شيطان على الصليب Devil On The Cross - ترجمة: عبد العزيز عروس - الكاتب الأفريقي: نجوجي واثيونغوNgugi Wa Thiongo

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:17 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصـل الخامـس

لما خرجت "وارينجا" مع "جاتويريا" من الكهف، وقف الاثنان فترة لابأس بها على متراس. سطعت الشمس لامعة على تلال "إيلموروج" وسهولها. كانت الأرض تهجع بهدوء. ليس ثمة برد أو رياح. وعلى الرغم من أنني كنت في الضياء الكامل الصادر عن المصابيح الكهربائية، أشعر وكأنني عشت عمري كله في الظلام. أخذت "وارينجا" تتنهد ثم أضافت بصوت يشبه الغناء: المجد لشمس الله! التحية لنور الله!‏

ينبغي أن تنشدي المدائح لنور بلادنا، قال لها "جاتويريا".‏

هل هو النور الذي تركنا وراءنا في الكهف، أم نوع آخر من النور؟ سألتهُ وارينجا بلهجة ساخرة قليلاً.‏

لا. إنه النور الذي يوشك أن يُطفأ من قبل من تركناهم خلفنا. أجاب "جاتويريا".‏

سارا ببطء وسكون نحو الباب الرئيسي. ثم بدأا يتحدثان، لم يكن كلامهما في الواقع محادثة. كان نوعاً من التعويذ بالأحرى، وكأن كلاهما يشاركان في مباراة شعرية غنائية، يستشهدان بأشعار يتذكرانها من الأحلام:‏

جاتويريا: سلاماً، يا أرضنا!‏

سلاماً، جبل كينيا!‏

سلاماً، يا أرضنا،‏

التي لا تخلو بتاتاً من الماء أو الطعام أو الحقول الخضراء!‏

وارينجا: المجد لروعة هذه الأرض!‏

المجد للأرض المحاطة بالبحيرات العميقة.‏

من "توركانا" إلى نايفاشا"!‏

ومن "نام -لولوي" إلى "مومباسا"!.‏

المجد لهذا الطوق من المياه الزرقاء!‏

جاتويريا: المجد، المجد لدروع الأرض،‏

من كينيا إلى جبال "مبيرو ئيرو"،‏

من "كيانجاهي" إلى قمم "نيانداروا"،‏

من "وائيريرا" إلى جبل "إيلجون"!‏

مرحى للدفاع الطبيعي الذي تتمتع به أرضنا!‏

وارينجا: واستمع لنداء الأرض!‏

للأنهار التي تجري نحو الشرق،‏

"رؤيرو"، "كانيا"، "ساجانا"،‏

لنهر "تانا"، لنهر "آثي"، ولنهر "كيريو"،‏

إنها تجري نحو الشرق، وهي تنادي‏

تعالوا، تعالوا، أسرعوا، أسرعوا، وحيوا الأرض.‏

جاتويريا: فقد ابتيعت هذه الأرض بثمن باهظ، وحررت بالدماء والدموع.‏

وارينجا: دماء ودموع الرجال والنساء.‏

دماء الآباء والأبناء.‏

كان جاتويريا أول من يصحو من التعويذة التي تشبه الحلم، راح يتحدث بصوت مفعم بالمرارة: وهذه هي الأرض التي يجري الآن بيعها بالمزاد للأجانب.‏

وبدلاً من أن ترد عليه، بدأت وارينجا تنشد الأغنية التي أنشدها "موتوري" و"وانجاري" في سيارة "مواؤرا".‏

كينيا ليست ملكاً لكم، أيها الامبرياليون!‏

احزموا حقائبكم وارحلوا!‏

فصاحب بيت الأجداد في طريقه إليه.‏

ولكن عندما يصل المالك، سيجد أن البيت برمته قد بيع! قال "جاتويريا"، وإذاً فمن الصحيح تماماً أن أعمال التخريب للمتلكات الخاصة والعامة هذه تحدث في ضوء النهار؟‏

نعم، وما إن يرفع مرتكبوها كؤوسهم للشراب!‏

وبسهولة ويسر كما يلعبون الجولف‏

ويذهبون إلى حمامات "سونا" في الفنادق النفيسة.‏

يرقصون في نواد ليلية خاصة.‏

ويغنون أغنيات التباهي في كهوفهم وأوكارهم، قالت "وارينجا". كان الله بعون كينيا، حبيبتي، ماذا حل بي؟ إن قلبي مشحون جداً بحيث أنني أشعر بميل للبكاء، لم أفكر بالأمور مطلقاً على هذا النحو...‏

ربما كان مرد ذلك تأثير الويسكي التي شربتها: أجابها "جاتويريا" لنذهب ونبحث عن مكان نتناول فيه بعض لحم الماعز المشوي.‏

هنا في المرتفعات الذهبية؟ سألت وارينجا.‏

لا، أليس هناك أمكنة غير هذه يرغب فيها الناس أن يبيعوا الهواء بحبات القرع الصغيرة؟ سأل جاتويريا.‏

نشتري هواءً جيداً، هواءً أوروبياً عذباً! صاحت "وارينجا"، وكأنّها تنادي على مشتري الهواء الأبيض.‏

نظر كل من "جاتويريا" و"وارينجا" إلى بعضهما. تحدثت عيناهما لبعضهما، ضحكا معاً. شعرت "وارينجا" أن قلبها يخف.‏

دعنا نذهب إلى نجيروكا. اقترحت "وارينجا".‏

هل يوجد فيها مطعم؟ سأل جاتويريا نجيروكا.. أين سمعت بذلك الاسم؟ ضحكت وارينجا. ثم بدأت تحكي له المزيد عن "إيلموروج" وهما يسيران في الشارع.‏

إن مدينة "إيلموروج" عدة قرى في قرية واحدة. دعني أبدأ بالأطراف الخارجية للمدينة، حيث يعيش العمال ويعيش الذين لم تبع بعد قطع الأرض التي يملكونها للبنوك أو تبتلع من قبل الأغنياء والأقوياء.هنالك أيضاً منطقة الحوانيت حيث يوجد تجار الألبسة الجاهزة والبقالون ومخازن الخردوات، والدكاكين من كل صنف ولون. وهذا القسم من المدينة يشتمل على المعارض. وهناك منطقة أخرى هي المنطقة الصناعية. وفي تلك المنطقة تجد مصانع الجعة، مصانع "ثينجيتا" الخاصة بالجعة.‏

هذا وإن المنطقة الصناعية مقسمة إلى قسمين. القسم الأول هو المنطقة السكنية لمرتفعات إيلموروج الذهبية، كانت في الماضي تسمى "كيب تاون"، غير أنها تعرف الآن باسم المرتفعات الذهبية أو بكلمة المرتفعات وحدها. الهواء هناك طيب ونظيف، وذلك هو المكان الذي يعيش فيه أي شخص معتبر في إيلموروج. إنها تحتوي على بيوت الأغنياء والأقوياء. ولكن هل تسمونها بيوتاً أم مقرات! بيوتاً أم محض روائع؟ الجدران مبنية من الحجارة المجلوبة من "نجيرو". والأسطحة مصنوعة من القرميد الأحمر، كما أن النوافذ من الزجاج الأزرق الداكن، مثل مياه البحيرات أو مثل السماء في نهار صحو. وهي مزينة بقضبان حديد لها مختلف أشكال الورود. أما الأبواب فمصنوعة من خشب الأغلفة، ومنقوشة بأشكال رائعة متنوعة. كما أن أرض الغرف مكسوة بالخشب، الخشب المطلي والناعم واللامع جداً، بحيث يستطيع المرء رؤية صورته به ويمكن للمرء استخدامه كمرآة لتسريح الشعر. إن سكان المرتفعات الذهبية يتنافسون فيما بينهم. إذا بنى شخص منهم بيتاً من عشرة غرف مع عشرة مداخن، فإن شخصاً آخر سيبني بيتاً من عشرين غرفة مع عشرين مدخنة. وإذا ما استورد شخص سجاجيد من الهند، فإن شخصاً آخر سيستورد سجاجيد من إيران، وهكذا دواليك...‏

أما القسم الآخر من المنطقة السكنية فيسمى القدس الجديدة، نجيروكا، وتلك هي المنطقة السكنية الخاصة بالعمال والعاطلين، إنها المنطقة التي يعيش فيها بؤساء كينيا. ولكن هل أكواخهم هذه منازل أم أنّها أعشاش الطيور التي تحدث عنها "كيهاهو واجاثيكا"؟ إن جدران وأسطحة هذه الأكواخ مصنوعة من صفائح التنك، ومن حقائب التاربولين والبوليتين العتيقة. هذه هي أحياء إيلموروج الفقيرة. وهذا هو المكان الذي تستحضر فيه جعة "ماثينغ ايثا"، و"تشانفا" و "تشيبوكو"، وغيرها من صانعي الجعة المحرمة -والجعة تصبح أكثر قوة بإضافة الكينين والأسبرو لكي ترهق العمال. إنني أحياناً أتصور هذا الحي وكأنه جهنم التي وصفها إنجيل المسيحيين...‏

لماذا، سألها "جاتويريا". كيف يبدو شكل هذا المكان؟‏

كيف تطرح هذا السؤال، وكأنّك أجنبي في كينيا؟ ألم تزر في حياتك منطقة أحياء الفقراء في نيروبي لترى بأم عينيك مهد جيش البراغيث، وبق الأسرَّة الذي لا يعد وهو يسرح على الجدران صعوداً وهبوطاً، أو الخنادق الآسنة، والتي تسبب المرض، خنادق مليئة بالمياه الكريهة، والبول والبراز، والأطفال العراة وهم يسبحون في هذه الخنادق بالذات؟ حي الفقراء هو حي الفقراء. إنهم لا يجرون أية عملية تجفيف هنا في "نجيروكا". إن براز الإنسان وبوله وجثث الكلاب والقطط الميتة- كل هذه الأشياء تجعل المنطقة تفوح برائحة كأنّها العفن ذاته... أضف إلى ذلك العفن دخان الغازات الخطيرة من المنطقة الصناعية- فكافة هذه الغازات يحملها الريح إلى حي الفقراء -وأضف أيضاً- أن كل نفايات ومخلفات المصانع تودع هنا، وسوف تعرف سبب مقارنتي حي الفقراء بالجحيم. أن يُدفن شعب في حفرة مليئة بالبراغيث والقمل. وبق الأسرَّة، أيُّ جهنم يمكن أن تكون أسوأ من ذلك؟ فرغت وارينجا من حديثها بمرارة.‏

براغيث، وقمل، وبق أسرة... ألا يزال هناك الكثير من هذه في أحياء "إيلموروج" الفقيرة، وبما يزيد عن الطفيليات التي تركناها وراءنا في الكهف؟ سأل "جاتويريا" ببطء، وبصوت منخفض كأنه يحدث نفسه.‏

- في تلك اللحظة، شاهدا حافلة صغيرة تقترب بأقصى سرعتها. حركت "وارينجا" يدها لإيقاف السيارة. توقفت وصعد كلاهما إليها. وبعد دقيقة واحدة أو زهاء ذلك، وصلا إلى ملحمة "إيلموروج" الجديدة، التي يملكها أعور يدعى "تومبو"، طلب جاتويريا ثلاثة أرطال من لحم الماعز. وطلب من "تومبو" أن يضمنها قليلاً من الضلوع، ولكن من دون أية فضلات. حدجه "تومبو" بعينه الوحيدة وقال له: إن "تومبو" لن يبيع أية قطعة من اللحم لأي إنسان دون حشوها بقليل من الفضلات.. وإن على جاتويريا أن يتذكر أنه الآن في "نجيروكا"، (حي الفقراء)، الحي الشعبي وليس في المرتفعات الذهبية، بين الأثرياء. طلب "جاتويريا" منه تضمينها قطعة من الكبد بدلاً من الكروش. فوافق "تومبو".‏

ذهب كل من "جاتويريا"، و"وارينجا" إلى ماوراء الحانوت الذي يجاور ملحمة "تومبو". كانت الغرفة الأمامية هي الحانوت، أما غرف المؤخرة فكانت البارات. وكان الكثيرون من الزبائن يشربون جعتهم وهم يجلسون على أقفاص من البيرة الفارغة. كان البار الرئيسي مزدحماً بالزبائن غير أن نادل البار دلَّ جاتويريا و"وارينجا" إلى داخل غرفة فارغة.‏

جلس الاثنان على أقفاص. أحضر نادل البار لهما زجاجتين من جعة "توسكو". أخذا يشربان البيرة من الزجاجات وهما ينتظران طبخ اللحم.‏

لقد حذرتني الخطب التي سمعتها في الكهف تحذيراً تاماً، قالت "وارينجا"‏

في الحقيقة، لم أصدق إلا بشق النفس أنني كنتُ بالفعل هنا في كينيا. "قال جاتويريا"، ثم هز رأسه وراح يتكلم وكأنّه يحدث نفسه. سرقة حديثة... لصوصية حديثة... إذاً، إن من الصحيح تماماً بأن صرح التطور مشيَّد فوق جثث الكائنات البشرية.‏

هل وجدت الشيطان الذي كنت تبحث عنه؟ سألته "وارينجا" وهي تضحك. أو ألا تتذكر أنك قلت لنا البارحة: إنك قادم إلى هذه المناطق بحثاً عن مواضيع معقولة لموسيقاك؟ أم أن شيطانك أقصي عن المشهد بوساطة بطاقات الدعوة التي أعطاها إياها "مؤيريري واموكيراي"؟‏

أحسب أنني كنتُ أجري بسرعة كبيرة جداً، قال "جاتويريا". وأظن أنني كنتُ أعلِّق ثقة كبيرة على البطاقة الأخرى. الإيمان هو إيمان ولا يحتاج في الحقيقة لشهادة العينين حتى تترسخ جذوره. الأمر المهم بالفعل هو الفكرة التي يتمكن المرء من بناء مواضيع موسيقية عليها.‏

إذاً أنت لم تعثر على شيطان واحد حتى بين الأجانب، مثلاً؟ سألت "وارينجا".‏

إن ما أقوله هو أنه لا فرق في الواقع، إذا كان الشيطان موجوداً حقاً أو أنّه مجرد صورة خيالية للعالم.‏

وماذا عن القصة التي كانت تزعجك إذاً؟ شددت "وارينجا" الضغط عليه. أم أنك مثل ذلك الراقص المسكين الذي يزعم أنه غير قادر على الرقص لأن الأرض مليئة بالحجارة؟‏

ليس تماماً... ولكن... بدأ "جاتويريا" ثم توقف وكأن أسئلة "وارينجا" أوقعته في حيرة وتردد. تعرفين، الموسيقا.. أو لنقل التأليف الموسيقي... توقف عن الكلام ثانية وكأنّه غير متأكد تماماً مما يريد قوله، الطريقة التي أراها بها هي التالية: يجب أن يستلهم التأليف الفني عن طريق الحب.. حب البلد.. حبٌّ يلهم المؤلف كي ينشد تراتيل المديح للجمال والوحدة والشجاعة. والنضوج والبسالة وكرم البلاد. لقد كنتُ دائماً أحلم بتأليف الموسيقا تمجيداً لملاحم أمتنا البطولية، وثناءً على أبطالنا الوطنيين مثلما ألف "بيتهوفن" سيمفونية "البطل" على شرف نابليون أو مثلما ألف "سيرجي بروكوفييف"، موشحه الذي اعتمد على مآثر "الكسندر نيفسكي" الذي كان واحداً من أبطال روسيا الوطنيين. إنني أحب تأليف موسيقا تعبر عن روح وطموحات وأحلام وطننا... ولكن أي نوع من الحديث ذلك الذي سمعناه في الكهف؟ ألم يكن مثل صقيع الصباح الذي يتلف براعم حب الوطن؟‏

لا، ردت "وارينجا" بسرعة. إن حديثاً من ذلك النوع هو المطر الذي يجب أن يجعل حب الوطن الدفين يتبرعم ويزهر. ليس ثمة حب بمعزل عن الكراهية. كيف تستطيع الإعلان عما تحب إذا لم تعرف ماذا تكره؟‏

خذ مثلاً طفلاً صغيراً لا يتكلم. إن صيحاته تدل على مايحب ومايكره. ألم نخرج من ذلك الكهف ونحن ننشد القصائد لوطننا؟ إن في كينيا وطنيين وأبطالاً بقدر يكفي لإلهام التأليف الوطني ألم يولد "كيماثي" من امرأة كينية؟ إن أكبر عقدة لديك هي غياب الحب، لأنك لم تعرف أبداً، ماهي الكراهية. من الصحيح تماماً، عبر هنيهة من الزمان، أن الطفل الذي ليس له أبوان يرعيانه لن يأكل البراز قطعاً. وإذا ترعرع في كنف الحب الآسر الذي يحميه، فإنّه لن يتعلم أي شيء. سوف لا يتعلم مطلقاً الفرق بين القذارة والنظافة، والكراهية والمحبة... فالبياض الناصع هو الذي يبين لنا السواد الحالك. وإن أولئك الذين تركناهم وراءنا في الكهف هم الذين يعرفوننا على أبطال أرضنا الحقيقيين.‏

لا، لا، إنك في ذلك تغالطين وتخلطين كثيراً من الأمور، رد جاتويريا بسرعة وكأن وارينجا لامست نقطة حساسة في شغاف قلبه.‏

في تلك الحال، أرني ماتكره، أرك ماتحب، أم أنك لا تعرف أين تقف؟‏

آه، أيتها المرأة، لماذا تشدينني للعودة إلى بيتي وذكرياتي التي أوثر نسيانها؟ سألها جاتويريا.‏

من أين أنتِ؟‏

من "ناكورو". ووالدي ملك من ملوك التجارة. إنه يملك حوانيت عديدة في "ناكورو"، ومجموعة من المزارع في "وادي الريفت"، فضلاً عن أعمال تجارية أخرى لا تعد ولا تحصى لها علاقة بالتصدير والاستيراد: أحذية، أنسجة، أزهار، وبذور. ليس عليك إلا أن تذكري أي صنف من التجارة فتجدين أن لوالدي ضلعاً فيه. إنه يشغِّل عدداً من الطائرات لكثير من عمليات الاستيراد والتصدير الخاصة به. وأنا ولده الوحيد، كان هدفه أن يرسلني إلى أمريكا حتى أتعلم كيف أدير ثروته وأرباحه... إدارة أعمال.. ذلك النوع من الثقافة التي تبجح بها "مؤيريري واموكيراي"، الليلة الماضية. أما بالنسبة لي، فلم أرغب في يوم من الأيام اتباع خطوات والدي.‏

ولم لا؟‏

لأنّ قلبي كان دائماً مع العمال في مزارع الشاي الخاصة بوالدي. إنهم هم الذين كانوا ينشدون أحلى الأناشيد لي، والذين يحكون القصص المثيرة، والذين كانوا في الغالب يعزفون لي آلات الجيتار أو الكمان المصنوعة من الخيزران... كم أحب النظر إلى الأكواخ التي كانوا يعيشون فيها، والطعام الذي يأكلونه، والأسمال البالية التي يرتدونها، وعندما كنت أقابل بين فقرهم المدقع وبين غنى أناشيدهم وسعة معلوماتهم، تنتابني كراهية عنيفة إزاء والدي. ألم يكن العمال بشراً مثلنا؟ كان والدي أحياناً يضربهم بالقضيب ويشتمهم ويسميهم أبقاراً بكماء. هل تعرفين أنني في أحد الأيام رأيته يضرب والدتي لأنها طلبت منه التوقف عن ضرب رجل عجوز طاعن في السن. وعندما بدأت فيما بعد أتساءل عن الأمور، أراني والدي العصا، ومنعني من الاقتراب من أحياء العمال. لم أتوقف عن زيارة العمال، وأعتقد أن ذلك هو مادفعه إلى إرسالي إلى أمريكا في مرحلة كنت لا أزال فيها صغيراً يافعاً.‏

- ماهي المدة التي قضيتها في أمريكا؟‏

- خمس عشرة سنة.‏

- خمس عشرة سنة‍‍!. في بلد أجنبي!‏

ألم أقل لك إنني ذهبتُ إلى هناك على إثر حصولي على الشهادة الإعدادية؟ لم أسافر بمنحة دراسية. لقد كان والدي يدفع من جيبه كل التكاليف.‏

وماذا كنت تدرس طيلة تلك السنوات؟ سألت وارينجا.‏

أشياء مختلفة ومتعددة. ولكنني انتهيت أخصائياً بالموسيقى، أعزف الآلات الموسيقية مثل البيانو والأورغان والكلارينيت والمسجلة والطبل. درست التأليف وتاريخ الموسيقا الغربية من عهد "بانغ" و"هاندل" في القرن السادس عشر إلى آخر الأيام الحاضرة، أيام "تشايكوفسكي" و"إيغور سترافينسكي" الذي قضى نحبه عام 1971، كما درست قيادة الفرق الموسيقية وأشياء من ذلك القبيل. إن ما أثارني فوق كل شيء هو الخطب من نوع خطبة "باخ" "موسيقى القداس الثانوية"، و"عاطفة القديس ماثيو" و"مسيح" "هاندل" و"إيليجا" "ميندلسون". ولكن عندما سمع والدي أنني ذهبتُ إلى كل تلك الجامعات للدراسة في سبيل الحصول على إجازة في الموسيقا، وأنني لم أختر دراسة إدارة الأعمال، أرسل لي برقية بطول سكة الحديد. قال لي بها: إنه لا يستطيع الاستمرار بصرف ألوف الشلينات التي أنفقها على تعليمي لكي أتخرج بشهادة في الغناء. وحمل "الجيتار" على كتفي مثل محتالي بلدة "مونديري" في "ناكورو". طلب مني الاختيار بين الموسيقا، التي قد تحكم علي بقضاء بقية عمري كزنجي منشد مترحل، وبين إدارة الأعمال التي ستخولني العودة إلى البيت كابن عزيز عليه. حسناً، كيف أستطيع أن أشرح له أن ما رأيت عليه أثرياء أمريكا في معاملتهم لنسل الأفارقة الذين نقلوا إلى أمريكا كعبيد قبل حوالي ثلاثمائة سنة هو نفس مارأيتهُ يفعل بالتمام مع عماله؟ كيف أقوى على أن أقول له: "إن إقامتي الطويلة في أمريكا كشفت لي الظلام والجهل الذي يقود به أناس من صنف والدي كينيا؟ لم أجبه، إنما اخترت الموسيقا لكي لا تتحكم النقود بحياتي من قريب أو بعيد.‏

وفي تلك الأيام، لم يكن والدي ينتمي للكنيسة، ولكنْ حتى بعد عودتي من أمريكا واتضاح أنّه كان دعامة من دعائم الكنيسة- إذ إن لوالدي اليوم مقصورة عائلية خاصة في مقدمة الكنيسة وبجانب المذبح فإنّه لم يغفر أبداً ما بدا له جحوداً ومعصية مني. لقد وجه لي والدي السؤال التالي: فيما عدا المال، ماهو الشيء الآخر الجدير بالكفاح على هذه الأرض؟ كيف تقوى على دفن مواهبك في التراب مثل الخادم اللعين الجاحد؟ عند ذاك وفي ذلك المكان، تناول إنجيله وراح يقرأ عليَّ نفس الحكاية الرمزية التي سردها لنا "مؤيريري" في الحافلة الليلة الماضية. لما فرغ من ذلك قلت له: ياوالدي، كيف أقوى على أكل الطعام المسروق من أفواه الجياع؟ وكيف أقوى على شرب الماء المسروق من العطاش؟ ردَّ عليَّ بالمثل قائلاً: ماذا! هل تريد أن تقول لي بأنّك تعرف أكثر من الكاهن "بيلي جراهام"، الذي حضر مؤخراً إلى هنا وقدم لنا المواعظ عن تلك المواهب نفسها؟ إنك غير كفؤ حتى لمسح حذاء "بيلي جراهام"!‏

كان الشيء الثاني الذي عرفه والدي هو أنني وظفتُ من قبل الجامعة للبحث في ثقافتنا، وتقاليدنا وعاداتنا، لاسيما مايتصل منها بالموسيقى فوصل إلى مرحلة القطيعة. استدعاني مرة ثانية وسألني: كيف تقوى على نتفي من كل شعري أمام كرادلة الكنيسة؟ كيف تعريني أمام الرب، بحيث يستطيع الصغار الرضع رؤية عريي. تذكر "حام" القديم، الذي شاهد عري "نوح"، ورفض أن يفعل أي شيء إزاءه - ماذا فعل له الرب؟ هل تعرف؟ لقد حلَّتْ عليه لعنة إنجاب أبناء الظلام أبد الدهر. ولو أن الرب لم يشفق عليه وأرسل أبناء "سام" إلى قارتنا أفريقيا، أين يمكن أن نكون نحن أولاد "حام" الآن؟ أغرب عن وجهي واتبع خطوات "حام". اذهب وتسكع في كل أنحاء العالم ولاترجع إلي إلا بعد التوقف عن رمي لآلئ مواهبك أمام الخنازير، وأكل الفتات من نفس الطبق الذي تأكل الخنازير منه.‏

في هذه الأيام، لا أذهب قطعاً إلى البيت، إنني أحاول الآن ادخار النقود لكي أتمكن في يومٍ من الأيام من تسديده الأموال التي أنفقها على تعليمي لكي أتحرر من أي التزام بذلك.‏

ذلك يدل على طموح، قالت، وارينجا وهي تتنهد، ماهو اسم والدك؟ لعلني أعرفه، فقد نشأت في "ناكورو".‏

في هذه الحال ، لن أقول لك اسمه، أجابها "جاتويريا" بسرعة. لا أود أن أقول لك من هو لأنّك قد تكرهينني أيضاً. وحتى إذا لم تقولي شيئاً، لن أقوى على النظر إليك وجهاً لوجه، لأنني كلما نظرتُ إليك، سيذكرني ذلك بأنك تعرفين والدي، وبذلك تعرفينني أيضاً. لا، إنني حتى لا أستخدم اسمه. إنني أحب أن أشق طريقي الخاص في هذا العالم وأترك أثره ورائي أبد الدهر.‏

وقبل أن تتمكن "وارينجا" من قول أي شيء جواباً على ذلك، كان اللحم الذي ينتظرانه قد أحضر على طبق من الخشب، مقطعاً إلى قطع صغيرة. ثم جاءت صينية عليها خليطة كبيرة من البصل والفلفل الحار والثوم الأخضر.‏

أخذ الاثنان يتناولان اللحم بصمت. كان "جاتويريا" يقلِّب أشياء كثيرة في ذهنه. قال لنفسه مفكراً: لم أعرف هذه الفتاة إلا في سيارة "مواؤرا" الليلة السابقة، أثناء سفري من "نيامكيما" إلى "إيلموروج"، ثم في صبيحة هذا النهار، ومع ذلك أقول لها كل الأسرار التي كنتُ أحتفظ بها داخل صدري. فهل ياترى أثرت بي أحداث الكهف؟‏

كانت الأفكار نفسها، تدور في ذهن "وارينجا" فالأشياء التي وقعت لها خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة كانت مذهلة حقاً. استرجعت في ذاكرتها كيف هجرها حبيبها "جون كيموانا"؛ وكيف طردت من عملها من قبل السيد "كيهارا"، لأنها أبت أن تفتح فخذيها، وكيف طردت من بيتها من قبل صاحب المنزل، ثم كيف أعطيت رسالة تهديد موقعة من قبل ملائكة الشيطان. تذكرت... وفي الحال تلقفت حقيبة يدها لكي تتناول قطعة الورق وتعرض على "جاتويريا" كيف كان الأغنياء يستخدمون السفاكين وقطاع الطرق. نظرت وفتشت، ولكنها لم تجدها. سيان، قالت: تحدث نفسها، ثم استجمعت خيوط أفكارها عن "جاتويريا"، وعن النزاع بين الوالد وابنه. لماذا قال إنه يريد ألاّ أكرهه؟ تساءلت في عجب. هل يظن أننا سنرى بعضنا كل يوم؟ هل يظن أنه وجد واحدة من "الجاهزات للتسليم"؟‏

وفجأة خرجت وارينجا من عالم أفكارها بفعل صوت "جاتويريا" الذي كان أشبه بصوت رجل يلبط برجله يميناً ويساراً في الماء لكي لا يغرق.‏

ماذا! هل سيخطر لي في يوم من الأيام أن أهجر التزامي تجاه ثقافتنا وأشارك في أحلام اليقظة عن بيع التراب للفقراء بحبات القرع الصغيرة؟‏

أحلام اليقظة عن بيع هواء الله المجاني للناس! قالت وارينجا بصوت أشبه بساعة تدق. يزرع الناس الزنبق في الجو لكي يرسموا حدوداً ثم يعلنون: من هنا إلى هناك، هذا هو نصيبي من الهواء.‏

أحلام يقظة عن بناء أعشاش عصافير للفقراء كي يتمكن ملاك الأراضي من جني أرباح هائلة، قال "جاتويريا".‏

وأحلام يقظة عن امتلاك عشرات من الصديقات والصاحبات. قالت "وارينجا" بصوت متهدج تخالطه الدموع. هل يعرفون كم من قلب حطموه وفتتوه إلى قطع صغيرة؟ هل يعرفون الأجساد الكثيرة التي أتلفوها، والحيوات العديدة التي عفَّروها في التراب بحيث تستطيع كل فتاة، وهي تفحص جسدها الخاص، رؤية مرض الجذام الذي أصابها عن طريق الرجال؟ صار جسد المرأة في هذه الأيام جثة عفنة، وصارت حرارة جسدها ناراً تأتي على حياتها، كما صارت أنوثتها قبراً تدفن فيه خصوبتها... هل يعرفون عدد البنات اللواتي دفعوهن لرمي أطفالهن بالمراحيض أو قتلهم وهم مازالوا في الأرحام؟‏

دعني أقل لك مايلي. حين تكون امرأة في ريعان شبابها، تراودها أحلام جميلة عن مستقبل تركن فيه مع زوجها وأطفالها أبد الدهر بسلام منزلي في بيت يخصهم. وهناك من يحلمون بالمصاف الثقافية العليا التي يرتقون إليها، بالمناصب الهامة التي يعهد بها إليهم، بالمآثر البطولية التي سيؤدونها لصالح وطنهم، مآثر تلهم الأجيال القادمة على التغني بها على النحو التالي: أوه، يا أمنا، يا بطلة وطنية عصامية! وفي الوقت الذي تحلم فيه فتاة بمستقبل باهر، مفعم بالمآثر البطولية، مع أن نهديها لم يبرزا بعد.ولكن ليس عليك إلا انتظار بروزهما. وليس عليك إلا انتظار تورد خديها. انتظر حتى يبدأ أمثال "بوس كيهارا" بالصفير لها وعرض نقلها بسيارات "المرسيدس بنز" التي يملكونها إلى الأضواء الساطعة والمرابع الليلية في "نايفاشا" و"مومباسي".‏

أوه، نعم، انتظر فقط حتى ترى المعجزات الفاتنة لقضاء فترات الظهيرة والليل والفنادق الفاخرة المكلفة في "نيروبي"؛ وأنا أقول لك: إن فتاتنا ستستيقظ صبيحة يوم من الأيام لتجد أن كل أحلامها تركن مبعثرة ومحطمة على الأرض، مثل شظايا الفخار المكسورة. هناك، ترقد شظايا أوهامها مبعثرة على الرمال. قل لي أنت، يامن تبحث في ثقافة شعبنا؛ عندما يتكسر قدر الفخار، هل يمكن ترميمه؟ أين هو الحرفي الذي يقوى على جمع شظايا حلم فتاة عذراء، مثل الحمامة التي أحيت إحدى الفتيات في الحكاية؟ كلا، كلا، كلا! كيف طرح الصبية ذلك في أُغنيتهم الراقصة "موتوو".‏

إنه لمنظر مذهل،‏

قدر الفخار الآن محطم‏

عندما جئت من نيروبي‏

لم أكن أعرف أبداً أنني‏

سوف أنجب طفلاً يسمى‏

صانع الشجاعة المدهشة‏

هيا يابني قومي، تعالوا لنبكي معاً! تعالوا وشاهدوا العجائب الحديثة.‏

لا يمكن تسميتنا اليوم إلا بحملة الأطفال المحكومين بالهلاك، عوضاً عن تسميتنا بحملة أبناء القامات البطلة. لا، لا. إذا كسر قدر الفخار، لا يمكن ترميمه على الإطلاق. على هذا النحو تتحطم أحلامنا نحن الصبايا- السكرية من قبل الوحوش-السكرية......‏

شاهد "جاتويريا" إثر ذلك الدموع تنهمر على وجنتي "وارينجا"، ثم تصل إلى الأرض.. وارينجا، ياوراينجا؛ ماخطبك؟ سأل جاتويريا، مندهشاً. ماذا تراه فعل لهذه المرأة؟‏

تناولت "وارينجا" حقيبة يدها، وأخرجت منديلاً مسحت به دموعها. حاولت الابتسام، غير أنها لم تستطع فعل ذلك بشكل جيد. فتابعت حديثها بالصوت الحزين نفسه..‏

إنه لاشيء.. وإن كان فيه بعض شيء أيضاً.... ماذا أقول لك وكيف أقول لك أيها الغريب في حياتي؟ ولكن في الحقيقة ليس في الأمر شيء سري- على الرغم من أنني لم أحك لأي شخص آخر. من ذي قبل -ذلك لأنّه أمر يحصل للفتيات في كافة أرجاء كينيا. إن حكايتك هي التي جعلتني أتطلع للوراء على أيام حياتي بغضب؛ وأستطيع أن أرى بكل وضوح أين تحطمت أحلامي إرباً إرباً مثل قدر الفخار الذي اعتاد الفتيان الغناء عنه في رقصة "الموثوو"، ماذا أحكي لك؟ ومن أين أبدأ؟‏

صدقاً، إنني أستطيع حتى في هذا اليوم ونحن نجلس هنا، أو عندما أكون وحيدة أقلب الأمور في ذهني بصمت، أو عندما أضرب على الآلة الكاتبة أو أسير في الطريق، أستطيع سماع قرقعة القطار الثقيلة وهويسير فوق السكة باتجاه مكان وقوفي انتظاراً لنقلي بعيداً عن المشاكل التي جابهتها في "ناكورو". أقف في منتصف السكة، قرب نقطة التقاطع المستوية. بجانب مقاطعة "كباكيا"، قطاع 58، في "ناكورو"، لقدكان هذا حوالي الساعة الحادية عشرة من صباح الأحد. أقبل القطار نحوي، ينفث البخار، ويتنفس بصعوبة، ويغني كما يبدو:‏

ذاهب إلى أوغندا‏

ذاهب إلى أوغندا‏

ذاهب إلى أوغندا‏

ذاــــ هب‏

ذاــــ هب‏

اذهب، اذهب، اذهب‏

ذاــــ هـــ - ب... أو أو أو!‏

أغمضت عيني، رحت أعد: واحد، اثنان، ثلاث، أربع، خذني الآن.‏

غطَّتْ "وارينجا" رأسها بيديها. كانت ترتجف بقضها وقضيضها، وكأنها كانت أمام القطار بالفعل. كانت قطرات من العرق تتشكل على جبينها كأنها ترى القطار وقد أوشك على سحقها تحت عجلاته. هب "جاتويريا" واقفاً ووضع يديه على كتفيها وهزها قليلاً وهو يسأل: ماذا دهاكِ؟ ماخطبك؟‏

(2)‏

لقد ولدت "جاكينتا وارينجا"، في "كامبورو" جيتنجورى كياوايريرا" سنة 1953. وفي تلك الفترة كانت كينيا تحكم من قبل الامبرياليين البريطانيين في ظل قوانين قمعية جداً تحت اسم قانون الطوارئ. وكان وطنيونا بقيادة "كيماثي وا واثيوري" قد أقسموا قسم الوحدة، معلنين أنه مادام الموت حقيقة من حقائق الحياة، فإنهم سيناضلون ضد الإرهابيين البريطانيين حتى تنتهي كافة أشكال القمع والتعذيب من البلاد. كان أزيز البنادق ودوي القنابل في "نيانداروا" وجبل كينيا مثل قصف الرعد. وعندما رأى الإرهابيون البريطانيون، مع حراسهم من أهل البلاد، كلاب حراستهم من الكينيين المخلصين- أيّها الأنغال القصيمون، يامن بعتم وطنكم من أجل إشباع كروشكم- إنهم قاب قوسين من الهزيمة على أيدي قوات الفدائيين "الماوماو"، أفرطوا في تعذيبهم الطائش وقمعهم لفلاحي وعمال الوطن كله.‏

في سنة 1954، اعتقل والد "وارينجا" في "فانياني". وبعد سنة من ذلك اعتقلت والدتها وحبست في سجني "لانجاتا" و"كاميتي".‏

كانت "وارينجا" آنئذٍ في الثانية من عمرها فقط، وكان زوج عمتها يعمل في السكك الحديدية عندها، ثم في مجلس بلدة "ناكورو". شبَّت "وارينجا مع أبناء عمتها. كانوا في الأيام الاولى يعيشون في مقاطعة " لاند بانيا"، ولكن ما إن جاء يوم الاستقلال حتى نقلوا إلى بيت من بيوت المجلس في القسم /58/.‏

التحقت "وارينجا" بالمدرسة في إعدادية "باهاريني"، بالقرب من منطقة "شودي باكو". أما ابن عمتها فقد التحق بمدرسة "بونديني"، بجانب المقسم /58/. بالتمام، قرب "ماجينجو"، و"بونديني". كانت تذهب عبر أكواخ "ميثونج" المغطاة بالقش إلى المنطقة الخالية المعدمة بالقرب من ملحمة المجلس البلدي. وبعد ذلك كانت تركض عبر "بونديني"، وقبل أن يدق الجرس الأخير كانت تحتل مكانها في العرض الصباحي. كانت أحياناً، بعد الدوام المدرسي أو في يومي السبت والأحد، تطوف مع أبناء عمتها حول "بونديني" لمراقبة النساء وهن يتصيدن الرجال أو لمراقبة الرجال أثناء منازلة بالسكاكين. وفي أحيان أخرى، كانوا يزورون كافة المناطق السكنية المجاورة -"كيزيواني"، "كالوليني" "كيفومبيني"، "شوري ياكو"، "امبوكوريوا"، (المعرفة أيضاً بالمخيم الصومالي)- لمجرد إمعان النظر بالناس والمنازل والحوانيت. وكانوا يذهبون أحياناً لسماع الحفلات الموسيقية أو لمشاهدة المسرحيات في قاعة "مينينغال"، كما كانوا أحياناً يذهبون إلى عروض السينما المجانية في "كاموكونجي". وكانوا أحياناً يتمشون على طول طريق بحيرة "ناكورو" وينزلون إلى شاطئها لمشاهدة طيور "الفلامينجو"، وغيرها من الطيور، أو يذهبون إلى الحلبات لمراقبة سباق السيارات والدراجات النارية.‏

غير أن ماكانت تستعذبه أكثر من كل شيء لم يكن مراقبة العاهرات وهن يتعاركن على الفوز بالرجال، أو السكارى وهم يبولون ويتقيئون في مجاري المياه المكشوفة؛ لا، بل هو الذهاب إلى الكنيسة للصلاة والاستماع إلى المواعظ، فقد كانت عمتها تأخذها كل يوم أحد إلى قداس الصباح في كنيسة "الحديقة المقدسة" لقد تم تعميدها في تلك الكنيسة، ومنحت اسمها الجديد "جاكينتا". أما ما كانت "وارينجا" تسعى جاهدة لتحاشيه - على الرغم من أن عينيها لا تريم شاردة صوبه- فهوالنظر إلى الصور على جدران ونوافذ الكنيسة. كان عدد من الصور يبين "يسوع" بين ذراعي "مريم العذراء"، أو على الصليب، فيما كانت صور أخرى تصور الشيطان، بقرنين يشبهان قرني البقرة وذيل يشبه ذيل السعدان، يرفع ساقاً واحدة في رقص بغيض، بينما تقلِّب ملائكته، وهم مسلحون بالمداري المشتعلة، بني الإنسان على نار مضطرمة. أما العذراء مريم، ويسوع وملائكة الله فكانوا بلون أبيض، مثل الأوروبيين، بينما كان الشيطان وملائكته باللون الأسود. كان يراودها في الليل كابوس متعاود، فعوضاً عن يسوع على الصليب، كانت ترى الشيطان على الصليب، ببشرة بيضاء مثل رجل أوروبي بدين رأته مرة قرب "نادي وادي الريفت الرياضي"، وهو يصلب من قبل بشر يرتدون الأسمال البالية -مثل من كانت تراهم في "بونديني"- وبعد ثلاثة أيام، والشيطان في سكرات الموت، يتم إنزاله عن الصليب من قبل رجال سود يرتدون البدلات وعقد الرقبة، وبذلك يعود للحياة، ويأخذ بالسخرية من "وارينجا".‏

تم إطلاق سراح والدي "وارينجا" سنة 1960 - أي قبل ثلاث سنوات من "أوهورو"- ليجدا أن قطعة الأرض الصغيرة التي يملكانها في "كامبورو" قد بيعت للحرس الوطني من قبل النظام الاستعماري. فانتقلوا إلى "إيلموروج" للبحث عن مرعى مستعار وللبحث عن مكان يبنون فيه مأوى لهم.‏

وبما أنّهم وجدا "وارينجا" في المدرسة في "باهاريني"، "ناكورو"، فقد سمحا لها بالبقاء هناك. كانا يصليان من أجل أن تنهي دراستها بسرعة حتى تتمكن في يوم من الأيام من تحريرهم من الفقر. كانت "وارينجا" سريعة في تعلمها، ودائماً في القمة. وكانت في الواقع هي التي تدرب أبناء عمتها في الرياضيات، حتى من كان منهم يسبقها بصف دراسي. وعندما أُعلنت نتائج الإعدادية، كانت "وارينجا" من بين من حصلَّوا تحصيلاً جيداً. لقد قبلت بمدرسة "ناكورو" الثانوية.‏

كانت هذه أسعد أيام حياة "وارينجا". عندما شاهدت نفسها في الزي المدرسي، بدلة زرقاء، قميص أبيض، وجوارب بيضاء، وحذاء أسود، شعرت بالميل للبكاء من الفرح.‏

حتى سنتيها الأوليين في الفصلين الأول والثاني كانتا سعيدتين. لم تعترها أية أفكار أو منغصات غير حب التعلم الخالص وطموحها إلى إكمال الدراسة بمرتبة الشرف. كانت، وهي تحمل كتبها ومسطرتها وقلمها في يد واحدة، تجري عبر أكواخ القش إلى "شارة لازيس"، وعبر مستوصف المجلس إلى اليمين.‏

وعند نقطة الاتصال، كانت تترك الشارع إلى "بورنديني" على يسارها. والشارع المؤدي إلى المدينة على يمينها، ثم تجتاز شارع "رونا لد نجالاً، الذي يقودها عبر مساكن الراهبات الأفريقيات، بالقرب من كنيسة "الحديقة المقدسة"، وهناك تعبر شارع "أوجينكا أودينكا"، ثم إلى مدرسة "ناكورو".‏

وفي المساء، عند عودتها من المدرسة، كانت تأخذ طريق "أوجينكا أودينكا" عبر "ستاد أفراها"، لتأخذ الطريق الفرعي عند "مدرسة ميننغاي العليا"، حيث تتسلق المنحدر عبر المستوصف وعبر الملحمة إلى القسم /58/. ولكنها عندما كانت تُرسل أحياناً إلى المدينة بمهمة ساعي بريد، كانت تذهب عن طريق صالات ومكاتب مجلس المدينة إلى مركز المدينة.‏

غير أن "وارينجا" لم تكن تتوانى عن عملها بغير ضرورة. كانت حينئذٍ تعرف موقفين فقط: المدرسة والبيت.‏

كانت "وارينجا" وهي تسير على طول هذه الطرقات، سواء إلى المدرسة في الصباح أو إلى البيت في المساء، تشعر بأنها ملكة الدراسة في "ناكورو" كلها.‏

كانت تعيش على أحلام عذبة، أحلام تعربد في الجسد الصغير، الدماء الحارة والقلب النقي لشبابها المتفتح. غير أن حلم أحلامها كان يتمثل في إنهاء أيام الدراسة بنجاح والحصول على كرسي في الجامعة. وغاية طموحها أن تدرس الهندسة الكهربائية أو الميكانيكية أو المدنية. كانت كلمة "مهندسة" هي التي تجعل قلبها يدق كلما "أغمضت عينيها وحاولت النظر إلى مستقبل حياتها. لم تكن وارينجا تفهم لماذا نادراً ما تختار الفتيات أعمالاً تحمل صفة التحدي، وتترك المجال كلّه مفتوحاً للرجال. ليس ثمة عمل لا تستطيع الفتاة أداءه، إذا ما ركزّت ذهنها عليه وآمنت أن بوسعها عمله.‏

وذلك هو ماكانت "وارينجا" تقوله للفتيات الأخريات، اللواتي كن دائماً يضحكن من جسارة أفكارها، ولكنهن كنّ مقتنعات بأن "وارينجا" تستطيع أن تكمل دراسة الهندسة بنجاح، إذ لم يكن ثمة شاب أو فتاة في ثانوية ناكورو يتفوق عليها في الرياضيات. كانت معرفتها بالرياضيات معرفة أسطورية، وكان اسمها معروفاً في كل المدارس المجاورة، مثل مدرسة "أفراها"، ومدرسة "القديس يوسف" و"القديس السافير"، وثانوية بحيرة "ناكورو"، وحتى أبعد من ذلك مثل "مدرسة ناكورو العليا".‏

الدراسة ليلاً ونهاراً، والذهاب إلى الكنيسة كل أحد، ومساعدة عمتها في الأرض التي سمح لهم بحرثها وزرعها من قبل المجلس في "بآري" وفي "كليمانت"، بالقرب من فوهة بركان "مينينجاي"- كان ذلك هو نظام "وارينجا" من يوم الاثنين إلى يوم الأحد. لقد ساعدت استقامتها وكدها في الحقول واجتهادها في كل شيء تفعله على انتشار سمعتها في كل أنحاء المقسم /58/.‏

بعد ذلك وفي أحد أيام السبت حوالي الساعة الرابعة، وفيما كانت مع أبناء عمتها عائدين من الحقول بالقرب من فوهة بركان "مينينجاي"، شاهدت "وارينجا" الموت لأول مرة في حياتها. لقد مروا عبر ملحق المستشفى العام لمدينة "ناكورو"، واجتازوا شارع ناكورو نيروبي، وكانوا يتجهون الآن نحو القسم /58/.‏

وعند التقاطع المستوي وجدوا جمهرة من الناس يتجمعون حول جثة رجل سحق سحقاً تاماً على سكة الحديد من قبل قطار مندفع. ولكن هل كان ذلك جسداً، أم لحماً مفروماً فحسب، ودماءً وعظاماً مبعثرة على القضبان؟ لم يستطع أحد معرفة صاحب الجثة، أو تصور كيف كان يبدو عندما كان حياً. أحست "وارينجا" وكأن معدتها قطعت إرباً إرباً بشفرة سكين. شعرت بالمرض وبأنها على وشك الإقياء، فهرعت إلى البيت، وتركت أولاد عمتها عند مشهد الحادث المريع، فقد كانت دائماً تخاف من منظر الدم. وأخبار الأموات والجنائز تفرض عليها سهر الليالي وهي تصارع مفارقة الحياة والوجود. أما أن تشاهد هيكل رجل كامل وشكله مطموسين تماماً بفعل قطار سكة الحديد- كأن الرجل لم يكن ولم يوجد على الإطلاق -فذلك شيء لم تتصوره بتاتاً.‏

جعلها المنظر المقشعر للأبدان عاجزة عن استخدام ذلك التقاطع بعد ذلك اليوم.‏

كانت تلك هي الطريقة التي شبت عليها "وارينجا" في تلك المرحلة بمدينة "ناكورو"- مستقيمة الخلق، وفي بحث دائم عن طريق الفضيلة، وفق نور عرفانها وتجربتها، هكذا كانت "وارينجا"! هكذا كانت "جاكينتا"! نعم، هكذا كانت حتى وصلت إلى الصف الثالث.‏

في هذا الوقت كان نهداها قد تكورا واستطال شعرها بلون أسود لامع، كما توردت وجنتاها، ملساوتان مغريتان مثل ثمرتين في موسم طيب.‏

كان زوج عمتها الذي كانت تناديه "عمي" هو الرجل الذي جعلها تضل عن الدروب التي يدوس عليها الفلاحون وتزوغ إلى دروب صغار البورجوازيين، من لابسي ربطات العنق.‏

لقد كان "العم" واحداً ممن خدموا البيض بإخلاص لكي ينجو بجلده. وبعد الاستقلال، أصبح هؤلاء الأشخاص أنفسهم، ورثة للبيض، وخاصة إذا ما تعلق الأمر بالأرض والتجارة. غير أن العم لم يكن صاحب بخت طيب مثل الآخرين. لم يكن راتبه يسمح له بارتقاء سلَّم طموحه. كان راتبه يكفي للملابس والطعام والأجور وبقية الحاجات المنزلية فحسب. ولكنْ على الرغم من ظروفه المتدنية، كان يحب أن يعيش فوق مستواه: إذ كان دائماً يصاحب من يتبوؤن قمة سلم الحياة. وأصحابه يتألفون من عدد قليل من الأغنياء من "نجورو" ومن "نجوريكا".وأصدقاؤه الأثرياء يشربون في "ركن الرياضيين"، من "الفندق الرئيسي"، أو في النوادي والفنادق، مثل "نادي الألعاب الرياضية بوادي الريفت"، الذي كان يُحجز للأوروبيين وحدهم في الماضي.‏

كان "العم" يعتقد أن من يمشي مع الأغنياء، قد يصبح هو نفسه غنياً أيضاً، وأن من يسعى بجد واجتهاد لابد أن يلقى الثراء في نهاية المطاف، وأن "ريح بطن" الغني لا تعطي رائحة على الإطلاق. ولذلك سيان عنده إذا ما وجهوا الأوامر له أو قدموا أطراف أصابعهم للسلام، أو إذا أرسلوه بمهمة ساع مثل خدم ماقبل -الاستعمار من الإقطاعيين الذين يلبسون الأقراط.‏

وربما لأنّه لم يكن يعبأ باستنشاق "ريح بطن" الأغنياء، جاء زمن تمكن فيه من التقاط بعض البقايا والفضلات. لقد حصل له رجل ثري من "نجوريكا" على منزل بمنطقة "الشراء بالأجرة، تماماً قرب مقاطعة "كيباكيا"، الدور الثاني، ثم قدّمه إلى مدير أحد المصارف، الذي أقرضه مالاً من أجل العربون الأولي. وحصل له الرجل نفسه من "نجوريكا" على قطعة أرض بالقرب من "مشروع سامبوجو".‏

اعطني لأعطيك، هكذا يقول المثل. والوليمة الطيبة تستدعي وليمة بالمقابل. وتأسيساً على ذلك، لم ينل "العم" ثروة لابأس بها من الأرض بالمجان. أوه، لا. لقد وعد صديقه الثري من "نجوريكا" "بعجل" أو "بفروج ربيعي"، ولقد كانت "وارينجا" هي ذلك الفروج الذي سيقطع ريشه واحدة بعد واحدة، ليبقى اللحم عارياً لا يعوقه شيء. كطعام طري لعجوز لا أسنان له. إذ عندما يشيخ الرجل الأبيض، يأكل لحم العجل.‏

غير أن "وارينجا" لم تكن تعرف أنها بيعت سلفاً، لأنّهم لم يجروا خلفها بالطريقة التي يجري بها رجل متأخر للحاق بالباص، أو بالطريقة التي يقفز بها الرجل لامتطاء الدراجة. بدؤوا بالحواشي والأطراف، بالطريقة التي يقترب فيها المرء من طبق ساخن، إذ يكون اقترابه حذراً في البداية وفي النهاية يبتلع الطبق بأكمله.‏

لقد بدأ "العم" يطلب من "وارينجا" زيارة مكاتب المجلس بعد ساعات المدرسة لكي تحمل بعض الحاجيات للبيت. ولكنْ في كل مرة كانت "وارينجا" تزور المكاتب، وقبل أن تتبادل مجرد كلمتين مع عمها، كانت ترى العجوز يقلها بسيارته إلى القسم /58/، أو يسوق السيارة بها إلى ملحمة المجلس.‏

وفي أحد الأيام دُعيت "وارينجا" من قبل رفيق دراسة إلى حفل في "باهاتي". وجدت عمها هناك.. كما كان الثري العجوز موجوداً أيضاً. وفي ذلك المساء نقلها العجوز الثري إلى البيت بسيارته من طراز "مرسيدس بنز".‏

وشيئاً فشيئاً توصل العجوز و"وارينجا" إلى معرفة بعضهما، كان العجوز لا يمل ولا يتعب من ملاحقته الدؤوبة لها بلا رحمة. فعند مغادرة المدرسة في المساء، كانت وارينجا دائماً تجد سيارة "مرسيدس بنز"، تقف بجانب شارع "أوجينجا أودينجا"، بالقرب من كنيسة "الحديقة المقدسة"، يعرض عليها العجوز الثري النقل بالسيارة، ولكنه قبل أن يأخذها إلى مستوصف المجلس، قرب الملحمة، كان يأخذها أولاً مشواراً متمهلاً عبر شوارع "ناكورو"، أو إلى فوهة "مينينجاري" أو إلى بحيرة "ناكورو" أو إلى حلبة السباق.‏

بعد ذلك بدأ يغدق عليها الخرجية، وأجرة السينما، أو السباقات، أو لمعرض "ناكورو" الزراعي. هذا وبما أنّها لم ترفض منذ البداية ابتساماته الاستفتاحية، صارت بالتدريج أضعف تجاهه، إلى أنّ لم يعد بمقدورها رفض أي شيء. لقد التقيا في مناسبتين بسينما "إيروس"، وبمناسبة ثالثة بسينما "أوديون".‏

طرأ الآن تغير على حياة "وارينجا". أخذت تشعر وكأن باباً قد فتح على "ناكورو" كبلدة لم تكن تعرف بوجودها أبداً. وفجأة رأت العالم يأتلق؛ فصارت تشاهد نوراً وهاجاً يضيء درباً عريضة وجميلة جداً، صارت تسمع كلاماً غرامياً تهمس به أصوات ناعمة وعطرة بشكل رائع: يا "وارينجا"، ياعزيزتي، كيف تقوين على تقييد نفسك بكل حماقة بالكتب في وقت تتيسر فيه بكل مكان من كينيا الأطعمة السكرية وفواكه العصير الناضجة؟‏

نبتت لوارينجا أجنحة. جربت تلك الأجنحة مرة وطارت مع رجلها العجوز الثري. شعرت بالجودة. ثم طارت وطارت، وفي كل طيران كانت تحسُّ بمفاتن "المرسيدس بنز" تتضاعف. كان رجلها الثري يشجعها بكلام معسول؛ إذ كان يقول لها: إن عليها ألا تقلق بتاتاً، وإنه راغب كل الرغبة في تطليق زوجته الأولى من أجل فخذي "وارينجا" ونهديها، وصارت الآن باستمرار ترفرف استعداداً للطيران.‏

بدأت تكره المدرسة، لاقتناعها بأن المدرسة هي التي كانت تجزُّ لها أجنحتها وتجرها إلى الأرض بأغلال حديدية في الوقت الذي كانت ترغب فيه بالعوم على هواها، والتحليق عبر السماوات باتجاه سماء السعادة الأبدية.‏

تبخرت أحلامها في الدراسة وفي الوصول إلى الجامعة لتحصيل إجازة في الهندسة، وتلاشت في الجو كما يتلاشى ندى الصباح بعد شروق الشمس. صارت وهي في قاعة الدرس تعد الثواني، والدقائق، والساعات، والأيام، وهي تنتظر بنفاذ صبر يوم السبت، لكي تتمكن من الطيران إلى ميدان الحياة الحقيقية الحر. وصارت بالإضافة إلى ذلك كذابة من الطراز الأول. كانت في مناسبات عدة تخدع عمتها بقولها إنها ذاهبة إلى "إيلموروج" لرؤية أبويها.‏

وبمثل هذه المناسبات كان رجلها العجوز الثري يقلها بالسيارة عند موقف باص "ناكورو"، وينطلق بها بكل خفة على طول الطريق الإسفلتي العام نحو "نايفاشا". وفي "نايفاشا" يقوم الاثنان بجولة حول البحيرة بقارب آلي، أو يتمشيان على طول البحيرة، يراقبان صيادي الأسماك أثناء عملهم، فيما العجوز الثري يشرح لها كيف يستخدم الصيادون السمك الصغير طعماً لاصطياد السمك الأكبر، وكيف كانت الأسماك الكبيرة تعيش على حساب الصغيرة.نعم، إنها تبتلعها جميعاً، كان العجوز الثري يتحدث وهو يضحك.‏

كانا أحياناً يذهبان إلى الينابيع الساخنة، بزعم اصطياد الحيوانات، مع أنهما لا يملكان إجازة الصياد، ولكنهما بدلاً من اصطياد الحيوانات، كانا يلعبان لعبة تسمى لعبة "الصايد والطريدة"، يتناول الصياد المسدس لمطاردة الطريدة حتى تتعب وتخور قواها، وفي تلك اللحظة يمسك الصياد بالطريدة ويطلق النار في الجو معلناً عن فوزه وانتصاره.‏

ولقد كان العجوز الثري بالعادة هو الذي يطارد "وارينجا" بين الأشجار، وهو يحمل مسدساً بيده اليمنى. وبما أن جسم "وارينجا" كان فتياً ورشيقاً، كانت تسبق العجوز في الجري. تختبئ "وارينجا" بعدئذ داخل شجيرة إلى أن يهلك من التعب ويبدأ بمناداتها بنزق من الخيبة، وعندما تلاحظ "وارينجا" هذه المزية، تتظاهر بالتعب والإعياء، وعندها كان العجوز يمسك بها، ثم يطلق النار في الجو ويبتسم ابتسامة الفرح والسعادة. تأخذ "وارينجا" بعد ذلك المسدس وتطارده بين الأشجار. أما ماكان مدعاة لدهشتها واستغرابها دائماً فهو أنّه، وبصرف النظر عن مقدار تعبها، ما إن تمسك بالمسدس حتى تشعر بأنّها شحنت بقوة جديدة، فتمضي قدماً وتلحق به لكي تطلق رصاصة النصر.‏

شعرت في أحد الأيام أنها شبعت من تلك اللعبة، فأطلقت النار قبل الإمساك به. لم تستطع أبداً في الحقيقة معرفة ماحدث -لعلها عندما حركت يدها لإطلاق النار، اصطدم أحد الأغصان بالمسدس -غير أن الطلقة بأيّة حال، أخطأت الرجل بمسافة لا تزيد عن بوصة واحدة. فلقد أصابت الطلقة ظبية حاملاً وقتلتها على الفور.‏

كان العجوز الثري يرتجف ويتعرق. وأخذت "وارينجا" تبكي. فهي لم تقتل في حياتها أي شيء مهما كان. وقالت للعجوز إنها ستتوقف عن لعبة الصياد والطريدة. ضحك فقط، وهو يتظاهر بشجاعة أكبر مما كان يحس به فعلاً، فقال لها: إن اللعبة لن تتوقف على الإطلاق. ولكنه الآن وبعد أن عرف بأنّها غير أهل لحمل المسدس، فهي لن تصطاده مرة ثانية، إنه سيقوم على الدوام بدور المطاردة والاصطياد.‏

لنفترض أنك أخطأت الرمي. سألته "وارينجا".‏

لا، أنا لستُ مثلك. ولن أُخطئك. قال العجوز الثري على سبيل المزاح... ضحك الاثنان. لقد كان العجوز الثري مسحوراً باللعبة ومهووساً بها.‏

كان العجوز الثري دائماً يحجز غرفة في أحد الفنادق على شاطئ البحيرة. وفي المساء، بعد تناول الطعام والشراب، يلوذان بغرفتهما، حيث يقضيان ليلة بهجة وفرح، وفي صباح اليوم التالي، يقود العجوز سيارته "بوارينجا" إلى إيلموروج. كانت تنزل من السيارة عند موقف الباص، ثم تجري إلى البيت، وتحيي والديها تحية عاجلة ثم تعود على جناح السرعة إلى مكان ينتظرها فيه عزيزها العجوز الثري، ويطيران معاً إلى فندق آخر لمتابعة حياتهما.‏

يحكى أن للحلاوة فمها، ومعدتها الخاصة -ولها عضَّة سامة. في صباح يوم من الأيام، وبينما هي في طريقها إلى المدرسة، وقبل وصولها إلى مساكن "الأخوات الأفريقيات"، على وجه الدقة، شعرت وارينجا بالدوار. جلست أرضاً، وبدأت تتقيأ. وعندما انتهى الدوار، تابعت طريقها إلى المدرسة ظانة أن معدتها مرتبكة، ولكنها يوماً إثر يوم، كانت تشعر بمزيد من المرض والدوار، بل كانت مريضة باستمرار. مر شهر وفاتتها الدورة الشهرية. إن مثل هذا يحدث أحياناً، قالت تعزي نفسها. ولكن شهراً آخر مر وفاتتها الدورة مرة ثانية.‏

ألمَّ بها الذعر. لقد سمعت "وارينجا" عن فتيات كثيرات أصبحن حاملات، ولكنها لم تتصور أبداً أن يحدث ذلك معها. لم تعد تشك بالأمر الآن. إن ماكانت تخال أنه لن يحدث لها على الإطلاق، حدث وانتهى الأمر.‏

ماوقع وقع، بهذا حدثت وارينجا نفسها، ومهما يكن الأمر، فإن الأرض التي تقف عليها كانت صلبة ثابتة. فلقد كان رجلها العجوز الثري يؤكد لها دائماً بأنّه سوف يتزوجها وفقاً للعادات، وأن بإمكانه تطليق زوجته والزواج من الشابة الجديدة بحفل كنسي مناسب. ولذلك كانت واثقة من أنه لن يبدي أية دهشة لأنباء وضعها الراهن. وعلى أية حال، لقد صار الحمل قبل الزواج شأناً حضارياً حديثاً، عندما نظرت وارينجا حولها، استطاعت أن ترى بأن عدداً كبيراً من البنات لبسن خواتم الزفاف في مذبح الكنيسة وقد بلغن الشهر الثامن بل حتى الشهر التاسع من الحمل. كان هنالك فتيات يتزوجن اليوم لينجبن طفلاً في الغد تماماً، وكانت قد سمعت عن فتاة ولدت في الكنيسة، وعن فتاة أخرى وقد ولدت وهي في الطريق إلى الكنيسة، وأبقت عريسها والكاهن ينتظرانها عند باب الكنيسة. أوه، لم تكن وارينجا تخاف على نفسها، ذلك لأن الثقة برجل محبوب تبعد كل الوساوس والمخاوف.‏

في أمسية يوم سبت، وفي فندق من فنادق "نايفاشا"، أخبرته "وارينجا" بكل شيء. جفل العجوز الثري مثل رجل عضه عقرب في عجزه، ولكنه سرعان ما هدَّأ نفسه وتمالك أعصابه ولم يئن أو يعرب عن أي تذمر في تلك الليلة، اعتقدت "وارينجا" أن كل شيء على مايرام. حلمت في الليل أنها تحررت من قيود المدرسة، والمدرسين، والامتحانات لكي تسبح أبد الدهر على أمواج السعادة والهناء،وتخب في مياه كينيا الضحلة، تستمتع بحياة الدلال الدائمة دون تفكير بالإمكانية الكابحة في الذهاب إلى المدرسة في الغد. وفي الصباح فقط لقَّن العجوز الثري "وارينجا" درساً لن تنساه أبد الدهر. سألها لماذا لم تأخذ الحيطة مثل بقية الفتيات. ما الذي منعها عن تناول أقراص منع الحمل، وعن وضع لولب يثبت في داخلها، أو عن تناول الحقن؟ ثم لماذا لم تكشف النقاب عن وضعها من الشهر الأول للحمل؟كان ذلك بكل وضوح لعدم تأكدها الكامل عمن هو المسؤول.‏

كيف يمكن أن تكوني قدحملتِ بهذه السرعة الكبيرة، إذا كنت أنا المسؤول الوحيد الذي عاشرك؟ ابتعدي عني وابحثي عن الشاب الذي ورطك بهذه المشكلة، واطلبي منه أن يتزوجك أو يأخذك إلى الغابة أوإلى أي مكان آخر من أجل الإجهاض. كنت أظن أنني أعاشر ابنة مدرسة نظيفة، فتاة ليس عندها مشاكل كثيرة، فتاة أحبها لكي أتزوجها، بحيث تكون بلسماً لعظامي الهرمة، ولكنني بدلاً من ذلك، عثرت على "كاريندا" الجاهزة للاستسلام أليس كذلك؟‏

لم تعرف "وارينجا" ماذا تفعل؟ أتبكي أم تصرخ أم تحتج؟ فلزمت الصمت، مثل رجل أصابه الخرس، أو سُحر لكي يظل بصمت أبدي من خلال أدوية قوية ابتاعها من عند الشهير "كاميري"، الطبيب الساحر. رأت أن العالم كله يتحول فجأة إلى معاداتها.‏

لم يعد للضوء اللامع الذي رأته وجود هناك. رأت أن الطريق الذي حسبته من قبل عريضاً وجميلاً جداً يصبح الآن فجأة ضيقاً ومغطى بالأشواك. إن الممر الذي اعتقدت أنه سيقودها إلى الجنة يقودها الآن إلى جهنم الدنيا. هل صارت جحور السرور والفرح بحوراً من نار؟ وهل صار بساط الورد الذي وطأته بالفعل بساطاً من شوك؟ وهل لم تكن أجنحتها بالفعل أجنحة للطيران وإنما أغلالاً من حديد؟‏

لم تعرف "وارينجا" كيف عادت في النهاية إلى "ناكورو". كما لم تستطع أن تتذكر كيف خرجت من سيارة "المرسيدس بنز"، قبر شبابها وقبر سلامتها وعذريتها. حتى إنّها لم تر العجوز الثري يشغِّل المحرك ويعكس اتجاه ذلك القبر ذي العجلات الأربع في طريق العودة إلى أملاكه وأطيانه في "نجوريكا".‏

راقبت "وارينجا" مستقبلها وهو يحتجب بعينين كأنّهما لم تريا شيئاً. صارت وحيدة بكل مافي الكلمة من معنى، فلقد جرحت الأشواك عقبيها وبطتي قدميها وأصابع سيقان فؤادها، التي كانت تأخذها إلى جهنم التي اختارتها لنفسها.‏

ولكن هل هي التي اختارت جهنم أم أن جهنم فرضت عليها؟ سألت "وارينجا" نفسها، عندما وقفت هناك عند موقف الباص، سارحة بنظرها على محطة سكة حديد "ناكورو"، وعلى الطريق إلى "إيلدوريت"، وبار "أرميجوس" وشارع كينياتا والحوانيت وهي لا تعرف إلى أين ستذهب الآن. تمشت ببطء عبر محطة الباص، ودخلت عبر سوق "ناكورو"، البلدي، ثم دخلت فندق "نجورو"، وجلست وحدها على طاولة صغيرة في الزاوية البعيدة وطلبت الشاي لتشربها في محاولة لاسترداد رباطة جأشها. يا إلهي، أين سأذهب الآن؟ راحت تسأل نفسها وتكرر السؤال.‏

كانت تعرف أنّها لا تستطيع الرجوع إلى عمّتها أو عمها أو أبناء عمتها أو إلى الأساتذة ورفاق المدرسة طلباً للمساعدة.‏

ولم يكن لديها أقرباء أو أصدقاء ممن تتوقع ظهورهم فجأة ليقولوا لها: يا"وارينجا"، لقد جئنا لمساعدتك.‏

لم تشرب كوب الشاي. دفعت ثمنه وتركته هناك على الطاولة وانصرفت. وعند وصولها إلى البيت في القسم /58/، ذهبت رأساً إلى الفراش. حاولت تلاوة تسبيحاتها، لكنها لم تستطع. وحاولت البكاء، لكن الدموع جافتها. في أيام القلق تلك، لم تجد وارينجا أحداً يقدم لها المواساة، ولا أحد يقول لها: اهدئي ياطفلتي. دعيني أدلك على طريق الخروج من مشاكلك وعلى العكس من ذلك، كان كربها يتفاقم ويزداد ألماً لأن عليها في البيت أن تضغط على نفسها حتى لا تبدي أية علامة من علامات الحزن والحسرة.‏

عندما تكون وحيدة في الفراش فقط، كانت تتيسر لها الفرصة لكي تترك دموعها تنهمر وهي في أغلب الأحيان تتساءل: أوه، ماذا أستطيع فعله للتخلص من عبء الحمل هذا؟ ولم يكن هناك أي إنسان يمكنها أن تحصل منه على أجوبة لتساؤلاتها الكثيرة.‏

حاولت "وارينجا" في المدرسة، استشارة بقية الفتيات. ولكنها كانت تفعل ذلك بصورة غير مباشرة، طارحة الأمر بشيء من التجرد الظاهري، وكأنّها ليست صاحبة ذلك العبء الثقيل. غير أن القصص التي سمعتها- مثل قصة الفتاة التي أصيبت بمسٍّ في عقلها بعد أن شربت مزيجاً من الشاي والكوينين، والأسبرين وعدة عقاقير أخرى- جعلت دماءها تجري باردة في عروقها، وجعلت عبئها أثقل مما كان عليه.‏

لم يكن لها صديق أو قريب يقوى على تخفيف حملها.‏

ولذلك بقيت تجاهد وحدها، تتأمل هذه الوسيلة أو تلك، تقلِّب هذا الحل أو ذاك في ذهنها، وتقارن بين خيارات لا حصر لها ولا عد، تحاول أن تعرف كيف يمكنها الاختفاء عن وجه الأرض، وأن لا تشاهد في المدرسة أو في ناكورو أو في كينيا مرة أخرى.‏

خطر لها في يوم من الأيام أن تزور الدكتور "بيتل" الذي ذاع صيته في كل أنحاء "ناكورو" بسبب عدد من عمليات الإجهاض المحرمة التي أجراها.‏

كان ذلك في صباح يوم سبت. حملت معها النقود القليلة التي ادخرتها من الهدايا التي أعطاها لها العجوز الثري، وكذبت على عمتها بأنّها سوف تستعير كتباً من أحد المعلمين في المدرسة.‏

انطلقت إلى الشارع وحيدة مع سرها المكنون. مرت عبر ساحة أكواخ العشب وأخذت طريق "لازيس"، ولكنها، بدلاً من اجتيار شارع "نجالا" ثم مواصلة الطريق إلى ثانوية "ناكورو"، اتجهت نحو مركز المدينة. وبدلاًمن الأحلام التي كانت تملأ نفسها في الطريق إلى المدرسة، كانت الآن تشعر بالمرارة وهي تتفاقم فقط:فأحلام الفتاة ذات الصبا العذري يمكن أن تتبرعم وتتفتح بسرعة، ثم، وبنفس السرعة تماماً، تذوي وتسقط على الأرض مثل أزاهير في فصل جاف.‏

سارت على طول شارع "كينياتا" نحو مكتب البريد "وستاج هيد"، وعند "المصرف الكيني التجاري"، توقفت ونظرت فيما حولها. استدارت بعد ذلك إلى اليسار وأسرعت خطوها بين الناس والأبنية دون أن تلتفت ولو مرة واحدة إلى الخلف. ولكنها عندما وصلت إلى مكتبة "جبل كينيا"، دخلتها متظاهرة أنها تتصفح الكتب ثم خرجت من جديد. وقفت لحظة خارج المكتبة للتأكد من عدم وجود من يعرفها يراها تدخل عيادة الدكتور "بيتل". كانت تظن أن "ناكورو" بأجمعها يمكن أن تقدر وتعرف مآربها ونواياها. وكان قلبها يدق بضربات عالية، مثل نعيب البوم المتكرر.‏

مشت "وارينجا" وهي عاقدة العزم بخطوات مديدة نحو عيادة الطبيب. ولكنها لما أوشكت على وضع قدمها داخل الباب، شاهدت امرأة، هي إحدى جاراتها في المقسم /58/، وهي تخرج من مدرسة للخياطة في المنطقة المجاورة. أحست "وارينجا" أن جسمها كله يحترق من العار، وكأنها ضبطت بعملية سرقة، فهربت.‏

وفي يوم سبت آخر، وعند الرابعة بعد الظهر تقريباً فكرت "وارينجا" بطلب العون من فتاة كانت زميلة لها في إعدادية "باهاريني" وفي ثانوية "ناكورو" معاً. كانت هذه الفتاة قد تركت المدرسة بعد الصف الثاني والتحقت بمشفى "ناكورو" العمومي للتدريب كممرضة.‏

ذهبت "وارينجا" إلى الملحق ولحسن حظها وجدت الفتاة هناك في غرفتها وحدها. تبادلتا الحديث عن هذا وذاك- عن المدارس، والمعلمين والطلبة والامتحانات- فيما "وارينجا" تحاول إيجاد فرصة تطرح فيها مشاكلها. ولكنها لما أوشكت أن تطرح ما بذهنها، أحست بكتلة في حنجرتها، ولم تعد تقوى على الإفصاح عن سرها. وبدلاً من ذلك، سألت الفتاة عن المدرسة الطبية، وادعت بأنّها كانت هي الأخرى تفكر باتباع دورة تدريبية كممرضة في المستشفى وبعد أن تحدثتا لفترة عن الزمن سارتا معاً باتجاه "بيت الولاية"، على طريق "ناكورو-نيروبي".‏

وعندما شاهدت "وارينجا" الفتاة تعود أدراجها إلى المستشفى، شعرت فجأة بالقوة تبارح ساقيها. أرادت أن تصرخ منادية الفتاة، راجية إياها ألا تتركها بمفردها على الطريق.‏

سارت على طول الطريق نحو "نيروبي" مثل شخص تناول شراباً مسكراً قوياً أو مخدراً، لم تكن في وضع تملك فيه كامل قدراتها. ولم تكن تشعر بالسيارات التي تتجه نحو "نيروبي"، أو "ناكورو". كما أنّها لم تلحظ هبوط الظلام وأن أنوار الطريق كانت مضاءة. كانت تمشي وهي لاتعرف تماماً إلى أين تذهب. وكادت في إحدى النقاط تلطم رأسها بشجرة من الأشجار.‏

كان شبه -الحادث- هذا هوالذي نبهها إلى أنّها وصلت إلى منعطف "باهاتي". فكرت أن تأخذ الطريق إلى "باهاتي"، ثم دارت حول سياج مدرسة "ناكورو"، العليا. عزمت على تسلق الدرب باتجاه فوهة "مينيننجاي" وإلقاء نفسها في الحفرة الهائلة في الأسفل،مثل الهندي الذي ساق سيارته مرة إلى داخل الكهف فقضى نحبه.‏

كانت "وارينجا" دائماً تسمع، وهي طفلة بأن الأرواح دائماً ترتاد فوهة البركان، الأرواح التي تحلق الغابة كلها بأشجارها بحدِّ الموس في الصباح الباكر، وتضرم النار بالأعشاب المحيطة والأشجار مرة كل عام. وعندما ألقى الهندي نفسه في الفوهة، قالت الأسطورة الخرافية: إنّه سُحب إلى داخل الحفرة من قبل الأرواح بعد أن ضبطها وهي تحلق أشجار الغابة وتلعب وتحوم بين الأعشاب وفوق الأشجار.‏

كانت "وارينجا" تتحرق شوقاً إلى شخص ما، حتى لو كان شبحاً، لكي يمسك بها، ويحملها خارج "ناكورو"، بل خارج الكرة الأرضية.‏

ثم تذكرت "وارينجا" أن هنالك مسبحاً في مدرسة ناكورو العليا، فقررت أنّها، بدلاً من الذهاب وحيدة على الطريق إلى فوهة البركان في الليل، يمكنها إنهاء بؤسها في البحيرة. دخلت حوش المدرسة واتبعت الممر حول المباني، ومن خلال النوافذ شاهدت الطلاب يقرؤون الكتب تحت الأنوار الكهربائية. وعندما تذكرت وضعها الراهن، شعرت بالألم في قلبها وجسدها. راحت تمشي بسرعة أكبر، وهي تدعو ربها ألا تقابل أي طالب أو مدرس. خلال أيام الاستعمار، كانت مدرسة "ناكورو العليا"، وقفاً على أبناء الأوروبيين وحدهم. ولكنها تحولت، بعد الاستقلال، إلى مدرسة وطنية باهظة التكاليف. لقد كانت مدرسة داخلية مختلطة. وكان على الطلاب في المساء أن يذهبوا إلى المدرسة للتحضير.‏

كان هؤلاء الطلاب هم الذين شاهدتهم "وارينجا" من خلال النوافذ، ورؤوسهم منكبة على كتبهم. تركت "وارينجا" الممر الذي يؤدي إلى مهاجع الفتيان وأخذت الممر المؤدي إلى بركة السباحة. لم تقابل أي شخص يتسكع في حوش المدرسة فحسبت أن الله سمع دعواتها.‏

عندما وصلت إلى قاعات الدروس على الطرف النائي من حوش المدرسة، انعطفت نحو بركة السباحة. كان الظلام دامساً لأن النور القادم من أقرب غرفة صف لم يصل إلى ذلك البعد وكانت وارينجا على وشك دخول منطقة المسبح عندما، ومن مكان غيرمعروف، سمعت فجأة صوت رجل:ماذا تفعلين هنا؟ لماذا لستِ في غرفة صفك؟‏

جفلت "وارينجا" ونظرت حولها، معتقدة أن الأرواح من فوهة "مينيننجاي" نزلت من الجبال من أجلها. إذاً هل كانت الأشباح موجودة حقاً؟ ثم تبين لها أن الصوت صوت مراقب المدرسة، الذي كان نصف مختبئ بجانب سياج صغير، وظن أن "وارينجا" واحدة من الطالبات. كذبت وارينجا وهي تقول...‏

إنني زائرة هنا في المدرسة. أخي هو السيد "كاماو" وأنا أعيش معه هذا الأسبوع إنني أقوم بمشية مسائية لتمضية الوقت فقط.‏

أوه، أفهم ذلك، قال المراقب، وراح يتمشى في منطقة المسبح.‏

شكَّت "وارينجا" أن ذلك المراقب لم يصدق روايتها، وقفت بضع ثوانٍ هناك، ثم عادت إلى الممر الرئيسي، ونزلت نحو الشارع المؤدي إلى نيروبي.‏

لقد كان مكتوباً عليها المشي أبد الدهر على طول الشوارع المغطاة بالأشواك؟ وهل كان مكتوباً عليها أن تحمل حملاً ثقيلاً مرهقاً في قلبها أبد الآبدين؟ سألت "وارينجا" نفسها هذه الأسئلة مع أسئلة كثيرة أخرى وهي تسير نحو القسم /58/. وهكذا فالانتحار أمر صعب أيضاً؟ ماذا يمكن للمرء أن يسمي شيئاً ملكاً له في هذا العالم، إذا لم يكن بمقدوره أن ينهي حياته عندما يشعر أنها عبء كبير عليه؟ وصلت وارينجا إلى نقطة تقاطع السكة الحديدية وهي لا تزال تقلِّب هذه الأسئلة في ذهنها.‏

تذكرت "وراينجا" بعد ذلك الرجل الذي شاهدته هي وأبناء عمتها على السكة الحديدية، وهو مسحوق سحقاً كاملاً، بأحد القطارات. تذكرت أن هوية الرجل كانت مطموسة بالكامل.‏

كان اسمه مخفياً إلى الأبد، وكأنه لم يولد بتاتاً. شعرت "وارينجا" أن ميتة من ذلك القبيل، ميتة تؤكد وتضمن أن مامن أحد سيقدِّر في حياته من كانت "وارينجا"، هي أفضل شيء بالنسبة لها. فقررت أنها بكل الأحوال ستقدم نفسها في اليوم التالي وجبه لأحد القطارات.‏

سوف تنتظر أحد القطارات على ذلك التقاطع وسوف ترمي نفسها أمام عجلاته الحديدية، كي تزول عن وجه الأرض كأنّها لم تولد أبداً، أو كأنّها لم تزر هذه الأرض. ولأول مرة كان بمقدورها أن تتلو تسبيحاتها. ومن كل أعماق قلبها ناشدت مريم العذراء متوسلة: يامريم العذراء، اسمعي الآن صلاتي. علِّمي روحي بجراح يسوع المسيح. آمين.‏

لأول مرة منذ أصابها مرض الجذام من العجوز الثري من نجوريكا، شعرت وارينجا بشيء من السلام يعود لها، حتى أنّها حاولت أن تهمس لنفسها بترنيمة تعودت إنشادها عندما تكون مسرورة، ولكنها الآن أنشدت بحزن:‏

السلام، السلام، في قلبي‏

إنني أصلي من أجل السلام في قلبي‏

في وقت بعثك‏

السلام، السلام، في قلبي‏

السلام، السلام، في قلبي‏

باسم قيامتك.‏

لم تكن "وارينجا" في الحقيقة ترجو انبعاث الجسد أو الروح. كل ماكانت تريده هو أن ينطمس اسمها عن وجه الأرض. كل ماكانت تريده هو أن تختفي وكأنها لم تولد أبداً. كل ماكانت تصلي من أجله هو أن يأتيها ملك الموت وأن يزيل اسمها من دفاتر السموات والأرض.‏

يامن تطعم الجياع‏

ويامن تريح المتعبين‏

ويامن تسقي العطاش‏

خذني عبر نهر الموت والفناء.‏

كان اليوم التالي يوم أحد. سألتها عمتها إذا كانت تريد الذهاب إلى قداس الصباح. رفضت "وارينجا"ذلك. ذهبت عمتها وكافة أبناء عمتها إلى "كنيسة الحديقة المقدسة". بقيت "وارينجا" في البيت لكي تطبخ ولكنها لم تطبخ شيئاً. استحمت ورتبت شعرها بشكل جميل، مثل شخص يستعد لرحلة طويلة الأمد.‏

عند الساعة العاشرة والنصف تقريباً، ذهبت "وارينجا" إلى نقطة تقاطع السكة الحديدية، نظرت نظرة سريعة فيما حولها ولم تر أي شخص قريب منها في أية نقطة. ولكنْ بعد بضع ثوانٍ، مر مراقب مدرسة ناكورو العليا في طريقه إلى القسم /58/ تقابلت عيناهما. بدا وكأنّه توقف للحديث إليها. ثم تبين أنه غير رأيه واجتاز الخطوط الحديدية إلى الطرف الآخر. كلمته "وارينجا" ساخرة: لن تعيقني مرة ثانية... ليس ثمة ماتقوى على فعله الآن لمنعي من القيام بأي شيء أريده.‏

ظهر القطار فجأة، متجهاً صوب "نيروبي"، حسبت "وارينجا" أنّه كان ينشد الأغنية، التي اعتادت، وهي طفلة، أن تظنه ينشدها:‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

طفق قلبها يدق في الوقت نفسه مع أغنية القطار:‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

ذاهب - إلى - أوغندا!‏

وكان القطار لا يزال يتقدم، ينفث البخار، ويتنفس الدماء والموت، ويحكي كلمات الوداع باسمها لكل أهل"ناكورو".‏

ذاهبة......‏

ذاهبة......‏

ذاهبة......‏

خطت "وارينجا" إلى أمام نحو القضبان. أغمضت عينيها، ثم راحت تعد... واحد... اثنان... ثلاثة... اذهب..... اذهب..... اذهب..... أربعة، ... خمسة.... أيتها العذراء مريم، ارحميني...‏

كان القطار لا يزال مقبلاً، وكان ضجيجه يهز القضبان عن عوارضها. كما كان زئيره يهز قلب وارينجا وجسدها. وكان رعده يسبب ارتجاف الأرض وهي تحمل الموت إلى "وارينجا": اذهب.....اذهب.....ثمانية... تسعة... يامريم العذراء.... اذهب..... اذهب..... اذهب.....عشرة...خذني الآن....‏

وعلى حين غرة شعرت "وارينجا" أنها تسبح بعيداً عن السكة بيدي رجل وتُرمى على جانب خط سير القطار. لقد أغمي عليها.‏

اندفع القطار بمحاذاتها متجهاً نحو نيروبي، غير أن صفيره كان يدوي في المساء فوق "ناكورو"، كأنه يسأل في غضب عن الكيفية التي نجت فيها وارينجا من الدهس بعجلاته.‏

لم تعرف "وارينجا" من أنقذها من موت كانت ترنو إليه، ولا تستطيع حتى أن تقول كيف وصلت في النهاية إلى القسم /58/. عندما فتحت عينيها، وجدت "وارينجا" نفسها في الفراش، وعمتها إلى جانبها، تنظر إليها بعينين تملؤهما شفقة لامتناهية.‏

أخبرت "وارينجا" عمتها بكل شيء.... كل مايتصل بعلاقتها مع الثري العجوز من "نجوريكا"....‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244