوة أنه بلا رائحة.‏

أود الآن، وقبل أن أجلس، أن أترككم بكلمات قليلة من الحكمة. ليس ثمة شخص، على ما أعتقد،‏

إلا ويعرف بأن السرقة واللصوصية هي أحجار الزاوية في حضارة أمريكا والعالم الغربي. المال هو‏

القلب الذي ينبض في سبيل الإبقاء على العالم الغربي على طريق التقدم والتطور. وإذا كنتم أيها‏

الأخوة ترغبون في تشييد حضارة عظيمة مثل حضارتنا، فاسجدوا أمام إله المال. لا تلتفتوا لوجوه‏

أطفالكم الجميلة، أو وجوه أبويكم، أو وجوه أخوتكم وأخواتكم، بل التفتوا فقط إلى وجه المال البديع،‏

ولن تضلوا أو تخطئوا أبداً، خير لكم وأجدى أن تشربوا دماء شعبكم وأن تأكلوا لحمه من أن‏

تتراجعوا خطوة واحدة إلى الخلف.‏

لماذا أقول لكم هذا كله؟ السبب هو تجربتنا الخاصة. ذلك هو بالضبط ما فعلناه في أمريكا‏

وأوروبا الغربية. عندما حاول الهنود الحمر حماية ثروتهم ومنعها عنا، أبدناهم بسيف النار وبالمدفع،‏

ولم نبق إلا على نفر قليل منهم، ممن أرغمناهم بعد ذاك على البقاء كشاهد مذكر على تاريخنا وحتى‏

قبل أن نفرغ منهم، اتجهنا نحو قارتكم افريقيا وحملنا منها بضعة ملايين من العبيد، إن دماء أهليكم‏

هي التي رفعت أوروبا وأمريكا إلى المقام الذي تتبؤه الآن. لماذا أخفي هذه الحقيقية عنكم، وأنا أرى‏

أنكم أصدقاء لنا الآن؟ ونحن اليوم، لصوص وسارقون من أمريكا والعالم الغربي واليابان قادرون‏

على التجول في كل أرجاء المعمورة، نغتصب كل شيء رغم أننا، بالطبع، نترك كسرات قليلة‏

لأصدقائنا. لماذا نحن قادرون على فعل ذلك؟‏

السبب هو أن أسلافنا لم يخافوا التخبط بدماء عمالهم وفلاحيهم ودماء عمال البلدان الأخرى. إننا‏

اليوم نؤمن بديموقراطية السرقة واللصوصية، ديموقراطية امتصاص دماء العمال وأكل لحومهم‏

البشرية. وإذا أردتم أن تكونوا مثلنا، أنزلوا حنانكم وشفقتكم عن أغصان الأشجار، ولن يصيبكم‏

الوجل من عمالكم وفلاحيكم ولكنّ عليكم، كما قال رئيس المراسم قوله الحق، أن تحاولوا باديء ذي‏

بدء خداعهم بالكلام المعسول والآن أية صورة استخدمها رئيس المراسم؟ أوه، أجل، إن عليكم أن‏

تتعلموا تغليف السم بأوراق السكر. أما إذا تبين أنهم مشاكسون عنيدون، مثل الخادم الرديء في‏

الحكاية الرمزية، الذي حسب أنه أشد ذكاءً من سيده ومولاه، فإن عليكم عندها سحقهم بالتراب‏

والغبار بمسامير نعالكم.‏

وفي الختام، إن عليكم أن تطوروا حرفة السرقة، وسوف نقدم لكم يد المساعدة للدفاع عنها بكافة‏

الأسلحة الموجودة تحت تصرفنا. تلك هي رسالتي، وليحالفكم السعد جميعاً في أعمالكم.‏

عندما جلس رئيس الوفد الأجنبي، دبت الفوضى بالكهف كله وهو يردد صدى التصفيق العاصف‏

والأصوات. الحذاء ليس بحاجة إلى جوارب! إنه لا يحتاجها! فهو يناسب القدم تماماً! وقد صُنع من‏

أجل تلك القدم. وهذا الأجنبي يعرف حقاً كيف يلائم الأحذية!‏

افتتحت فرقة ملائكة جهنم الغناء بلحن قوي، بينما كان الحضور يتسامرون ويشربون. أخذ نفر‏

منهم يصفعون بعضهم بعضاً على الأكتاف بانفعال واستفزاز، بينما راح آخرون يقبلون عشيقاتهم‏

على الشفتين والأنف والعينين. لم يكن لهذا اللحن وزن إيقاعي مرح. كان اللحن أشبه بالترانيم أو‏

الترتيلات. وبعد بضع دقائق توجه الجميع باتجاه الفرقة وشرعوا جميعاً ينشدون وكأنهم في كنيسة:‏

أخبار طيبة وردت‏

وردت لبلادنا‏

أخبار طيبة وردت‏

عن مخلصنا وفادينا‏

(3)‏

التفتت "وارينجا" نحو "جاتويريا" وسألته: هل من المعقول أن يكون رجال يرتدون مثل هذه‏

الملابس الغالية سارقين ولصوصاً؟‏

رد عليها "جاتويريا" بالقول: في الحقيقة لا أعرف ماذا يجري.‏

إنهم لصوص! بالطبع إنهم لصوص. قالت "وانجاري".‏

إنهم لصوص حديثون، أضاف "موتوري".‏

إن لهؤلاء الأجانب بشرة حمراء جداً، قالت "وارينجا"، وهي تلتفت نحو المكان الذي يجلس فيه‏

اللصوص الأجانب.‏

ألم تسمعوا ما قاله رئيسهم؟ سألت "وانجاري"، ثم قالت هامسة: ذلك لأنهم يشربون دماء أطفالنا‏

وأطفالهم.‏

ولأنهم يغتسلون بها، قال موتوري. لقد كان "جاتويريا"، "وموتوري"، ووارينجا وابخاري‏

ومواؤرا يجلسون على طاولة في مؤخرة الكهف تماماً. فكان على وارينجا، كلما رغبت في الحصول‏

على نظرة نحو هؤلاء الأجانب، أن تمد عنقها.‏

كانت المائدة التي يشغلها الأجانب عند مدخل الكهف على أحد جانبي المنصة. وأمام المنصة‏

تماماً كان هنالك طاولة صغيرة ذات قوائم طويلة فكان كل متحدث يقف وراءها. وعند الزاوية‏

اليسرى من المنصة، في الخلف، كانت فرقة ملائكة جهنم.‏

كان المقعد الذي يشغله رئيس الوفد الأجنبي أعلى قليلاً من بقية المقاعد وكان ثلاثة من الأجانب‏

يجلسون على يمينه، بينما يجلس الثلاثة الآخرون على يساره. لاحظت وارينجا وهي تنعم النظر اليهم‏

أن جلودهم كانت حمراء فعلاً، وأنها تشبه جلود الخنازير أو جلد رجل أسود أحرقه ماء مغلي أو‏

أحرق نفسه برغوة الأسيد. وحتى الشعر على سواعدهم وأعناقهم كان ينتصب بخط مستقيم قائم مثل‏

شعر حمل معمّر. وكان شعر الرأس مائلاً للبني، بلون جلد الخلد. وكان طويلاً جداً يصل إلى أكتافهم‏

كأنه لم يحلق منذ الولادة. كانوا يعتمرون قبعات شبيهة بالتيجان. كما كان كل تاج مزيناً بسبع قطع‏

معدنية لها شكل القرون التي تلمع ببهاء ساطع جداً يكاد يبهر العيون ويعميها. كانت كافة التيجان‏

متشابهة، إلا أن تاج الرئيس أكبر قليلاً من التيجان الأخرى. وكانت أطراف القرون ملوية بحيث‏

تشكل الحرف الأول للبلد الذي حضر كل واحد منه.‏

كان هنالك اختلاف في البزات التي يرتدونها. إذ كانت بزة الرئيس مصنوعة من الدولارات،‏

وبزة الانكليزي من الجنيهات الاسترلينية، والألماني من المارك، والفرنسي من الفرنكات، والإيطالي‏

من الليرات والاسكندنافي من الكرونات، وبزة المندوب الياباني من الينات كما كانت كل بزة مزينة‏

بعدة شارات، أشبه بالشارات التي يرتديها الكشافة وكانت هذه الشارات معدنية، مثل مصابيح‏

الإعلانات الكهربائية، تضيء وتخمد، موضحة الكلمات المنقوشة عليها، كانت كل شارة تحمل شعاراً‏

أو شعارين من قبيل: المصارف العالمية، المصارف التجارية العالمية، مصارف الاستثمار العالمية،‏

مشاريع التأمين لابتلاع الأموال، الديوك الرومية الصناعية للمواد الخام، الصناعات الرخيصة‏

للتصدير إلى الخارج، تجار جلود البشر، قروض للربح، مساعدات بخيوط الحديد، أسلحة للجريمة،‏

مصانع تجميع السيارات من أجل المتع الفارغة في الوطن ومن أجل مزيد من الأرباح في الخارج،‏

كافة المنتجات الجميلة والمحبوبة لكي يبقى الحمقى يرسفون في أغلال العبودية، كونوا عبيداً من أجل‏

الراحة والهناء، تاجروا معي، وشارات كثيرة أخرى من هذا القبيل.‏

كانت المائدة التي يشغلها "جاتويريا" و"وارينجا" و"موتوري" و"وانجاري" و"مواؤرا" على مسافة‏

قليلة من المكان الذي يجلس به "مؤيريري" واموكيراي"، ولذلك لم يكن بوسعهم أن يروا غير قمة‏

رأسه. في الليلة السابقة، وهم في الطريق إلى ايلموروج، قرّ قرار الجميع على الالتقاء في المهرجان‏

ومشاهدة المنافسة بأنفسهم. وكان "مؤيريري واموكيراي" هو الذي أعطاهم بطاقات دعوة أصلية، إذ لا‏

يسمح بدخول أي شخص إلى الكهف دون بطاقة. وهذا ما تم تطبيقه فيما بعد. فعندما التقوا في الساعة‏

العاشرة من صباح ذلك الأحد، وجدوا حراساً عند الباب فطالبهم الحراس إبراز بطاقات الدعوة قبل‏

السماح لهم بدخول الكهف.‏

ولكن هل كان المكان بالفعل كهفاً أم منزلاً، بل واحداً من المنازل الفخمة الفاخرة؟‏

كانت أرض الكهف صقيلة ناعمة، كأنها تُجلى باستمرار- لقد كانت، في الواقع ناعمة جداً بحيث‏

أن من ينظر إلى الأرض يتمكن من رؤية وجهه مصوراً فيها. وكان السقف يلمع بالدهان المطلي.‏

كانت الثريات التي تشبه عناقيد الفواكه البلورية تتدلى من السقف. وكانت العناقيد مزينة بالبيارق‏

الخفاقة الملونة بكافة ألوان قوس قزح، ناهيك عن البالونات، كما كانت البالونات ذات ألوان متعددة،‏

خضراء، وزرقاء، وبنية، وحمراء وبيضاء، وسوداء.‏

كانت النادلات تنتقل من مائدة إلى مائدة، تتلقى طلبات الشراب. لقد كن جميعاً يرتدين ألبسة‏

القطط من الصوف الأسود. وكانت ملابسهن ملائمة تماماً لأبدانهن: إذ كانت تلتصق بكفاف أجساد‏

الفتيات بصورة ضيقة جداً بحيث أن المتطلع من مسافة بعيدة يمكن أن يحسبهن عاريات كما ثبتت‏

على أقفيتهن قطع تجميلية لاصقة لها شكل ذيل الأرنب. وثبتت على صدورهن ثمرتان بلاستيكيتان‏

من الفاكهة. وكل فتاة تضع على رأسها رباطاً كتب عليه باللغة الإنكليزية: "أنا أحبك" لقد ظهرن مثل‏

أشباح من عالم آخر.‏

كانت "وارينجا" تشرب الويسكي مع الصودا، بينما اختار كل من جاتويريا وموتوري ومواؤرا‏

الجعة، في حين أن وانجاري طلبت شراباً خفيفاً هو الفانتا Fanta. لقد دفع جاتويريا وموتوري فاتورة‏

الحساب.‏

لقد كان مهرجاناً بكل معنى الكلمة. وكانت الأوامر ذلك النهار -اشرب حتى الثمالة، أطلق‏

لنفسك العنان عن طريق توزيع الشيكات المصرفية في كل مكان. لقد بعث هذا الإجراء الفرحة لدى‏

معظم المتنافسين، إذ سنحت الآن لكل واحد فرصة عرض ثروته. كان كثيرون منهم يرغبون في‏

طلب مقادير سخية من الشراب- قوارير كبيرة من الويسكي والفودكا والبراندي والجن أو علباً كاملة‏

من الجعة لكل فرد. وكان أمثال هؤلاء يؤثرون عض شفاههم غيظاً وغضباً لو سمعوا بأن على‏

المائدة التي يشغلونها ثمة امرؤ يطلب المسكرات بالجرعة أو بقوارير الجعة الانفرادية. ذلك لأن‏

طلب المسكرات بالجرعة الصغيرة أو طلب الجعة بالقارورة، وهذا أمر متفق عليه بصورة عامة، هو‏

أسلوب شرب البائسين.‏

كان كثيرون منهم يتأبطون سواعد النساء الصبايا- بنات الهوى- اللواتي يتزين بالجواهر النفيسة‏

كأطواق الزمرد والياقوت حول أجيادهن، وخواتم الذهب والفضة على أناملهن.. بدا وكأن النساء‏

الموجودات في الكهف قد لبسن لمعرض أزياء، أو لعرض الحجارة الكريمة، كان الرجال يطلبون‏

لمعشوقاتهن شراب الشمبانيا فقط وهم يتحججون قائلين: خلوا الشمبانيا تجري وتجري مثل جريان‏

نهر "روئيرو" وإذا لم نستطع احتساءها كلها، فسوف نستحم بها.‏

متى سيباشرون؟ سألت "وارينجا" "جاتويريا".‏

إنهم يستعدون أجابها جاتويريا.‏

كانت "وانجاري" تقلّب أشياء كثيرة في ذهنها وتقول لنفسها: أنا سعيدة الحظ جداً. بالأمس فقط‏

أُطلق سراحي بعد أن قلت لرجال الشرطة: إنني سوف أستقصي أوكار كافة اللصوص والسارقين‏

حتى أتمكن من لعب دوري في خدمة الجمهور بصورة عامة. لكأنني كنت أعرف كل شيء عن هذا‏

المهرجان. أي سعد هذا! ما هي إلا أربع وعشرون ساعة ووجدت عرينهم. أليس هؤلاء هم الأوغاد‏

الذين تجمعوا في الكهف هنا مع أصدقائهم القادمين من الخارج؟ لو ألقيت القبض عليهم جميعاً‏

وأودعتهم السجن عن طريق رجال الشرطة، ألن يوضع حد للسرقة واللصوصية في "إيلموروج"،‏

وتتخلص البلاد كلها من أكلة لحم البشر؟ سوف أتريث حتى أسمع ما عندهم من كلام. سأعرف‏

مخططاتهم، بحيث أنني عندما أذهب لإحضار المفتش "جاكونو" وقوته البوليسية، سيكون في جعبتي‏

أدلة وقرائن كثيرة. إنني أرى أن موتوري يراقب كل شيء وينصت لكل كلمة، كأنه لا يريد أن يفوته‏

شيء- وإنني أتساءل عما إذا كان سيساعدني في الشهادة.‏

خطر لها أن تطلب مساعدته، ثم أحجمت عن ذلك، طفق قلبها يدق بإيقاع الأغنية التي أنشدتها‏

في سيارة "مواؤرا" الليلة الماضية.‏

تعالوا جميعاً‏

وشاهدوا المنظر المدهش‏

منظرنا ونحن نطارد الشيطان‏

مع كافة تلامذته ومريديه‏

تعالوا جميعاً!‏

ثم بدأت العصابة تعزف لحناً كونغولياً‏

وفجأة خطرت ببال "موتوري" فكرة فاتجه نحو "مواؤرا" وسأله هامساً: يا "مواؤرا"، ما هي‏

علاقتك بالقتلة الذين يسمون أنفسهم ملائكة الشيطان؟‏

انتفض "مواؤرا" وكأنه وخز بإبرة محمرّة من شدة الحرارة. كيف تعرف؟ كيف تعرف؟ سأل‏

وعيناه مفعمتان بالفزع.‏

ولكن في تلك اللحظة، توقفت الفرقة عن العزف، وتوقف الضجيج كله. وران صمت مطبق على‏

الكهف ووجه الجميع أبصارهم نحو المنصة.‏

كانت المنافسة على وشك الابتداء.‏

(4)‏

سار المتنافس الأول بخطى مديدة إلى الأمام وقفز إلى المنصة. نظر اللصوص الآخرون بعضهم‏

إلى بعض بفزع ورعب.‏

كانت البزة التي يرتديها هذا المتسابق تحمل الاسم الذي أعطي له عند التعميد "نابير -ابن‏

العشب- المرتجف" لم يظهر عليها أية علامة على أنها مسّدت أوكويت سابقاً. كان طويل القامة‏

وضامراً. غير أن عينيه كانتا كبيرتين واسعتين تشبهان مصباحين كهربائيين متدليين من شجرة‏

"أوكاليبتوس" طويلة وهزيلة. وكانت ذراعاه طويلتين، يؤرجحهما ذات اليمين وذات اليسار كأنه لا‏

يعرف ماذا يفعل بهما -هل يدسهما في جيوبه، أم يتركهما متصلبتين، مثل جندي يقف في وضع‏

الاستعداد، أم يلفهما مثل رجل في موقف التحدي، لقد جرّب كافة هذه الوضعيات واحدة إثر أخرى.‏

كان يحك رأسه، ويطقطق أصابعه. وفي النهاية استقر على لفهما عبر صدره وندّت عنه ضحكة‏

خفيفة حتى يبعد عن نفسه رهبة المسرح وهو يبدأ قصته.‏

"اسمي هو "ندايا واكاهوريا" إذا كنت أبدو مضطرباً ومحرجاً، فذلك لأني غير معتاد على‏

الوقوف أمام مثل هذا الجمع الحاشد. غير أن هاتين اليدين اللتين تنظرون إليهما.. ومد يديه لكي يتيح‏

للجمهور رؤية راحتيه وأصابعه.. هاتين اليدين اللتين ترونهما متعودتين على الإندساس في جيوب‏

الآخرين. لو تزحلقت هذه الأصابع الطويلة داخل جيوبكم، فإنني أوكد لكم بأنكم لن تحسوا بها. لا‏

أظن أن في هذه المنطقة كلها لصاً واحداً يطلب مني أن أتنحى جانباً لكي يعلمني كيف اختطف‏

جزادين النساء في السوق، أو في الحافلات أو كيف أصيد دجاج الناس في القرى.‏

ولكن بحق الله في السماء- بل وأيم الحق والحقيقة- إنني أسرق لأنني جائع، ولأنني احتاج إلى‏

ملابس، ولأنني عاطل عن العمل ولأنني لا أملك مكاناً ألقي عليه رأسي الصغير هذا في الليل.‏

مع ذلك، ولكي أثبت أنني موهوب بالسرقة، دعوني أقدم لكم تصويراً حياً موجزاً عن الطريقة‏

التي أسرق فيها الدجاج في القرى.. تبدى وكأن رهبة المسرح لديه أخذت تتلاشى فراح الآن يقص‏

كيف يثقب ثقوباً في حبات القمح ويربطها معاً بخيط من النايلون ثم يلقي بحبات القمح للدجاج وهو لا‏

يزال يمسك بأحد طرفي الخيط ويغني مشجعاً الدجاج بذلك على النحو التالي: كورو كورو كورو..‏

كورو كورو كورو.. كورو كورو كورو.. هناك وآنذاك راح "ندايا"، وهو ينحني منكباً على المنصة،‏

يلوح بذراعيه يمنة ويساراً، كأنما يشاهد دجاجاً حقيقياً أمامه، يصيح لها: كورو كورو كورو، كورو‏

كورو كورو.. غير أنه قبل أن يتم قصته، بدأ بعض الضيوف يتذمرون ويصرخون، بينما راح‏

آخرون يصفرون لكي يظهروا اشمئزازهم من عرض "ندايا" وتمثيله على المنصة. وأخذ آخرون‏

يضربون الأرض بنعالهم ويصرخون كيف سُمح لهذا اللص البائس، بحكاياته السخيفة الكئيبة،‏

بالدخول إلى هنا؟‏

قفز رئيس المراسم إلى المنصة وطالب بالصمت والهدوء، خاطب جمهور النظارة قائلاً: إن هذه‏

منافسة للسارقين واللصوص، لسارقين حقيقيين -والمقصود بذلك، أولئك الذين بلغوا مراتب عالمية.‏

أما حكايات الناس الذين يكسرون الأقفال في أكواخ القرية أو يختطفون جزادين نساء السوق‏

المسكينات فهي أشياء مخجلة في نظر الخبراء الحقيقيين في السرقة واللصوصية، بل هي أكثر عيباً‏

وعاراً حين تتلى على مرأى ومسمع من لصوص وسارقين دوليين. لم يقطع الأجانب كل هذه‏

المسافات لمقابلة أناس سرقوا لأنهم جياع أو لأنهم بحاجة للملابس والعمل. إن مثل هؤلاء اللصوص‏

الحقراء مجرمون. ونحن هنا، في هذا الكهف، مهتمون فقط بالناس الذين يسرقون لأن كروشهم‏

متخمة. قال رئيس المراسم ذلك وهو يربت على معدته.‏

زالت عن "ندايا" كل دواعي الخجل والخوف وراح يخاطب رئيس المراسم بصوت جهوري:‏

اللص لص. يجب ألا يكون هناك لصوص من أصحاب الامتيازات الخاصة. اللص لص، وليس للدافع‏

أية قيمة أو شأن يجب أن يسمح لنا جميعاً بدخول المنافسة والتباري بحرية. فاللص لص.‏

تعالت من كل أركان الكهف أصوات جمع السارقين واللصوص بالاعتراض، ومن يصرخون‏

بغضب، قولوا له أن يبتعد ببذته الرخيصة تلك عن منصة يملكها رجال يعرفون شغلهم! يا" ندايا‏

واكاهوريا"، ونحن لا نريد النظر إلى اسمك المسيحي "نابير -ابن العشب، المرتجف"، دعوه يرتجف‏

مع الريح في الخارج! إرموه خارجاً! بمقدوره أن يأخذ موهبته الخاصة في سرقة الدجاج إلى‏

نجيروكا! يا رئيس المراسم، قم بعملك. إذا كنت عاجزاً عن ذلك، قل، وسوف نجد بديلاً يعالج‏

الموقف.‏

أومأ رئيس المراسم للحراس عند الباب. هرع هؤلاء إلى أمام، وهم يلوحون بهراواتهم في‏

الهواء، وأخرجوا "ندايا" بخشونة نحو الباب، رغم احتجاجاته القوية ضد التمييز. لقد طرد "ندايا" من‏

المهرجان. راح السارقون واللصوص الآخرون يضحكون ويصفرون فرحاً. ومرة ثانية أشار رئيس‏

المراسم مطالباً بالصمت والهدوء ثم أخذ يتحدث.‏

هذه منافسة من أجل سارقين ولصوص دوليين، وذلك يعني سارقين ولصوصاً أحرزوا مراكز‏

دولية. ولذلك لا نريد أغراراً أو هواة يقبلون إلى هذا المكان ويضيعون وقتنا. العصر عصر مال،‏

وكل زمن يسرق الزمن.‏

لذلك دعونا نتفق على القواعد التي تحكم هذه المنافسة من الآن فصاعداً إن سبب تجمعنا اليوم‏

هنا ليس سبباً ساذجاً بسيطاً كما يخال بعضكم، وهو ليس مسألة ضحك أيضاً. أنا أقول: ليس لمن‏

يسرق المئات أو حتى الألوف أن يزعج نفسه في القدوم إلى المنصة، لأنه بذلك يفرض ضريبة على‏

صبرنا دون مقابل.‏

لاقت هذه الكلمات تصفيقا حاراً.‏

تلك هي القاعدة الأولى. إن تصفيقكم، الذي هو دون ريب تلقائي ومخلص، علامة نوافق عليها‏

جميعاً. إننا نريد أن نرى ونسمع هنا عن لصوص وسارقين جلسوا مرة واحدة على الأقل يحصون‏

ويخزنون ملايينهم.‏

والقاعدة الثانية هي: ليس لواحد لا يتمتع بكرش كبير ووجنتين سمينتين أن يتعب نفسه ويعتلي‏

المنصة لإضاعة وقتنا. من ذا الذي يستطيع المناقشة بأن حجم كرش الإنسان وبدانة وجنتيه ليسا‏

المقياس الحقيقي لثرائه؟‏

أما اللصوص الذين يتباهون بكروش كبيرة، فقد قابلوه بترحيب وحفاوة لكن اللصوص النحلاء‏

الضعفاء استنكروا كلامه. وانقسم الجمهور في الكهف إلى قسمين، كما نشبت مجادلة حامية بين‏

البدينين والنحلاء.‏

هب رجل واضح النحول واقفاً لكي يحلّ نفسه تماماً من القاعدة الثانية.‏

كان مغتاظاً جداً بحيث أن تفاحة آدم في عنقه راحت تتراقص صعوداً وهبوطاً بسرعة مذهلة‏

وهو يتكلم. طرح هذا النحيل بأنه على الرغم من صحة كون كثير من اللصوص والسارقين يتمتعون‏

بكروش كبيرة ووجنات طافحة تتغذى على النعيم، فثمة آخرون يعانون من بطون خاوية ووجنات‏

جوفاء لأنهم في شغل دائم بالمشاكل التي تسببها زيادة ثرواتهم. أجل، المشاكل المتعلقة بحجم الثروة‏

ذاتها، قال الرجل، ثم أضاف: وذلك لا يعني أنهم غير بارعين في السرقة واللصوصية. كما ينبغي ألا‏

يُميّز المرء أو يعادى بسبب نحوله. إنه لا يستطيع ترقيع معدة إضافية لنفسه أو إستعارة كرش زوجته‏

الحامل حتى يسمح له بالاشتراك في المنافسة. إن كون الإنسان نحيلاً يختلف عن كونه مصاباً‏

بالنحول عن طريق سوء الحظ... وليس لنا أن نحكم على البطل من حجم بطتي ساقيه. أنهى النحيل‏

كلامه وجلس على كرسيه. النحلاء صفقوا له بعنف وحماسة، أما البدينون فقابلوه بالتسقيط.‏

أوشكت معركة على الاندلاع عندما قال رجل بدين بصوت مرتفع بأن الرجل الذي فرغ لتوه من‏

الكلام هو رجل ضامر هزيل مثل "ندايا واكاهوريا" وقف الرجل الذي وجهت له الإهانة وسأل بعنف‏

ومرارة: من سماني "ندايا وكاهوريا"؟ من سماني بائساً؟ من أهانني بمقارنتي بلص يتعامل مع حفنة‏

من المئات والألوف فقط.؟ فليتقدم! دعوه يتقدم، ولنعلنها حرباً بالأكف، بحيث أتمكن من تعليمه بأنني‏

أسرق بالملايين.‏

وقف بعد ذلك رجل لاهو نحيل ولا هو بدين، حسم النزاع بالقول: دعونا لا نعير اهتمامنا‏

للنحول أو البدانة، للبياض أو السواد، للطول أو القصر. إذ ليس ثمة ما يعتبر طيراً جارحاً صغيراً‏

جداً عندما يتعلق الأمر بالصيد والقنص. إن أي إنسان يشعر بأن لديه ما يأخذه الطير الجارح يجب أن‏

يسمح له بالتقدم والتنافس مع بقية الجوارح المفترسة. ينبغي أن يلتقي الجارح بالجارح لتصفية كل‏

شك وريب حيال من يجتذب الطريدة في التهام أرزاق الآخرين. ألقوا النظر فقط على ضيوفنا‏

الأجانب. بعضهم سمين وبعضهم الآخر نحيل. بعضهم يملكون شعراً أحمر اللون، وشعر بعضهم‏

الآخر ليس على هذه الدرجة من الاحمرار. واحد منهم قدم من اليابان في آسيا، وقدم آخرون من‏

أوروبا، بينما قدم زعيمهم من الولايات المتحدة. إن ما يجعلهم من عمر واحد، ومن منزل واحد، ومن‏

قبيلة واحدة، ومن حبل سري واحد، ومن نوعية واحده ليس هو السمنة أو النحول أو اللغة. كلا، إن‏

ما يربطهم سوية ويوحدهم كأعضاء في عشيرة واحدة، إنما هي السرقة، السرقة التي أفسحت لهم‏

نشر مجساتهم فوق الكرة الأرضية برمتها، مثل النبات الزاحف الذي يزحف في كل أرجاء الحقل.‏

ولذلك نحن، كلاب حراستهم المحليون، من حبل سري واحد أيضاً، ومن عمر واحد وبيت واحد‏

وعشيرة واحدة ونوعية واحدة. ونحن الذين تجمعنا هنا اليوم سواء كنا "ليو" أو كالنيجين" أو "مكاميا"‏

أو "سواحيلي" أو "مماساي" أو "مكيكويو" أو "مبالوهيا"، نحن جميعاً أخوة في السرقة واللصوصية،‏

نرتبط بعضاً إلى بعض عبر ارتباطنا مع هؤلاء الخبراء الأجانب، يا رئيس المراسم، إننا جميعاً ننتمي‏

إلى منظمة واحدة. فلنبق دائماً متحدين يجب أن يظل الإنقسام بين الناس الذين نسرقهم فقط، من‏

الناحية القبلية والدينية، بحيث لا يستطيعون مطلقاً تطوير منظماتهم القوية المتحدة لمجابهتنا.. أيها‏

الناس، إن النار التي تتقد بشكل عنيف قد تخرب اللحم الذي جعلها دسمة تتأجج لهيباً مشتغلاً!‏

عندما ختم حديثه، قوبل بتحيات التصفيق الراعد الذي كاد يهدم جدران الكهف وسقفه. مرحى!‏

مرحى!‏

هتف بعضهم بصوت عالِ، إذ كانوا مسرورين جداً بكلمات الرجل، هذا وبعد مناقشة موجزة، تم‏

الإتفاق على أن حجم الرجل ووزنه ودينه وقبيلته ولون بشرته ليس لها أي تأثير على مشاركته في‏

المنافسة، وأنه ينبغي أن يسمح لكل شخص بالمنازلة على أساس مهاراته وحيلته في السرقة‏

واللصوصية، ولكنهم جراء الحاجة للاستغناء عن المبتدئين والهواة تمت الموافقة على القواعد التالية:‏

قاعدة أولى. يجب أن يعطي كل متسابق اسمه‏

قاعدة ثانية يجب أن يعطي كل متسابق عنوانه.‏

قاعدة ثالثة يجب أن يكون كل متسابق عن عدد النساء اللواتي لديه، سواء كن زوجات أو‏

خليلات.‏

قاعة رابعة. يجب أن يقدم كل متسابق معلومات عن السيارة التي يقودها وعن طراز سيارة‏

زوجته وعشيقته.‏

قاعدة خامسة يجب أن يقدم كل متسابق وصفاً موجزاً لسيرته في السرقة اللصوصية.‏

قاعدة سادسة: يجب أن يوضح كل متسابق كيف يمكن زيادة السرقة واللصوصية في البلاد.‏

قاعدة سابعة: يجب أن يبين كل متسابق كيفية تمتين الروابط بيننا وبين الأجانب‏

وحين انتهى رئيس المراسم من قراءة القواعد، احتل مقعده وسط تصفيق راعد للغاية.‏

أحب أن أدخل المنافسة، قال "مواؤرا" "لموتوري".‏

وهل أنت لص؟ سأله "موتوري" أجاب "مواؤرا" مزمجراً: من أين تظنني أكسب أرباحي؟ ثم‏

راح يضحك وكأنه كان يمزح فقط غير أنه تذكر فجأة السؤال الذي وجهه له "موتوري" قبل ذلك عن‏

ملائكة الشيطان. فارق الضحك ثغره. واتجه نحو "وانجاري" متسائلاً: هل تراها تعرف ما يعرفه‏

"موتوري" عني؟‏

جلست "وانجاري" ساكنة هادئة، يتنازع داخلها أمران هما الشجاعة والنفور المرير. ودّت لو‏

تقف وتسكت الكهف كله باتهاماتها وشتائمها، غير أنها تذكرت قرارها باحتمال المهرجان بكل صبر،‏

حتى تتمكن من جمع قدر كاف من البراهين قبل المضي إلى شرطة "إيلموروج". سدّت أذنيها مدة‏

دقيقتين تقريباً حتى لا تسمع التهاني والإعجاب المتبادل للسارقين واللصوص وهم يحيون رئيس‏

المراسم بتصفيق محموم.‏

وبصورة مباغتة تماماً، شعرت "وانجاري" وكأنها نقلت إلى سيارة "مواؤرا"، حيث كانت تجلس‏

الليلة السابقة، متوجهة نحو "إيلموروج" سمعت صوت "مؤيريري واموكيراي" وهو ينقلهم بلطف إلى‏

عالم النوم بقصة الرجل الذي كان على أهبة السفر إلى بلد بعيد والذي استدعى خدمه ومنحهم خمس‏

مواهب، وموهبتين، وموهبة واحدة.. وأن الذي نال خمس مواهب مضى يتاجر نفس التجارة، فربح‏

خمس مواهب أخرى. وعلى المنوال نفسه، ربح الخادم الذي نال موهبتين موهبتين أخريين. غير أن‏

الذي نال موهبة واحدة ذهب وحفر الأرض وأخفى أموال سيده. وبعد مدة طويلة، عاد سيد هؤلاء‏

الخدم، وأخذ يصفي حسابه معهم، والذي نال.. مواهب..‏

شهادة "جيتوتو واجاتا نجورو".‏

إن ما سيرد لاحقاً هي أشياء كشفها "جيتوتو" "واجاتانجورو" تتعلق بالسرقة واللصوصية الحديثة‏

كان لهذا الرجل كرش ضخم ينتأ نتوءاً كبيراً بحيث يمكنه أن يلامس الأرض لو لم يكن مدعماً‏

بالشيال الذي يحمل سراويله، بدا وكأن كرشه امتص كافة أطرافه وكافة أعضاء جسمه الأخرى. لم‏

يكن له عنق -أو أن عنقه لم يكن مرئياً على الأقل، أما ذراعاه وساعداه فكانت جراميذ صغيرة. وكان‏

رأسه منكمشاً إلى حجم قبضة اليد.‏

كان "جيتوتو" يرتدي في ذلك النهار بزة سوداء حالكة وقميصاً أبيض ذا كشكش وأهداب. هذا‏

وقد احتلت ربطة عنق سوداء، تراءت وكأنها ألصقت بذقنه، المكان الذي يفترض أن يكون عنقه. كان‏

عكازه مزيناً بالذهب الخالص، وبينما كان يتكلم، كان يمسّد طرف كرشه بيده اليسرى ويليح بعكازه‏

باليمنى. كان يلهث وهو يتكلم، مثل شخص يحمل حملاً ثقيلاً.‏

قدم "جيتوتو واجاتانجور" شهادته على النحو التالي.‏

بالنسبة لإسمي، أنا "جيتوتو واجاتانجورو" هذا هو اسمي التقليدي أما اسمي الأوروبي، أو لعلني‏

يجب أن أقول: اسمي المسيحي، الذي هو أيضاً اسمي المعمودي -فهو "روتنبورو جراوند فليش‏

شيتلاند نارو ايسموث جوينت ستوك براون" عندما يسمع الأوروبيون اسمي الكامل، فإنهم يتراجعون‏

إلى الخلف في البداية، ثم ينظرون لي مرة بعد مرة بشيء من الاستغراب، بعضهم يهزون رؤوسهم،‏

وآخرون يضحكون فوراً. لماذا؟ ذلك لأنهم أنفسهم لم يسمعوا بمثل هذا الاسم الغريب على الإطلاق.‏

أيها الناس، إن الأوروبيين يخافون مني حقاً.‏

أما بالنسبة لشؤون الأسرة، فأنا الأكبر سناً ولي زوجة وخمسة أبناء -ثلاثة صبيان وابنتان. لقد أنهى‏

أحد الصبيان تعليمه في جميع جامعات افريقيا، وسافر الآن إلى الخارج لكي يكمل مأثرة مشابهة هناك. أما‏

الولد الثاني فقد حصل على مقعد في الجامعة حديثاً. ولكن ولدي الثالث وابنتي لا يزالان في المدرسة،‏

يكافحان مع الأقلام والكتب، إنني أقول دائماً: إن عليهم أن يحصلوا كل التعليم الذي كنت سأحصل عليه لو‏

كان والدي يملك نوعية المكر التي أملكها أنا الآن. إنهم جميعاً يدرسون في مدارس مكلفة، المدارس التي‏

كانت للأوروبيين. وحتى في هذه الأيام، فإن المدارس التي يداومون عليها لا تحوي غير المدرسين‏

الأوروبيين.‏

ولكنني قبل ترك مثل هذه الشؤون، أود أن أذكر أنه إضافة إلى زوجتي -وقد اتحدنا مع بعضنا‏

كزوج وزوجة في "كنيسة إرسالية "توجوتو"- أملك خليلتين، وأنتم تعرفون المثل القائل: إن من يملك‏

شيئاً احتياطياً لا يجوع بتاتاً، وعندما يشيخ الأوروبي فإنه يحب أكل لحم العجل.‏

قد يكون بعضهم ينظر إلى كرشي الصغير هذا، وعندما ترون كيف يتدلى أو عندما تسمعونني‏

ألهث، ربما تتساءلون: كيف يستطيع "جيتوتو" ابن جاتا نجورو تدبير أمر زوجته وخليلتين صبيتين؟‏

يا أخوتي، أود أن أسأل مثل هؤلاء المشككين السؤال التالي: لماذا نسيتم أمثالنا وأقوالنا المأثورة؟‏

حينما يجهّز الراقص نفسه لميدان الرقص، فهو وحده الذي يعرف كيف سيرقص. إن الفيل قادر على‏

حمل أنيابه مهما كانت كبيرة. ثم إن أي شخص قادر على مقاومة المال اليوم، لا يجد من يمدّ له يد‏

العون والمساعدة.‏

أما بالنسبة لعنواني، إن بيتي الحقيقي هنا في مرتفعات "إيلموروج الذهبية" وأنا أسميه بيتي‏

الحقيقي لأنه المكان الذي تعيش فيه زوجتي وأطفالي. إنه بمثابة مقر تبادل غير أن عندي بيوتاً عديدة‏

أخرى في نيروبي وناكورو ومومباسا ولا يسعدني بتاتاً النزول في الفنادق. وحين أقوم بأعمال‏

التهريب، أحب قضاء الليل في منزل يحمل اسم "جيتوتو واجاتانجورو" بالطبع هذه هي المنازل‏

المعروفة لأم أطفالي. غير أن لي أوكاراً قليلة أخرى في نيروبي. هذه الأوكار تخص عشيقاتي من‏

بنات الهوى.‏

وأما بالنسبة لسيارتي، فأنا أتجول بالعادة بسيارة "مرسيدس بنز" يقودها سائق خاص. ولكنني‏

أملك، بالإضافة إلى ذلك، سيارة "بيجو 604" وسيارة "رانج روفر" وهذه من أجل استخداماتي‏

الشخصية أما زوجتي فتقود سيارة "تويوتا كارينا" وهذه مجرد سلة تسوق لحمل البضائع من السوق.‏

وهناك عربات أخرى- شاحنات وجرارات أحتاج إليها في أنشطة العمل. ولن أضيع وقتكم في ذكرها‏

وعدّها. آه كنت على وشك أن أنسى ما يخص محبوباتي. لقد قدمت لواحدة منهن هدية عيد الميلاد‏

على شكل سيارة "تويوتا كورولا" وقدمت للثانية هدية عيد ميلادها على شكل سيارة "داتسون 1600".‏

الحب الحديث يتضارب مع راحة اليد المنقبضة!‏

الآن، يا أصدقائي، وقد رأيتم أنني أرفل بالنعيم وأن الحظ حالفني بجودة وسخاء، فهل من‏

المستغرب أن أمجد وأبجل وأنشد الأغاني للسرقة واللصوصية الحديثة؟‏

واليوم أنا أمشي الهوينى في الشوارع العريضة الممهدة، الشوارع التي ليس فيها أشواك أو‏

حجارة أو عرق، ألا ترون أن أصابعي تكاد تختفي؟ إنها لا تقوم بأي عمل.. بينما يكبر كرشي ويكبر‏

لأنه باستمرار متخم يعمل!‏

حين أستيقظ في الصباح، ابتلع عدداً قليلاً من البيض على شرائح من الخبز والزبدة مع كوب‏

من الحليب لكي يدفعها إلى الأسفل. وحوالي الساعة العاشرة أتناول رطلين انكليزيين من لحم الضأن‏

المشوي. وعند الثانية عشرة أشن حرباً على أربعة أرطال من لحم العجل على شكل شرائح مغمسة‏

بالنبيذ ومشوية بشكل جيد على الفحم، كما أغسل لحم العجل وأدفعه إلى معدتي بالجعة الباردة،‏

قارورة واحدة فقط. أما عند السادسة، فأقضم على مهل قطعة فروج، لمجرد أن أضع في بطني شيئاً‏

أشرب عليه الويسكي، بانتظار وجبة عشاء مناسبة في المساء.‏

إنني أؤمن بعقيدة ذلك المولى الدينية التي سردت علينا تواً من قبل رئيس المراسم، ولا سيما‏

بكافة الوصايا التي أعلنها لخدمه. احصدوا في المكان الذي لم تزرعوا به أبداً، وكلوا كل ما لم‏

تهدروا من أجله قطرة عرق واحدة، واشربوا ما أحضره الآخرون. ادفعوا المطر عنكم بالإلتجاء إلى‏

أكواخ لم تحملوا إليها عضادة واحدة أو قشة سقف واحدة، وارتدوا الملابس التي صنعها غيركم.‏

دعوني أذكر لكم، يا أصدقائي الذين أحبهم حباً جماً: لقد كان اليوم الذي بدأت به اتباع تلك‏

الوصايا هو اليوم الذي أخذت تسير به كل أموري بيسر وسهولة، دون توقف أو تعقيد.‏

كان والدي عضواً كبير السن في محكمة من المحاكم التي يسمح للسود الجلوس بها إبان الحقبة‏

الاستعمارية، الكرسي المحلي. وكان من عادة المحاكم في تلك الأيام أن تجتمع في "رؤوايني" بمقاطعة‏

"إيسيسيري"، وخلال تسنمه لذلك المنصب في تلك المحكمة تعلم كيف يعدل القانون في موضع‏

ويخالفه في موضع آخر، ولا سيما كيف يتلاعب به لكي يجعله يخدم أغراضاً معينة. لقد استولى على‏

أراضي الآخرين. لم يكن هناك رجل أسود واحد يمكنه أن يبذّ والدي في دعاوى المحاكم. انظروا إلى‏

الأمر من هذا الجانب، كان كافة أعضاء المحاكم من "كور" من "كبامبو" إلى "مورانجا" و"نييرى"،‏

أصدقاء حميمين له. وكانوا بالعادة يأتون إلى منزلنا لتناول الجعة. وبمناسبة زيارتهم، كان والدي‏

يذبح أفضل الخراف على شرفهم. حتى إنه ذبح لهم ثوراً بمناسبة أو مناسبتين! ونتيجة لذلك، كان‏

يستولي على أراضي الآخرين دون وجل وأصبح اقطاعياً كبيراً. تزوج عدداً كبيراً من النساء. لقد‏

كان عجوزاً متغطرساً. لم يكن عليه إلا أن يلتقي امرأة جميلة تحمل الحطب أو قادمة من الحقول حتى‏

يرسل في طلبها قائلاً: ابنة فلان وفلانة يجب أن تحضر إلي. غير أن والدي كان يستخف بالتخطيط‏

والتنظيم الأسري من أي نوع. ولقد كنا نحن، أولاده، أكثر عدداً مما يمكنه إعالتهم. لقد ورثت ثلاثة‏

أشياء عنه فقط: معرفة القراءة والكتابة، وكلمات الحكمة الصادرة عن لسانه، والرسائل التي كان‏

يتلقاها من أصدقائه الأوروبيين.‏

تعلمت في مدرسة "مامبيري" بمدينة "توجوتو" من مقاطعة "كيامبو"، وأكملت الثانوية الدنيا.‏

صرت معلماً وعلمت في المدرسة نفسها مدة عامين. ثم التحقت بالمحكمة العليا في "نيروبي"، بصفة‏

كاتب محكمة ومترجم. إن مثلنا الشعبي صحيح تماماً: "صغير الماعز يسرق مثل أمه" فقد رجعت إلى‏

منابت والدي وأصوله.‏

وجدتني "حالة الطواريء" في محاكم العدل. كان والدي واحداً من كبار السن الذين استخدمهم‏

الاستعماريون في عمليات تطهير أنصار حركة "الماوماو". لم أكن، من جهتي، أعرف أي جانب‏

أؤيد. لم أكن بارداً ولم أكن ساخناً. وبقيت على تلك الصورة، فاتراً، مختبئاً في محاكم العدل كمترجم‏

للمتورطين بجرائم ودعاوى القتل.‏

- وعندما جاءت "أوهورو"، وجدتني في محاكم العدل ذاتها، أراوح في مكاني، براتبي التافه‏

الضئيل أقلعت عن التفكير بالاتجاه الذي تدور به الأرض، أو باتجاه الرياح. ثم باشرت أعمالاً ثانوية‏

صغيرة، مثل حانوتي، وإدارة فندق. ولكن هذه الأعمال لم تكن مربحة على الإطلاق. لم أكن في تلك‏

الأيام قد هضمت الوصايا المقدسة لمجتمع الإنسان الذي يأكل أخاه الإنسان.‏

عند ذاك فقط تذكرت كلمات والدي قبل أن يموت من مرض التخمة. استدعاني إلى منزله وقال‏

لي: لقد كنت يا ولدي عاقلاً إذ باشرت العمل في بعض الحوانيت والفنادق. لدينا مثل شعبي يقول:‏

الراعي لا يظل في بقعة واحدة. وفي الرحلات لا يحمل أحد طعاماً للآخرين، بل يحمل كل مسافر‏

زاده الخاص. إن الراتب لا يشكل شيئاً لرجل يرعى أسرة. وفي الوقت نفسه، لا نستطيع نحن السود‏

إدارة أعمال صغيرة تتطلب الصبر. الهنود وحدهم هم الذين يملكون ذلك الصبر. اصغ يا ولدي‏

لكلمات محبة أبيك. أعرف أنك متعلم. غير أن العاقل هو من تعلم على يد إنسان شاهد كل شيء من‏

ذي قبل وتعلم عن طريق العراك والتجربة. إن حياة السرقة واللصوصية هي الطريق الأمثل لأي‏

شخص يسمي نفسه عاقلاً. تعلم من البيض ولن تخطئ على الإطلاق. فالرجل الأبيض يؤمن بأن ما‏

من عمل يبذ السرقة واللصوصية. سأحدثك بصراحة وصدق. لقد جاء الرجل الأبيض إلى هذه البلاد‏

حاملاً الإنجيل في يساره والبندقية في يمينه. سرق أرض الناس الخصيبة. سرق المواشي والماعز‏

تحت ستار الغرامات والضرائب. لقد سلب الناس تعب أيديهم.‏

كيف تظن أن "جورجان و"ديلامير" أصبحا ثريين؟ ليتني أنام في قبر أمي قبل أن أعتقد بأن‏

جهدهما وعرقهما هما ما جعلاهما ثريين إلى هذا الحد. من منا اليوم، على الرغم من أننا نرفع بيرقنا‏

الخاص، يمكنه أن يضارع ثراء الرجل الأبيض؟ ليس عندي ما أورثه لك. ولكنني أرسلتك إلى‏

المدرسة. وها أنا الآن أقدم لك آيات الحكمة. بين يدي هنا رسائل خطية من بعض البيض الذين كنت‏

أعمل معهم وكانوا مرتاحين جداً لخدماتي. أنا صديقهم وهم أصدقائي. إذا ما تعرضت لمشكلة في يوم‏

من الأيام، فاذهب إلى واحد منهم بالرسالة التي تحمل توقيعه. أخبره أنك ابن "جاتا نجورو" واطلب‏

مساعدته.‏

عندما تذكرت هذه الكلمات، جلست وسألت نفسي: من تراه صار ثرياً عن طريق جهده وعزفه‏

الخاص؟ من تراه صار ثرياً عن طريق راتبه الخاص؟ لم يشتر والدي أملاكه أبداً من راتبه. المكر‏

اشتراها. ولم تكن أجرة اليد هي التي وفرت "لجورجان" و"ديلامير" ثروتهما. المكر فعل ذلك. فكن،‏

أيها المكر، ملاكي الحارس الأمين. أما بالنسبة لدكاكين القرية ببضاعتها التي تتشكل من علبتي‏

كبريت، وعلبتي سجائر، وعلب الشاي التي تباع الواحدة منها بخمسة وعشرين سنتاً، وكيس من‏

السكر، وكيس آخر من الملح، وصفيحة من زيت الطبخ -من تراه صار ثرياً عن طريقها؟ لا أحد‏

بالتأكيد. كن ملاكي، أيها المكر. أمسك بيدي اليمنى، وأرشدني في الليل والنهار.‏

أعتقد أن ما جعلني أتذكر كلمات والدي هو حقيقة أنه بعد مرحلة "أوهورو"، بدأ نفر قليل من‏

السود يشترون الأراضي التي حارب من أجلها "الماوماو" أما ما كان أمراً مستغرباً جداً- وهذا، في‏

واقع الحال، ما بعث السرور بمجموعة من الناس ممن تم تحذيرهم قبل فترة قصيرة لخطر أخبار‏

"أوهورو"- هو أنه لا فرق بالظاهر بالنسبة للطرف الذي سبق أن قاتل فيه المرء من أجل الحرية.‏

وسيان كان المرء يدعى السيد "حار" أو السيد "بارد" أو السيد "فاتر" لم يكن لماضي المرء سواء كان‏

حاراً أو بارداً أو فاتراً أية صلة بالموضوع ما دام الأمر يتعلق بالاستيلاء على الأراضي. الشأن‏

المهم الآن هو البنية الصحية للمال. ولم يكن الحصول على ذلك المال يتم بعمل يدي الإنسان، بل كان‏

يتم بواسطة مكر عقله وذهنه، المكر والدهاء أكثر نفعاً من الجهد والعمل..‏

ولذلك توقفت عن العمل، ثم ركعت وصليت بحماسة:‏

أيها المكر، كن مرشدي‏

وخذ بيدي طوال الوقت‏

في صحوي وفي نومي‏

وحيثما أروح‏

أريدك أن تمنحني‏

الطعام الذي آكل‏

والماء الذي أشرب‏

بل حتى الملابس التي أرتدي‏

من ذلك الوقت فصاعداً، لم أتراجع، ولم آسف أو أندم على شيء. لم أكن أملك سنتاً واحداً في‏

جيبي تقريباً. ولكنْ بما أنني راقبت الخط الذي تسير به البلاد من لحظة رفع العلم الوطني عالياً في‏

السماء، كنت على ثقة بأنني ما حييت سأكون قادراً على البقاء بواسطة سلب أملاك الآخرين. ورحت‏

أقلب نظرتي الجديدة في عقلي إلى أن صارت الكلمات أغنية:‏

هذه كينيا جديدة!‏

سيان كنت حاراً أو بارداً،‏

إياك أن تروي لنا حكاية قديمة‏

العطر العتيق لا يناسب الرقص الحديث‏

أيها العقل، أنتج المكر والبراعة!‏

أيها المكر، باشر عملك!‏

تطلعت يمنة ويساراً، فوجدت أن أعظم شهوة في البلاد هي العطش والجوع إلى الأرض. سألت‏

نفسي السؤال التالي: لو ضربت الجوع بالعطش- ما هي النتيجة؟ تناولت القلم والورق وأجريت عن‏

ظهر قلب الحساب التالي:‏

الجوع× العطش= المجاعة‏

مجاعة الجماهير =ثراء رجل بارع في المكر‏

ها! إن دعوى الأحمق، إذا لم تحسم، تدوم زمناً طويلاً، إن مربي النحل الذي يؤجّل جمع العسل‏

يكتشف أن خلية النحل قد خربت. لذلك جمعت في صباح يوم باكر الرسائل التي ورثتها عن والدي.‏

ذهبت إلى منزل أوروبي يسمى "جاترو"، ذو اللحية". ولقد سمي "جاترو" لأنه خلال مرحلة الطواريء‏

كان يجر الناس من ذقونهم حتى يسلخ شعر وجلد ضحاياه، ولقد كان "جاترو" هذا واحداً من‏

الاستعماريين المنضوين تحت لواء فريق التطهير المعادي "للماوماو" مثل والدي. والرسالة، التي‏

كانت تثني على والدي جراء خدماته المخلصة، كتبت خلال فترة احتفالات أداء القسم الاستعمارية‏

المعادية "للماوماو". لقد كتب جاترو لوالدي في خاتمة الرسالة: بشرتك وحدها سوداء اللون، ولكنّك‏

أوروبي قلباً وعاطفة. قلت لجاترو: حاجتي الكبرى هي للأرض. عندما سمع بأنني ابن "جاتاتجورو"‏

لم يزعج نفسه في طلب أي نوع من الأمن والطمأنينة.‏

قال لي "جاترو": إن لديه مائة فدان من الأرض المعدة للبيع بالقرب من "نيروبي" وسوف يبيعها‏

لي لقاء مائة شلن للفدان الواحد. كانت الأرض رخيصة في تلك الأيام، لا كما هي عليه الآن. فكان‏

الثمن كله يبلغ عشرة آلاف شلن. اتفقنا على موعد أجلب له فيه المبلغ نقداً أو بشيك مصرفي.‏

غادرت منزله وذهبت لمقابلة صديق شاب يعمل في أحد المصارف. قلت له. أنا بحاجة لقرض‏

بمبلغ عشرة آلاف شلن. راح يضحك عندما شاهد أمارات القلق على وجهي. أعشرة آلاف فقط؟‏

سألني. وقلت له: نعم. ضحك من جديد، وطلب مني ألا أقلق. كان قد حصل لتوه على ثمرة من ثمار‏

"أوهورو" إنه الآن مسؤول عن قروض رجال الأعمال الأفارقة الواعدين في سبيل خلق طبقة افريقية‏

متوسطة راسخة الأقدام.‏

هل هذا موظف قروض؟ أخذ قلبي يدق أملاً وترقباً. ثم قال لي: ولكن تذكر، ليس في هذا العالم‏

شيء بلا مقابل، أعطني أعطك: ذلك هو الشعار الجديد. هذه هي كينيا الجديدة. أعطني وسوف‏

أعطيك. سوف أقرضك مبلغ خمسة عشر ألف شلن. وسوف يكون نصيبك من ذلك المبلغ عشرة‏

آلاف. أما الآلاف الخمسة الزائدة فهي نصيبي. وإذا كنت لا تقبل بذلك الترتيب، فالباب هناك وطريق‏

الانصراف مفتوح.‏

عندما سمعت ذلك، شعرت بالغضب يخنقني. ماذا! هل سيقرضني مبلغ خمسة عشرة آلاف شلن‏

لكي يدسّ في جيبه خمسة آلاف منها، ولن يساعدني حتى في سداد النقود؟ هل سيكون ربحه ديناً علي‏

أنا؟ بعدها، وفجأة، انفجرت بالضحك، رأيت أن نظرته ونظرتي كانتا متطابقتين! الثروة ليست نتاج‏

عمل يد الإنسان، وإنما نتاج دهاء عقله، والمكر هو نظام السوق الحرة لسلب الناس ثمار الحرية!‏

فقلت له: الحذاء مناسب، وهو ليس بحاجة إلى جوارب.‏

بعد اسبوع، حصلت على عشرة آلاف شلن وضعتها في جيبي وعلى مديونية بخمسة عشر ألف‏

شلن في الجيب الأخرى، ثم عدت أدراجي إلى المحسن الأوروبي. قمنا بعد النقود. ووضع نصيبه في‏

جيبه. ثم ذهبنا معاً إلى مزرعة "جاترو". أوه، لقد كانت أرضاً قاحلة مجدبة، لم يزرع فيها شيء منذ‏

الأزل، كما لم يبن عليها أي مأوى أيضاً. كانت صحراء مرتعاً للحشائش والأعشاب الضارة الشائكة‏

والحجارة.‏

ومهما يكن، فقد حصلت بعد اسبوع على صكوك ملكية مائة فدان من الحجارة. وطوال هذه‏

المدة لم أنس عملية حسابي والأجوبة الخاصة بها: الجوع مضروباً بالعطش يولد مجاعة جماعية،‏

والمجاعة الجماعية مصدر من مصادر ثراء لص بارع. خسارة الجماهير مكسب لنفر قليل من‏

الناس. إن لقمة بعد لقمة أخرى، يتم الاستيلاء عليها من هذه اليد أو تلك، تشكل وجبة كاملة في جوف‏

من يسلب الفقراء أموالهم.‏

تملّك التعطش إلى الأرض أهل قريتنا الآن! أخذت قطعة الأرض البالغة مائة فدان وقسمتها‏

خمسين مقسماً مساحة كل منها فدانان. ثم نشرت إعلاناً بأن أهل القرية وحدهم مسموح لهم شراء‏

المقاسم. إن سليل بيت الأجداد هو دائماً من يتلوث بزيت -سعد الابتداء. كما أعلنتُ عن عدم جواز‏

امتلاك أكثر من مقسم واحد لأي شخص. إن "جيتوتو "واجاتانجورو" لم يرغب بإقامة أية صلة مع من‏

يسلبون الأرض.‏

لقد بعتُ كل مقسم لقاء خمسة آلاف شلن. وبعد أسبوع واحد لم يبق مقسم واحد دون بيع. حتى‏

إنني لم أحتفظ بمقسم واحد لنفسي. لماذا أرغب في امتلاك فدانين من الأشواك والحجارة؟‏

أخذت جيبي ترن الآن بصوت الرنين الطروب الصادر عن /250.000/شلن. وبعد أن سددت‏

قرض المصرف وسددت كل مصاريفي الأخرى بقي معي ربح صافٍ قدره /220.000/شلن. ولم‏

تستغرق الصفقة كلها سوى ما يقل عن شهر واحد فقط.‏

أخذت الرياح تلوّح لسمعتي وتنشرها كالنار في الهشيم خلال فصل جاف. مما قيل: إنني رجل‏

يعمل كما يقول، وإنني أقوى على الحصول على الأرض للفقراء وبيعها بأسعار زهيدة لهم، وإنني لم‏

أحتقظ لنفسي بمقسم واحد بسبب حبي للناس. بدؤوا ينشدون أغنيات الثناء لي، وهم يسمونني ابن‏

"جاتانجورو"، الولد المتشرب حب الناس. هل ترون ما يمكن تحقيقه بالمكر والاحتيال؟ لقد نسي الناس‏

أن والدي كان حارس بيت "جاتيرو"، وأنني شخصياً بقيت مختبئاً بمحاكم العدل التي درجت على إدانة‏

"الماوماو" والحكم عليهم بالموت.‏

تعلمت درساً مفيداً. قبل أن أرتدي رداء المكر، لم أكن أملك سنتاً واحداً باسمي. ولكنني الآن،‏

بعد ارتداء رداء المكر لمدة شهر واحد فحسب، أملك بضع مئات الألوف من الشلينات في المصرف،‏

وشهرتي أعظم من شهرة أي إنسان هدر دمه في سبيل بلاده. وهذا كله دون أن أهرق قطرة عرق‏

واحدة وأجعلها تسقط على الأرض التي بعتها.‏

هذه هي المسألة. الأرض لم تكن أرضي والنقود التي دفعتها ثمناً لها لم تكن نقودي، كما أنني لم‏

أضف أي شيء عليها -فمن أين حصلت على مبلغ /220.000/شلن؟ إنها من جيوب الناس. أجل،‏

من جيوب الناس أنفسهم! أما أنا شخصياً فلم أفعل سوى أنني نقلت الأشياء من يد إلى يد أخرى.‏

أجريت قليلاً من عمليات الضرب ووضعت الجواب في جيبي.‏

عند ذاك فقط عرفت أن مواهبي تكمن في التلاعب وفي إجراء عمليات الضرب ودس الأجوبة‏

داخل جيوبي. قمت بتأسيس جمعيات، وشركات لشراء الأرض في "وادي الريفت" وهذا ما كنت‏

أفعله. كنت أذهب إلى الوادي، وأبحث عن ألف فدان من الأرض أو قرابة ذلك، ثم أتفق مع البائع‏

على السعر. كنت أحبذ العودة إلى الإقليم المركزي، أو بالأصح إلى قريتي أو المناطق القريبة من‏

مسقط رأسي. ثم أصدر بياناً بالعثور على قطعة أرض من مساحة ونوعية معينة، وأن على الناس‏

شراء المقاسم في النقابة أو الجمعية التي شكلت لشراء الأراضي.‏

أتذكر مزرعة واحدة في "سوبوكيا". كانت هي المزرعة التي صنعتني بحق. كانت مساحتها ألف‏

فدان، وكان فيها أبقارها التي لا تعد ولا تحصى. وكان مالك المزرعة واحداً من "البويريين"، وكان‏

يقسم دائماً أنه لن يعيش في كينيا محكومة من قبل السود أبداً ومطلقاً. ولذلك كان يبيع المزرعة بثمن‏

زهيد. لأنه كان في عجلة من أجل الهجرة إلى جنوب افريقيا قبل أن تتفشى حالة التشوش الكامل على‏

الطراز- الكونغولي في كينيا الجديدة. لقد قدمني وعرفني عليه "جاتيرو". اشتريت المزرعة مقابل /‏

250/شلن للفدان الواحد- فكلفتني المزرعة كلها مبلغ /250.000/شلن. وكالعادة، قسمت المزرعة‏

إلى نصفين متساويين. النصف الأول ومساحته /500/فدان كان للجمعية، أما النصف الثاني فقد تم‏

توزيعه إلى مقاسم صغيرة مساحة كل منها فدانين فقط، بحيث يصبح كل عضو في الجمعية، عند‏

شراء أحد الأسهم، مالكاً لمقسم. بلغ مجموع الأسهم /250/سهماً. وكل سهم يكلف خمسة آلاف شلن.‏

وهكذا بلغت مساهمات الأعضاء جميعاً مبلغاً قدره /1.250.000/شلن، وبعد إعطاء البويري مبلغ /‏

250.000/شلن، بقي لي مبلغ مليون شلن كامل. أودعت المبلغ كله في حسابي المصرفي. أعطيت‏

المزرعة للأهالي. كانوا في غاية السرور، ورجوني أن أرأس الجمعية غير أنني رفضت. طلبت‏

منهم أن يختاروا قادتهم، ونصحتهم بالطبع باختيار القادة الشرفاء الأمناء، الذين ليس لديهم جشع‏

للمال. كان عملي هو الحصول على الأرض وتركها للأهالي يديرونها بأنفسهم.‏

ذاع صيتي في كل روابي المنطقة وأرجائها. كما أن حسابي المصرفي ازداد وتضخم. ومن هذا‏

الشعب الساذج نفسه حصلت فيما بعد على بضع سنتات اشتري فيها مزارعي العديدة، مزارع القهوة‏

والشاي والدقيق ومرابي الماشية.‏

أما اليوم فأنا مزمع على وضع يدي بأيدي عدد من الأجانب من إيطاليا، الذين يخططون لشراء‏

منطقة كاملة في "ميرو" و"إيمبو" لزراعة وإنتاج الأرز والسكر، غير أنني لم أتخل عن المضاربة‏

بالأرض التي تدر علي ربحاً وفيراً.‏

ثمة فكرتان أرغب في تطويرهما الآن. الفكرة الأولى تتعلق بأساليب ووسائل زيادة الجوع‏

والعطش إلى الأرض في البلاد كلها، وهذا ما يولد المجاعة، فيخلق الناس عندئذ ملوك مال من‏

الدرجة الأولى. وسوف تفعل الجموع ذلك بالطريقة التالية: حالما يزداد جوع الناس وعطشهم للأرض‏

إلى درجة كبيرة عن المستوى الحاضر، سنبيع نحن، مالكي الأرض، التراب بالقدور والصفائح،‏

بحيث يتمكن المرء في أقل الدرجات من زرع غرسة واحدة وتعليقها على سطح منزله!‏

أصدقائي، حين نصل إلى مرحلة بيع التراب بالقدور والصفائح، نكون حقاً نصنع المال!‏

تصوروا جميع السكان، وهم يحملون الصواني والصحون أو السلال، يقفون رتلاً على باب المكتب‏

طلباً للتراب! إنهم بعد ذلك سيعلقون حبات ترابهم القليلة على أسطحتهم أو شرفاتهم ويزرعونها‏

بالبطاطا على سبيل رشوة أطفالهم الباكين حتى يخلدوا للهدوء والسكينة!‏

أما الفكرة الثانية التي أريد استغلالها فهي كيف نستطيع نحن، ملوك المال من الدرجة الأولى،‏

أن نحبس الهواء في الجو، ونضعه في علب ثم يبيعه للفلاحين والعمال، تماماً كما يباع الماء والفحم‏

لهم الآن. تصوروا الربح الذي سنحصده لو قدر لنا أن نبيع الناس الهواء الذي يستنشقون في علب أو‏

لو نتمكن، وهذا أفضل، من قياسه بالأمتار! إن بوسعنا أيضاً استيراد بعض الهواء من الخارج، هواء‏

مستورد، وهذا ما نستطيع بيعه للناس بأسعار مرتفعة! أو بوسعنا تصدير هوائنا للخارج لكي يعبأ‏

بالعلب والقوارير- أجل، ذلك لأن تكنولوجيا الأجانب متقدمة جداً! ومن ثم يردُّ إلينا وهو يحمل‏

عنوان: صنع في الولايات المتحدة، أو صنع في أوروبا الغربية أو في اليابان، هذا الهواء مصنوع في‏

الخارج، وإعلانات مشابهة أخرى.‏

أيها الأخوة، تأملوا هذه الأفكار. حين يصير الفلاحون والعمال في حالة تململ وعناد وحين‏

يستعصون، لبأسهم على قواتنا المسلحة، فإننا نستطيع بكل بساطة حرمانهم من الهواء إلى أن يخرّوا‏

ساجدين أمامنا! عندما يحدث طلاب الجامعات شيئاً من البلبلة، نحرمهم الهواء، وعندما تتذمر‏

الجماهير نحرمها الهواء! حين يرفض الناس أن يسرقوا أو تسرق لهم ثرواتهم، نستطيع بكل بساطة‏

أن نسدّ الهواء عنهم حتى يأتوا بأيد ضارعة قائلين: نرجوكم، اسرقونا، اسلبونا بلا رحمة أو شفقة.‏

هذا وعندما انتهى "جيتوتو واجاتا نجورو" من شهادته، كان يلهث كثيراً من شدة التعب. سقطت‏

قطرات من عرقه على الأرض. كما كان كرشه الناتيء يرتجف وكأنه يريد التحرر من صاحبه‏

والوقوع على الأرض.‏

لما وصل إلى أوج خطابه، وأخذ يصرخ "أنا ملك السارقين واللصوص! ترنح جيتوتو وانهار‏

وقد أعياه التعب تماماً.‏

مشى رئيس المراسم مع رجلين آخرين مشياً متهادياً إلى المنصة، وأخذوا يروّحون جسده‏

بالمناشف حتى عاد إلى وعيه. ثم هب نصف النظارة بالكهف واقفين لكي يحتفوا به.‏

ماذا! هل يتوهمون بأننا نسينا؟ همست "وانجاري" تسأل "موتوري"‏

يبدو أنهم يتصورون بأننا أطفال يمكن رشوتهم بالحلويات لكي يسكتوا أجابها موتوري.‏

الأنكى من ذلك، بالحلويات التي أخذت من جيوبنا، أضافت "وانجاري". عندما لاحظ "مواؤرا"‏

"موتوري" "وانجاري" يتهامسان، دب في صدره القلق: لماذا سألني موتوري عن ملائكة الشيطان؟‏

راح يتساءل ماذا يعرف عني؟ من هو موتوري؟ من هي وانجاري؟ عاد جيتوتو إلى مائدته، معتمداً‏

في سيره على رجلين، ولكنه لا زال يصرخ: أنا ملك الملوك في مملكة المكر والاحتيال! أيها السادة‏

والأسياد، لاحظوا ماذا فعلت بمواهبي..‏

.. والخادم الذي منح.. مواهب..‏

شهادة كيهاهو واجاثيكا‏

هذه هي تجارب "كيهاهو" "واجاثيكا"، وقد أميط عنها اللثام على مسامع الذين احتشدوا في كهف‏

اللصوصية في ايلموروج لحضور المنافسة الخاصة بالسرقة واللصوصية الحديثة. كان كيهاهو رجلاً‏

طويل القامة، نحيلاً: إذ كان له ساقان طويلتان وذراعان طويلتان، وأصابع طويلة وعنق طويل وفم‏

طويل. كان فمه بشكل منقار الديك، طويلاً ونحيلاً وحاداً. كانت ذقنه ووجهه ورأسه تشكل مخروطاً.‏

وكان كل شيء فيه يدل على النحول والدهاء الحاد.‏

كان "كيهاهو" يرتدي في ذلك اليوم بنطالاً مقلماً باللونين الأسود والرمادي، وسترة ذات ذيل‏

أسود، وقميصاً أبيض وربطة عنق سوداء، كان وهو يقف على المنصة يشبه "فرس النبي" وهي‏

تصلي أو البعوضة.‏

راح يسحج حنجرته، ثم قال الكلمات التالية:‏

ليس عندي كلام كثير، وكل شيء يزيد عن حده، يصبح سماً. أما القليل فيكون حلاوة في أغلب‏

الأحيان. إن هدفي، بل بالأحرى شعاري، هو العمل بقدر الكلمات. أفعالي هي البوق الذي يكون‏

صوته صدىً لقدراتي كلص وسارق. وأنا شخصياً أفضل صورة للأقوال المأثورة التي ذكرها البعض‏

في وقت سابق هذا اليوم: من مثل أن طول القامة ليس بلية أو مثلبة، وأن البطل لا يعرف من حجم‏

بطتي ساقيه. ذلك لأنني، في الحقيقة، الديك الذي يصدح عند الفجر ويسكت الآخرين جميعاً. إنني‏

الأسد الذي يزأر في الغابة فيجعل الفيلة تبول خوفاً. إنني العقاب الذي يطير في السماء، فيجبر‏

الصقور تأوي إلى أعشاشها. أنا الريح التي تبز كل نسمة وتسكتها، أنا البرق الذي يبهر كل ضياء.‏

أنا الرعد القاصف الذي يخرس كل ضجيج، إنني الشمس في السماوات خلال النهار، والقمر، ملك‏

النجوم خلال الليل. أنا ملك ملوك السرقة واللصوصية. توجوني بالتاج الذهبي، فلم يعد من المبكر‏

كثيراً على الملك الجديد البدء بولايته وحكمه.‏

لا أمتدح نفسي حباً بالمديح وحده، لقد حضرنا إلى هذا المكان لنعقد حلقة بحث في السرقة‏

واللصوصية الحديثة. لسوف أغني أغنية عن نفسي تحرك ضيوفنا الأجانب كي يجعلوني مشرفاً على‏

المشرفين الآخرين، وكلباً حارساً على الكلاب الآخرين، ورسولاً فوق كل الرسل. قولوا نعم،‏

وسأحكي لكم حكاية كلها غرابة وعجب.‏

إن فنون المهارة من النوع الذي ذكره لنا "جيتوتو واجاتانجورو"، لا تعدُّ شيئاً يذكر على‏

الإطلاق. إن ترؤس المرء للجمعيات أو الشركات التي تشتري الأرض بطريقة يكون فيها ذلك المرء‏

الأول في انتقاء كل الأبقار المعافاة لمزرعته الخاصة، أو كونه بموقع يحول فيه الاموال العامة‏

لمنفعته الشخصية، أو الاقتراض من المصرف على ضمانة أراضي الجمعية.. هذه كلها هي الألاعيب‏

البسيطة التي تعلمت من خلال السلب والنهب.. وهذه يسمونها في الانكليزية ألاعيب هواة أو تكتيكات‏

مبتدئين.‏

أما إسمي، فهو "كيهاهو واجاثيكا" واسمي الأجنبي هو "لورد جابريل بلودويل -ستوارت -جونز"‏

وإذا ما انتقلنا إلى موضوع الأقرباء، فأنا الأكبر سناً وعندي زوجتان. تزوجت واحدة منهما قبل أن‏

أصبح ثرياً وتزوجت الثانية بعد ثرائي، حين صرت أتلقى الدعوات إلى حفلات الكوكتيل. وأنتم هنا لا‏

تحتاجون لمن يحاضر فيكم عن أن العطر القديم الذي فقد أريجه لا يناسب الرقص الحديث والتسامر‏

باللغات الأجنبية. وإذا خانت المرأة، فقد تعرض مستقبلك كله للخطر. ولذلك فإن زوجتي الثانية‏

تعرف الانكليزية وليس لها من عمل سوى التزين بالملابس الفاخرة وبالجواهر من أجل حفلات‏

الكوكتيل.‏

أما بالنسبة للأطفال فعندي عدد قليل تماماً. وهم جميعاً يتقنون الحديث بالانكليزية من خياشيمهم‏

مثل الذين ولدوا وتربوا في انكلترا. لو سمعتموهم يتحدثون لغة "جيكويو" أو السواحلية، ستضحكون‏

وتضحكون حتى تبولوا تحتكم. إنه أمر مضحك جداً. إنهم يتكلمون اللغتين وكأنهم كهنة إيطاليون‏

وصلوا حديثاً من روما -كهنة دون ياقات الكهنة. غير أن الأطفال أطفالي وسيان عندي إذا ما تحدثوا‏

بلغاتهم القومية مثل الإيطاليين الأجانب.‏

لننتقل إلى العشيقات وبنات الهوى. أنا لا أطارد بنات المدارس. فالبنات من ذلك الطراز هن‏

الخطر بعينه. قد ينقلون الأمراض، وليس عندي وقت لحقن البنسلين أو ابتلاع أقراص الحماية قبل‏

أداء العمل.‏

إنني أحب زوجات الآخرين. الإنسان بذلك يحصل على شعور بالانتصار وأنتم تعرفون أن في‏

ذلك نوعاً آخر من أنواع السرقة، أليس كذلك؟ إنني بارع بخاصة مع النساء البورجوازيات. إنهن لا‏

يقاومن مطلقاً. وليس عندهن غرور ومطالب. يردن شيئاً واحداً فحسب. بعضهن لا يكتفين برمية أو‏

رميتين -ذلك لأن أزواجهن دائماً في النوادي الليلية مع عشيقاتهم. وكثيرات منهن لايملكن ما‏

يشغلهن، وهن ينشدن في هذه الأيام أغنية واحدة -تغيروا، فالبذور الطيبة لا تحتويها حبة قرع واحدة.‏

والفرّج ليس ذرة ملح أو صابون ينحل أو يختفي بعد الاستعمال. لقد أطلقت عليهن الاسم المعمودي:‏

الجاهزات للتسليم. وهن رخيصات لا يكلفن كثيراً. غير أن بينهن محترفة واحدة، عندها سلّم درجات‏

طويل جداً. تركت زوجها من أجلي، فشعرت وكأنني عائد بأكاليل النصر من إحدى الغارات. غير‏

أنه ترتب علي إعطاؤها شيئاً بالمقابل: فأعطيتها مليوناً و/500.000/شلن ثمن مقسم أرض بمساحة‏

عشرة فدادين اشتريتها لها في "تيجوني"، بالقرب من "ليمورو".. وذلك هو ما دعاني لأن أقسم‏

باستمرار بأنني لو ضبطت زوجتي تتسكع على منعطفات الطريق، فسأجعلها ترى من خلال فوهة‏

شرجها!‏

وأما بالنسبة لسيارتي، فليس ثمة طراز واحد لم أجربه.. فأنا أبدل السيارات كالملابس. إن سيارة‏

"المرسيدس بنز" تتفوق عليهم جميعاً، ولكنني حين أملّ منها، أبتاع سيارة "سيتروين" أو "ديملر" أو‏

"رانج روفر". لقد اشتريت أيضاً دمى لزوجتي وأطفالي، دمى من طراز "تويوتا" "وداتسون" "وبيجو".‏

أما عن رياضاتي فهي: عدُّ النقود في المساء، وممارسة لعبة "الجولف" أيام السبت والأحد‏

وبالطبع مداعبة أفخاذ الجاهزات للتسليم عندما يتيسر الوقت.‏

إنني دائماً أقارن نمط الحياة التي أحياها مع نمطها قبل ولوج عالم السرقة واللصوصية، فيبدو‏

لي ذلك أشبه بمقارنة النوم بالموت. قبل أمد مديد من "أوهورو" كنت أعيش مع الممحاة والطباشير في‏

يدي، أعلم الأطفال أبجديتهم في إعدادية "رؤانيري". آه، كم كانت أياماً مروعة! تعودت أكل ugali‏

بالملح كحساء، أو مع ما قيمته عشر سنتات من الخضروات عندما زارني طائر السعد. كنت أسعل‏

طوال اليوم بسبب غبار الطباشير الذي تكدس في حنجرتي ولم أكن أقوى على دفع ثمن أية مادة‏

دسمة أخفف فيها الألم الذي يعتمل في صدري.‏

لا أعرف، حتى في هذه اللحظة، كيف صدف أن فتحت غرفة الصف في أحد الأيام ونظرت إلى‏

الخارج، فوجدت ناساً كثيرين من جيلي منهمكين في اقتطاف ثمار شجرة "أوهورو". سمعت هاتفاً يهتف‏

في أذني: ياكيهاهو، يا ابن جاثيكا، كيف تقوى على البقاء هنا كالأبله، وأنفك مسطوم بغبار الطباشير، بينما‏

يمضغ أقرانك في الخارج ثمار الحرية؟ ماذا تنتظر؟ وماذا سيتبقى لك بعد أن يستولي كلٌ على نصيبه؟‏

تذكر أنه لا مجال لجمع الفتات من مأدبة يأكل عليها سادة فن الأكل.‏

وفجأة زالت الغشاوة عن العينين. صرت أقوى على الرؤية بكل وضوح. الآن رميت الطباشير‏

من النافذة، وارتديت سترتي الطويلة، قمت بالخطوة الكبرى في تحويل مسار حياتي وودعت مهنة‏

التعليم، كنت أنا الآخر أريد فرصة اكتشف فيها طعم ثمار أوهورو وامواخريكا".‏

العجلة الزائدة تفلق في الغالب حبة البطاطا. اسمعوا وعوا. لقد اندفعت بصورة جنونية نحو أول‏

ثمرة وقعت في طريقي، مثل الفتاة في تلك القصة التي داورها الآخرون وخدعوها لالتقاط الثمار‏

وعيناها مغمضتان فانتهى بها الأمر إلى التقاط الثمار الجافة فقط. كان طعم الثمرة مراً في فمي. هل‏

تراني قطفت تفاحاً برياً وأنا أحسبه تفاحاً حقيقياً؟‏

دعوني أحكي لكم عن الخطيئة التي أخطأتها، فنحن لم نأت إلى هنا لمجرد التباهي بقدراتنا وإنما‏

لكي نتشارك تجاربنا أيضاً. بينما كنت لا أزال أمارس التعليم، اكتشفت أن أكبر تعطش في بلادنا هو‏

التعطش للعلم. لقد كان هذا التعطش طاغياً على جموع الناس، غير أنه كان أساساً لثراء قلة من‏

الصفوة. وحتى الناس الذين لا يستطيعون بغير الجهد الجهيد معرفة الأبجدية، افتتحوا مدارسهم‏

الثانوية الخاصة وحصلوا من جراء هذا المشروع على سيارة "مرسيدس بنز" أو اثنتين. كانت أبنية‏

المدارس تصنع في الغالب من الطين، والمدرسون يجندون من سقط المتاع، والمقاعد تصنع من‏

أخشاب بالية، والقرطاسية تجمع من الطرقات، ومع ذلك كانت المدارس تدرُّ أرباحاً على أصحابها.‏

فكرت أن علي أيضاً أن أجرب حظي لمعرفة الوزن الحقيقي لقطعة النقد التي تقطف في ذلك المجال.‏

فكرت أن علي أن أفتتح مدرسة لرياض الأطفال أو الحضانة لأنها لا تتطلب مزيداً من المال‏

الموظف. ذهبت إلى أحد المصارف وحصلت على قرض. وكانت الضمانة مزرعتي الصغيرة. بحثت‏

ثم عثرت على عمارة في نيروبي. ثم بحثت حتى وجدت فتاة افريقية فشلت في الثانوية العامة،‏

فوظفتها لرعاية الأطفال: إذ إنها ستلاعبهم وتعطيهم قليلاً من الحليب عند العاشرة، وتعلمهم بعض‏

الأغاني. ثم نشرت إعلاناً كبيراً في إحدى الصحف يحمل الكلمات التالية:‏

مدرسة الجمال الأسود الجديد لحضانة الأطفال‏

من أجل الأطفال الكينيين‏

يملكها ويديرها ويعلم فيها‏

كينيون فقط‏

تعلم فيها اللغة السواحلية‏

أغاني كينية.. تهويدات كينية.. الخ.. الخ‏

أجور رخيصة، ونوعية عالية‏

هيا واحداً واحداً، وهيا جميعاً‏

حسنٌ، لم يلتحق بمدرستي طفل واحد، ولو كان عاجزاً‏

جلست القرفصاء، ورحت أبكي وأنا أتذكر مبلغ المال الذي أنفقته وأنا عارف حق المعرفة بأن‏

المصرف قد يبيع بالمزاد العلني قطعة الأرض التي وضعتها بكثير من التهور ضمانة لذلك. فكرت‏

وأمعنت في التفكير. أتراني لم أفحص شجرة "أوهورو" فحصاً سليماً بحيث أنني قطفت بدلاً من ثمرة‏

التوت الحلوة ثمرة العليق المرة؟ ثم حدثت نفسي: مقلباً في ذهني كل ما يمكن أن يقف في طريق من‏

يسعى لجمع المال.‏

قمت بقليل من البحث الإضافي لكي أعرف ما يجري بالفعل. وسرعان ما اكتشفت أن ما من‏

كيني واحد بارز، عند الحصول على مزرعة، يمكن أن يوظف كينياً بمنصب المدير، بل يوظف‏

أجنبياً أوروبياً فقط. إن الكيني المرموق الذي كان مثالاً للنجاح في الأعمال الكبيرة لا يستخدم كينياً‏

للإدارة أو المحاسبة، بل يستخدم أوروبياً أو هندياً أجنبياً. وعندما يتحادث الكينيون، لا يستخدمون‏

لغاتهم القومية، بل هم يتحادثون باللغات الأجنبية. وكما أحد الكينين، لاحظت ودققت حتى توضحت‏

رؤيتي.‏

وكان ذلك هو أساس أرباح البورجوازية الكينية الحديثة.‏

قفلت مسرعاً بالعودة إلى دار الحضانة قبل أن يبدأ المصرف بإزعاجي، غيرت اسم المدرسة،‏

أعطيتها اسماً معمودياً جديداً هو: "مدرسة العهد الجديد للحضانة". ثم بحثت عن امرأة بيضاء تكون‏

هي المديرة، لحسن الحظ، عثرت على واحدة، كانت امرأة عجوزاً مقعدة، نصف عمياء ولا تسمع‏

جيداً، وكانت دائماً تغط في النوم وافقت على الانضمام للهيئة التدريسية ولممارسة النوم في المدرسة.‏

قمت بعد ذلك بزيارة عدد من المحال التجارية في نيروبي. اشتريت تماثيل أطفال-أشكالاً بشرية‏

بلاستيكية- وألبستها ثياباً فاخرة. ثم قمت بإلصاق شعر مستعار أحمر اللون على رؤوسها. ووضعت‏

آلات كهربائية داخل بطونها البلاستيكية، وثبّتت دواليب صغيرة على باطن أقدامها البلاستيكية.‏

وعندما كنت أشغل الطاقة الكهربائية، كانت التماثيل تتحرك على الأرض كأنها أطفال بشر حقيقيين‏

يلعبون. ومن خلال زجاج نوافذ المدرسة الكبيرة يستطيع المرء رؤيتها وهي تمارس اللعب حتى وإن‏

وقف في طرف الشارع. بعد ذلك نشرت إعلاناً كبيراً في إحدى الصحف:‏

مدرسة العهد الجديد لحضانة الأطفال‏

مديرة أوروبية خبيرة‏

في السابق للأوروبيين وحدهم،‏

مفتوحة لعدد قليل من الكينيين الآن،‏

مستويات أجنبية كسابق عهدها‏

اللغات الوطنية، والأناشيد الوطنية والأسماء الوطنية محظورة‏

لغات أجنبية، أغاني أجنبية، ألعاب أجنبية الخ- الخ‏

وسائل انكليزية تقنية في التعليم‏

الأمكنة محدودة‏

اتصل أو احضر بسيارتك‏

اللون ليس عائقاً، النقود هي الأهم‏

الأجور مرتفعة‏

أوه، بدأ الآباء بعد هذا يتصلون هاتفياً بنا في الليل والنهار -لكي يحجزوا أماكن لأطفالهم. وكلما‏

دق الهاتف كنت أهرع لإيقاظ المديرة الأوروبية للرد، غير أن القسم الأكبر من الآباء كانوا يفضلون‏

الحضور بسياراتهم للتأكد من تأمين مقعد لأطفالهم. كان الآباء، عند رؤية المديرة الأوروبية ورؤية‏

التماثيل وهي تلعب من خلال النوافذ، يدفعون الرسوم فوراً، ولا يكلفون أنفسهم معرفة أي شيء آخر‏

عن المدرسة.‏

قبلت، بل الأصح، طلبت من المديرة ألا تقبل أكثر من مائة طفل. وكان كل طفل يدفع 2500‏

شلن في الشهر. غمرتني السعادة، فقد كان ذلك يعني أنني سأدس في جيبي كل شهر مبلغ /250.000‏

/شلن وبعد دفع أجرة المبنى ورواتب المديرة ومساعديها، يتبقى لي مبلغ /200.000/شلناً كل شهر.‏

وأرجو ألا يغيب عن بالكم بأنني طيلة هذه المدة لم أهدر قطرة عرق واحدة، ولم أبتلع أي غبار من‏

الطباشير والمماسح. لم يكن طعم ثمرة تلك الشجرة مراً بالنسبة لي.. لا لم يكن كذلك على الإطلاق.‏

قطفت ثمرة أخرى وثمرة بعدها. افتتحت أربع مدارس أخرى لرياض الأطفال، مستخدماً الحيلة‏

نفسها في توظيف نساء بيض معمرات بل معلولات عرجاوات وشراء تماثيل بيضاء اللون تحل محل‏

الأطفال البيض الحقيقيين. وحتى في إيلموروج هنا وفي روائيني، افتتحت عدداً من مدارس الحضانة‏

وفق نفس الخطوط.‏

لقد كانت ثمرة تلك الشجرة وافرة بالتأكيد. وكانت بحق ناضجة جداً. كما كانت حلوة- غير أن‏

تلك قصة أخرى! لقد علّمنا الأوروبيون الآن أن من غير المستحسن وضع البيض كله في سلة واحدة.‏

ولذلك فكرت أن علي أن أجرب حظي في معرفة ثمار بقية الأشجار. إن الجمعيات والشركات من‏

النموذج الذي تحدث عنه "جيتوتو واجاتانجورو" إضافة إلى أساليب أخرى في السرقة واللصوصية‏

من خلال المضاربة بالأراضي أتت لي بأكل التهمته بفرح وسرور.‏

غير أن الشجرة التي قطفت عنها ثماراً أينع وأحلى من كل أشجار أوهورو الأخرى هي -‏

انتظروا ودعوني أبدأ حكاية تلك الشجرة الخاصة من بدايتها، لكي تروا جميعاً أنني لست غراً مبتدئاً‏

حين يتعلق الأمر بفن السرقة واللصوصية.‏

بعد أن قطفت كثيراً من الثمار عن الشجرتين اللتين سقاهما تعطش الناس للتعلم وجوعهم‏

للأرض، رحت أتطلع فيما حولي لأرى الثمار التي كان يقطفها أقراني. رأيت أنه ما إن جمع الناس‏

الثروة وكدسوها حتى تطلعوا لدخول البرلمان. رأيت بأم عيني كيف أن أحدهم باع مزرعته وباع‏

زوجته الجميلة بالمزاد العلني لكي يسدد مصاريف حملته الانتخابية. أخذت أفكر: ماذا في هذا‏

المجال، الذي صار هدفاً للاقتتال الداخلي إلى درجة أن الناس كانوا مستعدين لتوزيع ملايين الشيكات‏

المصرفية وبيع زوجاتهم وبناتهم ومزارعهم؟ هل يمكن أن تعطي هذه الشجرات ثماراً أكثر من كل‏

الأشجار الأخرى؟‏

اتخذت قراراً بدخول عالم السياسة واكتشاف الوضع النفسي: مع أن من يجلس تحت الشجرة هو‏

وحده الذي يعرف ما تأكله نملة الشجر السوداء. ولكن بما أنني كنت أعرف أيضاً المثل الذي يقول:‏

إن العجلة الزائدة تفلق حبة البطاطا، فقد عزمت على ألا أدخل السباق من أجل مقعد برلماني -فتلك‏

المقاعد، كما تعرفون، خطرة جداً وكانت سبباً في سفك الدماء- بل سأدخله من أجل مقعد في مجلس‏

مقاطعة "ايسيسيري، رؤايتي ورد".‏

إذا ما قلت فعليك أن تفعل، وليس من المبكر على الإطلاق تسويق الخضار قبل أن تفقد‏

نضرتها. رحت بكل معنى الكلمة أغدق المال وأدسه في جيوب من هم حولي. حين أقصد أن أفعل‏

شيئاً فإنني أفعله بإبداع فلا أتراجع. لقد جمعت جوقة من نساء "نياكينيوا" ممن ينشدن مدائحي‏

ويخترعون الحكايات عن الكيفية التي كنت أقاتل فيها من أجل الحرية، وكيف وفرت الأرض والتعليم‏

للناس إضافة لأنواع أخرى من الكذب على هذه الشاكلة. واشتريت أزياء موحدة وملونة لنساء‏

"نياكينيوا"، وصورتي مطبوعة عليها.‏

وظفت بعدئذ جناحاً من الفتيان وظيفته تدمير أملاك خصومي وضرب الذين يتهامسون بالشكاوى‏

ضدي. كان لي خمسة خصوم. انفردت باثنين منهم وأخرجتهما من المعركة بثمن قدره /50.000‏

/شلن لكل منهما. أصدر كلاهما إعلانات عامة بأنهما ينسحبان لمصلحة البطل "جاثيكا". ورفض‏

الخصم الثالث الرشوى. وفي ليلة من الليالي، تم اختطافه من قبل اثنين من فريق الفتيان ونُقل إلى‏

غابة "رؤايني"، حيث شاهد سبطانة البندقية وطلب إليه أن يختار بين العيش وبين النجاح في‏

الانتخابات. اختار بطل الحكمة والتعقل البقاء حياً. أما الخصم الرابع فلم يقتصر على رفض الرشوى‏

ولكنه في الواقع ذهب أبعد من ذلك إلى حد أنه جاهر بالتحدي حتى بعد تهديده بالبندقية. أرسلت‏

بعض الفتيان إلى بيته، فكسروا كلتا ساقيه.‏

أما الخامس فكان من أبناء الحرام، أرسل على وجه السرعة قطاع الطرق التابعين له، والذين‏

سدّوا الطريق بسيارتهم وصوبوا بندقية علي وحذروني بأنه إذا حاولت اللعب مع زعيمهم، فإن‏

النتيجة ستكون سناً بسن، وعيناً بعين وساقاً بساق، ودماً بدم. وصلتني الرسالة. ولم يكن خصمي‏

مازحاً. سلّمت بالأمر الواقع. طلبت منهم إبلاغ رئيسهم بأن أكلة أموال الآخرين يلتقون عادة في‏

الميدان كي يقروا من هو الذي يستطيع أن ينال من الآخر. ولذلك فإن عليه الموافقة على مقابلتي في‏

أرض المعركة الانتخابية حتى نضع حداً لكل شيء، مرة واحدة وإلى أبد الآبدين، تبين من هو‏

الأفضل. وفي غضون ذلك، حذرت من أن ما من طرف ينبغي أن يهدد الطرف الآخر. المال قوة.‏

ولذلك فإن عليه أن يترك أمواله وأموالي تتحاربان في الميدان. وفي نهاية الأمر، توصلنا إلى تفاهم:‏

اتفقنا على ترك الحديد يقرع الحديد لنرى ما هو الأمضى وأيهما يحفر ثقباً في الآخر.‏

ولهذا بقي الميدان مفتوحاً لكلينا، الأموال تقوم بالعمل، وتبين من منا سرق أكثر من الآخر، من‏

جانبي أنا، أعطيت تعليمات بفتح كافة الصنابير فتحاً تاماً، لكي يتمكن كل شارب جعة من ارتشاف‏

القدر الذي يريده، بعد معرفة أنه أعطى صوته لصالح ابن "جاثيكا" وإنني أقول لكم: لم أترك حيلة‏

واحدة لم أجربها، ومنها شراء الأصوات. صرفت مبلغاً قدره مليونا شلن على تلك الحملة، لم يكن‏

خصمي سهل المنال. فقد صرف مليوناً ونصف المليون غير أن المقعد في نهاية المطاف كان من‏

نصيب البطل الذي ترونه واقفاً أمامكم الآن.‏

وحتى قبل أن أحتل مقعدي بصورة صحيحة في المجلس، بدأت أحس كيف أتمكن من استرداد‏

الملايين التي أنفقتها على الحملة. كنت في غضون ذلك قد عرفت بأن الحماسة للرقص الحديث‏

وقودها المال. جربت كل شيء. ولمدة أسبوع أو أسبوعين، لم أنم ملء جفوني لأن علي أن أقضي‏

وقتي في مقابلة هذا العضو أو ذاك. كلفتني الحملة الثانية خمسين ألف شلن أخرى. وكانت النتيجة‏

أنني عُينّت، بل انتخبت، رئيساً للجنة الإسكان في مجلس مقاطعة "ايسيسيري" وهذه اللجنة مسؤولة‏

عن إنشاء وتوزيع منازل المجلس وعن تعيين المقاسم الصناعية والتجارية للأفراد أو للشركات.‏

عرفت من هذا أنني بلغت مأربي حقاً. حان وقتي. والأملاك العامة تسمّن الرجل المراوغ.‏

ما كان يحدث من حين لآخر هو أن يقترض المجلس نقوداً من المصرف العالمي الذي تملكه‏

أمريكا. أو من المصارف الأوروبية واليابانية، لتمويل بناء منازل رخيصة للفقراء. وكان هذا مصدراً‏

للدسم الحقيقي. أستطيع تذكر إحدى المناسبات عندما هدّم المجلس بعض الأكواخ في رؤايني. كان‏

المشروع يقضي بتشييد ألف منزل بدلاً عنها. حصل المجلس على قروض من مصرف إيطالي‏

لتمويل المشروع. وكانت الشركة التي كسبت العرض لبناء البيوت شركة إيطالية أيضاً. غير أنها‏

بالطبع أعطتني أولاً دفعة أولية مستورة بمبلغ مليوني شلن تقريباً. أودعت النقود في حسابي‏

المصرفي وعرفت أن مصاريف الحملة قد سددت. ورحت أنتظر عائدات أموالي المستثمرة في‏

الانتخابات.‏

لم أعثر إلا بعد تشييد المنازل على ما كنت أسعى إليه. ترتب على كل إنسان يريد منزلاً أن‏

يشتري لي في البداية كأساً من الشاي بقيمة /2.000/شلن. فحصلت على مليونين آخرين بتلك‏

الطريقة، أودعتها المصرف بأكملها.‏

لا أرى داعياً للقول إنه بعد مرور سنتين على الملايين التي وظفتها في الحملة الانتخابية لم تدرّ‏

علي سوى مبلغ صغير تافه. ولم أرقْ، كما تلاحظون، قطرة عرق واحدة. جاءت نقودي كلها من‏

نفس الناس الذين اقترعوا لصالحي. كيف؟ لأن ذلك كان ضريبتهم التي ستذهب لدفع الأموال‏

المقترضة من المصارف الأجنبية.‏

ما رأيكم بذلك؟ لو كنتم مكاني، هل تتوقفون عن قضم تلك الثمرة، التي كان طعمها أشد حلاوة‏

من الحلاوة نفسها؟ لم أتوقف بتاتاً عن اقتطافها. أخذت أقطف ثمرة بعد ثمرة. كان العصير الحلو‏

يندلق من زاويتي فمي قبل أن أتعلم الأكل بروية وتعقل.‏

أما في هذه الأيام فلا أنتظر إلى أن يبني المجلس البيوت لكي أدس الثمار الحلوة في جيبي. لقد‏

وحدّت جهودي مع بعض الإيطاليين الأجانب وشكلّنا شركة إنشاءات: شركة رؤايني لتطوير الإسكان.‏

وشركتي هذه هي التي تكسب العروض من المجلس بالعادة. غير أن الشركة أيضاً تقترض أموالاً من‏

المصارف لإنشاء عزبات كاملة، وتقوى على بيع البيوت قبل ردح طويل من اكتمالها. أيها الأخوان،‏

لا تبخسوا تعطش الناس للبيوت حقه، الشركة تبني بيوتاً تناسب مختلف الطبقات. لا يتأتى الربح كله،‏

مثلاً، من المنازل الحجرية. هل شاهدتم تلك الثكنات المصنوعة من الطين والخشب؟ إذا شيدتم أكواخاً‏

من هذا الطراز ثم أجرتموها للعمال والفلاحين، ذلك هو، بالتأكيد، مكمن الدسم والربح.‏

أخذت أتلقى دعوات لكي أصبح مديراً لفروع الشركات الأجنبية أشتري سهماً هنا، وأدس في‏

جيبي بدل جلوس هناك، كنوع من البقشيش بسبب حضور اجتماعات الهيئة. ومن كل تلك المصادر،‏

كنت قادراً على الحصول على بضع سنتات آخذها للبيت كل شهر- إذ إن قطعة من هنا وقطعة من‏

هناك تجمع في بطن "كيهاهو واجاثيكا" رغم نحوله لكي تشكل رقماً كاملاً كبيراً.‏

لهذا السبب أنا مدين بالشكر والامتنان لجموع الشعب الكيني. ذلك لأن عماهم وجهلهم وعجزهم‏

عن المطالبة بحقوقهم هي التي تمكننا، نحن جماعة آكلي لحم البشر، من أن نتغذى على عرقهم دون‏

أن يسألونا مزيداً من الأسئلة المحرجة.‏

ولكن علينا ألا نطمئن أو نتصور بأن الجماهير ستظل بلهاء دائماً. هذا وإن الاحتمال في تغير‏

الأمور هو ما دفع بعض الأجانب لتعييني مديراً لشركاتهم في سبيل حمايتهم من غضب جماهير‏

العمال والفلاحين، ولست ضد ذلك التعيين، فهو مربح ومفيد نوعاً ما.‏

هذا هو ما يدفعني في هذه الأيام إلى عدم تفويت أية فرصة لتقديم هبات التنظيم الموحد. قد أدفع‏

عشرة آلاف شلن هنا، وخمسة أو عشرة هناك وربما أدفع عشرين ألفاً في مكان آخر. ذلك يعتمد على‏

مزاجيتي ولكنني حين أقصد حقاً أن أترك انطباعاً عند الناس، أذهب في البداية إلى شركات يملكها‏

الأجانب- وأنتم تعلمون أن هذه الشركات تخصص نقوداً لرشوة العامة- فأطلب منهم منحة، عشرة‏

آلاف شلن، عشرة سنتات، خمسة سنتات، ما تيسر، ثم أعتلي المنصة لكي أعلن عن كرمي وسخائي،‏

إن مئات الألوف هذه التي أحضرتها في أكياس هي مني ومن أصدقائي. وتردد جوقتي من نساء‏

"نياكينيوا" الزغاريد الخمسة التي تردد احتفاءً بالمولود الذكر، وذلك كله إكراماً لي. ماذا قلت؟ إن‏

حجم تصفيق اليوم يعتمد على حجم جيوب المتلقين. فالنقود تقوى على جعل الجبال مستوية. من يغني‏

اليوم على شرف كيماثي وأمثاله؟‏

قد تبقى الجماهير كما هي عليه مدة طويلة، ترتل الأغاني على حجم جيوب الإنسان فقط. وهذا‏

سيمنحنا وقتاً أكبر لكي نعيش على دسم الأرض -وكما تعلمون، ما يستقر في البطن بسلامة لا يكشف‏

إطلاقاً عن وجوده للعيون أو الآذان الفضولية. أنا شخصياً أؤمن بمبدأ الحكم والسيادة عن طريق حمل‏

جزرة في اليد اليسرى وعصا في اليد اليمنى. إن عطايا الوحدة المنظمة هي جزرتنا، غير أن هنالك‏

عدداً قليلاً من الحرس الأسود ممن يملكون الجرأة على الحديث عن إزاحة القشور عن عيون‏

الجماهير. إن من يرغبون في إيقاظ الجماهير يجب أن يهددوا بالقضيب -الاعتقال أو السجن- تماماً‏

مثل الذين تعرفون كل شيء عنهم. ولكنني بالعادة أرسل قطاع طرقي إلى من يمتازون بالعند- وبعد‏

مداورتهم بكد وتعب، بالعقاقير والكحول والنقود- يتم نقل أجسادهم بالعربات إلى الضباع على روابي‏

"نجونج"، أو إلى التماسيح في نهر "آثي"، لكي يواصلوا عملهم من أجل الجماهير داخل بطن ضبع أو‏

تمساح (مثل الأشخاص الذين تعرفون جميعاً أخبارهم). إنني لا أؤمن بهراء الديمقراطية هذا،‏

موضوع الحديث في الصباح هو الديمقراطية، وموضوع الحديث في المساء هو الديمقراطية أيضاً.‏

هل الديمقراطية طعام وشراب؟ لو استطعت الإمساك بهؤلاء الصبية من طلاب الجامعة، مع‏

أساتذتهم الأقزام... "وانجنيجوتا"... فسوف أحملِّهم بطائرة وأطلب منهم أن يأخذوا معهم هراءهم‏

الشيوعي إلى الصين والاتحاد السوفييتي، عفواً، أيها السادة لقد صرفني غضبي العارم من تلك‏

المجموعة عن الموضوع الرئيسي. دعوني أستأنف حكايتي. آوه، نعم، كنت أتحدث عن السرقة‏

واللصوصية القائمة على الإسكان. وأنا، من جهتي، لن أتنازل ماحييت عن السرقة واللصوصية‏

القائمة على الإسكان، ليس ثمة على هذه الأرض مايدرُّ ربحاً مثل الجوع والعطش للمأوى، ولذلك لا‏

أريد لهذه الشهية أن تتضاءل وتقل، ولو في أدنى الدرجات. في الواقع. سهرت كثيراً، وأنا أستكشف‏

الأساليب والوسائل لزيادة جوع البلاد كلها وتعطشها، لأن درجة تضور الناس للملكية تقرر بالضبط‏

المستوى الذي ستصعد إليه الأرباح مثل ألسنة نيران تصل إلى اللحم الدسم. وعندما تصبح مثل هذه‏

المجاعة شديدة- فإننا، بطبيعة الحال، لا نسميها مجاعة، ولكننا نعطيها أسماء ألطف وأخف من ذلك-‏

نحن آكلو دسم الأرض، نتمكن عندها من الجلوس لابتكار الطرق التي نقتسم فيها الدسم فيما بيننا.‏

خطتي هي هذه: عندما تتجاوز المجاعة حدود الاحتمال، فإننا لا نحتاج إلا لبناء منازل بحجم‏

عش العصفور. وهذه الأعشاش تبنى بطريقة يمكن معها أن نطويها، بالطريقة التي تطوى فيها‏

الخيام. كل واحد يبلغ حد اليأس في سبيل الحصول على مكان يضع رأسه عليه سيضطر لشراء عش‏

من أعشاشنا، عش يستطيع طيه وحمله على كتفيه أو دسه في جيبه، وفي أي وقت أومكان يداهمه‏

الظلام، فإنه بكل بساطة ينصب العش على جانب الطريق ويريح رأسه. وتصوروا، إنه سيبقى الليل‏

بطوله يتلو صلواته، يطلب من السماوات منح بركاتها للمحسنين أصحاب القلوب الرقيقة الذين بنوا له‏

ملجأً لعينيه وأذنيه وشفتيه وأنفه...‏

وتصوروا فقط المال الذي يمكن جنيه من الأعشاش -عش لكل رجل. ها، ها...ها، ها، ها...‏

كل فلاح داخل عش. كل عامل وأنفه داخل عش. سوف يتنافس العمال والفلاحون مع العصافير من‏

أجل حيز من الهواء!.‏

أيّها الطيبون، سلموني تاج النصر. هي، انتظروا لحظة. إن من كان منكم لا يزال يضمر شكوكاً‏

بالنسبة لقدراتي: إن أعشاب وحبال بناء الأعشاش ستستورد من أمريكا وأوروبا واليابان، من دول‏

أجنبية أوبوسعنا، بكل بساطة، استيراد أعشاش معدة سلفاً.‏

هذا كل ماعندي قلته.فسلموني التاج!‏

الرد‏

نزل "كيهاهو" "واجاثيكا" عن المنصة، مرتبكاً جداً، ومحتداً من امتناع جمهور الحضور عن‏

التصفيق له. وقبل الوصول إلى مقعده، شاهد "جيتوتو جاتانجورو" يهز بجسمه باتجاه المنصة. كان‏

"جيتوتو" مشحوناً بالمرارة. شفتاه ترتجفان واللعاب يسيل من زاويتي فمه. أيها الرئيس. لم نأتِ إلى‏

هذا المكان لكي نقذف بعضنا بالإهانات، لم نأتِ لكي نقذف بعضنا بعضاً بغمزات الازدراء. ولم نأتِ‏

لكي نستمع للبذاءة والهراء. لقد جئنا إلى هذا الكهف للمشاركة في منافسة نعرف فيها من منا الأبرع‏

في فن وعلم السرقة واللصوصية الحديثة. والفائز المحظوظ قد يجد نفسه يعيَّن كلباً حارساً لبيوت مال‏

أو صناعات يملكها الأجانب، بحيث أنه وهو يقدم الفائدة لأسياده الأجانب يتمكن من حشو جيوبه‏

الخاصة. أما أن ينجح هذا أوذاك فذلك يعتمد على عصفور ذي فأل طيب اعتماداً مطلقاً. ونحن يجب‏

ألا نتوقع النتيجة عن طريق توجيه الإهانات.‏

أما إذا كانت هذه المنافسة مصممة لمعرفة الذي يستطيع أن يرمي أفحش الإهانات وصور‏

التعريض، فيجب أن نعرف ذلك الآن. لقد تم ختان بعض منا، وتعلمنا دروساً قليلة في نعوت الشتم‏

والإهانة خلال مرحلة تعلم الشعائر الأولية.‏

ولو أننا اجتمعنا للتباهي بقدراتنا على استخدام وحدات الشبيبة لإرهاب الآخرين، كل إنسان هنا‏

يجب أن يعرف بأنني أنا، "جيتوتو واجاتا نجورو" أشغّل مجموعة من قطاع الطرق أشد ترويعاً‏

وإرهاباً من أية مجموعة شباب أخرى أعرفها، والجماعة تنفذ أية مهمة أكلفها بها، بما في ذلك إزالة‏

أي شخص عن وجه الأرض، أيّ إنسان يجرؤ على التدخل في نشاطاتي بالسرقة واللصوصية. إن‏

قطاع طرقي، ولعلني يجب أن أقول مرتزقتي يملكون شهية هائلة من أجل القنب الهندي، وإن نيتي‏

في الوقت الحاضر هي استيراد مرتزقة أوروبيين من فرنسا وبريطانيا. وإذا كان هنالك شخص‏

متحمس للمبارزة، فأنا، "جيتوتو واجاتا نجورو"، جاهز بمسدسي.‏

لماذا أقول ذلك؟ لقد ادعى الهزيل الذي كان يقف هنا، والمعروف باسم "كيهاهو واجاثيكا"، أنني‏

مجرد مبتدئ في فن السرقة واللصوصية. ماذا! يا "بن جاثيكا"! هل تعرف حقاً من هو "جيتوتو‏

واجاتانجورو" أم أنك سمعت أناساً يذكرون اسمه فحسب؟ إنني أقسم بحقيقة الحقائق أن عليك أن تأتي‏

وتركع أمامي في مدرستي -وذلك يعني أن عليك أن تذهب إلى مدرسة نموذجية- بحيث أتمكن من‏

تلقينك أبجدية نوع السرقة واللصوصية التي جعلت كرشي بالحجم الذي هوعليه الآن.‏

أيها الرئيس، ماهو نوع السرقة واللصوصية التي كان يتباهى بها هذا الشخص؟ هل هي رشوة‏

الخصوم للخروج من المنافسة في انتخابات مجلس بلدي؟ ربما كان للأمر طعمه لوكانت هذه‏

الانتخابات انتخابات برلمانية! وماهو النوع الآخر من السرقة التي كان يفاخر بها؟ هل هي شراء‏

أطفال أوروبيين من البلاستيك وخداع الناس، ودفعهم للاعتقاد بأنّهم أطفال أوروبيون حقيقيون؟‏

دعونا نعد للسؤال المتعلق بعزمه على المساهمة في تطوير السرقة واللصوصية في هذه البلاد.‏

أليس من المضحك أن أول فكرة استطاع صاحبنا طرقها هي بناء أعشاش طيور كبيوت ومساكن. من‏

تراه سيوافق أبداً على شراء عش لمجرد أن يريح أنفه أو شفته؟ أيها الرئيس، إن ذلك الشخص الذي‏

يسمي نفسه "جاثيسي وا كيهوهيا" (أو هل اسمه "كيهيهي واجاثيسي"؟)، يريد أن يثير العمال والفلاحين‏

لامتشاق السلاح ضدنا. إنه يريد من العمال أن يغضبوا غاية الغضب بحيث تسقط القشور عن‏

عيونهم، فيهبون ضدنا بالسيوف والهراوات والبنادق. ألا يعرف "جاثيسي واكهياهو" أن قومنا مرضى‏

حتى الموت من أجل حمل السلاح؟ أعرف مايبغيه... إنه يبغي إدخال الشيوعية على الطراز الصيني‏

إلى هذه البلاد.‏

سيدي الرئيس: إن مخططات التطوير التي طرحتها معقولة أكثر بألف مرة مما طرحه: أن نبيع‏

التراب بأطباق صغيرة، أو نحبس الهواء لكي نتمكن من بيعه بالعلب أو بالأمتار! العمال والفلاحون‏

عندئذٍ سيخضعون للأوامر - أوامرنا! إن الاستيلاء على كل تراب الأرض والهواء من حولنا هو‏

أضمن طريقة لجعل العمال والفلاحين ينصاعون لنا أبد الدهر، لأنهم إذا ما أحدثوا أقل أنواع‏

الصخب، فلن نحتاج إلا إلى إغلاق الهواء لكي نجعلهم يركعون على ركبهم...‏

أصدقائي، إن من الأفضل أن تبينوا "لواليكا واجاثيكا" أنكم لستم ذلك النوع من الناس الذين يمكن‏

أن يرتشوا لمنح أصواتهم بكأس من الجعة. أتمنى أن يعرف "جاثيكا" الآن، وأينما هو يجلس، أنني أنا،‏

"جيتوتو واجاتا نجورو"، لست الذي يهرب من أرض المعركة ويترك النصر إلى جماعة السيقان‏

الطويلة حتى ولو كانوا خبراء في تحطيم سيقان خصومهم. إن تاج النصر لي.‏

وقبل أن يستطيع "جيتوتو واجاتا نجورو"، الترنح عائداً إلى مقعده، كان رجل آخر قد هبَّ واقفاً،‏

لم يُتعب هذا الرجل نفسه في اعتلاء المنصة، رغم أن اللعاب لم يسل من طرفي فمه، كما كانت‏

الحال مع صاحبنا "جاثانجورو"، كان هو الآخر مريراً لاذعاً بصورة واضحة.‏

سيدي الرئيس، أود أيضاً أن أقول كلمة، فقد قيل في الأمثال إن الحكمة المكتومة في القلب لا‏

تكسب قضية قانونية أبداً... آسف! أنا معروف باسم "إيثي وامبوي". إنني أعرف بأننا جميعاً اجتمعنا‏

في هذا الكهف لكي نتباهى ولكي نعلم بعضنا بعضاً طرائق أكثر فعالية واحتيالاً بخصوص سلب‏

ونهب الفقراء، غير أن الشخص الذي كان يقف هناك ألآن- وأعني البعوضة النحيلة- قد أخطأ خطأً‏

فادحاً.‏

يابن "جاثيكا"، ألا تشعر بالخجل؟ ألم ترتبك وأنت تقف أمامنا هناك تتباهى بخداع أبناء طبقتك،‏

وتتبجح بلا خجل بالطريقة التي سرقت بها أبناء طبقتك؟ إذا بدأنا نسلب وننهب ونخدع بعضنا بعضاً،‏

كيف ستتعزز وحدتنا كطبقة؟‏

من ناحيتي، إنني خجل إلى حد مخيف وأشعر بالحزن الكبير لأن أطفالي كافة داوموا على تلك‏

المدارس التي تسمى مدارس الحضانة. كنت دائماً أعتبر أن أولادي كانوا يداومون على المدارس‏

التي يداوم عليها الأطفال الأوروبيون. هل كانوا إذاً مجرد أوروبيين مزيفين؟ هل كانوا أوروبيين‏

بلاستيك بشعر مستعار؟ وإذا ما فكرت بأنني دفعت مئات ألوف الشلينات كي يكون أطفالي برفقة‏

أوروبيين بجلود بلاستيكية، حجارة عوضاً عن العظام، وآلات كهربائية عوضاً عن القلوب؟ ماذا!‏

عندما يأتي أولادي إلى البيت ويحكون لي أنهم كانوا يلعبون مع أصدقائهم الأوروبيين، هل كان‏

هؤلاء الأصدقاء آلات كهربائية وبلاستيكية أوروبية فحسب؟‏

لم يمر بي في حياتي كلها مثل هذا الشر الذي لا يصح ذكره. تصوروا رجلاً بالغاً راشداً مثل‏

"كيهاهو واجاثيكا"، يملأ جيوبه بأموال الآخرين مقابل لاشيء؟ وهل هذا مايجعل أبنائي غير قادرين‏

على تكلم الإنكليزية من الأنف مثل الأطفال الأوروبيين الحقيقيين؟ وكم مرة جعلوني أشعر بالخجل‏

أمام أبناء طبقتي لأنهم كلما يخاطبون بالإنكليزية، كانوا يردون عادة بلغة "جيكويو"؟‏

ولمعرفتكم، كانت أمهم "نينا وامبوي" تقول لي من حين لآخر: يا "إيثى وامبوي"، لا أظن أن‏

هؤلاء الأوروبيين من الإنكليز الحقيقيين بتاتاً. لماذا، إنهم دائماً يلعبون ويقومون بالأشياء نفسها مرات‏

ومرات. إنهم يقضون وقتهم يركضون. أما أنا فأؤكد لها: يا"نينا وامبوي"، إن الإنكليز عرق هجين من‏

شتى أجناس البيض- إيرلنديين، وأمريكان، وألمان، وفرنسيين، واسكوتلنديين- وهم عرق ذو مبادئ‏

سامية، وليسوا من النوع الذي لا يلبث يتغير من شيء لآخر، تارة في الداخل وتارة في الخارج. إنهم‏

يحبون الألعاب التي تتطلب الركض. والحقيقة، أن الإنكليز هم الذين اخترعوا كرة القدم "والركبي"‏

و"الكريكيت"، وكلها ألعاب قائمة على الجري. يا "نينا وامبوي"، اتركي أولادنا في تلك المدارس لكي‏

يتعلموا العادات الإنكليزية الحقيقية! إن الأوروبي أوروبي حتى وإن كان مشوهاً - الأمر المهم هو‏

بياض بشرته. فهل هي التي كانت على صواب كما يتضح الآن؟ وإن من الصحيح تماماً أن الرجل لا‏

يصدق ماتقوله المرأة إلا بعد فوات الأوان.‏

سيدي الرئيس، لأن نسلب وننهب ونخدع الفقراء، أمر لابأس به. إذ من أي مصدر آخر يأتي‏

ثراؤنا؟ مامن شخص تافه يناقش مثل هذا الأمر، لأن تلك هي الطريقة التي نشأ عليها العالم على‏

الدوام والتي سيكون عليها مستقبلاً على الدوام أيضاً. غير أن هذا الرجل الذي يسلب وينهب ويغش‏

طبقته الخاصة -أي نوع من الرجال هو؟ أليس من المتفق عليه بصورة عامة أن السرقة من هذا‏

القبيل تتجاوز كل معايير الفهم؟ والأنكى من ذلك، إنه يجرؤ على الوقوف أمامنا لإحداث صخب‏

أجوف وللمطالبة بتاج النصر! تاج النصر عن حق وحقيق! إن عليه أن يذهب إلى بيته ويلبس تاج‏

أمه!‏

يا كيهاهو، من هذا اليوم فصاعداً لن يقترب أولادي من مدارسك. سأذهب على الفور إلى "نينا‏

وامبوي"- فهي مثقفة ثقافة عالية، إذ كانت في جامعة "كامبريدج"، لكي أطلب منها البحث عن مدرسة‏

دولية. هل تسمع ذلك يا "كيهاهو وا جاثيكا" لقد نلتَ مانلت! ولن تأكل مرة ثانية أي شيء يخص "إيثى‏

وامبوي"و"نينا وامبوي". سوف نذهب إلى مدارس دولية مخصصة للأوروبيين، حيث يجري الحديث‏

بالإنكليزية الدولية، وهي مدارس ليس فيها مقعدون يقومون بوظيفة مدراء، ومدارس ليس فيها‏

أوروبيون مصنوعون من البلاستيك بقلوب كهربائية وجلود بيَّضها الأسيد. إننا نريد لوناً عالمياً!‏

وقبل أن يجلس "إيثي وامبوي"، وقف رجل آخر للحديث. كان غاضباً جداً حتى أنّه كان وهو‏

يتكلم يقرض أصابعه وشفتيه. وكان كرشه في غاية الضخامة حتى إنّه كان ينتفخ فوق ركبتيه.‏

سيدي الرئيس، اسمي "فاثوج مارورا واكيمننجيمينجي"، وليس عندي الكثير مما يقال: إنني أقدم‏

اقتراحاً رسمياً بطرد "كيهاهو واجاثيكا" من هذه المنافسة. كيف يجرؤ على الحضور إلى هذا المكان‏

والتباهي بكيفية ارتكاب الفحش بزوجات الآخرين؟ سيدي الرئيس، لقد هربت زوجتي بالفعل من‏

البيت. وأنا أعرف الآن إلى أين تذهب. إنني أعرف الآن ذلك الزاني الذي يسلب ويدمر بيوت‏

الآخرين. أنت، إنه أنت "يا كيهاهو"! أقسم لو أنني أحضرت مسدسي معي-نعم أقسم بالمرأة التي‏

حملتني في بطنها- إنك كنت ستنام هذه الليلة من غير ذلك الإحليل الذي يقدم "الوحدة المنظمة"‏

لزوجات الآخرين. لم يكن الأمر ليهمني، سيادة الرئيس، لو أن "كيهاهو" زنى بزوجات الفقراء أو‏

بنات المدارس من البيوتات الفقيرة.... ولكن..... ولكن.....!‏

عند هذه النقطة من الكلام سدَّت كتلة من الألم حنجرته ولم يستطع "فاثوج" إلا أن يعض شفتيه‏

وأصابعه في زحمة غضبه اليائس وهو يجلس في مكانه. انقلب الكهف كله الآن إلى خلية من‏

الصخب الغاضب. كما انصب القسط الأكبر من السخط على "كيهاهو واجاثيكا".‏

وبعد ذلك وقف "كيهاهو" وراح يدافع عن نفسه.‏

سيدي الرئيس، لقد شُتمت وأهنت من قبل من تكلموا الآن، واستمعتُ لإهاناتهم بكل جلد وصبر.‏

غير أنني الآن أبحث عن الحماية وأطلبها من رئاسة المجلس. ثم إنني سأتحدث بصراحة، وليحدث‏

الطوفان، على كل شخص هنا أن يذهب إلى بيته الآن ويؤمن على فرْج زوجته بالقفل، ثم نأخذ‏

المفاتيح جميعاً إلى خزانة مصرفية، تحفظها سالمة مصونة حتى يكون جاهزاً لاستردادها، ومشحوناً‏

بعملية الانتصاب. لست من علَّم زوجاتهم أن يكن مومياء رخيصة سهلة، أو الانضمام لنادي‏

"الجاهزات للتسليم"، غير أن امرأة مثل زوجتك، وأشار بإصبعه الآن، إلى "مارورا"، أقسم باسم‏

الصدق أنني لن أمس ماحييت مثل هذه المرأة، حتى لو وجدت فخذيها مفتوحين في منتصف الطريق،‏

أو لو أقفل علي معها في منزل أطفئت كل أنواره. لا أستطيع أن أجر نفسي للمنافسة مع طلاب‏

المدارس والسياح...‏

علي أن أطرح أيضاً أنّه لا يحق لأحد أن يتباهى بالمسدسات، ولدي في منزلي ثلاث بنادق‏

ومسدسان آليان، كما أنني أحتفظ ببندقية في سيارتي. وإذا كنتم تلاحظون أن جيب السترة هذا مُنتفخ‏

قليلاً، فاعلموا أن ذلك ليس مقابل لاشيء. حيثما أذهب، أسلح نفسي من رأسي حتى أخمص قدمي.‏

إذا ما تقدم واحد منكم وحاول تجريدي من سلاحي، فسوف أريه نجوم الظهيرة...‏

سيدي الرئيس، لقد أهانني "جيتوتو جاتانجورو" أيضاً. ونحن إنماجئنا إلى هذا المكان لكي يتمكن‏

كل متنافس من التباهي، بالطريقة التي يشاء، بقدراته على السرقة واللصوصية. كنت أقول الحقيقة‏

ليس إلا، ولم أحاول إهانة أحد. ماقلته هو أن تهب الجماهير عن طريق المضاربة بالأراضي‏

(الأراضي التي قاتلوا من أجلها نفسها) هي مرحلة مررت بها أيضاً قبل الارتقاء إلى ماهو أعلى‏

وأهم. توقفت عن التعامل مع شركات وجمعيات شراء الأراضي. فالمرء لا يسرق ثم يجلس‏

القرفصاء لالتهام الغنيمة في المكان نفسه طوال الوقت، لأن المالك سوف يدركه عاجلاً أو آجلاً.‏

إن الشيء الوحيد الذي أرفضه من قلبي وحياتي هو ماقاله "جيتوتو "واجاتانجورو" عن إمكانية‏

كوني السبب في نشوء شيوعية من الطراز الصيني في هذه البلاد. ماذا، هل أقبل أنا أن أحكم من قبل‏

حزب العمال والفلاحين؟ هل أقبل أنا أن أحكم من قبل حزب كرس نفسه لاستئصال نظام السرقة‏

واللصوصية من الكرة الأرضية؟ هل أعود أنا إلى العمل بيدي؟ آكل ماينتجه عرقي وحده، دون حق‏

التطاول على منتوجات عرق الآخرين؟ وأجد نفسي أواجه الطباشير والغبار من جديد؟ إنسَ ذلك،‏

ياسيد جيتوتو...‏

على العكس من ذلك، أنا أقول: إن خطتك في الاستيلاء على كامل التراب والهواء في الكون‏

هي الخطة الخطيرة التي يمكن أن تنشر مرض الشيوعية من الطراز الصيني بسرعة أكبر. والسبب‏

في ذلك هو: لو منعت الناس عن التنفس، فمن تراه يمنعهم من استلال الهراوات والسيوف والبنادق؟‏

أليس ذلك مساوياً لإظهار مقدار احتقارك للجماهير؟ الدناءة المقنعة أفضل: كما أن نظام السرقة‏

المقنع بالأكاذيب أفضل. لولا ذلك، لماذا تعتقد أن أصدقاءنا الامبرياليين جلبوا لنا الإنجيل؟ هل تظنهم‏

بلهاء عندما حضّوا العمال والفلاحين على إغلاق عيونهم في الصلاة وقالوا لهم: إن المكاسب الدنيوية‏

عبث مطلق؟ ولماذاتحسبني أذهب إلى اجتماعات الوحدة المنظمة لإنعاش رأس المال في الكنيسة؟ يا‏

جيتوتو، دعني وشأني، أما إذا كنت لا تزال تتحداني لكي أنازلك بالمسدس، سأكون في غاية السعادة‏

للمنازلة، لأن كرشك سيكون هدفاً دقيقاً وأنا أحب أن أكتشف، إذا كان بوسعي تفريغه برصاصة أو‏

رصاصتين. وإذا كنت تريد حرباً بين أزلامنا ومرتزقتنا، فذلك سيتيح لنا الفرصة أيضاً لمعرفة أي‏

الفريقين، فريقك أم فريقي، يدخن أشد أنوا ع القنب الهندي. لقد تم ختاني أنا الآخر. وإن تستقصِ‏

الأمور بدقة بين النساء، فسوف يشهدن بأنّه ليس ثمة جلدة ملصوقة ببعيري.‏

في الختام، أحب أن أرد على اتهام "إيثي وامبوي" الذي شكا من أنني أسرق أفراد طبقتي‏

الخاصة. أقول له الآتي: أي نوع من اللصوص والسارقين أنت؟ ماذا يعمل في هذه المنافسة إذا لم‏

يكن يعرف الحقيقة الأولية وهي أن هنالك فولاذاً يستطيع ثقب الفولاذ بكل يسر وسهولة؟ دعوني أقول‏

هذا "لإيثي وامبوي" ثمة لصوص يستطيعون التغلب على اللصوص الآخرين، وثمة سارقون‏

يستطيعون التغلب على السارقين الآخرين: وثمة ملوك يستطيعون التغلب على ملوك آخرين. إذا كان‏

"إيثي وامبوي" يجهل ذلك، فإن عليه أن يحزم أمتعته في الحال ويعود إلى منزله لمساعدة "نينا‏

وامبوي" في تقشير البطاطا بجانب الموقد والحديث عن جمرات النار ورمادها. وقطعة الفولاذ التي‏

تستطيع أن تفل الفولاذ نفسه: ألا يدل ذلك على أن الفولاذ من نوعية وخشونة خاصة؟ ماذا تريدون‏

أيها الناس غير ذلك؟ التابع لي. لا تضيعوا وقتنا. أعطوني تاج النصر!‏

ظهر أن خطابه الأخير خلق له مزيداً من الأعداء. قفز عدد غفير من الناس في وقت واحد‏

وأخذوا يصرخون بوجه بعضهم بعضاً.كان نفر منهم يؤيد "كيهاهو" ونفر يؤيد "جيتوتو" أو "إيثي‏

وامبوي"، وآخرون كانوا إلى جانب "مارورا واكيمنبمينجي". لكأن الكهف أصبح موقعاً لسبعة أسواق‏

مجتمعة.‏

ثم خيم الصمت على الكهف بغتة. فقد استل كل من "كيهاهو" و "جيتوتو" و"إيثي وامبوي"‏

مسدساتهم.‏

دفع الناس في الكهف كراسيهم إلى الوراء وهبوا واقفين، وكل واحد يحاول الابتعاد عن‏

الرصاص. لم يسعل أو يعطس أي واحد مدة دقيقة أو زهاء ذلك، وكانت أصوات الضجيج الوحيدة‏

هي صرير الطاولات والكراسي التي يبتعد عنها شاغلوها، انتظاراً لأزيز الرصاص.‏

ولولا أن رئيس المراسم قفز إلى المنصة قبل أن يبدأ إطلاق النار وأخذ يصيح بأعلى صوته‏

لكي يعود الناس إلى مقاعدهم، لانفض الاحتفال. كما عاد كل من "كيهاهو واجاثيكا"، و"جيتوتو‏

واجاتانجورو" و"إيثي وامبوي" إلى مقاعدهم وهم لا يزالون يحدجون بعضهم بعضاً بنظرات الغضب.‏

مرةثانية، وبصورة مفاجئة، عاد الصخب إلى الكهف.. حاول رئيس المراسم إسكات الناس بتلويحة‏

من يده. ثم راح يهدئهم بلهجة استرضائية مهدئة.‏

أخفوا تلك المسدسات داخل جيوبكم. أطلب منكم بكل احترام واجب أن تتذكروا السبب الذي جاء‏

بنا معاً إلى هذا المكان اليوم. لم نأتِ للمبارزة. لقد جئنا بهدف وحيد وهو المشاركة في منافسة عن‏

السرقة واللصوصية الحديثة. أود أن اذكركم أيضاً بأن عندنا ضيوفاً، سبعة مبعوثين عن منظمة‏

السارقين واللصوص الدولية، الذين حضروا لكي يختبروا ويطلعوا على كل ما نقول ونفعل. فهل‏

تريدون أن تنتفوا ريش بعضكم بعضاً أمام ضيوفنا الأجانب؟ ماذا تتصورون رأيهم بنا الآن بعد‏

معاينة هذا التشويش والتهديد بإطلاق الرصاص في وضح النهار؟ قد تجعلهم أفعالنا يفقدون الثقة بنا‏

ويعيدون التفكير بموقفهم. لابد أنهم يتساؤلون: هل يستطيع هؤلاء الناس حقاً رعاية منتجات سلبنا‏

ونهبنا في بلادهم؟ وهل هم بالفعل قادرون على رعاية بيوتنا المالية ومخازننا وكافة الصناعات‏

المؤمنة بها؟ تصوروا خسارتنا إذا أخذوا فتاتهم إلى قرية أخرى؟ أية خسارة ستكون على "إيلمورج"!‏

من تراه يلام سوانا؟ دعوني أكن صريحاً معكم؛لأنّه كما يقول المثل: يستطيع شخص تلطيخ سمعة‏

شخص آخر وإبعاده عن الحب: كما أن اللهب المتقد جداً يمكن أن يخدع النار ويبعدها عن الفحم.‏

إنني أتوسل إليكم، أضرع إليكم، من فضلكم، تحلوا بالصبر. كل متسابق سينال الفرصة لتقديم‏

شهادته من فوق هذه المنصة والتفاخر بفنه في السرقة واللصوصية. إياكم أن يحتقر بعضكم بعضاً.‏

الشهادة شهادة. وينبغي ألا نجعل الشهادة تشهد ضد الشهادة. ليس ثمة صقر صغير جداً عندما يتعلق‏

الأمر بالصيد على الطراز الحديث.‏

ولكننا، في سبيل استعادة الطمأنينة لأرواحنا وأجسادنا، أقترح أن نأخذ قسطاً من الراحة نمتع‏

فيه كروشنا، لأن كرش اللص ليس بليداً جداً بحيث يحافظ على سكوته عند توفر مقدار كبير من‏

الطعام، وهو لا يُرشى للسكوت بلقمة أو لقمتين. هذا ويمكنكم جميعاً تناول الغداء هنا في الكهف -فقد‏

حضرنا طبقاً دولياً خاصاً- أو يمكنكم الذهاب إلى مكان آخر في "إيلموروج". غير أنني أناشدكم‏

الإسراع في الطعام والشراب بحيث نتمكن جميعاً من العودة إلى الاجتماع في الثانية والنصف. لا‏

زال هناك عدد كبير من الشهادات ينتظرنا.‏

وقبل أن نأخذ استراحة ماقبل الغداء، أحب أن أُذكِّرَ النساء سواء كن زوجات أو خليلات أو‏

صديقات أننا سوف نقيم معرض أزياء، وهي فرصة لكي تعرضوا فيها مجوهراتكم، وذهبكم،‏

وماسكم، وفضتكم، وياقوتكم، ولآلئكم. علينا أن نطور ثقافتا، وأنتم تعرفون حق المعرفة أن الطريقة‏

التي تلبس فيها المرأة ثيابها وكيف ترتدي جواهرها هي التي تدل على المستويات العالية التي وصلت‏

إليها الثقافة. ولذلك جهزوا، عندما تعودون، عقودكم، وحلقكم، وخواتمكم، ودبابيس الزينة، بحيث‏

نستطيع أن نخلِّفَ عند ضيوفنا انطباعاً حسناً ونبين لهم أننا أيضاً ماضون على دروب الحضارة‏

الحديثة... ولا تنسوا موعدنا في الساعة الثانية والنصف تماماً! وأتمنى لكم جميعاً أيها الأصدقاء‏

والأحبة شهية طيبة.‏

قابل رئيس المراسم حفاوة الناس وهم ينهضون واقفين. صار الجميع مرتاحين، وبدؤوا يتحدثون‏

بخفة ومرح. ثم أخذت عصابة ملائكة جهنم تعزف بعض الألحان الكونغولية:‏

Balmda nanga Bakimi no mobali‏

Mobabi oyo Toto yo matema‏

Nakei Koluko mobali nangae‏

بقي نفر قليل من الناس حيث كانوا، يشربون ويناقشون عملية التهديد بإطلاق العيارات النارية.‏

فيما تحرك آخرون، باتجاه الباب.‏

Kyrie, Kyrie eleison‏

Kyrie, Kyrie eleison‏

أمسك "جاتويريا" بيد "وارينجا" وقال: يجب أن نخرج، دعينا، نذهب، أو سيخنقني هذا الجو.‏

أجل، إنني أشعر بالمرض، قالت له وارينجا وهي تقف، فلنذهب للخارج حيث نستطيع استنشاق‏

الهواء بالمجان قبل تحوله إلى سلعة للبيع من قبل "كيهاهو" و"جيتوتو". أضافت وهي تغادر الكهف.‏

Kyrie, Kyrie eleison‏

Kyrie, Kyrie eleison‏

اتجه "مواؤرا" نحو"موتوري" وقال: كيف عرفت ملائكة الشيطان؟ ماهي علاقتك بهم؟‏

تناول "موتوري" قصاصة الورق التي سبق أن سلمت إلى "وارينجا" من قبل قطاع الطرق الذين‏

طردوها من بيتها في "نيروبي".‏

انظر إلى هذه الورقة، قال "موتوري" وهو يعطي قصاصة الورق إلى "مواؤرا". أظنها لك.‏

قرأها"مواؤرا" وقطَّب سائلاً: من أين حصلت عليها؟‏

كانت في سيارتك الليلة الماضية، أجابه "موتوري".‏

نظر "مواؤرا" إلى "موتوري" بعينين مليئتين بتساؤلات مريرة: ماذا يفعل موتوري هنا؟ من تراه‏

يلاحق بعينيه القلقتين؟ هل يلاحقني أنا؟ لماذا كتب هذا، ألمجرد الادعاء بأنّه وجدها بالسيارة؟ أم تراه‏

يريد قراءة التعبير المرسوم على وجهي؟ ومن هو "موتوري"؟. من هي "وانجاري"؟ لم يستطع‏

"موتوري" ملاحظة المرارة في عيني "مواؤرا" لأنّه اتجه في تلك اللحظة نحو "وانجاري".‏

يمكننا الخروج أيضاً، قال "موتوري" "لوانجاري".‏

تابعت جوقة ملائكة الجحيم عزف اللحن الكونجولي نفسه:‏

Nakai Koluka Banganga‏

Poya Kosongisa mobali Nanyai‏

قرر مواؤرا فجأة أن يسأل "موتوري" و"وانجاري" عمن أرسلهم إلى "إيلموروج".وقال في نفسه :‏

يجب أن أبين لهما أنني أعرف مهمتهما السرية وسوف أبين لهما بأنني لم أنخدع بقصصهما الطويلة‏

في الليلة الماضية.‏

أنا أقول! بدأ "مواؤرا" يتحدث، غير أنّه عند ذلك كتم ماكان في ذهنه وحاول طمسه بطرح‏

سؤال مغاير تماماً: يا "وانجاري"، هل ستزينين نفسك بالذهب والماس واللؤلؤ وبقية الحجارة الكريمة؟‏

راح كل من "وانجاري" و"موتوري"، و"مواؤرا" يضحك. ثم غادروا الكهف وهم لا يزالون‏

يضحكون. أحس مواؤرا بالانتعاش: فعلام كان مضطرباً؟ أفضل أن أرتدي حلقاً مصنوعة من أعواد‏

الذرة الجافة، أجابته وانجاري. المشكلة الوحيدة هي أنني ضيعت فرصة خرم أذنيَّ.‏

لماذا؟ سألها موتوري ومواؤرا.‏

السبب هو أن أيامنا لم تكن أيام تزيين أجسادنا بالزهور والعقود. كانت أيامنا للتزين بطلقات‏

الرصاص في الحرب من أجل كينيا حرة! قالت ذلك وانجاري بكل اعتزاز لأنّها تعرف أن أعمال‏

ومآثر شبابها غيرت تاريخ كينيا.‏

توقف "مواؤرا" فجأة عن الضحك. كان منزعجاً. كما اسود وجهه. طفق قلبه يدق وكأنّه يسأله:‏

هل الأمر أنك كنت تحمل في سيارتك تهديداً لحياتك الخاصة، مثل القملة التي يحملها الواحد ويدور‏

بها وهي على جسمه؟‏

لكنَّ "موتوري" نظر إلى"وانجاري" بقلب عامر باعتزاز وسعادة مباغتين يا "وانجاري"، يابطلة بلادنا‏

-ياكل من تسمين وانجاري، يا بطلات أرضنا! هل يتعين علي أن أميط اللثام لها عن المهمة التي‏

جلبتني اليوم، وكيف يستطيع واحدنا مساعدة الآخر؟ لا،لم يحن الوقت بعد. سوف أراقبها مدة أطول‏

قليلاً، همهم "موتوري" وهو يسأل نفسه، فيما لايزال يحدق "بوانجاري". ولكنْ فيما بعد... فيما بعد...‏

همس يحدث نفسه. ثم راح يتذكر المتبجحين في الكهف. شعر بالميل للبكاء.. دعونا نخرج من هنا،‏

أخذ يحض "وانجاري" و"مواؤرا"، دعونا نغادر هذا المكان.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244