|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 11:16 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصـل الرابع (1) .. لأن مملكة الخداع الأرضي يمكن تشبيهها بحاكم تنبأ بمقدم اليوم الذي سيرمى به فيه خارج أحد البلدان من قبل الجماهير ومن قبل مقاتلي حرب العصابات من أجل الحرية. أصابه القلق والإضطراب وهو يحاول تحديد الطرق اللازمة لحماية جميع الأطيان التي جمعها وكدسها في ذلك البلد إضافة إلى تحديد الطريق لتدعيم حكمه وسيطرته على الرعية بوسائل أخرى. سأل نفسه ما يلي: ماذا سأفعل، وأنا أعرف أن الناس الذين فرضت طغياني واستبدادي عليهم هم الآن على وشك طردي من هذه المزارع والمصانع التي سلبتهم إياها؟ لم أعد قادراً على فلاحة الحقول، ولم أعد قادراً على العمل بيدي، وإذا ما انتظرت حتى أضرب بالهراوات وتطلق علي النيران للخروج من البلد، فإنني سأعيش العمر كله في عار بسبب جميع الحكايات المروعة والتي سردتها لهم عن قوة مدرعاتي وقنابلي التي لا تقهر، ولأنني كنت دائماً أحاول أن أبين لهم بأن العرق الأبيض لا يمكن إطلاقاً التغلب عليه من قبل العرق الأسود. وعندما ينتصر رجال العصابات، ويمسكون بزمام السلطة، لن أستطيع إعادة امتلاك هذه المزارع والمصانع. هذه الشاي، هذا الأرز، هذا القطن، هذه القهوة، هذه الحجارة الكريمة، هذه الفنادق، هذه الحوانيت، هذه المعامل، ثمار عرقهم الغالي هذه، كلها وأكثر منها سوف تضيع مني، ولكنني أعرف الآن ما سأفعل، بحيث أنني حين أعود في نهاية المطاف إلى بلدي من خلال الباب الأمامي، سأكون قادراً على الرجوع إلى هنا من خلال الباب الخلفي، وسوف أستقبل أحسن استقبال، كما سأكون قادراً على بذر بذور تضرب جذوراً أشد وأقوى من البذور التي بذرتها في الماضي. استدعى عبيده الخلص وخدمه قام بتلقينهم كل أنواع الخدع الأرضية التي كان يعرفها، ولا سيما خدعة تعطير السرقة واللصوصية وتجميلها وخدعة دس السم في الدسم وألاعيب شتى لتفريق صفوف العمال والفلاحين من خلال الرشوة والدعوات القلبية والدينية. وعندما فرغ من ذلك، أبلغهم أنه على أهبة الرحيل إلى بيته وراء المحيطات. عندما سمع العبيد والخدم المخلصون أن مولاهم وسيدهم على وشك الرحيل، مزقوا ثيابهم ولطخوا أجسادهم بالرماد، وركعوا على الأرض يبكون ويصرخون: كيف تستطيع الرحيل وتركنا هنا، مجرد أيتام، في حين أنك تعرف حق المعرفة كيف اضطهدنا الجموع وارتكبنا جرائم عديدة باسمك؟ ألم تقسم بأنك سوف لا تغادر هذه البلاد بتاتاً؟ كيف تستطيع الآن تركنا لرحمة الثوار الوطنيين؟ فقال لهم المولى، سيدهم: هل إيمانكم قليل وضعيف؟ إياكم وأن تضطرب قلوبكم، إذ إن عليكم أن تثقوا بالله الذي علمتكم معرفته، وعليكم أن تثقوا بي أنا، مبلّغ إرادته ومفسرها، إن عندي عدة طرق لتحقيق رغباتي في هذه الأرض. ولو كان الأمر غير ذلك، لقلت لكم، بحيث يتسنى لكم الوقت للفرار أو لإيجاد الحبال في سبيل شنق أنفسكم قبل أن تقعوا في أيدي الوطنيين. غير أن ما أريده الآن هو إعداد مناصب القيادة من أجلكم، وزيادة القليل على الفتات الذي كنتم تجمعونه عن مائدتي. سوف أعود، فيما بعد، بمبالغ كبيرة من المال ومصارف عديدة، وسوف أحضر لكم أيضاً مزيداً من العربات المدرعة والبنادق والقنابل والطائرات، بحيث أبقى معكم وتبقون معي، لكي نحب بعضنا بعضاً دائماً ونتناول الطعام سوية، أنا أملأ معدتي من أطباق فاخرة مختارة، وأنتم تتلقفون البقايا الثمينة الغالية. ولقد صادف أنه بينما كان الحاكم على وشك العودة إلى بيته في الخارج، جمع مرة ثانية كل خدمه وسلمهم زمام البلاد قائلاً لهم: سوف ينخدع رجال العصابات الوطنيون وسوف تنخدع جماهير البلد الآن، لأنكم جميعاً سود، مثلهم، وسوف ينشدون شاهدوا، إن إخوتنا السود يملكون زمام البلد الآن، شاهدوا، إن أخوتنا السود أنفسهم يملكون دفة التوجيه. هل كنا نقاتل من أجل شيء آخر؟ فدعونا نلق أسلحتنا الآن، ونغني تسابيح المديح لقادتنا السود. ثم وضع ثروته، وأطيانه في عهدتهم لرعايتها بل حتى لزيادتها ومضاعفتها. أعطى واحداً منهم رأس مال قدر 500.000شلن، وأعطى واحداً آخر /200.000/شلن وأعطى ثالثاً /100.000/شلن، لكلٍ بمقدار خدمته وولائه لسيده، وأتباعه لمذهبه، ومشاركته وجهة نظره، وهكذا رحل المولى عن طريق الباب الأمامي. أما الخادم الذي حصل على 500.000شلن، فسرعان ما انطلق وابتاع أشياء بأسعار رخيصة من الفلاحين الزراعيين ثم باعها لعمال المدينة بأسعار أعلى، وبهذه الطريقة حصل على ربح مقداره 500.000شلن. كما فعل الخادم الذي نال 200.000شلن الشيء نفسه: إذ إنه اشترى بأسعار رخيصة من المنتجين وباع بأسعار مرتفعة للمستهلكين، وبذلك حقق ربحاً قدره 200.000شلن. وأما الخادم الذي حصل على 100.000شلن فقط، فاعتقد أنه ذكي، وراح يستعرض حياته وحياة أهل البلاد مع حياة السيد الذي رحل لتوه إلى بلد أجنبي. أخذ يحدث نفسه قائلاً: لقد كان هذا السيد والمولى يتبجح دائماً بأنه طور البلد بمساعدة المبلغ الضئيل من المال الذي جاء به، وراح يصرخ: رأس المال! رأس المال! دعوني الآن أرى إذا كان رأس المال سيدر أرباحاً دون أن يغذّى ويسقى بعرق العامل، أو دون شراء عرق الفلاح والعامل بسعر بخس. إذا كان بمقدور رأس المال بحد ذاته أن يعود بالربح، فسوف أعرف معرفة اليقين أن المال هو الذي يطور البلاد. ذهب هذا الخادم ووضع مبلغ الـ 100.000شلن في صفيحة معدنية وغطاها جيداً، ثم حفر حفرة بغرسة موز ودفن الصفيحة في داخلها. حدث بعدئذ أن عاد المولى إلى تلك البلاد قبل انقضاء فترة طويلة، عن طريق الباب الخلفي لكي يلقي نظرة فاحصة على الأموال التي تركها وراءه. استدعى خدمه لكي يقدموا تقريراً عن الأطيان والأموال التي عهد بها لكل منهم. جاء الخادم الذي حصل على مبلغ 500.000شلن وقال: سيدي ومولاي، تركتني برأس مال قدره 500.000شلن وأنا ضاعفته. كان السيد مندهشاً حقاً وصاح بأعلى صوته: ربح 100% إنها نسبة أرباح مذهلة. لقد فعلت خيراً أيها الخادم المخلص الطيب. لقد أثبتّ أنه يمكن أن يعهد لك بقليل من الثروة. سوف أعينك الآن مشرفاً على عدة مشاريع. هيا، شارك سيدك سعادته ورخاءه. سوف أعينك مديراً إدارياً للفروع المحلية لمصارفي هنا، كما سأعينك مديراً لعدد من الشركات. من هذا اليوم، لن يرى الناس وجهي كثيراً. فأنت ستمثلني في هذه البلاد. ثم جاء الخادم الذي نال مبلغ 200.000شلن وقال: سيدي ومولاي، لقد تركتني بمبلغ 200.000 شلن انظر! لقد عاد رأس مالك بمبلغ 200.000شلن أخرى. تحدث السيد المولى وقال: شيء رائع. هذا لعمري شيء رائع حقاً. نسبة مماثلة من الأرباح المرتفعة! إنها بلد مستقر للاستثمار. لقد فعلت خيراً أيها الخادم الوفي الطيب. لقد أثبتّ أنه يمكن أن يعهد لك بقليل من الثروة. ولذلك سوف أعينك الآن مشرفاً عاماً على عدة مشاريع. شارك سيدك سعادته ورخاءه سوف أعينك مديراً للمبيعات في الفروع المحلية لشركات التأمين، ومديراً للفروع المحلية لصناعاتي، ومديراً لعدة شركات أخرى سأعرفك عليها. وسوف تكسب أنت الآخر أسهماً رمزية قليلة. سأخفي وجهي عن الناس منذ اليوم. سأقف خلف المشاهد، وأنت ستقف على الباب والنوافذ، بحيث يكون وجهك مرئياً دائماً. ستكون أنت كلب حراسة مشاريعي الاستثمارية في بلادكم. مشى الخادم الذي حصل على مبلغ 100.000شلن إلى أمام وقال لسيده: أنت أيها السيد والمولى، واحد من العرق الأبيض، لقد اكتشفت أحابيلك! لقد اكتشفت أيضاً إسمك الحقيقي. إمبريالي، ذلك هو اسمك الحقيقي، وأنت سيد وغد. لماذا؟ لأنك تحصد حيث لا تبذر أبداً. إنك تستولي على أشياء لم تهدر من أجلها قطرة عرق واحدة. لقد نصّبت نفسك موزعاً للأشياء التي لم تساعد من قريب أو بعيد على إنتاجها. لماذا؟ لأنك مالك رأس المال فقط. ولهذا ذهبت ودفنت أموالك في التراب لكي أرى إن كان بوسعها أن تكسب شيئاً إذا لم تُلقّح بعرقي أو عرق سواي من الناس. انظر، ها هو مبلغ الـ 100.000شلن العائد لك كما تركته تماماً. إنني أرد لك رأس مالك الآن. قم بعدّه وتأكد من عدم فقدان فلس واحد منه. لقد كان الشيء البارز الأهم هو: إن عرقي وجهدي وفرا لي الطعام الذي آكله، والماء الذي أشربه، والمأوى الذي أخلد به للنوم. ها! سوف لن أسجد بتاتاً مرة ثانية أمام إله رأس المال الذي لا حياة ولا وعي فيه. لن أظل عبداً بعد الآن. لقد فُتِحَت عيناي الآن. وإذا وضعت اليوم يدي بأيدي الآخرين الذين آثروا أن يكونوا أسياداً على عرقهم الخاص، فلن يكون هنالك حد للثراء الذي يمكن إنتاجه لشعبنا وبلادنا. نظر إليه السيد وكثير من القذى يملأ عينيه، وكثير من الألم يعتصر فؤاده ثم خاطبه قائلاً: أنت، أيها الخادم الكسول الرديء الخائن، أيها العضو في جماعة ثورية! ألم يسعك وضع المال في مصرف أو في أيدي من يتاجرون بالمال، بحيث أتمكن عند رجوعي من حصاد بعض الربح والفائدة؟ هل تعرف كم يؤذيني أن أجد بأنك دفنت أموالي في قبر، مثل جثة هامدة؟ من أماط اللثام عن سر إسمي؟ من أسدى لك النصح برفضي ونبذي لمجرد أنني أحصد حيث لا أبذر وأربح أشياء لم أهدر عليها قطرة من عرقي؟ من قال لك إن الحصاد والتوفير ليسا عملاً شاقاً؟ لا، إنكم أيها السود قاصرون عن فهم مثل هذه الأفكار الثورية! لا، إنكم أيها السود عاجزون عن رسم واستنباط الأساليب لقطع الحبال التي تربطكم بأسيادكم. لا بد إذاً أن تكون مضللاً من قبل الشيوعيين. لا بد أنك حصلت على تلك الأفكار الهدامة من حزب العمال والفلاحين. نعم، لقد تسمم عقلك بالأفكار الشيوعية. أيتها الشيوعية.. لقد أصبحت خطراً حقيقياً على السلام والاستقرار اللذين كانا يوجدان في هذه البلاد سواء بالنسبة لي أو بالنسبة لممثليّ المحليين، حراس أملاكي المحليين. لسوف تشعر الآن بحرارة نار مضطرمة تجعلك تنسى إسمي الحقيقي أبد الآبدين. اعتقلوه، الآن، قبل أن ينشر هذه الأفكار السامة في صفوف بقية العمال والفلاحين، وقبل أن يعلّمهم بأن قوة الوحدة المنظمة أشد فتكاً من كل قنابلي وعرباتي المدرعة! جردوه حتى من النزراليسير الذي يملكه وتوزعوه فيما بينكم. ذلك لأن صاحب الثروة يعطى ويزاد، أما الفقير فيسلب حتى من القليل الذي يملكه احتياطاً. ذلك هو أهم أوامري، فماذا تنتظرون، أيها الناس؟ امضوا وأحضروا الشرطة والجيش لاعتقال هذا الرجل، الذي تحلى بالوقاحة في رفض العبودية. ارموه في المعتقل أو في الظلام الدامس الأبدي بحيث لا تستطيع أسرته أن تجني سوى الدموع وصرير الأستان! حسن! حسن! لقد قمتم أيها الناس بعمل جليل. طبقوا هذه المعاملة نفسها على جميع المتمردين من هذا الطراز، بحيث يخاف بقية العمال خوفاً شديداً من الإضراب طلباً لرفع الأجور أو من امتشاق السيوف لتحطيم حبال العبودية. أما بالنسبة لكم، فمن الآن فصاعداً لن أسميكم عبيداً وخدماً بصورة علنية أنتم الآن أصدقائي بكل صدق وحق. لماذا؟ لأنني حتى بعد أن أعدت إليكم مفاتيح بلدكم، تابعتم تنفيذ أوامري والمحافظة على أملاكي، وجعلتم رأس مالي يدر نسبة من الربح أعلى مما كانت عليه الحال عندما كنت أحمل المفاتيح شخصياً ولذلك لن أسميكم خدماً بعد الآن. فالخادم لا يعرف مرامي وآراء سيده. ولكنني أسميكم أصدقائي لأنكم تعرفون.. ولسوف أظل أجعلكم تعرفون كل مخططاتي لهذه البلاد، وسوف أعطيكم بعضاً مما أكسب، لكي تتوفر لكم القوة والدوافع من أجل تحطيم رؤوس من يتحدثون عن الجماهير بأي مقياس من مقاييس الجدية. يعيش السلام، ويعيش الحب والاتحاد بيني وبين نوابي المحليين! ما هو الشيء السييء جداً في ذلك؟ أنتم تعضون مرتين وأنا أعض أربع مرات. سوف نضلل الجماهير الساذجة. يعيش الاستقرار من أجل التطور! يعيش التطور من أجل الربح! يعيش الأجانب والخبراء المهاجرون! (2) عندما أنهى رئيس المراسم حديثه في الحكايات الرمزية، هبّ جمع السارقين واللصوص الذين تجمعوا في الكهف من أجل المنافسة واقفين وقابلوه بحفاوة بالغة حتى إن تصفيقهم كان شبيهاً بقصف الرعد. صاح بعضهم: "ذلك الحذاء يتناسب تماماً مع القدم.. لاحاجة لأية جوارب، بينما راح آخرون يتجاذبون ويشدون قمصان وأكمام بعضهم بعضاً ويتهامسون: ألم تسمعوا ذلك؟ من له يعطى ويزاد.. لقد أصاب رئيس المراسم عين الحقيقة في حديثه عن الوحدة القائمة بيننا وبين الأجانب. هم يأكلون لحم البشر ونحن ننظف العظام.. الكلب الذي يملك عظمة أيسر بكثير من كلب خالي الوفاض.. ولكن لا تخطئوا، ليس سوى عظم عليه قليل من اللّحم.. فتلك هي الاشتراكية الافريقية.. على غير شاكلة اشتراكية "نيريري" وأصدقائه الصينيين، اشتراكية الجسد الخالص، الاشتراكية التي تسعى لمنع الإنسان من التقاط عظمه.. ونحن لا نريد الإتجاهات الصينية في بلدنا، إننا نريد المسيحية.. طلب رئيس المراسم منهم الجلوس، وخف الصخب والتصفيق. كان له جسم معلوف جيداً: إذ كانت وجنتاه مستديرتين مثل بطيختين، وعنياه كبيرتان حمراوان، مثل خوختين وكان عنقه ضخماً مثل جذع شجرة "البوباب" الإستوائية. كان بطنه أكبر قليلاً من عنقه. كان له سنّان ذهبيان في فكه الأسفل، وعند الكلام، كان يفتح شفتيه على مصراعيهما لكي تتسنى مشاهدة الأسنان الذهبية. وكان يرتدي بزة حريرية تلمع مع النور، وتبدّل لونها وفقاً لكثافة الضوء وزاوية الحزمة الشعاعية. وقدم لجمهوره ومشاهديه تفاصيل إضافية عن المنافسة. سوف يعتلي كل متسابق المنصة، وسوف يحكي لنا كيف باشر السرقة والنهب وأين باشرهما، كما سيحكي لنا بعد ذلك بإيجاز عن آرائه في كيفية إيصال مهاراتنا في السلب والنهب إلى حد الكمال. أما الأهم من ذلك فهو أن عليه أن يبين لنا إمكانية تطوير شراكتنا مع الأجانب بحيث نعجّل ارتقاءنا إلى جنان البضائع الأجنبية ومباهجها. وأنتم، أيها المستمعون، ستعملون عمل القضاة، ولذلك فإن عليكم أن تصفقوا لكل متحدث حتى تبينوا مقدار ما نالكم من إلهام من جراء وصفه لأحاييله وخدعه الأرضية. إنني الآن، وأنا أتكلم كرئيس لفرع "إيلموروج" في منظمة السرقة واللصوصية الحديثة، أريدكم أن تلاحظوا ما يلي.. إن منافسة هذا اليوم هي المسنُّ الذي نشحذ عليه أنيابنا ومخالبنا لكي نقضم بها ثروات الآخرين في وحدة وسلام. ذلك، كما تعرفون، لأن بيتا فيه مسن عند الباب لا يكون فيه سكين مثلومة. ولذلك فإن على الخاسرين ألا ييأسوا. إن عليهم أيضاً الاستمرار في السلب والنهب، كما إن عليهم أن يتعلموا أحابيل جديدة من الفائزين، فالحكمة يمكن تعليمها للحكماء أيضاً. لم يكن النمر يعرف كيف يفترس بمخالبه حتى تعلم ذلك من الراعي. أما الآن، وقبل أن أجلس، فإنني سأدعو رئيس الوفد الأجنبي من المنظمة الدولية للسارقين واللصوص التي يوجد مقرها، في نيويورك بالولايات المتحدة لكي يتحدث إليكم. وأعتقد أنكم جميعاً تعرفون أننا تقدمنا بطلب للحصول على العضوية الكاملة في منظمة السارقين واللصوص. إن زيارة هذه المنظمة، إضافة إلى التاج والهبات التي أحضروها لنا، هي إيذان بقيام مرحلة تعاون مثمر تماماً، وهناك أحابيل كثيرة يمكن تعلمها منهم. إن علينا ألا نخاف من الإعتراف بحقيقة أننا لا نعرف مثلما يعرف الأجانب، وعلينا ألا نشعر بالعار والمذلة إذ نشرب من مناهل أجنبية في العلم والمعرفة ولذلك دعونا نرش ونبلل صدورنا باللعاب داعين إلى الله أن يغدق بركاته على أعمالنا. قام رئيس المراسم الآن بدعوة زعيم الوفد الأجنبي من السارقين واللصوص إلى المنصة لكي يخاطب جمهور المتنافسين. وكانت الحفاوة التي لقيها رئيس الوفد الأجنبي عندما تسلق الدرج صاعداً إلى المنصة أقوى من قصف الرعد. سحج رئيس الوفد حنجرته قبل بدء الخطاب. كان أحد الرجال الانكليز هو أول من قال: "العصر عصر المال". ونحن الأمريكيون نؤمن بالشيء نفسه: العصر عصر المال؛ ولذلك لن أضيع عليكم وقتكم بفيض من الكلام. إن الحكاية الرمزية التي رواها لنا رئيس المراسم شملت أهم النقاط التي ينبغي ذكرها. لقد جئنا من دول عديدة، بعيدة وكبيرة: من الولايات المتحدة وانكلترا وألمانيا وفرنسا ومن الدول الاسكندنافية، السويد والنروج والدانمارك، ومن إيطاليا واليابان. دعونا نتوقف عن الكلام ونتأمل ذلك. دول مختلفة، ألسنة مختلفة، وألوان جلود مختلفة، وديانات مختلفة- ولكن منظمة واحدة ذات هدف واحدة وعقيدة واحدة هي السرقة. جئناكم كأصدقاء لنا، كما جئنا أيضاً إلى أصدقائنا هم أيضاً كلاب حراسة على استثماراتنا. ونحن عندما نكون بينكم نشعر وكأننا في بيتنا. لقد زرنا مغاور ومخابيء كثيرة يملكها سارقون ولصوص محليون، ونحن في غاية السرور للعمل الذي أنجزتموه أيها الإخوان. وعلى الرغم من حقيقة أنكم بدأتم في مرحلة حديثة متأخرة أساليب السرقة واللصوصية الجديدة، فإنه يبدو أنكم سيطرتم على الأساسيات وأحرزتموها بشكل سريع جداً. وإني لأعتقد أنكم إذا تابعتم هذا المنوال، فستصبحون خبراء حقيقيين في السرقة واللصوصية الحديثة، تماماً مثل أقراننا في العالم الغربي. إن ما نرمي إليه هو اختيار سبعة تلاميذ. وسيصبح هؤلاء ممثلين لممثلينا، سارقون يعلّمون سارقين آخرين، ولصوص يعلّمون لصوصاً آخرين، بل خبراء يعلّمون خبراء آخرين، ذلك لأنه، وكما كان رئيس المراسم يحكي لي، ونحن جالسان معاً على الطاولة، لديكم قول عن وجود أدوات حديدية تستطيع ثقب الحديد ذاته. إن المنافع التي ستصبح من حق هؤلاء التلاميذ السبعة هي ما يلي: ما إن يتم تتويجهم، حتى لا يبقى ثمة باب واحد من أبواب الفروع المحلية لمصارفنا ودور التأمين - أو لنقل الفروع المحلية لكافة بيوتنا المالية، مغلقاً في وجوههم. إن أي إنسان يعرف أي شيء عن السرقة الحديثة يعرف حق المعرفة أن هذه المؤسسات المالية هي التي تحكم كل شيء في الوقت الراهن -سواء كانت صناعات أو ضروباً أخرى من التجارة. إن بيوت المال هذه هي التي تملي توضّع هذه الصناعة أو تلك، وتوسيع هذه الصناعة أو تلك. إنها تملي الملكية والنماء- إنها تحدد فيما إذا كانت صناعة من الصناعات ستشاد من قبل "كاماو" أو من قبل "أونيانجو"، وفيما إذا كانت ستتوسع أو تغلق أبوابها. إن بارونات دور المال هم الأصوات الحاكمة في العالم هذه الأيام. المال يحكم العالم! وهذه الدور هي أيضاً الخزائن الوحيدة الموثوقة لإيداع الموجودات التي سلبها الإنسان من هنا وهناك. سيكون من واجب هؤلاء المريدين السبعة أن يبينوا للسارقين واللصوص الآخرين، لا سيما من لا يملك منهم خبرة أو تجربة، أفضل الطرق في النهب والسلب، وأفضل الطرق في الأكل والشرب والغط في النوم وأفضل الطرق في ترويح الهواء كما يروحه الأغنياء، هذا الترويح الذي تقولون أنتم أيها الأخوة أنه بلا رائحة. أود الآن، وقبل أن أجلس، أن أترككم بكلمات قليلة من الحكمة. ليس ثمة شخص، على ما أعتقد، إلا ويعرف بأن السرقة واللصوصية هي أحجار الزاوية في حضارة أمريكا والعالم الغربي. المال هو القلب الذي ينبض في سبيل الإبقاء على العالم الغربي على طريق التقدم والتطور. وإذا كنتم أيها الأخوة ترغبون في تشييد حضارة عظيمة مثل حضارتنا، فاسجدوا أمام إله المال. لا تلتفتوا لوجوه أطفالكم الجميلة، أو وجوه أبويكم، أو وجوه أخوتكم وأخواتكم، بل التفتوا فقط إلى وجه المال البديع، ولن تضلوا أو تخطئوا أبداً، خير لكم وأجدى أن تشربوا دماء شعبكم وأن تأكلوا لحمه من أن تتراجعوا خطوة واحدة إلى الخلف. لماذا أقول لكم هذا كله؟ السبب هو تجربتنا الخاصة. ذلك هو بالضبط ما فعلناه في أمريكا وأوروبا الغربية. عندما حاول الهنود الحمر حماية ثروتهم ومنعها عنا، أبدناهم بسيف النار وبالمدفع، ولم نبق إلا على نفر قليل منهم، ممن أرغمناهم بعد ذاك على البقاء كشاهد مذكر على تاريخنا وحتى قبل أن نفرغ منهم، اتجهنا نحو قارتكم افريقيا وحملنا منها بضعة ملايين من العبيد، إن دماء أهليكم هي التي رفعت أوروبا وأمريكا إلى المقام الذي تتبؤه الآن. لماذا أخفي هذه الحقيقية عنكم، وأنا أرى أنكم أصدقاء لنا الآن؟ ونحن اليوم، لصوص وسارقون من أمريكا والعالم الغربي واليابان قادرون على التجول في كل أرجاء المعمورة، نغتصب كل شيء رغم أننا، بالطبع، نترك كسرات قليلة لأصدقائنا. لماذا نحن قادرون على فعل ذلك؟ السبب هو أن أسلافنا لم يخافوا التخبط بدماء عمالهم وفلاحيهم ودماء عمال البلدان الأخرى. إننا اليوم نؤمن بديموقراطية السرقة واللصوصية، ديموقراطية امتصاص دماء العمال وأكل لحومهم البشرية. وإذا أردتم أن تكونوا مثلنا، أنزلوا حنانكم وشفقتكم عن أغصان الأشجار، ولن يصيبكم الوجل من عمالكم وفلاحيكم ولكنّ عليكم، كما قال رئيس المراسم قوله الحق، أن تحاولوا باديء ذي بدء خداعهم بالكلام المعسول والآن أية صورة استخدمها رئيس المراسم؟ أوه، أجل، إن عليكم أن تتعلموا تغليف السم بأوراق السكر. أما إذا تبين أنهم مشاكسون عنيدون، مثل الخادم الرديء في الحكاية الرمزية، الذي حسب أنه أشد ذكاءً من سيده ومولاه، فإن عليكم عندها سحقهم بالتراب والغبار بمسامير نعالكم. وفي الختام، إن عليكم أن تطوروا حرفة السرقة، وسوف نقدم لكم يد المساعدة للدفاع عنها بكافة الأسلحة الموجودة تحت تصرفنا. تلك هي رسالتي، وليحالفكم السعد جميعاً في أعمالكم. عندما جلس رئيس الوفد الأجنبي، دبت الفوضى بالكهف كله وهو يردد صدى التصفيق العاصف والأصوات. الحذاء ليس بحاجة إلى جوارب! إنه لا يحتاجها! فهو يناسب القدم تماماً! وقد صُنع من أجل تلك القدم. وهذا الأجنبي يعرف حقاً كيف يلائم الأحذية! افتتحت فرقة ملائكة جهنم الغناء بلحن قوي، بينما كان الحضور يتسامرون ويشربون. أخذ نفر منهم يصفعون بعضهم بعضاً على الأكتاف بانفعال واستفزاز، بينما راح آخرون يقبلون عشيقاتهم على الشفتين والأنف والعينين. لم يكن لهذا اللحن وزن إيقاعي مرح. كان اللحن أشبه بالترانيم أو الترتيلات. وبعد بضع دقائق توجه الجميع باتجاه الفرقة وشرعوا جميعاً ينشدون وكأنهم في كنيسة: أخبار طيبة وردت وردت لبلادنا أخبار طيبة وردت عن مخلصنا وفادينا (3) التفتت "وارينجا" نحو "جاتويريا" وسألته: هل من المعقول أن يكون رجال يرتدون مثل هذه الملابس الغالية سارقين ولصوصاً؟ رد عليها "جاتويريا" بالقول: في الحقيقة لا أعرف ماذا يجري. إنهم لصوص! بالطبع إنهم لصوص. قالت "وانجاري". إنهم لصوص حديثون، أضاف "موتوري". إن لهؤلاء الأجانب بشرة حمراء جداً، قالت "وارينجا"، وهي تلتفت نحو المكان الذي يجلس فيه اللصوص الأجانب. ألم تسمعوا ما قاله رئيسهم؟ سألت "وانجاري"، ثم قالت هامسة: ذلك لأنهم يشربون دماء أطفالنا وأطفالهم. ولأنهم يغتسلون بها، قال موتوري. لقد كان "جاتويريا"، "وموتوري"، ووارينجا وابخاري ومواؤرا يجلسون على طاولة في مؤخرة الكهف تماماً. فكان على وارينجا، كلما رغبت في الحصول على نظرة نحو هؤلاء الأجانب، أن تمد عنقها. كانت المائدة التي يشغلها الأجانب عند مدخل الكهف على أحد جانبي المنصة. وأمام المنصة تماماً كان هنالك طاولة صغيرة ذات قوائم طويلة فكان كل متحدث يقف وراءها. وعند الزاوية اليسرى من المنصة، في الخلف، كانت فرقة ملائكة جهنم. كان المقعد الذي يشغله رئيس الوفد الأجنبي أعلى قليلاً من بقية المقاعد وكان ثلاثة من الأجانب يجلسون على يمينه، بينما يجلس الثلاثة الآخرون على يساره. لاحظت وارينجا وهي تنعم النظر اليهم أن جلودهم كانت حمراء فعلاً، وأنها تشبه جلود الخنازير أو جلد رجل أسود أحرقه ماء مغلي أو أحرق نفسه برغوة الأسيد. وحتى الشعر على سواعدهم وأعناقهم كان ينتصب بخط مستقيم قائم مثل شعر حمل معمّر. وكان شعر الرأس مائلاً للبني، بلون جلد الخلد. وكان طويلاً جداً يصل إلى أكتافهم كأنه لم يحلق منذ الولادة. كانوا يعتمرون قبعات شبيهة بالتيجان. كما كان كل تاج مزيناً بسبع قطع معدنية لها شكل القرون التي تلمع ببهاء ساطع جداً يكاد يبهر العيون ويعميها. كانت كافة التيجان متشابهة، إلا أن تاج الرئيس أكبر قليلاً من التيجان الأخرى. وكانت أطراف القرون ملوية بحيث تشكل الحرف الأول للبلد الذي حضر كل واحد منه. كان هنالك اختلاف في البزات التي يرتدونها. إذ كانت بزة الرئيس مصنوعة من الدولارات، وبزة الانكليزي من الجنيهات الاسترلينية، والألماني من المارك، والفرنسي من الفرنكات، والإيطالي من الليرات والاسكندنافي من الكرونات، وبزة المندوب الياباني من الينات كما كانت كل بزة مزينة بعدة شارات، أشبه بالشارات التي يرتديها الكشافة وكانت هذه الشارات معدنية، مثل مصابيح الإعلانات الكهربائية، تضيء وتخمد، موضحة الكلمات المنقوشة عليها، كانت كل شارة تحمل شعاراً أو شعارين من قبيل: المصارف العالمية، المصارف التجارية العالمية، مصارف الاستثمار العالمية، مشاريع التأمين لابتلاع الأموال، الديوك الرومية الصناعية للمواد الخام، الصناعات الرخيصة للتصدير إلى الخارج، تجار جلود البشر، قروض للربح، مساعدات بخيوط الحديد، أسلحة للجريمة، مصانع تجميع السيارات من أجل المتع الفارغة في الوطن ومن أجل مزيد من الأرباح في الخارج، كافة المنتجات الجميلة والمحبوبة لكي يبقى الحمقى يرسفون في أغلال العبودية، كونوا عبيداً من أجل الراحة والهناء، تاجروا معي، وشارات كثيرة أخرى من هذا القبيل. كانت المائدة التي يشغلها "جاتويريا" و"وارينجا" و"موتوري" و"وانجاري" و"مواؤرا" على مسافة قليلة من المكان الذي يجلس به "مؤيريري" واموكيراي"، ولذلك لم يكن بوسعهم أن يروا غير قمة رأسه. في الليلة السابقة، وهم في الطريق إلى ايلموروج، قرّ قرار الجميع على الالتقاء في المهرجان ومشاهدة المنافسة بأنفسهم. وكان "مؤيريري واموكيراي" هو الذي أعطاهم بطاقات دعوة أصلية، إذ لا يسمح بدخول أي شخص إلى الكهف دون بطاقة. وهذا ما تم تطبيقه فيما بعد. فعندما التقوا في الساعة العاشرة من صباح ذلك الأحد، وجدوا حراساً عند الباب فطالبهم الحراس إبراز بطاقات الدعوة قبل السماح لهم بدخول الكهف. ولكن هل كان المكان بالفعل كهفاً أم منزلاً، بل واحداً من المنازل الفخمة الفاخرة؟ كانت أرض الكهف صقيلة ناعمة، كأنها تُجلى باستمرار- لقد كانت، في الواقع ناعمة جداً بحيث أن من ينظر إلى الأرض يتمكن من رؤية وجهه مصوراً فيها. وكان السقف يلمع بالدهان المطلي. كانت الثريات التي تشبه عناقيد الفواكه البلورية تتدلى من السقف. وكانت العناقيد مزينة بالبيارق الخفاقة الملونة بكافة ألوان قوس قزح، ناهيك عن البالونات، كما كانت البالونات ذات ألوان متعددة، خضراء، وزرقاء، وبنية، وحمراء وبيضاء، وسوداء. كانت النادلات تنتقل من مائدة إلى مائدة، تتلقى طلبات الشراب. لقد كن جميعاً يرتدين ألبسة القطط من الصوف الأسود. وكانت ملابسهن ملائمة تماماً لأبدانهن: إذ كانت تلتصق بكفاف أجساد الفتيات بصورة ضيقة جداً بحيث أن المتطلع من مسافة بعيدة يمكن أن يحسبهن عاريات كما ثبتت على أقفيتهن قطع تجميلية لاصقة لها شكل ذيل الأرنب. وثبتت على صدورهن ثمرتان بلاستيكيتان من الفاكهة. وكل فتاة تضع على رأسها رباطاً كتب عليه باللغة الإنكليزية: "أنا أحبك" لقد ظهرن مثل أشباح من عالم آخر. كانت "وارينجا" تشرب الويسكي مع الصودا، بينما اختار كل من جاتويريا وموتوري ومواؤرا الجعة، في حين أن وانجاري طلبت شراباً خفيفاً هو الفانتا Fanta. لقد دفع جاتويريا وموتوري فاتورة الحساب. لقد كان مهرجاناً بكل معنى الكلمة. وكانت الأوامر ذلك النهار -اشرب حتى الثمالة، أطلق لنفسك العنان عن طريق توزيع الشيكات المصرفية في كل مكان. لقد بعث هذا الإجراء الفرحة لدى معظم المتنافسين، إذ سنحت الآن لكل واحد فرصة عرض ثروته. كان كثيرون منهم يرغبون في طلب مقادير سخية من الشراب- قوارير كبيرة من الويسكي والفودكا والبراندي والجن أو علباً كاملة من الجعة لكل فرد. وكان أمثال هؤلاء يؤثرون عض شفاههم غيظاً وغضباً لو سمعوا بأن على المائدة التي يشغلونها ثمة امرؤ يطلب المسكرات بالجرعة أو بقوارير الجعة الانفرادية. ذلك لأن طلب المسكرات بالجرعة الصغيرة أو طلب الجعة بالقارورة، وهذا أمر متفق عليه بصورة عامة، هو أسلوب شرب البائسين. كان كثيرون منهم يتأبطون سواعد النساء الصبايا- بنات الهوى- اللواتي يتزين بالجواهر النفيسة كأطواق الزمرد والياقوت حول أجيادهن، وخواتم الذهب والفضة على أناملهن.. بدا وكأن النساء الموجودات في الكهف قد لبسن لمعرض أزياء، أو لعرض الحجارة الكريمة، كان الرجال يطلبون لمعشوقاتهن شراب الشمبانيا فقط وهم يتحججون قائلين: خلوا الشمبانيا تجري وتجري مثل جريان نهر "روئيرو" وإذا لم نستطع احتساءها كلها، فسوف نستحم بها. متى سيباشرون؟ سألت "وارينجا" "جاتويريا". إنهم يستعدون أجابها جاتويريا. كانت "وانجاري" تقلّب أشياء كثيرة في ذهنها وتقول لنفسها: أنا سعيدة الحظ جداً. بالأمس فقط أُطلق سراحي بعد أن قلت لرجال الشرطة: إنني سوف أستقصي أوكار كافة اللصوص والسارقين حتى أتمكن من لعب دوري في خدمة الجمهور بصورة عامة. لكأنني كنت أعرف كل شيء عن هذا المهرجان. أي سعد هذا! ما هي إلا أربع وعشرون ساعة ووجدت عرينهم. أليس هؤلاء هم الأوغاد الذين تجمعوا في الكهف هنا مع أصدقائهم القادمين من الخارج؟ لو ألقيت القبض عليهم جميعاً وأودعتهم السجن عن طريق رجال الشرطة، ألن يوضع حد للسرقة واللصوصية في "إيلموروج"، وتتخلص البلاد كلها من أكلة لحم البشر؟ سوف أتريث حتى أسمع ما عندهم من كلام. سأعرف مخططاتهم، بحيث أنني عندما أذهب لإحضار المفتش "جاكونو" وقوته البوليسية، سيكون في جعبتي أدلة وقرائن كثيرة. إنني أرى أن موتوري يراقب كل شيء وينصت لكل كلمة، كأنه لا يريد أن يفوته شيء- وإنني أتساءل عما إذا كان سيساعدني في الشهادة. خطر لها أن تطلب مساعدته، ثم أحجمت عن ذلك، طفق قلبها يدق بإيقاع الأغنية التي أنشدتها في سيارة "مواؤرا" الليلة الماضية. تعالوا جميعاً وشاهدوا المنظر المدهش منظرنا ونحن نطارد الشيطان مع كافة تلامذته ومريديه تعالوا جميعاً! ثم بدأت العصابة تعزف لحناً كونغولياً وفجأة خطرت ببال "موتوري" فكرة فاتجه نحو "مواؤرا" وسأله هامساً: يا "مواؤرا"، ما هي علاقتك بالقتلة الذين يسمون أنفسهم ملائكة الشيطان؟ انتفض "مواؤرا" وكأنه وخز بإبرة محمرّة من شدة الحرارة. كيف تعرف؟ كيف تعرف؟ سأل وعيناه مفعمتان بالفزع. ولكن في تلك اللحظة، توقفت الفرقة عن العزف، وتوقف الضجيج كله. وران صمت مطبق على الكهف ووجه الجميع أبصارهم نحو المنصة. كانت المنافسة على وشك الابتداء. (4) سار المتنافس الأول بخطى مديدة إلى الأمام وقفز إلى المنصة. نظر اللصوص الآخرون بعضهم إلى بعض بفزع ورعب. كانت البزة التي يرتديها هذا المتسابق تحمل الاسم الذي أعطي له عند التعميد "نابير -ابن العشب- المرتجف" لم يظهر عليها أية علامة على أنها مسّدت أوكويت سابقاً. كان طويل القامة وضامراً. غير أن عينيه كانتا كبيرتين واسعتين تشبهان مصباحين كهربائيين متدليين من شجرة "أوكاليبتوس" طويلة وهزيلة. وكانت ذراعاه طويلتين، يؤرجحهما ذات اليمين وذات اليسار كأنه لا يعرف ماذا يفعل بهما -هل يدسهما في جيوبه، أم يتركهما متصلبتين، مثل جندي يقف في وضع الاستعداد، أم يلفهما مثل رجل في موقف التحدي، لقد جرّب كافة هذه الوضعيات واحدة إثر أخرى. كان يحك رأسه، ويطقطق أصابعه. وفي النهاية استقر على لفهما عبر صدره وندّت عنه ضحكة خفيفة حتى يبعد عن نفسه رهبة المسرح وهو يبدأ قصته. "اسمي هو "ندايا واكاهوريا" إذا كنت أبدو مضطرباً ومحرجاً، فذلك لأني غير معتاد على الوقوف أمام مثل هذا الجمع الحاشد. غير أن هاتين اليدين اللتين تنظرون إليهما.. ومد يديه لكي يتيح للجمهور رؤية راحتيه وأصابعه.. هاتين اليدين اللتين ترونهما متعودتين على الإندساس في جيوب الآخرين. لو تزحلقت هذه الأصابع الطويلة داخل جيوبكم، فإنني أوكد لكم بأنكم لن تحسوا بها. لا أظن أن في هذه المنطقة كلها لصاً واحداً يطلب مني أن أتنحى جانباً لكي يعلمني كيف اختطف جزادين النساء في السوق، أو في الحافلات أو كيف أصيد دجاج الناس في القرى. ولكن بحق الله في السماء- بل وأيم الحق والحقيقة- إنني أسرق لأنني جائع، ولأنني احتاج إلى ملابس، ولأنني عاطل عن العمل ولأنني لا أملك مكاناً ألقي عليه رأسي الصغير هذا في الليل. مع ذلك، ولكي أثبت أنني موهوب بالسرقة، دعوني أقدم لكم تصويراً حياً موجزاً عن الطريقة التي أسرق فيها الدجاج في القرى.. تبدى وكأن رهبة المسرح لديه أخذت تتلاشى فراح الآن يقص كيف يثقب ثقوباً في حبات القمح ويربطها معاً بخيط من النايلون ثم يلقي بحبات القمح للدجاج وهو لا يزال يمسك بأحد طرفي الخيط ويغني مشجعاً الدجاج بذلك على النحو التالي: كورو كورو كورو.. كورو كورو كورو.. كورو كورو كورو.. هناك وآنذاك راح "ندايا"، وهو ينحني منكباً على المنصة، يلوح بذراعيه يمنة ويساراً، كأنما يشاهد دجاجاً حقيقياً أمامه، يصيح لها: كورو كورو كورو، كورو كورو كورو.. غير أنه قبل أن يتم قصته، بدأ بعض الضيوف يتذمرون ويصرخون، بينما راح آخرون يصفرون لكي يظهروا اشمئزازهم من عرض "ندايا" وتمثيله على المنصة. وأخذ آخرون يضربون الأرض بنعالهم ويصرخون كيف سُمح لهذا اللص البائس، بحكاياته السخيفة الكئيبة، بالدخول إلى هنا؟ قفز رئيس المراسم إلى المنصة وطالب بالصمت والهدوء، خاطب جمهور النظارة قائلاً: إن هذه منافسة للسارقين واللصوص، لسارقين حقيقيين -والمقصود بذلك، أولئك الذين بلغوا مراتب عالمية. أما حكايات الناس الذين يكسرون الأقفال في أكواخ القرية أو يختطفون جزادين نساء السوق المسكينات فهي أشياء مخجلة في نظر الخبراء الحقيقيين في السرقة واللصوصية، بل هي أكثر عيباً وعاراً حين تتلى على مرأى ومسمع من لصوص وسارقين دوليين. لم يقطع الأجانب كل هذه المسافات لمقابلة أناس سرقوا لأنهم جياع أو لأنهم بحاجة للملابس والعمل. إن مثل هؤلاء اللصوص الحقراء مجرمون. ونحن هنا، في هذا الكهف، مهتمون فقط بالناس الذين يسرقون لأن كروشهم متخمة. قال رئيس المراسم ذلك وهو يربت على معدته. زالت عن "ندايا" كل دواعي الخجل والخوف وراح يخاطب رئيس المراسم بصوت جهوري: اللص لص. يجب ألا يكون هناك لصوص من أصحاب الامتيازات الخاصة. اللص لص، وليس للدافع أية قيمة أو شأن يجب أن يسمح لنا جميعاً بدخول المنافسة والتباري بحرية. فاللص لص. تعالت من كل أركان الكهف أصوات جمع السارقين واللصوص بالاعتراض، ومن يصرخون بغضب، قولوا له أن يبتعد ببذته الرخيصة تلك عن منصة يملكها رجال يعرفون شغلهم! يا" ندايا واكاهوريا"، ونحن لا نريد النظر إلى اسمك المسيحي "نابير -ابن العشب، المرتجف"، دعوه يرتجف مع الريح في الخارج! إرموه خارجاً! بمقدوره أن يأخذ موهبته الخاصة في سرقة الدجاج إلى نجيروكا! يا رئيس المراسم، قم بعملك. إذا كنت عاجزاً عن ذلك، قل، وسوف نجد بديلاً يعالج الموقف. أومأ رئيس المراسم للحراس عند الباب. هرع هؤلاء إلى أمام، وهم يلوحون بهراواتهم في الهواء، وأخرجوا "ندايا" بخشونة نحو الباب، رغم احتجاجاته القوية ضد التمييز. لقد طرد "ندايا" من المهرجان. راح السارقون واللصوص الآخرون يضحكون ويصفرون فرحاً. ومرة ثانية أشار رئيس المراسم مطالباً بالصمت والهدوء ثم أخذ يتحدث. هذه منافسة من أجل سارقين ولصوص دوليين، وذلك يعني سارقين ولصوصاً أحرزوا مراكز دولية. ولذلك لا نريد أغراراً أو هواة يقبلون إلى هذا المكان ويضيعون وقتنا. العصر عصر مال، وكل زمن يسرق الزمن. لذلك دعونا نتفق على القواعد التي تحكم هذه المنافسة من الآن فصاعداً إن سبب تجمعنا اليوم هنا ليس سبباً ساذجاً بسيطاً كما يخال بعضكم، وهو ليس مسألة ضحك أيضاً. أنا أقول: ليس لمن يسرق المئات أو حتى الألوف أن يزعج نفسه في القدوم إلى المنصة، لأنه بذلك يفرض ضريبة على صبرنا دون مقابل. لاقت هذه الكلمات تصفيقا حاراً. تلك هي القاعدة الأولى. إن تصفيقكم، الذي هو دون ريب تلقائي ومخلص، علامة نوافق عليها جميعاً. إننا نريد أن نرى ونسمع هنا عن لصوص وسارقين جلسوا مرة واحدة على الأقل يحصون ويخزنون ملايينهم. والقاعدة الثانية هي: ليس لواحد لا يتمتع بكرش كبير ووجنتين سمينتين أن يتعب نفسه ويعتلي المنصة لإضاعة وقتنا. من ذا الذي يستطيع المناقشة بأن حجم كرش الإنسان وبدانة وجنتيه ليسا المقياس الحقيقي لثرائه؟ أما اللصوص الذين يتباهون بكروش كبيرة، فقد قابلوه بترحيب وحفاوة لكن اللصوص النحلاء الضعفاء استنكروا كلامه. وانقسم الجمهور في الكهف إلى قسمين، كما نشبت مجادلة حامية بين البدينين والنحلاء. هب رجل واضح النحول واقفاً لكي يحلّ نفسه تماماً من القاعدة الثانية. كان مغتاظاً جداً بحيث أن تفاحة آدم في عنقه راحت تتراقص صعوداً وهبوطاً بسرعة مذهلة وهو يتكلم. طرح هذا النحيل بأنه على الرغم من صحة كون كثير من اللصوص والسارقين يتمتعون بكروش كبيرة ووجنات طافحة تتغذى على النعيم، فثمة آخرون يعانون من بطون خاوية ووجنات جوفاء لأنهم في شغل دائم بالمشاكل التي تسببها زيادة ثرواتهم. أجل، المشاكل المتعلقة بحجم الثروة ذاتها، قال الرجل، ثم أضاف: وذلك لا يعني أنهم غير بارعين في السرقة واللصوصية. كما ينبغي ألا يُميّز المرء أو يعادى بسبب نحوله. إنه لا يستطيع ترقيع معدة إضافية لنفسه أو إستعارة كرش زوجته الحامل حتى يسمح له بالاشتراك في المنافسة. إن كون الإنسان نحيلاً يختلف عن كونه مصاباً بالنحول عن طريق سوء الحظ... وليس لنا أن نحكم على البطل من حجم بطتي ساقيه. أنهى النحيل كلامه وجلس على كرسيه. النحلاء صفقوا له بعنف وحماسة، أما البدينون فقابلوه بالتسقيط. أوشكت معركة على الاندلاع عندما قال رجل بدين بصوت مرتفع بأن الرجل الذي فرغ لتوه من الكلام هو رجل ضامر هزيل مثل "ندايا واكاهوريا" وقف الرجل الذي وجهت له الإهانة وسأل بعنف ومرارة: من سماني "ندايا وكاهوريا"؟ من سماني بائساً؟ من أهانني بمقارنتي بلص يتعامل مع حفنة من المئات والألوف فقط.؟ فليتقدم! دعوه يتقدم، ولنعلنها حرباً بالأكف، بحيث أتمكن من تعليمه بأنني أسرق بالملايين. وقف بعد ذلك رجل لاهو نحيل ولا هو بدين، حسم النزاع بالقول: دعونا لا نعير اهتمامنا للنحول أو البدانة، للبياض أو السواد، للطول أو القصر. إذ ليس ثمة ما يعتبر طيراً جارحاً صغيراً جداً عندما يتعلق الأمر بالصيد والقنص. إن أي إنسان يشعر بأن لديه ما يأخذه الطير الجارح يجب أن يسمح له بالتقدم والتنافس مع بقية الجوارح المفترسة. ينبغي أن يلتقي الجارح بالجارح لتصفية كل شك وريب حيال من يجتذب الطريدة في التهام أرزاق الآخرين. ألقوا النظر فقط على ضيوفنا الأجانب. بعضهم سمين وبعضهم الآخر نحيل. بعضهم يملكون شعراً أحمر اللون، وشعر بعضهم الآخر ليس على هذه الدرجة من الاحمرار. واحد منهم قدم من اليابان في آسيا، وقدم آخرون من أوروبا، بينما قدم زعيمهم من الولايات المتحدة. إن ما يجعلهم من عمر واحد، ومن منزل واحد، ومن قبيلة واحدة، ومن حبل سري واحد، ومن نوعية واحده ليس هو السمنة أو النحول أو اللغة. كلا، إن ما يربطهم سوية ويوحدهم كأعضاء في عشيرة واحدة، إنما هي السرقة، السرقة التي أفسحت لهم نشر مجساتهم فوق الكرة الأرضية برمتها، مثل النبات الزاحف الذي يزحف في كل أرجاء الحقل. ولذلك نحن، كلاب حراستهم المحليون، من حبل سري واحد أيضاً، ومن عمر واحد وبيت واحد وعشيرة واحدة ونوعية واحدة. ونحن الذين تجمعنا هنا اليوم سواء كنا "ليو" أو كالنيجين" أو "مكاميا" أو "سواحيلي" أو "مماساي" أو "مكيكويو" أو "مبالوهيا"، نحن جميعاً أخوة في السرقة واللصوصية، نرتبط بعضاً إلى بعض عبر ارتباطنا مع هؤلاء الخبراء الأجانب، يا رئيس المراسم، إننا جميعاً ننتمي إلى منظمة واحدة. فلنبق دائماً متحدين يجب أن يظل الإنقسام بين الناس الذين نسرقهم فقط، من الناحية القبلية والدينية، بحيث لا يستطيعون مطلقاً تطوير منظماتهم القوية المتحدة لمجابهتنا.. أيها الناس، إن النار التي تتقد بشكل عنيف قد تخرب اللحم الذي جعلها دسمة تتأجج لهيباً مشتغلاً! عندما ختم حديثه، قوبل بتحيات التصفيق الراعد الذي كاد يهدم جدران الكهف وسقفه. مرحى! مرحى! هتف بعضهم بصوت عالِ، إذ كانوا مسرورين جداً بكلمات الرجل، هذا وبعد مناقشة موجزة، تم الإتفاق على أن حجم الرجل ووزنه ودينه وقبيلته ولون بشرته ليس لها أي تأثير على مشاركته في المنافسة، وأنه ينبغي أن يسمح لكل شخص بالمنازلة على أساس مهاراته وحيلته في السرقة واللصوصية، ولكنهم جراء الحاجة للاستغناء عن المبتدئين والهواة تمت الموافقة على القواعد التالية: قاعدة أولى. يجب أن يعطي كل متسابق اسمه قاعدة ثانية يجب أن يعطي كل متسابق عنوانه. قاعدة ثالثة يجب أن يكون كل متسابق عن عدد النساء اللواتي لديه، سواء كن زوجات أو خليلات. قاعة رابعة. يجب أن يقدم كل متسابق معلومات عن السيارة التي يقودها وعن طراز سيارة زوجته وعشيقته. قاعدة خامسة يجب أن يقدم كل متسابق وصفاً موجزاً لسيرته في السرقة اللصوصية. قاعدة سادسة: يجب أن يوضح كل متسابق كيف يمكن زيادة السرقة واللصوصية في البلاد. قاعدة سابعة: يجب أن يبين كل متسابق كيفية تمتين الروابط بيننا وبين الأجانب وحين انتهى رئيس المراسم من قراءة القواعد، احتل مقعده وسط تصفيق راعد للغاية. أحب أن أدخل المنافسة، قال "مواؤرا" "لموتوري". وهل أنت لص؟ سأله "موتوري" أجاب "مواؤرا" مزمجراً: من أين تظنني أكسب أرباحي؟ ثم راح يضحك وكأنه كان يمزح فقط غير أنه تذكر فجأة السؤال الذي وجهه له "موتوري" قبل ذلك عن ملائكة الشيطان. فارق الضحك ثغره. واتجه نحو "وانجاري" متسائلاً: هل تراها تعرف ما يعرفه "موتوري" عني؟ جلست "وانجاري" ساكنة هادئة، يتنازع داخلها أمران هما الشجاعة والنفور المرير. ودّت لو تقف وتسكت الكهف كله باتهاماتها وشتائمها، غير أنها تذكرت قرارها باحتمال المهرجان بكل صبر، حتى تتمكن من جمع قدر كاف من البراهين قبل المضي إلى شرطة "إيلموروج". سدّت أذنيها مدة دقيقتين تقريباً حتى لا تسمع التهاني والإعجاب المتبادل للسارقين واللصوص وهم يحيون رئيس المراسم بتصفيق محموم. وبصورة مباغتة تماماً، شعرت "وانجاري" وكأنها نقلت إلى سيارة "مواؤرا"، حيث كانت تجلس الليلة السابقة، متوجهة نحو "إيلموروج" سمعت صوت "مؤيريري واموكيراي" وهو ينقلهم بلطف إلى عالم النوم بقصة الرجل الذي كان على أهبة السفر إلى بلد بعيد والذي استدعى خدمه ومنحهم خمس مواهب، وموهبتين، وموهبة واحدة.. وأن الذي نال خمس مواهب مضى يتاجر نفس التجارة، فربح خمس مواهب أخرى. وعلى المنوال نفسه، ربح الخادم الذي نال موهبتين موهبتين أخريين. غير أن الذي نال موهبة واحدة ذهب وحفر الأرض وأخفى أموال سيده. وبعد مدة طويلة، عاد سيد هؤلاء الخدم، وأخذ يصفي حسابه معهم، والذي نال.. مواهب.. شهادة "جيتوتو واجاتا نجورو". إن ما سيرد لاحقاً هي أشياء كشفها "جيتوتو" "واجاتانجورو" تتعلق بالسرقة واللصوصية الحديثة كان لهذا الرجل كرش ضخم ينتأ نتوءاً كبيراً بحيث يمكنه أن يلامس الأرض لو لم يكن مدعماً بالشيال الذي يحمل سراويله، بدا وكأن كرشه امتص كافة أطرافه وكافة أعضاء جسمه الأخرى. لم يكن له عنق -أو أن عنقه لم يكن مرئياً على الأقل، أما ذراعاه وساعداه فكانت جراميذ صغيرة. وكان رأسه منكمشاً إلى حجم قبضة اليد. كان "جيتوتو" يرتدي في ذلك النهار بزة سوداء حالكة وقميصاً أبيض ذا كشكش وأهداب. هذا وقد احتلت ربطة عنق سوداء، تراءت وكأنها ألصقت بذقنه، المكان الذي يفترض أن يكون عنقه. كان عكازه مزيناً بالذهب الخالص، وبينما كان يتكلم، كان يمسّد طرف كرشه بيده اليسرى ويليح بعكازه باليمنى. كان يلهث وهو يتكلم، مثل شخص يحمل حملاً ثقيلاً. قدم "جيتوتو واجاتانجور" شهادته على النحو التالي. بالنسبة لإسمي، أنا "جيتوتو واجاتانجورو" هذا هو اسمي التقليدي أما اسمي الأوروبي، أو لعلني يجب أن أقول: اسمي المسيحي، الذي هو أيضاً اسمي المعمودي -فهو "روتنبورو جراوند فليش شيتلاند نارو ايسموث جوينت ستوك براون" عندما يسمع الأوروبيون اسمي الكامل، فإنهم يتراجعون إلى الخلف في البداية، ثم ينظرون لي مرة بعد مرة بشيء من الاستغراب، بعضهم يهزون رؤوسهم، وآخرون يضحكون فوراً. لماذا؟ ذلك لأنهم أنفسهم لم يسمعوا بمثل هذا الاسم الغريب على الإطلاق. أيها الناس، إن الأوروبيين يخافون مني حقاً. أما بالنسبة لشؤون الأسرة، فأنا الأكبر سناً ولي زوجة وخمسة أبناء -ثلاثة صبيان وابنتان. لقد أنهى أحد الصبيان تعليمه في جميع جامعات افريقيا، وسافر الآن إلى الخارج لكي يكمل مأثرة مشابهة هناك. أما الولد الثاني فقد حصل على مقعد في الجامعة حديثاً. ولكن ولدي الثالث وابنتي لا يزالان في المدرسة، يكافحان مع الأقلام والكتب، إنني أقول دائماً: إن عليهم أن يحصلوا كل التعليم الذي كنت سأحصل عليه لو كان والدي يملك نوعية المكر التي أملكها أنا الآن. إنهم جميعاً يدرسون في مدارس مكلفة، المدارس التي كانت للأوروبيين. وحتى في هذه الأيام، فإن المدارس التي يداومون عليها لا تحوي غير المدرسين الأوروبيين. ولكنني قبل ترك مثل هذه الشؤون، أود أن أذكر أنه إضافة إلى زوجتي -وقد اتحدنا مع بعضنا كزوج وزوجة في "كنيسة إرسالية "توجوتو"- أملك خليلتين، وأنتم تعرفون المثل القائل: إن من يملك شيئاً احتياطياً لا يجوع بتاتاً، وعندما يشيخ الأوروبي فإنه يحب أكل لحم العجل. قد يكون بعضهم ينظر إلى كرشي الصغير هذا، وعندما ترون كيف يتدلى أو عندما تسمعونني ألهث، ربما تتساءلون: كيف يستطيع "جيتوتو" ابن جاتا نجورو تدبير أمر زوجته وخليلتين صبيتين؟ يا أخوتي، أود أن أسأل مثل هؤلاء المشككين السؤال التالي: لماذا نسيتم أمثالنا وأقوالنا المأثورة؟ حينما يجهّز الراقص نفسه لميدان الرقص، فهو وحده الذي يعرف كيف سيرقص. إن الفيل قادر على حمل أنيابه مهما كانت كبيرة. ثم إن أي شخص قادر على مقاومة المال اليوم، لا يجد من يمدّ له يد العون والمساعدة. أما بالنسبة لعنواني، إن بيتي الحقيقي هنا في مرتفعات "إيلموروج الذهبية" وأنا أسميه بيتي الحقيقي لأنه المكان الذي تعيش فيه زوجتي وأطفالي. إنه بمثابة مقر تبادل غير أن عندي بيوتاً عديدة أخرى في نيروبي وناكورو ومومباسا ولا يسعدني بتاتاً النزول في الفنادق. وحين أقوم بأعمال التهريب، أحب قضاء الليل في منزل يحمل اسم "جيتوتو واجاتانجورو" بالطبع هذه هي المنازل المعروفة لأم أطفالي. غير أن لي أوكاراً قليلة أخرى في نيروبي. هذه الأوكار تخص عشيقاتي من بنات الهوى. وأما بالنسبة لسيارتي، فأنا أتجول بالعادة بسيارة "مرسيدس بنز" يقودها سائق خاص. ولكنني أملك، بالإضافة إلى ذلك، سيارة "بيجو 604" وسيارة "رانج روفر" وهذه من أجل استخداماتي الشخصية أما زوجتي فتقود سيارة "تويوتا كارينا" وهذه مجرد سلة تسوق لحمل البضائع من السوق. وهناك عربات أخرى- شاحنات وجرارات أحتاج إليها في أنشطة العمل. ولن أضيع وقتكم في ذكرها وعدّها. آه كنت على وشك أن أنسى ما يخص محبوباتي. لقد قدمت لواحدة منهن هدية عيد الميلاد على شكل سيارة "تويوتا كورولا" وقدمت للثانية هدية عيد ميلادها على شكل سيارة "داتسون 1600". الحب الحديث يتضارب مع راحة اليد المنقبضة! الآن، يا أصدقائي، وقد رأيتم أنني أرفل بالنعيم وأن الحظ حالفني بجودة وسخاء، فهل من المستغرب أن أمجد وأبجل وأنشد الأغاني للسرقة واللصوصية الحديثة؟ واليوم أنا أمشي الهوينى في الشوارع العريضة الممهدة، الشوارع التي ليس فيها أشواك أو حجارة أو عرق، ألا ترون أن أصابعي تكاد تختفي؟ إنها لا تقوم بأي عمل.. بينما يكبر كرشي ويكبر لأنه باستمرار متخم يعمل! حين أستيقظ في الصباح، ابتلع عدداً قليلاً من البيض على شرائح من الخبز والزبدة مع كوب من الحليب لكي يدفعها إلى الأسفل. وحوالي الساعة العاشرة أتناول رطلين انكليزيين من لحم الضأن المشوي. وعند الثانية عشرة أشن حرباً على أربعة أرطال من لحم العجل على شكل شرائح مغمسة بالنبيذ ومشوية بشكل جيد على الفحم، كما أغسل لحم العجل وأدفعه إلى معدتي بالجعة الباردة، قارورة واحدة فقط. أما عند السادسة، فأقضم على مهل قطعة فروج، لمجرد أن أضع في بطني شيئاً أشرب عليه الويسكي، بانتظار وجبة عشاء مناسبة في المساء. إنني أؤمن بعقيدة ذلك المولى الدينية التي سردت علينا تواً من قبل رئيس المراسم، ولا سيما بكافة الوصايا التي أعلنها لخدمه. احصدوا في المكان الذي لم تزرعوا به أبداً، وكلوا كل ما لم تهدروا من أجله قطرة عرق واحدة، واشربوا ما أحضره الآخرون. ادفعوا المطر عنكم بالإلتجاء إلى أكواخ لم تحملوا إليها عضادة واحدة أو قشة سقف واحدة، وارتدوا الملابس التي صنعها غيركم. دعوني أذكر لكم، يا أصدقائي الذين أحبهم حباً جماً: لقد كان اليوم الذي بدأت به اتباع تلك الوصايا هو اليوم الذي أخذت تسير به كل أموري بيسر وسهولة، دون توقف أو تعقيد. كان والدي عضواً كبير السن في محكمة من المحاكم التي يسمح للسود الجلوس بها إبان الحقبة الاستعمارية، الكرسي المحلي. وكان من عادة المحاكم في تلك الأيام أن تجتمع في "رؤوايني" بمقاطعة "إيسيسيري"، وخلال تسنمه لذلك المنصب في تلك المحكمة تعلم كيف يعدل القانون في موضع ويخالفه في موضع آخر، ولا سيما كيف يتلاعب به لكي يجعله يخدم أغراضاً معينة. لقد استولى على أراضي الآخرين. لم يكن هناك رجل أسود واحد يمكنه أن يبذّ والدي في دعاوى المحاكم. انظروا إلى الأمر من هذا الجانب، كان كافة أعضاء المحاكم من "كور" من "كبامبو" إلى "مورانجا" و"نييرى"، أصدقاء حميمين له. وكانوا بالعادة يأتون إلى منزلنا لتناول الجعة. وبمناسبة زيارتهم، كان والدي يذبح أفضل الخراف على شرفهم. حتى إنه ذبح لهم ثوراً بمناسبة أو مناسبتين! ونتيجة لذلك، كان يستولي على أراضي الآخرين دون وجل وأصبح اقطاعياً كبيراً. تزوج عدداً كبيراً من النساء. لقد كان عجوزاً متغطرساً. لم يكن عليه إلا أن يلتقي امرأة جميلة تحمل الحطب أو قادمة من الحقول حتى يرسل في طلبها قائلاً: ابنة فلان وفلانة يجب أن تحضر إلي. غير أن والدي كان يستخف بالتخطيط والتنظيم الأسري من أي نوع. ولقد كنا نحن، أولاده، أكثر عدداً مما يمكنه إعالتهم. لقد ورثت ثلاثة أشياء عنه فقط: معرفة القراءة والكتابة، وكلمات الحكمة الصادرة عن لسانه، والرسائل التي كان يتلقاها من أصدقائه الأوروبيين. تعلمت في مدرسة "مامبيري" بمدينة "توجوتو" من مقاطعة "كيامبو"، وأكملت الثانوية الدنيا. صرت معلماً وعلمت في المدرسة نفسها مدة عامين. ثم التحقت بالمحكمة العليا في "نيروبي"، بصفة كاتب محكمة ومترجم. إن مثلنا الشعبي صحيح تماماً: "صغير الماعز يسرق مثل أمه" فقد رجعت إلى منابت والدي وأصوله. وجدتني "حالة الطواريء" في محاكم العدل. كان والدي واحداً من كبار السن الذين استخدمهم الاستعماريون في عمليات تطهير أنصار حركة "الماوماو". لم أكن، من جهتي، أعرف أي جانب أؤيد. لم أكن بارداً ولم أكن ساخناً. وبقيت على تلك الصورة، فاتراً، مختبئاً في محاكم العدل كمترجم للمتورطين بجرائم ودعاوى القتل. - وعندما جاءت "أوهورو"، وجدتني في محاكم العدل ذاتها، أراوح في مكاني، براتبي التافه الضئيل أقلعت عن التفكير بالاتجاه الذي تدور به الأرض، أو باتجاه الرياح. ثم باشرت أعمالاً ثانوية صغيرة، مثل حانوتي، وإدارة فندق. ولكن هذه الأعمال لم تكن مربحة على الإطلاق. لم أكن في تلك الأيام قد هضمت الوصايا المقدسة لمجتمع الإنسان الذي يأكل أخاه الإنسان. عند ذاك فقط تذكرت كلمات والدي قبل أن يموت من مرض التخمة. استدعاني إلى منزله وقال لي: لقد كنت يا ولدي عاقلاً إذ باشرت العمل في بعض الحوانيت والفنادق. لدينا مثل شعبي يقول: الراعي لا يظل في بقعة واحدة. وفي الرحلات لا يحمل أحد طعاماً للآخرين، بل يحمل كل مسافر زاده الخاص. إن الراتب لا يشكل شيئاً لرجل يرعى أسرة. وفي الوقت نفسه، لا نستطيع نحن السود إدارة أعمال صغيرة تتطلب الصبر. الهنود وحدهم هم الذين يملكون ذلك الصبر. اصغ يا ولدي لكلمات محبة أبيك. أعرف أنك متعلم. غير أن العاقل هو من تعلم على يد إنسان شاهد كل شيء من ذي قبل وتعلم عن طريق العراك والتجربة. إن حياة السرقة واللصوصية هي الطريق الأمثل لأي شخص يسمي نفسه عاقلاً. تعلم من البيض ولن تخطئ على الإطلاق. فالرجل الأبيض يؤمن بأن ما من عمل يبذ السرقة واللصوصية. سأحدثك بصراحة وصدق. لقد جاء الرجل الأبيض إلى هذه البلاد حاملاً الإنجيل في يساره والبندقية في يمينه. سرق أرض الناس الخصيبة. سرق المواشي والماعز تحت ستار الغرامات والضرائب. لقد سلب الناس تعب أيديهم. كيف تظن أن "جورجان و"ديلامير" أصبحا ثريين؟ ليتني أنام في قبر أمي قبل أن أعتقد بأن جهدهما وعرقهما هما ما جعلاهما ثريين إلى هذا الحد. من منا اليوم، على الرغم من أننا نرفع بيرقنا الخاص، يمكنه أن يضارع ثراء الرجل الأبيض؟ ليس عندي ما أورثه لك. ولكنني أرسلتك إلى المدرسة. وها أنا الآن أقدم لك آيات الحكمة. بين يدي هنا رسائل خطية من بعض البيض الذين كنت أعمل معهم وكانوا مرتاحين جداً لخدماتي. أنا صديقهم وهم أصدقائي. إذا ما تعرضت لمشكلة في يوم من الأيام، فاذهب إلى واحد منهم بالرسالة التي تحمل توقيعه. أخبره أنك ابن "جاتا نجورو" واطلب مساعدته. عندما تذكرت هذه الكلمات، جلست وسألت نفسي: من تراه صار ثرياً عن طريق جهده وعزفه الخاص؟ من تراه صار ثرياً عن طريق راتبه الخاص؟ لم يشتر والدي أملاكه أبداً من راتبه. المكر اشتراها. ولم تكن أجرة اليد هي التي وفرت "لجورجان" و"ديلامير" ثروتهما. المكر فعل ذلك. فكن، أيها المكر، ملاكي الحارس الأمين. أما بالنسبة لدكاكين القرية ببضاعتها التي تتشكل من علبتي كبريت، وعلبتي سجائر، وعلب الشاي التي تباع الواحدة منها بخمسة وعشرين سنتاً، وكيس من السكر، وكيس آخر من الملح، وصفيحة من زيت الطبخ -من تراه صار ثرياً عن طريقها؟ لا أحد بالتأكيد. كن ملاكي، أيها المكر. أمسك بيدي اليمنى، وأرشدني في الليل والنهار. أعتقد أن ما جعلني أتذكر كلمات والدي هو حقيقة أنه بعد مرحلة "أوهورو"، بدأ نفر قليل من السود يشترون الأراضي التي حارب من أجلها "الماوماو" أما ما كان أمراً مستغرباً جداً- وهذا، في واقع الحال، ما بعث السرور بمجموعة من الناس ممن تم تحذيرهم قبل فترة قصيرة لخطر أخبار "أوهورو"- هو أنه لا فرق بالظاهر بالنسبة للطرف الذي سبق أن قاتل فيه المرء من أجل الحرية. وسيان كان المرء يدعى السيد "حار" أو السيد "بارد" أو السيد "فاتر" لم يكن لماضي المرء سواء كان حاراً أو بارداً أو فاتراً أية صلة بالموضوع ما دام الأمر يتعلق بالاستيلاء على الأراضي. الشأن المهم الآن هو البنية الصحية للمال. ولم يكن الحصول على ذلك المال يتم بعمل يدي الإنسان، بل كان يتم بواسطة مكر عقله وذهنه، المكر والدهاء أكثر نفعاً من الجهد والعمل.. ولذلك توقفت عن العمل، ثم ركعت وصليت بحماسة: أيها المكر، كن مرشدي وخذ بيدي طوال الوقت في صحوي وفي نومي وحيثما أروح أريدك أن تمنحني الطعام الذي آكل والماء الذي أشرب بل حتى الملابس التي أرتدي من ذلك الوقت فصاعداً، لم أتراجع، ولم آسف أو أندم على شيء. لم أكن أملك سنتاً واحداً في جيبي تقريباً. ولكنْ بما أنني راقبت الخط الذي تسير به البلاد من لحظة رفع العلم الوطني عالياً في السماء، كنت على ثقة بأنني ما حييت سأكون قادراً على البقاء بواسطة سلب أملاك الآخرين. ورحت أقلب نظرتي الجديدة في عقلي إلى أن صارت الكلمات أغنية: هذه كينيا جديدة! سيان كنت حاراً أو بارداً، إياك أن تروي لنا حكاية قديمة العطر العتيق لا يناسب الرقص الحديث أيها العقل، أنتج المكر والبراعة! أيها المكر، باشر عملك! تطلعت يمنة ويساراً، فوجدت أن أعظم شهوة في البلاد هي العطش والجوع إلى الأرض. سألت نفسي السؤال التالي: لو ضربت الجوع بالعطش- ما هي النتيجة؟ تناولت القلم والورق وأجريت عن ظهر قلب الحساب التالي: الجوع× العطش= المجاعة مجاعة الجماهير =ثراء رجل بارع في المكر ها! إن دعوى الأحمق، إذا لم تحسم، تدوم زمناً طويلاً، إن مربي النحل الذي يؤجّل جمع العسل يكتشف أن خلية النحل قد خربت. لذلك جمعت في صباح يوم باكر الرسائل التي ورثتها عن والدي. ذهبت إلى منزل أوروبي يسمى "جاترو"، ذو اللحية". ولقد سمي "جاترو" لأنه خلال مرحلة الطواريء كان يجر الناس من ذقونهم حتى يسلخ شعر وجلد ضحاياه، ولقد كان "جاترو" هذا واحداً من الاستعماريين المنضوين تحت لواء فريق التطهير المعادي "للماوماو" مثل والدي. والرسالة، التي كانت تثني على والدي جراء خدماته المخلصة، كتبت خلال فترة احتفالات أداء القسم الاستعمارية المعادية "للماوماو". لقد كتب جاترو لوالدي في خاتمة الرسالة: بشرتك وحدها سوداء اللون، ولكنّك أوروبي قلباً وعاطفة. قلت لجاترو: حاجتي الكبرى هي للأرض. عندما سمع بأنني ابن "جاتاتجورو" لم يزعج نفسه في طلب أي نوع من الأمن والطمأنينة. قال لي "جاترو": إن لديه مائة فدان من الأرض المعدة للبيع بالقرب من "نيروبي" وسوف يبيعها لي لقاء مائة شلن للفدان الواحد. كانت الأرض رخيصة في تلك الأيام، لا كما هي عليه الآن. فكان الثمن كله يبلغ عشرة آلاف شلن. اتفقنا على موعد أجلب له فيه المبلغ نقداً أو بشيك مصرفي. غادرت منزله وذهبت لمقابلة صديق شاب يعمل في أحد المصارف. قلت له. أنا بحاجة لقرض بمبلغ عشرة آلاف شلن. راح يضحك عندما شاهد أمارات القلق على وجهي. أعشرة آلاف فقط؟ سألني. وقلت له: نعم. ضحك من جديد، وطلب مني ألا أقلق. كان قد حصل لتوه على ثمرة من ثمار "أوهورو" إنه الآن مسؤول عن قروض رجال الأعمال الأفارقة الواعدين في سبيل خلق طبقة افريقية متوسطة راسخة الأقدام. هل هذا موظف قروض؟ أخذ قلبي يدق أملاً وترقباً. ثم قال لي: ولكن تذكر، ليس في هذا العالم شيء بلا مقابل، أعطني أعطك: ذلك هو الشعار الجديد. هذه هي كينيا الجديدة. أعطني وسوف أعطيك. سوف أقرضك مبلغ خمسة عشر ألف شلن. وسوف يكون نصيبك من ذلك المبلغ عشرة آلاف. أما الآلاف الخمسة الزائدة فهي نصيبي. وإذا كنت لا تقبل بذلك الترتيب، فالباب هناك وطريق الانصراف مفتوح. عندما سمعت ذلك، شعرت بالغضب يخنقني. ماذا! هل سيقرضني مبلغ خمسة عشرة آلاف شلن لكي يدسّ في جيبه خمسة آلاف منها، ولن يساعدني حتى في سداد النقود؟ هل سيكون ربحه ديناً علي أنا؟ بعدها، وفجأة، انفجرت بالضحك، رأيت أن نظرته ونظرتي كانتا متطابقتين! الثروة ليست نتاج عمل يد الإنسان، وإنما نتاج دهاء عقله، والمكر هو نظام السوق الحرة لسلب الناس ثمار الحرية! فقلت له: الحذاء مناسب، وهو ليس بحاجة إلى جوارب. بعد اسبوع، حصلت على عشرة آلاف شلن وضعتها في جيبي وعلى مديونية بخمسة عشر ألف شلن في الجيب الأخرى، ثم عدت أدراجي إلى المحسن الأوروبي. قمنا بعد النقود. ووضع نصيبه في جيبه. ثم ذهبنا معاً إلى مزرعة "جاترو". أوه، لقد كانت أرضاً قاحلة مجدبة، لم يزرع فيها شيء منذ الأزل، كما لم يبن عليها أي مأوى أيضاً. كانت صحراء مرتعاً للحشائش والأعشاب الضارة الشائكة والحجارة. ومهما يكن، فقد حصلت بعد اسبوع على صكوك ملكية مائة فدان من الحجارة. وطوال هذه المدة لم أنس عملية حسابي والأجوبة الخاصة بها: الجوع مضروباً بالعطش يولد مجاعة جماعية، والمجاعة الجماعية مصدر من مصادر ثراء لص بارع. خسارة الجماهير مكسب لنفر قليل من الناس. إن لقمة بعد لقمة أخرى، يتم الاستيلاء عليها من هذه اليد أو تلك، تشكل وجبة كاملة في جوف من يسلب الفقراء أموالهم. تملّك التعطش إلى الأرض أهل قريتنا الآن! أخذت قطعة الأرض البالغة مائة فدان وقسمتها خمسين مقسماً مساحة كل منها فدانان. ثم نشرت إعلاناً بأن أهل القرية وحدهم مسموح لهم شراء المقاسم. إن سليل بيت الأجداد هو دائماً من يتلوث بزيت -سعد الابتداء. كما أعلنتُ عن عدم جواز امتلاك أكثر من مقسم واحد لأي شخص. إن "جيتوتو "واجاتانجورو" لم يرغب بإقامة أية صلة مع من يسلبون الأرض. لقد بعتُ كل مقسم لقاء خمسة آلاف شلن. وبعد أسبوع واحد لم يبق مقسم واحد دون بيع. حتى إنني لم أحتفظ بمقسم واحد لنفسي. لماذا أرغب في امتلاك فدانين من الأشواك والحجارة؟ أخذت جيبي ترن الآن بصوت الرنين الطروب الصادر عن /250.000/شلن. وبعد أن سددت قرض المصرف وسددت كل مصاريفي الأخرى بقي معي ربح صافٍ قدره /220.000/شلن. ولم تستغرق الصفقة كلها سوى ما يقل عن شهر واحد فقط. أخذت الرياح تلوّح لسمعتي وتنشرها كالنار في الهشيم خلال فصل جاف. مما قيل: إنني رجل يعمل كما يقول، وإنني أقوى على الحصول على الأرض للفقراء وبيعها بأسعار زهيدة لهم، وإنني لم أحتقظ لنفسي بمقسم واحد بسبب حبي للناس. بدؤوا ينشدون أغنيات الثناء لي، وهم يسمونني ابن "جاتانجورو"، الولد المتشرب حب الناس. هل ترون ما يمكن تحقيقه بالمكر والاحتيال؟ لقد نسي الناس أن والدي كان حارس بيت "جاتيرو"، وأنني شخصياً بقيت مختبئاً بمحاكم العدل التي درجت على إدانة "الماوماو" والحكم عليهم بالموت. تعلمت درساً مفيداً. قبل أن أرتدي رداء المكر، لم أكن أملك سنتاً واحداً باسمي. ولكنني الآن، بعد ارتداء رداء المكر لمدة شهر واحد فحسب، أملك بضع مئات الألوف من الشلينات في المصرف، وشهرتي أعظم من شهرة أي إنسان هدر دمه في سبيل بلاده. وهذا كله دون أن أهرق قطرة عرق واحدة وأجعلها تسقط على الأرض التي بعتها. هذه هي المسألة. الأرض لم تكن أرضي والنقود التي دفعتها ثمناً لها لم تكن نقودي، كما أنني لم أضف أي شيء عليها -فمن أين حصلت على مبلغ /220.000/شلن؟ إنها من جيوب الناس. أجل، من جيوب الناس أنفسهم! أما أنا شخصياً فلم أفعل سوى أنني نقلت الأشياء من يد إلى يد أخرى. أجريت قليلاً من عمليات الضرب ووضعت الجواب في جيبي. عند ذاك فقط عرفت أن مواهبي تكمن في التلاعب وفي إجراء عمليات الضرب ودس الأجوبة داخل جيوبي. قمت بتأسيس جمعيات، وشركات لشراء الأرض في "وادي الريفت" وهذا ما كنت أفعله. كنت أذهب إلى الوادي، وأبحث عن ألف فدان من الأرض أو قرابة ذلك، ثم أتفق مع البائع على السعر. كنت أحبذ العودة إلى الإقليم المركزي، أو بالأصح إلى قريتي أو المناطق القريبة من مسقط رأسي. ثم أصدر بياناً بالعثور على قطعة أرض من مساحة ونوعية معينة، وأن على الناس شراء المقاسم في النقابة أو الجمعية التي شكلت لشراء الأراضي. أتذكر مزرعة واحدة في "سوبوكيا". كانت هي المزرعة التي صنعتني بحق. كانت مساحتها ألف فدان، وكان فيها أبقارها التي لا تعد ولا تحصى. وكان مالك المزرعة واحداً من "البويريين"، وكان يقسم دائماً أنه لن يعيش في كينيا محكومة من قبل السود أبداً ومطلقاً. ولذلك كان يبيع المزرعة بثمن زهيد. لأنه كان في عجلة من أجل الهجرة إلى جنوب افريقيا قبل أن تتفشى حالة التشوش الكامل على الطراز- الكونغولي في كينيا الجديدة. لقد قدمني وعرفني عليه "جاتيرو". اشتريت المزرعة مقابل / 250/شلن للفدان الواحد- فكلفتني المزرعة كلها مبلغ /250.000/شلن. وكالعادة، قسمت المزرعة إلى نصفين متساويين. النصف الأول ومساحته /500/فدان كان للجمعية، أما النصف الثاني فقد تم توزيعه إلى مقاسم صغيرة مساحة كل منها فدانين فقط، بحيث يصبح كل عضو في الجمعية، عند شراء أحد الأسهم، مالكاً لمقسم. بلغ مجموع الأسهم /250/سهماً. وكل سهم يكلف خمسة آلاف شلن. وهكذا بلغت مساهمات الأعضاء جميعاً مبلغاً قدره /1.250.000/شلن، وبعد إعطاء البويري مبلغ / 250.000/شلن، بقي لي مبلغ مليون شلن كامل. أودعت المبلغ كله في حسابي المصرفي. أعطيت المزرعة للأهالي. كانوا في غاية السرور، ورجوني أن أرأس الجمعية غير أنني رفضت. طلبت منهم أن يختاروا قادتهم، ونصحتهم بالطبع باختيار القادة الشرفاء الأمناء، الذين ليس لديهم جشع للمال. كان عملي هو الحصول على الأرض وتركها للأهالي يديرونها بأنفسهم. ذاع صيتي في كل روابي المنطقة وأرجائها. كما أن حسابي المصرفي ازداد وتضخم. ومن هذا الشعب الساذج نفسه حصلت فيما بعد على بضع سنتات اشتري فيها مزارعي العديدة، مزارع القهوة والشاي والدقيق ومرابي الماشية. أما اليوم فأنا مزمع على وضع يدي بأيدي عدد من الأجانب من إيطاليا، الذين يخططون لشراء منطقة كاملة في "ميرو" و"إيمبو" لزراعة وإنتاج الأرز والسكر، غير أنني لم أتخل عن المضاربة بالأرض التي تدر علي ربحاً وفيراً. ثمة فكرتان أرغب في تطويرهما الآن. الفكرة الأولى تتعلق بأساليب ووسائل زيادة الجوع والعطش إلى الأرض في البلاد كلها، وهذا ما يولد المجاعة، فيخلق الناس عندئذ ملوك مال من الدرجة الأولى. وسوف تفعل الجموع ذلك بالطريقة التالية: حالما يزداد جوع الناس وعطشهم للأرض إلى درجة كبيرة عن المستوى الحاضر، سنبيع نحن، مالكي الأرض، التراب بالقدور والصفائح، بحيث يتمكن المرء في أقل الدرجات من زرع غرسة واحدة وتعليقها على سطح منزله! أصدقائي، حين نصل إلى مرحلة بيع التراب بالقدور والصفائح، نكون حقاً نصنع المال! تصوروا جميع السكان، وهم يحملون الصواني والصحون أو السلال، يقفون رتلاً على باب المكتب طلباً للتراب! إنهم بعد ذلك سيعلقون حبات ترابهم القليلة على أسطحتهم أو شرفاتهم ويزرعونها بالبطاطا على سبيل رشوة أطفالهم الباكين حتى يخلدوا للهدوء والسكينة! أما الفكرة الثانية التي أريد استغلالها فهي كيف نستطيع نحن، ملوك المال من الدرجة الأولى، أن نحبس الهواء في الجو، ونضعه في علب ثم يبيعه للفلاحين والعمال، تماماً كما يباع الماء والفحم لهم الآن. تصوروا الربح الذي سنحصده لو قدر لنا أن نبيع الناس الهواء الذي يستنشقون في علب أو لو نتمكن، وهذا أفضل، من قياسه بالأمتار! إن بوسعنا أيضاً استيراد بعض الهواء من الخارج، هواء مستورد، وهذا ما نستطيع بيعه للناس بأسعار مرتفعة! أو بوسعنا تصدير هوائنا للخارج لكي يعبأ بالعلب والقوارير- أجل، ذلك لأن تكنولوجيا الأجانب متقدمة جداً! ومن ثم يردُّ إلينا وهو يحمل عنوان: صنع في الولايات المتحدة، أو صنع في أوروبا الغربية أو في اليابان، هذا الهواء مصنوع في الخارج، وإعلانات مشابهة أخرى. أيها الأخوة، تأملوا هذه الأفكار. حين يصير الفلاحون والعمال في حالة تململ وعناد وحين يستعصون، لبأسهم على قواتنا المسلحة، فإننا نستطيع بكل بساطة حرمانهم من الهواء إلى أن يخرّوا ساجدين أمامنا! عندما يحدث طلاب الجامعات شيئاً من البلبلة، نحرمهم الهواء، وعندما تتذمر الجماهير نحرمها الهواء! حين يرفض الناس أن يسرقوا أو تسرق لهم ثرواتهم، نستطيع بكل بساطة أن نسدّ الهواء عنهم حتى يأتوا بأيد ضارعة قائلين: نرجوكم، اسرقونا، اسلبونا بلا رحمة أو شفقة. هذا وعندما انتهى "جيتوتو واجاتا نجورو" من شهادته، كان يلهث كثيراً من شدة التعب. سقطت قطرات من عرقه على الأرض. كما كان كرشه الناتيء يرتجف وكأنه يريد التحرر من صاحبه والوقوع على الأرض. لما وصل إلى أوج خطابه، وأخذ يصرخ "أنا ملك السارقين واللصوص! ترنح جيتوتو وانهار وقد أعياه التعب تماماً. مشى رئيس المراسم مع رجلين آخرين مشياً متهادياً إلى المنصة، وأخذوا يروّحون جسده بالمناشف حتى عاد إلى وعيه. ثم هب نصف النظارة بالكهف واقفين لكي يحتفوا به. ماذا! هل يتوهمون بأننا نسينا؟ همست "وانجاري" تسأل "موتوري" يبدو أنهم يتصورون بأننا أطفال يمكن رشوتهم بالحلويات لكي يسكتوا أجابها موتوري. الأنكى من ذلك، بالحلويات التي أخذت من جيوبنا، أضافت "وانجاري". عندما لاحظ "مواؤرا" "موتوري" "وانجاري" يتهامسان، دب في صدره القلق: لماذا سألني موتوري عن ملائكة الشيطان؟ راح يتساءل ماذا يعرف عني؟ من هو موتوري؟ من هي وانجاري؟ عاد جيتوتو إلى مائدته، معتمداً في سيره على رجلين، ولكنه لا زال يصرخ: أنا ملك الملوك في مملكة المكر والاحتيال! أيها السادة والأسياد، لاحظوا ماذا فعلت بمواهبي.. .. والخادم الذي منح.. مواهب.. شهادة كيهاهو واجاثيكا هذه هي تجارب "كيهاهو" "واجاثيكا"، وقد أميط عنها اللثام على مسامع الذين احتشدوا في كهف اللصوصية في ايلموروج لحضور المنافسة الخاصة بالسرقة واللصوصية الحديثة. كان كيهاهو رجلاً طويل القامة، نحيلاً: إذ كان له ساقان طويلتان وذراعان طويلتان، وأصابع طويلة وعنق طويل وفم طويل. كان فمه بشكل منقار الديك، طويلاً ونحيلاً وحاداً. كانت ذقنه ووجهه ورأسه تشكل مخروطاً. وكان كل شيء فيه يدل على النحول والدهاء الحاد. كان "كيهاهو" يرتدي في ذلك اليوم بنطالاً مقلماً باللونين الأسود والرمادي، وسترة ذات ذيل أسود، وقميصاً أبيض وربطة عنق سوداء، كان وهو يقف على المنصة يشبه "فرس النبي" وهي تصلي أو البعوضة. راح يسحج حنجرته، ثم قال الكلمات التالية: ليس عندي كلام كثير، وكل شيء يزيد عن حده، يصبح سماً. أما القليل فيكون حلاوة في أغلب الأحيان. إن هدفي، بل بالأحرى شعاري، هو العمل بقدر الكلمات. أفعالي هي البوق الذي يكون صوته صدىً لقدراتي كلص وسارق. وأنا شخصياً أفضل صورة للأقوال المأثورة التي ذكرها البعض في وقت سابق هذا اليوم: من مثل أن طول القامة ليس بلية أو مثلبة، وأن البطل لا يعرف من حجم بطتي ساقيه. ذلك لأنني، في الحقيقة، الديك الذي يصدح عند الفجر ويسكت الآخرين جميعاً. إنني الأسد الذي يزأر في الغابة فيجعل الفيلة تبول خوفاً. إنني العقاب الذي يطير في السماء، فيجبر الصقور تأوي إلى أعشاشها. أنا الريح التي تبز كل نسمة وتسكتها، أنا البرق الذي يبهر كل ضياء. أنا الرعد القاصف الذي يخرس كل ضجيج، إنني الشمس في السماوات خلال النهار، والقمر، ملك النجوم خلال الليل. أنا ملك ملوك السرقة واللصوصية. توجوني بالتاج الذهبي، فلم يعد من المبكر كثيراً على الملك الجديد البدء بولايته وحكمه. لا أمتدح نفسي حباً بالمديح وحده، لقد حضرنا إلى هذا المكان لنعقد حلقة بحث في السرقة واللصوصية الحديثة. لسوف أغني أغنية عن نفسي تحرك ضيوفنا الأجانب كي يجعلوني مشرفاً على المشرفين الآخرين، وكلباً حارساً على الكلاب الآخرين، ورسولاً فوق كل الرسل. قولوا نعم، وسأحكي لكم حكاية كلها غرابة وعجب. إن فنون المهارة من النوع الذي ذكره لنا "جيتوتو واجاتانجورو"، لا تعدُّ شيئاً يذكر على الإطلاق. إن ترؤس المرء للجمعيات أو الشركات التي تشتري الأرض بطريقة يكون فيها ذلك المرء الأول في انتقاء كل الأبقار المعافاة لمزرعته الخاصة، أو كونه بموقع يحول فيه الاموال العامة لمنفعته الشخصية، أو الاقتراض من المصرف على ضمانة أراضي الجمعية.. هذه كلها هي الألاعيب البسيطة التي تعلمت من خلال السلب والنهب.. وهذه يسمونها في الانكليزية ألاعيب هواة أو تكتيكات مبتدئين. أما إسمي، فهو "كيهاهو واجاثيكا" واسمي الأجنبي هو "لورد جابريل بلودويل -ستوارت -جونز" وإذا ما انتقلنا إلى موضوع الأقرباء، فأنا الأكبر سناً وعندي زوجتان. تزوجت واحدة منهما قبل أن أصبح ثرياً وتزوجت الثانية بعد ثرائي، حين صرت أتلقى الدعوات إلى حفلات الكوكتيل. وأنتم هنا لا تحتاجون لمن يحاضر فيكم عن أن العطر القديم الذي فقد أريجه لا يناسب الرقص الحديث والتسامر باللغات الأجنبية. وإذا خانت المرأة، فقد تعرض مستقبلك كله للخطر. ولذلك فإن زوجتي الثانية تعرف الانكليزية وليس لها من عمل سوى التزين بالملابس الفاخرة وبالجواهر من أجل حفلات الكوكتيل. أما بالنسبة للأطفال فعندي عدد قليل تماماً. وهم جميعاً يتقنون الحديث بالانكليزية من خياشيمهم مثل الذين ولدوا وتربوا في انكلترا. لو سمعتموهم يتحدثون لغة "جيكويو" أو السواحلية، ستضحكون وتضحكون حتى تبولوا تحتكم. إنه أمر مضحك جداً. إنهم يتكلمون اللغتين وكأنهم كهنة إيطاليون وصلوا حديثاً من روما -كهنة دون ياقات الكهنة. غير أن الأطفال أطفالي وسيان عندي إذا ما تحدثوا بلغاتهم القومية مثل الإيطاليين الأجانب. لننتقل إلى العشيقات وبنات الهوى. أنا لا أطارد بنات المدارس. فالبنات من ذلك الطراز هن الخطر بعينه. قد ينقلون الأمراض، وليس عندي وقت لحقن البنسلين أو ابتلاع أقراص الحماية قبل أداء العمل. إنني أحب زوجات الآخرين. الإنسان بذلك يحصل على شعور بالانتصار وأنتم تعرفون أن في ذلك نوعاً آخر من أنواع السرقة، أليس كذلك؟ إنني بارع بخاصة مع النساء البورجوازيات. إنهن لا يقاومن مطلقاً. وليس عندهن غرور ومطالب. يردن شيئاً واحداً فحسب. بعضهن لا يكتفين برمية أو رميتين -ذلك لأن أزواجهن دائماً في النوادي الليلية مع عشيقاتهم. وكثيرات منهن لايملكن ما يشغلهن، وهن ينشدن في هذه الأيام أغنية واحدة -تغيروا، فالبذور الطيبة لا تحتويها حبة قرع واحدة. والفرّج ليس ذرة ملح أو صابون ينحل أو يختفي بعد الاستعمال. لقد أطلقت عليهن الاسم المعمودي: الجاهزات للتسليم. وهن رخيصات لا يكلفن كثيراً. غير أن بينهن محترفة واحدة، عندها سلّم درجات طويل جداً. تركت زوجها من أجلي، فشعرت وكأنني عائد بأكاليل النصر من إحدى الغارات. غير أنه ترتب علي إعطاؤها شيئاً بالمقابل: فأعطيتها مليوناً و/500.000/شلن ثمن مقسم أرض بمساحة عشرة فدادين اشتريتها لها في "تيجوني"، بالقرب من "ليمورو".. وذلك هو ما دعاني لأن أقسم باستمرار بأنني لو ضبطت زوجتي تتسكع على منعطفات الطريق، فسأجعلها ترى من خلال فوهة شرجها! وأما بالنسبة لسيارتي، فليس ثمة طراز واحد لم أجربه.. فأنا أبدل السيارات كالملابس. إن سيارة "المرسيدس بنز" تتفوق عليهم جميعاً، ولكنني حين أملّ منها، أبتاع سيارة "سيتروين" أو "ديملر" أو "رانج روفر". لقد اشتريت أيضاً دمى لزوجتي وأطفالي، دمى من طراز "تويوتا" "وداتسون" "وبيجو". أما عن رياضاتي فهي: عدُّ النقود في المساء، وممارسة لعبة "الجولف" أيام السبت والأحد وبالطبع مداعبة أفخاذ الجاهزات للتسليم عندما يتيسر الوقت. إنني دائماً أقارن نمط الحياة التي أحياها مع نمطها قبل ولوج عالم السرقة واللصوصية، فيبدو لي ذلك أشبه بمقارنة النوم بالموت. قبل أمد مديد من "أوهورو" كنت أعيش مع الممحاة والطباشير في يدي، أعلم الأطفال أبجديتهم في إعدادية "رؤانيري". آه، كم كانت أياماً مروعة! تعودت أكل ugali بالملح كحساء، أو مع ما قيمته عشر سنتات من الخضروات عندما زارني طائر السعد. كنت أسعل طوال اليوم بسبب غبار الطباشير الذي تكدس في حنجرتي ولم أكن أقوى على دفع ثمن أية مادة دسمة أخفف فيها الألم الذي يعتمل في صدري. لا أعرف، حتى في هذه اللحظة، كيف صدف أن فتحت غرفة الصف في أحد الأيام ونظرت إلى الخارج، فوجدت ناساً كثيرين من جيلي منهمكين في اقتطاف ثمار شجرة "أوهورو". سمعت هاتفاً يهتف في أذني: ياكيهاهو، يا ابن جاثيكا، كيف تقوى على البقاء هنا كالأبله، وأنفك مسطوم بغبار الطباشير، بينما يمضغ أقرانك في الخارج ثمار الحرية؟ ماذا تنتظر؟ وماذا سيتبقى لك بعد أن يستولي كلٌ على نصيبه؟ تذكر أنه لا مجال لجمع الفتات من مأدبة يأكل عليها سادة فن الأكل. وفجأة زالت الغشاوة عن العينين. صرت أقوى على الرؤية بكل وضوح. الآن رميت الطباشير من النافذة، وارتديت سترتي الطويلة، قمت بالخطوة الكبرى في تحويل مسار حياتي وودعت مهنة التعليم، كنت أنا الآخر أريد فرصة اكتشف فيها طعم ثمار أوهورو وامواخريكا". العجلة الزائدة تفلق في الغالب حبة البطاطا. اسمعوا وعوا. لقد اندفعت بصورة جنونية نحو أول ثمرة وقعت في طريقي، مثل الفتاة في تلك القصة التي داورها الآخرون وخدعوها لالتقاط الثمار وعيناها مغمضتان فانتهى بها الأمر إلى التقاط الثمار الجافة فقط. كان طعم الثمرة مراً في فمي. هل تراني قطفت تفاحاً برياً وأنا أحسبه تفاحاً حقيقياً؟ دعوني أحكي لكم عن الخطيئة التي أخطأتها، فنحن لم نأت إلى هنا لمجرد التباهي بقدراتنا وإنما لكي نتشارك تجاربنا أيضاً. بينما كنت لا أزال أمارس التعليم، اكتشفت أن أكبر تعطش في بلادنا هو التعطش للعلم. لقد كان هذا التعطش طاغياً على جموع الناس، غير أنه كان أساساً لثراء قلة من الصفوة. وحتى الناس الذين لا يستطيعون بغير الجهد الجهيد معرفة الأبجدية، افتتحوا مدارسهم الثانوية الخاصة وحصلوا من جراء هذا المشروع على سيارة "مرسيدس بنز" أو اثنتين. كانت أبنية المدارس تصنع في الغالب من الطين، والمدرسون يجندون من سقط المتاع، والمقاعد تصنع من أخشاب بالية، والقرطاسية تجمع من الطرقات، ومع ذلك كانت المدارس تدرُّ أرباحاً على أصحابها. فكرت أن علي أيضاً أن أجرب حظي لمعرفة الوزن الحقيقي لقطعة النقد التي تقطف في ذلك المجال. فكرت أن علي أن أفتتح مدرسة لرياض الأطفال أو الحضانة لأنها لا تتطلب مزيداً من المال الموظف. ذهبت إلى أحد المصارف وحصلت على قرض. وكانت الضمانة مزرعتي الصغيرة. بحثت ثم عثرت على عمارة في نيروبي. ثم بحثت حتى وجدت فتاة افريقية فشلت في الثانوية العامة، فوظفتها لرعاية الأطفال: إذ إنها ستلاعبهم وتعطيهم قليلاً من الحليب عند العاشرة، وتعلمهم بعض الأغاني. ثم نشرت إعلاناً كبيراً في إحدى الصحف يحمل الكلمات التالية: مدرسة الجمال الأسود الجديد لحضانة الأطفال من أجل الأطفال الكينيين يملكها ويديرها ويعلم فيها كينيون فقط تعلم فيها اللغة السواحلية أغاني كينية.. تهويدات كينية.. الخ.. الخ أجور رخيصة، ونوعية عالية هيا واحداً واحداً، وهيا جميعاً حسنٌ، لم يلتحق بمدرستي طفل واحد، ولو كان عاجزاً جلست القرفصاء، ورحت أبكي وأنا أتذكر مبلغ المال الذي أنفقته وأنا عارف حق المعرفة بأن المصرف قد يبيع بالمزاد العلني قطعة الأرض التي وضعتها بكثير من التهور ضمانة لذلك. فكرت وأمعنت في التفكير. أتراني لم أفحص شجرة "أوهورو" فحصاً سليماً بحيث أنني قطفت بدلاً من ثمرة التوت الحلوة ثمرة العليق المرة؟ ثم حدثت نفسي: مقلباً في ذهني كل ما يمكن أن يقف في طريق من يسعى لجمع المال. قمت بقليل من البحث الإضافي لكي أعرف ما يجري بالفعل. وسرعان ما اكتشفت أن ما من كيني واحد بارز، عند الحصول على مزرعة، يمكن أن يوظف كينياً بمنصب المدير، بل يوظف أجنبياً أوروبياً فقط. إن الكيني المرموق الذي كان مثالاً للنجاح في الأعمال الكبيرة لا يستخدم كينياً للإدارة أو المحاسبة، بل يستخدم أوروبياً أو هندياً أجنبياً. وعندما يتحادث الكينيون، لا يستخدمون لغاتهم القومية، بل هم يتحادثون باللغات الأجنبية. وكما أحد الكينين، لاحظت ودققت حتى توضحت رؤيتي. وكان ذلك هو أساس أرباح البورجوازية الكينية الحديثة. قفلت مسرعاً بالعودة إلى دار الحضانة قبل أن يبدأ المصرف بإزعاجي، غيرت اسم المدرسة، أعطيتها اسماً معمودياً جديداً هو: "مدرسة العهد الجديد للحضانة". ثم بحثت عن امرأة بيضاء تكون هي المديرة، لحسن الحظ، عثرت على واحدة، كانت امرأة عجوزاً مقعدة، نصف عمياء ولا تسمع جيداً، وكانت دائماً تغط في النوم وافقت على الانضمام للهيئة التدريسية ولممارسة النوم في المدرسة. قمت بعد ذلك بزيارة عدد من المحال التجارية في نيروبي. اشتريت تماثيل أطفال-أشكالاً بشرية بلاستيكية- وألبستها ثياباً فاخرة. ثم قمت بإلصاق شعر مستعار أحمر اللون على رؤوسها. ووضعت آلات كهربائية داخل بطونها البلاستيكية، وثبّتت دواليب صغيرة على باطن أقدامها البلاستيكية. وعندما كنت أشغل الطاقة الكهربائية، كانت التماثيل تتحرك على الأرض كأنها أطفال بشر حقيقيين يلعبون. ومن خلال زجاج نوافذ المدرسة الكبيرة يستطيع المرء رؤيتها وهي تمارس اللعب حتى وإن وقف في طرف الشارع. بعد ذلك نشرت إعلاناً كبيراً في إحدى الصحف: مدرسة العهد الجديد لحضانة الأطفال مديرة أوروبية خبيرة في السابق للأوروبيين وحدهم، مفتوحة لعدد قليل من الكينيين الآن، مستويات أجنبية كسابق عهدها اللغات الوطنية، والأناشيد الوطنية والأسماء الوطنية محظورة لغات أجنبية، أغاني أجنبية، ألعاب أجنبية الخ- الخ وسائل انكليزية تقنية في التعليم الأمكنة محدودة اتصل أو احضر بسيارتك اللون ليس عائقاً، النقود هي الأهم الأجور مرتفعة أوه، بدأ الآباء بعد هذا يتصلون هاتفياً بنا في الليل والنهار -لكي يحجزوا أماكن لأطفالهم. وكلما دق الهاتف كنت أهرع لإيقاظ المديرة الأوروبية للرد، غير أن القسم الأكبر من الآباء كانوا يفضلون الحضور بسياراتهم للتأكد من تأمين مقعد لأطفالهم. كان الآباء، عند رؤية المديرة الأوروبية ورؤية التماثيل وهي تلعب من خلال النوافذ، يدفعون الرسوم فوراً، ولا يكلفون أنفسهم معرفة أي شيء آخر عن المدرسة. قبلت، بل الأصح، طلبت من المديرة ألا تقبل أكثر من مائة طفل. وكان كل طفل يدفع 2500 شلن في الشهر. غمرتني السعادة، فقد كان ذلك يعني أنني سأدس في جيبي كل شهر مبلغ /250.000 /شلن وبعد دفع أجرة المبنى ورواتب المديرة ومساعديها، يتبقى لي مبلغ /200.000/شلناً كل شهر. وأرجو ألا يغيب عن بالكم بأنني طيلة هذه المدة لم أهدر قطرة عرق واحدة، ولم أبتلع أي غبار من الطباشير والمماسح. لم يكن طعم ثمرة تلك الشجرة مراً بالنسبة لي.. لا لم يكن كذلك على الإطلاق. قطفت ثمرة أخرى وثمرة بعدها. افتتحت أربع مدارس أخرى لرياض الأطفال، مستخدماً الحيلة نفسها في توظيف نساء بيض معمرات بل معلولات عرجاوات وشراء تماثيل بيضاء اللون تحل محل الأطفال البيض الحقيقيين. وحتى في إيلموروج هنا وفي روائيني، افتتحت عدداً من مدارس الحضانة وفق نفس الخطوط. لقد كانت ثمرة تلك الشجرة وافرة بالتأكيد. وكانت بحق ناضجة جداً. كما كانت حلوة- غير أن تلك قصة أخرى! لقد علّمنا الأوروبيون الآن أن من غير المستحسن وضع البيض كله في سلة واحدة. ولذلك فكرت أن علي أن أجرب حظي في معرفة ثمار بقية الأشجار. إن الجمعيات والشركات من النموذج الذي تحدث عنه "جيتوتو واجاتانجورو" إضافة إلى أساليب أخرى في السرقة واللصوصية من خلال المضاربة بالأراضي أتت لي بأكل التهمته بفرح وسرور. غير أن الشجرة التي قطفت عنها ثماراً أينع وأحلى من كل أشجار أوهورو الأخرى هي - انتظروا ودعوني أبدأ حكاية تلك الشجرة الخاصة من بدايتها، لكي تروا جميعاً أنني لست غراً مبتدئاً حين يتعلق الأمر بفن السرقة واللصوصية. بعد أن قطفت كثيراً من الثمار عن الشجرتين اللتين سقاهما تعطش الناس للتعلم وجوعهم للأرض، رحت أتطلع فيما حولي لأرى الثمار التي كان يقطفها أقراني. رأيت أنه ما إن جمع الناس الثروة وكدسوها حتى تطلعوا لدخول البرلمان. رأيت بأم عيني كيف أن أحدهم باع مزرعته وباع زوجته الجميلة بالمزاد العلني لكي يسدد مصاريف حملته الانتخابية. أخذت أفكر: ماذا في هذا المجال، الذي صار هدفاً للاقتتال الداخلي إلى درجة أن الناس كانوا مستعدين لتوزيع ملايين الشيكات المصرفية وبيع زوجاتهم وبناتهم ومزارعهم؟ هل يمكن أن تعطي هذه الشجرات ثماراً أكثر من كل الأشجار الأخرى؟ اتخذت قراراً بدخول عالم السياسة واكتشاف الوضع النفسي: مع أن من يجلس تحت الشجرة هو وحده الذي يعرف ما تأكله نملة الشجر السوداء. ولكن بما أنني كنت أعرف أيضاً المثل الذي يقول: إن العجلة الزائدة تفلق حبة البطاطا، فقد عزمت على ألا أدخل السباق من أجل مقعد برلماني -فتلك المقاعد، كما تعرفون، خطرة جداً وكانت سبباً في سفك الدماء- بل سأدخله من أجل مقعد في مجلس مقاطعة "ايسيسيري، رؤايتي ورد". إذا ما قلت فعليك أن تفعل، وليس من المبكر على الإطلاق تسويق الخضار قبل أن تفقد نضرتها. رحت بكل معنى الكلمة أغدق المال وأدسه في جيوب من هم حولي. حين أقصد أن أفعل شيئاً فإنني أفعله بإبداع فلا أتراجع. لقد جمعت جوقة من نساء "نياكينيوا" ممن ينشدن مدائحي ويخترعون الحكايات عن الكيفية التي كنت أقاتل فيها من أجل الحرية، وكيف وفرت الأرض والتعليم للناس إضافة لأنواع أخرى من الكذب على هذه الشاكلة. واشتريت أزياء موحدة وملونة لنساء "نياكينيوا"، وصورتي مطبوعة عليها. وظفت بعدئذ جناحاً من الفتيان وظيفته تدمير أملاك خصومي وضرب الذين يتهامسون بالشكاوى ضدي. كان لي خمسة خصوم. انفردت باثنين منهم وأخرجتهما من المعركة بثمن قدره /50.000 /شلن لكل منهما. أصدر كلاهما إعلانات عامة بأنهما ينسحبان لمصلحة البطل "جاثيكا". ورفض الخصم الثالث الرشوى. وفي ليلة من الليالي، تم اختطافه من قبل اثنين من فريق الفتيان ونُقل إلى غابة "رؤايني"، حيث شاهد سبطانة البندقية وطلب إليه أن يختار بين العيش وبين النجاح في الانتخابات. اختار بطل الحكمة والتعقل البقاء حياً. أما الخصم الرابع فلم يقتصر على رفض الرشوى ولكنه في الواقع ذهب أبعد من ذلك إلى حد أنه جاهر بالتحدي حتى بعد تهديده بالبندقية. أرسلت بعض الفتيان إلى بيته، فكسروا كلتا ساقيه. أما الخامس فكان من أبناء الحرام، أرسل على وجه السرعة قطاع الطرق التابعين له، والذين سدّوا الطريق بسيارتهم وصوبوا بندقية علي وحذروني بأنه إذا حاولت اللعب مع زعيمهم، فإن النتيجة ستكون سناً بسن، وعيناً بعين وساقاً بساق، ودماً بدم. وصلتني الرسالة. ولم يكن خصمي مازحاً. سلّمت بالأمر الواقع. طلبت منهم إبلاغ رئيسهم بأن أكلة أموال الآخرين يلتقون عادة في الميدان كي يقروا من هو الذي يستطيع أن ينال من الآخر. ولذلك فإن عليه الموافقة على مقابلتي في أرض المعركة الانتخابية حتى نضع حداً لكل شيء، مرة واحدة وإلى أبد الآبدين، تبين من هو الأفضل. وفي غضون ذلك، حذرت من أن ما من طرف ينبغي أن يهدد الطرف الآخر. المال قوة. ولذلك فإن عليه أن يترك أمواله وأموالي تتحاربان في الميدان. وفي نهاية الأمر، توصلنا إلى تفاهم: اتفقنا على ترك الحديد يقرع الحديد لنرى ما هو الأمضى وأيهما يحفر ثقباً في الآخر. ولهذا بقي الميدان مفتوحاً لكلينا، الأموال تقوم بالعمل، وتبين من منا سرق أكثر من الآخر، من جانبي أنا، أعطيت تعليمات بفتح كافة الصنابير فتحاً تاماً، لكي يتمكن كل شارب جعة من ارتشاف القدر الذي يريده، بعد معرفة أنه أعطى صوته لصالح ابن "جاثيكا" وإنني أقول لكم: لم أترك حيلة واحدة لم أجربها، ومنها شراء الأصوات. صرفت مبلغاً قدره مليونا شلن على تلك الحملة، لم يكن خصمي سهل المنال. فقد صرف مليوناً ونصف المليون غير أن المقعد في نهاية المطاف كان من نصيب البطل الذي ترونه واقفاً أمامكم الآن. وحتى قبل أن أحتل مقعدي بصورة صحيحة في المجلس، بدأت أحس كيف أتمكن من استرداد الملايين التي أنفقتها على الحملة. كنت في غضون ذلك قد عرفت بأن الحماسة للرقص الحديث وقودها المال. جربت كل شيء. ولمدة أسبوع أو أسبوعين، لم أنم ملء جفوني لأن علي أن أقضي وقتي في مقابلة هذا العضو أو ذاك. كلفتني الحملة الثانية خمسين ألف شلن أخرى. وكانت النتيجة أنني عُينّت، بل انتخبت، رئيساً للجنة الإسكان في مجلس مقاطعة "ايسيسيري" وهذه اللجنة مسؤولة عن إنشاء وتوزيع منازل المجلس وعن تعيين المقاسم الصناعية والتجارية للأفراد أو للشركات. عرفت من هذا أنني بلغت مأربي حقاً. حان وقتي. والأملاك العامة تسمّن الرجل المراوغ. ما كان يحدث من حين لآخر هو أن يقترض المجلس نقوداً من المصرف العالمي الذي تملكه أمريكا. أو من المصارف الأوروبية واليابانية، لتمويل بناء منازل رخيصة للفقراء. وكان هذا مصدراً للدسم الحقيقي. أستطيع تذكر إحدى المناسبات عندما هدّم المجلس بعض الأكواخ في رؤايني. كان المشروع يقضي بتشييد ألف منزل بدلاً عنها. حصل المجلس على قروض من مصرف إيطالي لتمويل المشروع. وكانت الشركة التي كسبت العرض لبناء البيوت شركة إيطالية أيضاً. غير أنها بالطبع أعطتني أولاً دفعة أولية مستورة بمبلغ مليوني شلن تقريباً. أودعت النقود في حسابي المصرفي وعرفت أن مصاريف الحملة قد سددت. ورحت أنتظر عائدات أموالي المستثمرة في الانتخابات. لم أعثر إلا بعد تشييد المنازل على ما كنت أسعى إليه. ترتب على كل إنسان يريد منزلاً أن يشتري لي في البداية كأساً من الشاي بقيمة /2.000/شلن. فحصلت على مليونين آخرين بتلك الطريقة، أودعتها المصرف بأكملها. لا أرى داعياً للقول إنه بعد مرور سنتين على الملايين التي وظفتها في الحملة الانتخابية لم تدرّ علي سوى مبلغ صغير تافه. ولم أرقْ، كما تلاحظون، قطرة عرق واحدة. جاءت نقودي كلها من نفس الناس الذين اقترعوا لصالحي. كيف؟ لأن ذلك كان ضريبتهم التي ستذهب لدفع الأموال المقترضة من المصارف الأجنبية. ما رأيكم بذلك؟ لو كنتم مكاني، هل تتوقفون عن قضم تلك الثمرة، التي كان طعمها أشد حلاوة من الحلاوة نفسها؟ لم أتوقف بتاتاً عن اقتطافها. أخذت أقطف ثمرة بعد ثمرة. كان العصير الحلو يندلق من زاويتي فمي قبل أن أتعلم الأكل بروية وتعقل. أما في هذه الأيام فلا أنتظر إلى أن يبني المجلس البيوت لكي أدس الثمار الحلوة في جيبي. لقد وحدّت جهودي مع بعض الإيطاليين الأجانب وشكلّنا شركة إنشاءات: شركة رؤايني لتطوير الإسكان. وشركتي هذه هي التي تكسب العروض من المجلس بالعادة. غير أن الشركة أيضاً تقترض أموالاً من المصارف لإنشاء عزبات كاملة، وتقوى على بيع البيوت قبل ردح طويل من اكتمالها. أيها الأخوان، لا تبخسوا تعطش الناس للبيوت حقه، الشركة تبني بيوتاً تناسب مختلف الطبقات. لا يتأتى الربح كله، مثلاً، من المنازل الحجرية. هل شاهدتم تلك الثكنات المصنوعة من الطين والخشب؟ إذا شيدتم أكواخاً من هذا الطراز ثم أجرتموها للعمال والفلاحين، ذلك هو، بالتأكيد، مكمن الدسم والربح. أخذت أتلقى دعوات لكي أصبح مديراً لفروع الشركات الأجنبية أشتري سهماً هنا، وأدس في جيبي بدل جلوس هناك، كنوع من البقشيش بسبب حضور اجتماعات الهيئة. ومن كل تلك المصادر، كنت قادراً على الحصول على بضع سنتات آخذها للبيت كل شهر- إذ إن قطعة من هنا وقطعة من هناك تجمع في بطن "كيهاهو واجاثيكا" رغم نحوله لكي تشكل رقماً كاملاً كبيراً. لهذا السبب أنا مدين بالشكر والامتنان لجموع الشعب الكيني. ذلك لأن عماهم وجهلهم وعجزهم عن المطالبة بحقوقهم هي التي تمكننا، نحن جماعة آكلي لحم البشر، من أن نتغذى على عرقهم دون أن يسألونا مزيداً من الأسئلة المحرجة. ولكن علينا ألا نطمئن أو نتصور بأن الجماهير ستظل بلهاء دائماً. هذا وإن الاحتمال في تغير الأمور هو ما دفع بعض الأجانب لتعييني مديراً لشركاتهم في سبيل حمايتهم من غضب جماهير العمال والفلاحين، ولست ضد ذلك التعيين، فهو مربح ومفيد نوعاً ما. هذا هو ما يدفعني في هذه الأيام إلى عدم تفويت أية فرصة لتقديم هبات التنظيم الموحد. قد أدفع عشرة آلاف شلن هنا، وخمسة أو عشرة هناك وربما أدفع عشرين ألفاً في مكان آخر. ذلك يعتمد على مزاجيتي ولكنني حين أقصد حقاً أن أترك انطباعاً عند الناس، أذهب في البداية إلى شركات يملكها الأجانب- وأنتم تعلمون أن هذه الشركات تخصص نقوداً لرشوة العامة- فأطلب منهم منحة، عشرة آلاف شلن، عشرة سنتات، خمسة سنتات، ما تيسر، ثم أعتلي المنصة لكي أعلن عن كرمي وسخائي، إن مئات الألوف هذه التي أحضرتها في أكياس هي مني ومن أصدقائي. وتردد جوقتي من نساء "نياكينيوا" الزغاريد الخمسة التي تردد احتفاءً بالمولود الذكر، وذلك كله إكراماً لي. ماذا قلت؟ إن حجم تصفيق اليوم يعتمد على حجم جيوب المتلقين. فالنقود تقوى على جعل الجبال مستوية. من يغني اليوم على شرف كيماثي وأمثاله؟ قد تبقى الجماهير كما هي عليه مدة طويلة، ترتل الأغاني على حجم جيوب الإنسان فقط. وهذا سيمنحنا وقتاً أكبر لكي نعيش على دسم الأرض -وكما تعلمون، ما يستقر في البطن بسلامة لا يكشف إطلاقاً عن وجوده للعيون أو الآذان الفضولية. أنا شخصياً أؤمن بمبدأ الحكم والسيادة عن طريق حمل جزرة في اليد اليسرى وعصا في اليد اليمنى. إن عطايا الوحدة المنظمة هي جزرتنا، غير أن هنالك عدداً قليلاً من الحرس الأسود ممن يملكون الجرأة على الحديث عن إزاحة القشور عن عيون الجماهير. إن من يرغبون في إيقاظ الجماهير يجب أن يهددوا بالقضيب -الاعتقال أو السجن- تماماً مثل الذين تعرفون كل شيء عنهم. ولكنني بالعادة أرسل قطاع طرقي إلى من يمتازون بالعند- وبعد مداورتهم بكد وتعب، بالعقاقير والكحول والنقود- يتم نقل أجسادهم بالعربات إلى الضباع على روابي "نجونج"، أو إلى التماسيح في نهر "آثي"، لكي يواصلوا عملهم من أجل الجماهير داخل بطن ضبع أو تمساح (مثل الأشخاص الذين تعرفون جميعاً أخبارهم). إنني لا أؤمن بهراء الديمقراطية هذا، موضوع الحديث في الصباح هو الديمقراطية، وموضوع الحديث في المساء هو الديمقراطية أيضاً. هل الديمقراطية طعام وشراب؟ لو استطعت الإمساك بهؤلاء الصبية من طلاب الجامعة، مع أساتذتهم الأقزام... "وانجنيجوتا"... فسوف أحملِّهم بطائرة وأطلب منهم أن يأخذوا معهم هراءهم الشيوعي إلى الصين والاتحاد السوفييتي، عفواً، أيها السادة لقد صرفني غضبي العارم من تلك المجموعة عن الموضوع الرئيسي. دعوني أستأنف حكايتي. آوه، نعم، كنت أتحدث عن السرقة واللصوصية القائمة على الإسكان. وأنا، من جهتي، لن أتنازل ماحييت عن السرقة واللصوصية القائمة على الإسكان، ليس ثمة على هذه الأرض مايدرُّ ربحاً مثل الجوع والعطش للمأوى، ولذلك لا أريد لهذه الشهية أن تتضاءل وتقل، ولو في أدنى الدرجات. في الواقع. سهرت كثيراً، وأنا أستكشف الأساليب والوسائل لزيادة جوع البلاد كلها وتعطشها، لأن درجة تضور الناس للملكية تقرر بالضبط المستوى الذي ستصعد إليه الأرباح مثل ألسنة نيران تصل إلى اللحم الدسم. وعندما تصبح مثل هذه المجاعة شديدة- فإننا، بطبيعة الحال، لا نسميها مجاعة، ولكننا نعطيها أسماء ألطف وأخف من ذلك- نحن آكلو دسم الأرض، نتمكن عندها من الجلوس لابتكار الطرق التي نقتسم فيها الدسم فيما بيننا. خطتي هي هذه: عندما تتجاوز المجاعة حدود الاحتمال، فإننا لا نحتاج إلا لبناء منازل بحجم عش العصفور. وهذه الأعشاش تبنى بطريقة يمكن معها أن نطويها، بالطريقة التي تطوى فيها الخيام. كل واحد يبلغ حد اليأس في سبيل الحصول على مكان يضع رأسه عليه سيضطر لشراء عش من أعشاشنا، عش يستطيع طيه وحمله على كتفيه أو دسه في جيبه، وفي أي وقت أومكان يداهمه الظلام، فإنه بكل بساطة ينصب العش على جانب الطريق ويريح رأسه. وتصوروا، إنه سيبقى الليل بطوله يتلو صلواته، يطلب من السماوات منح بركاتها للمحسنين أصحاب القلوب الرقيقة الذين بنوا له ملجأً لعينيه وأذنيه وشفتيه وأنفه... وتصوروا فقط المال الذي يمكن جنيه من الأعشاش -عش لكل رجل. ها، ها...ها، ها، ها... كل فلاح داخل عش. كل عامل وأنفه داخل عش. سوف يتنافس العمال والفلاحون مع العصافير من أجل حيز من الهواء!. أيّها الطيبون، سلموني تاج النصر. هي، انتظروا لحظة. إن من كان منكم لا يزال يضمر شكوكاً بالنسبة لقدراتي: إن أعشاب وحبال بناء الأعشاش ستستورد من أمريكا وأوروبا واليابان، من دول أجنبية أوبوسعنا، بكل بساطة، استيراد أعشاش معدة سلفاً. هذا كل ماعندي قلته.فسلموني التاج! الرد نزل "كيهاهو" "واجاثيكا" عن المنصة، مرتبكاً جداً، ومحتداً من امتناع جمهور الحضور عن التصفيق له. وقبل الوصول إلى مقعده، شاهد "جيتوتو جاتانجورو" يهز بجسمه باتجاه المنصة. كان "جيتوتو" مشحوناً بالمرارة. شفتاه ترتجفان واللعاب يسيل من زاويتي فمه. أيها الرئيس. لم نأتِ إلى هذا المكان لكي نقذف بعضنا بالإهانات، لم نأتِ لكي نقذف بعضنا بعضاً بغمزات الازدراء. ولم نأتِ لكي نستمع للبذاءة والهراء. لقد جئنا إلى هذا الكهف للمشاركة في منافسة نعرف فيها من منا الأبرع في فن وعلم السرقة واللصوصية الحديثة. والفائز المحظوظ قد يجد نفسه يعيَّن كلباً حارساً لبيوت مال أو صناعات يملكها الأجانب، بحيث أنه وهو يقدم الفائدة لأسياده الأجانب يتمكن من حشو جيوبه الخاصة. أما أن ينجح هذا أوذاك فذلك يعتمد على عصفور ذي فأل طيب اعتماداً مطلقاً. ونحن يجب ألا نتوقع النتيجة عن طريق توجيه الإهانات. أما إذا كانت هذه المنافسة مصممة لمعرفة الذي يستطيع أن يرمي أفحش الإهانات وصور التعريض، فيجب أن نعرف ذلك الآن. لقد تم ختان بعض منا، وتعلمنا دروساً قليلة في نعوت الشتم والإهانة خلال مرحلة تعلم الشعائر الأولية. ولو أننا اجتمعنا للتباهي بقدراتنا على استخدام وحدات الشبيبة لإرهاب الآخرين، كل إنسان هنا يجب أن يعرف بأنني أنا، "جيتوتو واجاتا نجورو" أشغّل مجموعة من قطاع الطرق أشد ترويعاً وإرهاباً من أية مجموعة شباب أخرى أعرفها، والجماعة تنفذ أية مهمة أكلفها بها، بما في ذلك إزالة أي شخص عن وجه الأرض، أيّ إنسان يجرؤ على التدخل في نشاطاتي بالسرقة واللصوصية. إن قطاع طرقي، ولعلني يجب أن أقول مرتزقتي يملكون شهية هائلة من أجل القنب الهندي، وإن نيتي في الوقت الحاضر هي استيراد مرتزقة أوروبيين من فرنسا وبريطانيا. وإذا كان هنالك شخص متحمس للمبارزة، فأنا، "جيتوتو واجاتا نجورو"، جاهز بمسدسي. لماذا أقول ذلك؟ لقد ادعى الهزيل الذي كان يقف هنا، والمعروف باسم "كيهاهو واجاثيكا"، أنني مجرد مبتدئ في فن السرقة واللصوصية. ماذا! يا "بن جاثيكا"! هل تعرف حقاً من هو "جيتوتو واجاتانجورو" أم أنك سمعت أناساً يذكرون اسمه فحسب؟ إنني أقسم بحقيقة الحقائق أن عليك أن تأتي وتركع أمامي في مدرستي -وذلك يعني أن عليك أن تذهب إلى مدرسة نموذجية- بحيث أتمكن من تلقينك أبجدية نوع السرقة واللصوصية التي جعلت كرشي بالحجم الذي هوعليه الآن. أيها الرئيس، ماهو نوع السرقة واللصوصية التي كان يتباهى بها هذا الشخص؟ هل هي رشوة الخصوم للخروج من المنافسة في انتخابات مجلس بلدي؟ ربما كان للأمر طعمه لوكانت هذه الانتخابات انتخابات برلمانية! وماهو النوع الآخر من السرقة التي كان يفاخر بها؟ هل هي شراء أطفال أوروبيين من البلاستيك وخداع الناس، ودفعهم للاعتقاد بأنّهم أطفال أوروبيون حقيقيون؟ دعونا نعد للسؤال المتعلق بعزمه على المساهمة في تطوير السرقة واللصوصية في هذه البلاد. أليس من المضحك أن أول فكرة استطاع صاحبنا طرقها هي بناء أعشاش طيور كبيوت ومساكن. من تراه سيوافق أبداً على شراء عش لمجرد أن يريح أنفه أو شفته؟ أيها الرئيس، إن ذلك الشخص الذي يسمي نفسه "جاثيسي وا كيهوهيا" (أو هل اسمه "كيهيهي واجاثيسي"؟)، يريد أن يثير العمال والفلاحين لامتشاق السلاح ضدنا. إنه يريد من العمال أن يغضبوا غاية الغضب بحيث تسقط القشور عن عيونهم، فيهبون ضدنا بالسيوف والهراوات والبنادق. ألا يعرف "جاثيسي واكهياهو" أن قومنا مرضى حتى الموت من أجل حمل السلاح؟ أعرف مايبغيه... إنه يبغي إدخال الشيوعية على الطراز الصيني إلى هذه البلاد. سيدي الرئيس: إن مخططات التطوير التي طرحتها معقولة أكثر بألف مرة مما طرحه: أن نبيع التراب بأطباق صغيرة، أو نحبس الهواء لكي نتمكن من بيعه بالعلب أو بالأمتار! العمال والفلاحون عندئذٍ سيخضعون للأوامر - أوامرنا! إن الاستيلاء على كل تراب الأرض والهواء من حولنا هو أضمن طريقة لجعل العمال والفلاحين ينصاعون لنا أبد الدهر، لأنهم إذا ما أحدثوا أقل أنواع الصخب، فلن نحتاج إلا إلى إغلاق الهواء لكي نجعلهم يركعون على ركبهم... أصدقائي، إن من الأفضل أن تبينوا "لواليكا واجاثيكا" أنكم لستم ذلك النوع من الناس الذين يمكن أن يرتشوا لمنح أصواتهم بكأس من الجعة. أتمنى أن يعرف "جاثيكا" الآن، وأينما هو يجلس، أنني أنا، "جيتوتو واجاتا نجورو"، لست الذي يهرب من أرض المعركة ويترك النصر إلى جماعة السيقان الطويلة حتى ولو كانوا خبراء في تحطيم سيقان خصومهم. إن تاج النصر لي. وقبل أن يستطيع "جيتوتو واجاتا نجورو"، الترنح عائداً إلى مقعده، كان رجل آخر قد هبَّ واقفاً، لم يُتعب هذا الرجل نفسه في اعتلاء المنصة، رغم أن اللعاب لم يسل من طرفي فمه، كما كانت الحال مع صاحبنا "جاثانجورو"، كان هو الآخر مريراً لاذعاً بصورة واضحة. سيدي الرئيس، أود أيضاً أن أقول كلمة، فقد قيل في الأمثال إن الحكمة المكتومة في القلب لا تكسب قضية قانونية أبداً... آسف! أنا معروف باسم "إيثي وامبوي". إنني أعرف بأننا جميعاً اجتمعنا في هذا الكهف لكي نتباهى ولكي نعلم بعضنا بعضاً طرائق أكثر فعالية واحتيالاً بخصوص سلب ونهب الفقراء، غير أن الشخص الذي كان يقف هناك ألآن- وأعني البعوضة النحيلة- قد أخطأ خطأً فادحاً. يابن "جاثيكا"، ألا تشعر بالخجل؟ ألم ترتبك وأنت تقف أمامنا هناك تتباهى بخداع أبناء طبقتك، وتتبجح بلا خجل بالطريقة التي سرقت بها أبناء طبقتك؟ إذا بدأنا نسلب وننهب ونخدع بعضنا بعضاً، كيف ستتعزز وحدتنا كطبقة؟ من ناحيتي، إنني خجل إلى حد مخيف وأشعر بالحزن الكبير لأن أطفالي كافة داوموا على تلك المدارس التي تسمى مدارس الحضانة. كنت دائماً أعتبر أن أولادي كانوا يداومون على المدارس التي يداوم عليها الأطفال الأوروبيون. هل كانوا إذاً مجرد أوروبيين مزيفين؟ هل كانوا أوروبيين بلاستيك بشعر مستعار؟ وإذا ما فكرت بأنني دفعت مئات ألوف الشلينات كي يكون أطفالي برفقة أوروبيين بجلود بلاستيكية، حجارة عوضاً عن العظام، وآلات كهربائية عوضاً عن القلوب؟ ماذا! عندما يأتي أولادي إلى البيت ويحكون لي أنهم كانوا يلعبون مع أصدقائهم الأوروبيين، هل كان هؤلاء الأصدقاء آلات كهربائية وبلاستيكية أوروبية فحسب؟ لم يمر بي في حياتي كلها مثل هذا الشر الذي لا يصح ذكره. تصوروا رجلاً بالغاً راشداً مثل "كيهاهو واجاثيكا"، يملأ جيوبه بأموال الآخرين مقابل لاشيء؟ وهل هذا مايجعل أبنائي غير قادرين على تكلم الإنكليزية من الأنف مثل الأطفال الأوروبيين الحقيقيين؟ وكم مرة جعلوني أشعر بالخجل أمام أبناء طبقتي لأنهم كلما يخاطبون بالإنكليزية، كانوا يردون عادة بلغة "جيكويو"؟ ولمعرفتكم، كانت أمهم "نينا وامبوي" تقول لي من حين لآخر: يا "إيثى وامبوي"، لا أظن أن هؤلاء الأوروبيين من الإنكليز الحقيقيين بتاتاً. لماذا، إنهم دائماً يلعبون ويقومون بالأشياء نفسها مرات ومرات. إنهم يقضون وقتهم يركضون. أما أنا فأؤكد لها: يا"نينا وامبوي"، إن الإنكليز عرق هجين من شتى أجناس البيض- إيرلنديين، وأمريكان، وألمان، وفرنسيين، واسكوتلنديين- وهم عرق ذو مبادئ سامية، وليسوا من النوع الذي لا يلبث يتغير من شيء لآخر، تارة في الداخل وتارة في الخارج. إنهم يحبون الألعاب التي تتطلب الركض. والحقيقة، أن الإنكليز هم الذين اخترعوا كرة القدم "والركبي" و"الكريكيت"، وكلها ألعاب قائمة على الجري. يا "نينا وامبوي"، اتركي أولادنا في تلك المدارس لكي يتعلموا العادات الإنكليزية الحقيقية! إن الأوروبي أوروبي حتى وإن كان مشوهاً - الأمر المهم هو بياض بشرته. فهل هي التي كانت على صواب كما يتضح الآن؟ وإن من الصحيح تماماً أن الرجل لا يصدق ماتقوله المرأة إلا بعد فوات الأوان. سيدي الرئيس، لأن نسلب وننهب ونخدع الفقراء، أمر لابأس به. إذ من أي مصدر آخر يأتي ثراؤنا؟ مامن شخص تافه يناقش مثل هذا الأمر، لأن تلك هي الطريقة التي نشأ عليها العالم على الدوام والتي سيكون عليها مستقبلاً على الدوام أيضاً. غير أن هذا الرجل الذي يسلب وينهب ويغش طبقته الخاصة -أي نوع من الرجال هو؟ أليس من المتفق عليه بصورة عامة أن السرقة من هذا القبيل تتجاوز كل معايير الفهم؟ والأنكى من ذلك، إنه يجرؤ على الوقوف أمامنا لإحداث صخب أجوف وللمطالبة بتاج النصر! تاج النصر عن حق وحقيق! إن عليه أن يذهب إلى بيته ويلبس تاج أمه! يا كيهاهو، من هذا اليوم فصاعداً لن يقترب أولادي من مدارسك. سأذهب على الفور إلى "نينا وامبوي"- فهي مثقفة ثقافة عالية، إذ كانت في جامعة "كامبريدج"، لكي أطلب منها البحث عن مدرسة دولية. هل تسمع ذلك يا "كيهاهو وا جاثيكا" لقد نلتَ مانلت! ولن تأكل مرة ثانية أي شيء يخص "إيثى وامبوي"و"نينا وامبوي". سوف نذهب إلى مدارس دولية مخصصة للأوروبيين، حيث يجري الحديث بالإنكليزية الدولية، وهي مدارس ليس فيها مقعدون يقومون بوظيفة مدراء، ومدارس ليس فيها أوروبيون مصنوعون من البلاستيك بقلوب كهربائية وجلود بيَّضها الأسيد. إننا نريد لوناً عالمياً! وقبل أن يجلس "إيثي وامبوي"، وقف رجل آخر للحديث. كان غاضباً جداً حتى أنّه كان وهو يتكلم يقرض أصابعه وشفتيه. وكان كرشه في غاية الضخامة حتى إنّه كان ينتفخ فوق ركبتيه. سيدي الرئيس، اسمي "فاثوج مارورا واكيمننجيمينجي"، وليس عندي الكثير مما يقال: إنني أقدم اقتراحاً رسمياً بطرد "كيهاهو واجاثيكا" من هذه المنافسة. كيف يجرؤ على الحضور إلى هذا المكان والتباهي بكيفية ارتكاب الفحش بزوجات الآخرين؟ سيدي الرئيس، لقد هربت زوجتي بالفعل من البيت. وأنا أعرف الآن إلى أين تذهب. إنني أعرف الآن ذلك الزاني الذي يسلب ويدمر بيوت الآخرين. أنت، إنه أنت "يا كيهاهو"! أقسم لو أنني أحضرت مسدسي معي-نعم أقسم بالمرأة التي حملتني في بطنها- إنك كنت ستنام هذه الليلة من غير ذلك الإحليل الذي يقدم "الوحدة المنظمة" لزوجات الآخرين. لم يكن الأمر ليهمني، سيادة الرئيس، لو أن "كيهاهو" زنى بزوجات الفقراء أو بنات المدارس من البيوتات الفقيرة.... ولكن..... ولكن.....! عند هذه النقطة من الكلام سدَّت كتلة من الألم حنجرته ولم يستطع "فاثوج" إلا أن يعض شفتيه وأصابعه في زحمة غضبه اليائس وهو يجلس في مكانه. انقلب الكهف كله الآن إلى خلية من الصخب الغاضب. كما انصب القسط الأكبر من السخط على "كيهاهو واجاثيكا". وبعد ذلك وقف "كيهاهو" وراح يدافع عن نفسه. سيدي الرئيس، لقد شُتمت وأهنت من قبل من تكلموا الآن، واستمعتُ لإهاناتهم بكل جلد وصبر. غير أنني الآن أبحث عن الحماية وأطلبها من رئاسة المجلس. ثم إنني سأتحدث بصراحة، وليحدث الطوفان، على كل شخص هنا أن يذهب إلى بيته الآن ويؤمن على فرْج زوجته بالقفل، ثم نأخذ المفاتيح جميعاً إلى خزانة مصرفية، تحفظها سالمة مصونة حتى يكون جاهزاً لاستردادها، ومشحوناً بعملية الانتصاب. لست من علَّم زوجاتهم أن يكن مومياء رخيصة سهلة، أو الانضمام لنادي "الجاهزات للتسليم"، غير أن امرأة مثل زوجتك، وأشار بإصبعه الآن، إلى "مارورا"، أقسم باسم الصدق أنني لن أمس ماحييت مثل هذه المرأة، حتى لو وجدت فخذيها مفتوحين في منتصف الطريق، أو لو أقفل علي معها في منزل أطفئت كل أنواره. لا أستطيع أن أجر نفسي للمنافسة مع طلاب المدارس والسياح... علي أن أطرح أيضاً أنّه لا يحق لأحد أن يتباهى بالمسدسات، ولدي في منزلي ثلاث بنادق ومسدسان آليان، كما أنني أحتفظ ببندقية في سيارتي. وإذا كنتم تلاحظون أن جيب السترة هذا مُنتفخ قليلاً، فاعلموا أن ذلك ليس مقابل لاشيء. حيثما أذهب، أسلح نفسي من رأسي حتى أخمص قدمي. إذا ما تقدم واحد منكم وحاول تجريدي من سلاحي، فسوف أريه نجوم الظهيرة... سيدي الرئيس، لقد أهانني "جيتوتو جاتانجورو" أيضاً. ونحن إنماجئنا إلى هذا المكان لكي يتمكن كل متنافس من التباهي، بالطريقة التي يشاء، بقدراته على السرقة واللصوصية. كنت أقول الحقيقة ليس إلا، ولم أحاول إهانة أحد. ماقلته هو أن تهب الجماهير عن طريق المضاربة بالأراضي (الأراضي التي قاتلوا من أجلها نفسها) هي مرحلة مررت بها أيضاً قبل الارتقاء إلى ماهو أعلى وأهم. توقفت عن التعامل مع شركات وجمعيات شراء الأراضي. فالمرء لا يسرق ثم يجلس القرفصاء لالتهام الغنيمة في المكان نفسه طوال الوقت، لأن المالك سوف يدركه عاجلاً أو آجلاً. إن الشيء الوحيد الذي أرفضه من قلبي وحياتي هو ماقاله "جيتوتو "واجاتانجورو" عن إمكانية كوني السبب في نشوء شيوعية من الطراز الصيني في هذه البلاد. ماذا، هل أقبل أنا أن أحكم من قبل حزب العمال والفلاحين؟ هل أقبل أنا أن أحكم من قبل حزب كرس نفسه لاستئصال نظام السرقة واللصوصية من الكرة الأرضية؟ هل أعود أنا إلى العمل بيدي؟ آكل ماينتجه عرقي وحده، دون حق التطاول على منتوجات عرق الآخرين؟ وأجد نفسي أواجه الطباشير والغبار من جديد؟ إنسَ ذلك، ياسيد جيتوتو... على العكس من ذلك، أنا أقول: إن خطتك في الاستيلاء على كامل التراب والهواء في الكون هي الخطة الخطيرة التي يمكن أن تنشر مرض الشيوعية من الطراز الصيني بسرعة أكبر. والسبب في ذلك هو: لو منعت الناس عن التنفس، فمن تراه يمنعهم من استلال الهراوات والسيوف والبنادق؟ أليس ذلك مساوياً لإظهار مقدار احتقارك للجماهير؟ الدناءة المقنعة أفضل: كما أن نظام السرقة المقنع بالأكاذيب أفضل. لولا ذلك، لماذا تعتقد أن أصدقاءنا الامبرياليين جلبوا لنا الإنجيل؟ هل تظنهم بلهاء عندما حضّوا العمال والفلاحين على إغلاق عيونهم في الصلاة وقالوا لهم: إن المكاسب الدنيوية عبث مطلق؟ ولماذاتحسبني أذهب إلى اجتماعات الوحدة المنظمة لإنعاش رأس المال في الكنيسة؟ يا جيتوتو، دعني وشأني، أما إذا كنت لا تزال تتحداني لكي أنازلك بالمسدس، سأكون في غاية السعادة للمنازلة، لأن كرشك سيكون هدفاً دقيقاً وأنا أحب أن أكتشف، إذا كان بوسعي تفريغه برصاصة أو رصاصتين. وإذا كنت تريد حرباً بين أزلامنا ومرتزقتنا، فذلك سيتيح لنا الفرصة أيضاً لمعرفة أي الفريقين، فريقك أم فريقي، يدخن أشد أنوا ع القنب الهندي. لقد تم ختاني أنا الآخر. وإن تستقصِ الأمور بدقة بين النساء، فسوف يشهدن بأنّه ليس ثمة جلدة ملصوقة ببعيري. في الختام، أحب أن أرد على اتهام "إيثي وامبوي" الذي شكا من أنني أسرق أفراد طبقتي الخاصة. أقول له الآتي: أي نوع من اللصوص والسارقين أنت؟ ماذا يعمل في هذه المنافسة إذا لم يكن يعرف الحقيقة الأولية وهي أن هنالك فولاذاً يستطيع ثقب الفولاذ بكل يسر وسهولة؟ دعوني أقول هذا "لإيثي وامبوي" ثمة لصوص يستطيعون التغلب على اللصوص الآخرين، وثمة سارقون يستطيعون التغلب على السارقين الآخرين: وثمة ملوك يستطيعون التغلب على ملوك آخرين. إذا كان "إيثي وامبوي" يجهل ذلك، فإن عليه أن يحزم أمتعته في الحال ويعود إلى منزله لمساعدة "نينا وامبوي" في تقشير البطاطا بجانب الموقد والحديث عن جمرات النار ورمادها. وقطعة الفولاذ التي تستطيع أن تفل الفولاذ نفسه: ألا يدل ذلك على أن الفولاذ من نوعية وخشونة خاصة؟ ماذا تريدون أيها الناس غير ذلك؟ التابع لي. لا تضيعوا وقتنا. أعطوني تاج النصر! ظهر أن خطابه الأخير خلق له مزيداً من الأعداء. قفز عدد غفير من الناس في وقت واحد وأخذوا يصرخون بوجه بعضهم بعضاً.كان نفر منهم يؤيد "كيهاهو" ونفر يؤيد "جيتوتو" أو "إيثي وامبوي"، وآخرون كانوا إلى جانب "مارورا واكيمنبمينجي". لكأن الكهف أصبح موقعاً لسبعة أسواق مجتمعة. ثم خيم الصمت على الكهف بغتة. فقد استل كل من "كيهاهو" و "جيتوتو" و"إيثي وامبوي" مسدساتهم. دفع الناس في الكهف كراسيهم إلى الوراء وهبوا واقفين، وكل واحد يحاول الابتعاد عن الرصاص. لم يسعل أو يعطس أي واحد مدة دقيقة أو زهاء ذلك، وكانت أصوات الضجيج الوحيدة هي صرير الطاولات والكراسي التي يبتعد عنها شاغلوها، انتظاراً لأزيز الرصاص. ولولا أن رئيس المراسم قفز إلى المنصة قبل أن يبدأ إطلاق النار وأخذ يصيح بأعلى صوته لكي يعود الناس إلى مقاعدهم، لانفض الاحتفال. كما عاد كل من "كيهاهو واجاثيكا"، و"جيتوتو واجاتانجورو" و"إيثي وامبوي" إلى مقاعدهم وهم لا يزالون يحدجون بعضهم بعضاً بنظرات الغضب. مرةثانية، وبصورة مفاجئة، عاد الصخب إلى الكهف.. حاول رئيس المراسم إسكات الناس بتلويحة من يده. ثم راح يهدئهم بلهجة استرضائية مهدئة. أخفوا تلك المسدسات داخل جيوبكم. أطلب منكم بكل احترام واجب أن تتذكروا السبب الذي جاء بنا معاً إلى هذا المكان اليوم. لم نأتِ للمبارزة. لقد جئنا بهدف وحيد وهو المشاركة في منافسة عن السرقة واللصوصية الحديثة. أود أن اذكركم أيضاً بأن عندنا ضيوفاً، سبعة مبعوثين عن منظمة السارقين واللصوص الدولية، الذين حضروا لكي يختبروا ويطلعوا على كل ما نقول ونفعل. فهل تريدون أن تنتفوا ريش بعضكم بعضاً أمام ضيوفنا الأجانب؟ ماذا تتصورون رأيهم بنا الآن بعد معاينة هذا التشويش والتهديد بإطلاق الرصاص في وضح النهار؟ قد تجعلهم أفعالنا يفقدون الثقة بنا ويعيدون التفكير بموقفهم. لابد أنهم يتساؤلون: هل يستطيع هؤلاء الناس حقاً رعاية منتجات سلبنا ونهبنا في بلادهم؟ وهل هم بالفعل قادرون على رعاية بيوتنا المالية ومخازننا وكافة الصناعات المؤمنة بها؟ تصوروا خسارتنا إذا أخذوا فتاتهم إلى قرية أخرى؟ أية خسارة ستكون على "إيلمورج"! من تراه يلام سوانا؟ دعوني أكن صريحاً معكم؛لأنّه كما يقول المثل: يستطيع شخص تلطيخ سمعة شخص آخر وإبعاده عن الحب: كما أن اللهب المتقد جداً يمكن أن يخدع النار ويبعدها عن الفحم. إنني أتوسل إليكم، أضرع إليكم، من فضلكم، تحلوا بالصبر. كل متسابق سينال الفرصة لتقديم شهادته من فوق هذه المنصة والتفاخر بفنه في السرقة واللصوصية. إياكم أن يحتقر بعضكم بعضاً. الشهادة شهادة. وينبغي ألا نجعل الشهادة تشهد ضد الشهادة. ليس ثمة صقر صغير جداً عندما يتعلق الأمر بالصيد على الطراز الحديث. ولكننا، في سبيل استعادة الطمأنينة لأرواحنا وأجسادنا، أقترح أن نأخذ قسطاً من الراحة نمتع فيه كروشنا، لأن كرش اللص ليس بليداً جداً بحيث يحافظ على سكوته عند توفر مقدار كبير من الطعام، وهو لا يُرشى للسكوت بلقمة أو لقمتين. هذا ويمكنكم جميعاً تناول الغداء هنا في الكهف -فقد حضرنا طبقاً دولياً خاصاً- أو يمكنكم الذهاب إلى مكان آخر في "إيلموروج". غير أنني أناشدكم الإسراع في الطعام والشراب بحيث نتمكن جميعاً من العودة إلى الاجتماع في الثانية والنصف. لا زال هناك عدد كبير من الشهادات ينتظرنا. وقبل أن نأخذ استراحة ماقبل الغداء، أحب أن أُذكِّرَ النساء سواء كن زوجات أو خليلات أو صديقات أننا سوف نقيم معرض أزياء، وهي فرصة لكي تعرضوا فيها مجوهراتكم، وذهبكم، وماسكم، وفضتكم، وياقوتكم، ولآلئكم. علينا أن نطور ثقافتا، وأنتم تعرفون حق المعرفة أن الطريقة التي تلبس فيها المرأة ثيابها وكيف ترتدي جواهرها هي التي تدل على المستويات العالية التي وصلت إليها الثقافة. ولذلك جهزوا، عندما تعودون، عقودكم، وحلقكم، وخواتمكم، ودبابيس الزينة، بحيث نستطيع أن نخلِّفَ عند ضيوفنا انطباعاً حسناً ونبين لهم أننا أيضاً ماضون على دروب الحضارة الحديثة... ولا تنسوا موعدنا في الساعة الثانية والنصف تماماً! وأتمنى لكم جميعاً أيها الأصدقاء والأحبة شهية طيبة. قابل رئيس المراسم حفاوة الناس وهم ينهضون واقفين. صار الجميع مرتاحين، وبدؤوا يتحدثون بخفة ومرح. ثم أخذت عصابة ملائكة جهنم تعزف بعض الألحان الكونغولية: Balmda nanga Bakimi no mobali Mobabi oyo Toto yo matema Nakei Koluko mobali nangae بقي نفر قليل من الناس حيث كانوا، يشربون ويناقشون عملية التهديد بإطلاق العيارات النارية. فيما تحرك آخرون، باتجاه الباب. Kyrie, Kyrie eleison Kyrie, Kyrie eleison أمسك "جاتويريا" بيد "وارينجا" وقال: يجب أن نخرج، دعينا، نذهب، أو سيخنقني هذا الجو. أجل، إنني أشعر بالمرض، قالت له وارينجا وهي تقف، فلنذهب للخارج حيث نستطيع استنشاق الهواء بالمجان قبل تحوله إلى سلعة للبيع من قبل "كيهاهو" و"جيتوتو". أضافت وهي تغادر الكهف. Kyrie, Kyrie eleison Kyrie, Kyrie eleison اتجه "مواؤرا" نحو"موتوري" وقال: كيف عرفت ملائكة الشيطان؟ ماهي علاقتك بهم؟ تناول "موتوري" قصاصة الورق التي سبق أن سلمت إلى "وارينجا" من قبل قطاع الطرق الذين طردوها من بيتها في "نيروبي". انظر إلى هذه الورقة، قال "موتوري" وهو يعطي قصاصة الورق إلى "مواؤرا". أظنها لك. قرأها"مواؤرا" وقطَّب سائلاً: من أين حصلت عليها؟ كانت في سيارتك الليلة الماضية، أجابه "موتوري". نظر "مواؤرا" إلى "موتوري" بعينين مليئتين بتساؤلات مريرة: ماذا يفعل موتوري هنا؟ من تراه يلاحق بعينيه القلقتين؟ هل يلاحقني أنا؟ لماذا كتب هذا، ألمجرد الادعاء بأنّه وجدها بالسيارة؟ أم تراه يريد قراءة التعبير المرسوم على وجهي؟ ومن هو "موتوري"؟. من هي "وانجاري"؟ لم يستطع "موتوري" ملاحظة المرارة في عيني "مواؤرا" لأنّه اتجه في تلك اللحظة نحو "وانجاري". يمكننا الخروج أيضاً، قال "موتوري" "لوانجاري". تابعت جوقة ملائكة الجحيم عزف اللحن الكونجولي نفسه: Nakai Koluka Banganga Poya Kosongisa mobali Nanyai قرر مواؤرا فجأة أن يسأل "موتوري" و"وانجاري" عمن أرسلهم إلى "إيلموروج".وقال في نفسه : يجب أن أبين لهما أنني أعرف مهمتهما السرية وسوف أبين لهما بأنني لم أنخدع بقصصهما الطويلة في الليلة الماضية. أنا أقول! بدأ "مواؤرا" يتحدث، غير أنّه عند ذلك كتم ماكان في ذهنه وحاول طمسه بطرح سؤال مغاير تماماً: يا "وانجاري"، هل ستزينين نفسك بالذهب والماس واللؤلؤ وبقية الحجارة الكريمة؟ راح كل من "وانجاري" و"موتوري"، و"مواؤرا" يضحك. ثم غادروا الكهف وهم لا يزالون يضحكون. أحس مواؤرا بالانتعاش: فعلام كان مضطرباً؟ أفضل أن أرتدي حلقاً مصنوعة من أعواد الذرة الجافة، أجابته وانجاري. المشكلة الوحيدة هي أنني ضيعت فرصة خرم أذنيَّ. لماذا؟ سألها موتوري ومواؤرا. السبب هو أن أيامنا لم تكن أيام تزيين أجسادنا بالزهور والعقود. كانت أيامنا للتزين بطلقات الرصاص في الحرب من أجل كينيا حرة! قالت ذلك وانجاري بكل اعتزاز لأنّها تعرف أن أعمال ومآثر شبابها غيرت تاريخ كينيا. توقف "مواؤرا" فجأة عن الضحك. كان منزعجاً. كما اسود وجهه. طفق قلبه يدق وكأنّه يسأله: هل الأمر أنك كنت تحمل في سيارتك تهديداً لحياتك الخاصة، مثل القملة التي يحملها الواحد ويدور بها وهي على جسمه؟ لكنَّ "موتوري" نظر إلى"وانجاري" بقلب عامر باعتزاز وسعادة مباغتين يا "وانجاري"، يابطلة بلادنا -ياكل من تسمين وانجاري، يا بطلات أرضنا! هل يتعين علي أن أميط اللثام لها عن المهمة التي جلبتني اليوم، وكيف يستطيع واحدنا مساعدة الآخر؟ لا،لم يحن الوقت بعد. سوف أراقبها مدة أطول قليلاً، همهم "موتوري" وهو يسأل نفسه، فيما لايزال يحدق "بوانجاري". ولكنْ فيما بعد... فيما بعد... همس يحدث نفسه. ثم راح يتذكر المتبجحين في الكهف. شعر بالميل للبكاء.. دعونا نخرج من هنا، أخذ يحض "وانجاري" و"مواؤرا"، دعونا نغادر هذا المكان. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |