شيطان على الصليب Devil On The Cross - ترجمة: عبد العزيز عروس - الكاتب الأفريقي: نجوجي واثيونغوNgugi Wa Thiongo

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:17 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصـل السابع

(1)‏

حلم. كان بالتأكيد حلماً في وضح النهار السافر. ضغط "جاتويريا" على فخذه لكي يرى إذا كان يحس بالألم حتى يثبت أنه لم يكن كله حلماً. آلمه قرص فخذه، لا، لم يكن حلماً. ولكن حتى في هذه الحال، لم يكن بمقدور "جاتويريا" أن يصدِّق تماماً أن ما كان يراه بأم عينيه موجود هناك فعلاً. فقد يحلم المرء بأنه يقرص نفسه وأنه يشعر بالألم. بل لعله يحلم بأنه يحتضر، حتى أنه ربما يرى نفسه يدفن ويذهب إلى الجنة أو إلى الجحيم.‏

نظر "جاتويريا" إلى "وارينجا". مد يده، وتناول أنامل "وارينجا" وضغطها برفق، فأحس أن "وارينجا" كانت هناك حقاً، بلحمها وشحمها. فتيقن من أنه كان مستيقظاً وأن الكهف لم يكن أضغاث أحلام رجل مريض إصابته الملاريا.‏

وحتى هذا اليوم، لا يزال "جاتويريا" يتذكر بشيء من الإرتعاد الفوضى التي دبَّت في الكهف على أثر شهادة "مؤيريري وا موكيراي". من الصحيح تماماً أن بعض الضيوف صفعوه بجد، غير أن الأكثرية صرَّت بأسنانها وصرخت وزأرت غضباً وغيظاً. النساء فعلت ذلك أيضاً. هلَّلت له مجموعة صغيرة، غير أن الأغلبية العظمى رفعت صوتها استنكاراً.‏

(2)‏

كان زعيم الوفد الأجنبي، الرجل الذي كان يحمل شارة الولايات المتحدة الأمريكية على تاجه، أول من باشر الكلام، خف الضجيج والفوضى فيما كان الناس يجاهدون لسماع كل كلمة.‏

سيدي الرئيس، إنني أتحدث عن نفسي ونيابة عن بقية الخبراء الأجانب، لأعبَّر عن ذعري من الشتائم والإهانات التي انهالت علينا من قبل "مؤيريري وا موكيراي". لم نحضر من أجل الشتم والإهانة. لا، لقد حضرنا لكي نجد طرائق لتدعيم وتقوية الشراكة القائمة بين السارقين واللصوص الأمريكيين والأوروبيين واليابانيين والسارقين في الدول النامية، أي الدول التي منحت أعلاماً خاصة في المرحلة الأخيرة. ونحن الذين قدمنا من العالم المتمدن نملك سنوات وسنوات من الخبرة في السرقة واللصوصية الحديثة. ويمكنني تذكيركم أيضاً بأننا أصحاب البيوت والمخازن والصوامع التي تحتوي كافة الأموال التي نهبت من شعوب العالم. ويمكنكم أن تروا بأم أعينكم أن ملابسنا نفسها صنعت من الشيكات المصرفية. إن المال اليوم هو حاكم الصناعة والتجارة كلها. وإن النقود هي مارشال كافة قوى السرقة واللصوصية على الكرة الأرضية. المال هو الأعلى والأسمى. المال يحكم العالم. لقد حضرنا إلى هنا لنرى فيما إذا كان بوسعنا تعريف نفر منكم على أسرارنا حتى تصبحوا عيون وآذان مجمع اللصوص والسارقين الدولي في بلادكم هنا. غير أننا لم نكن نعرف بأننا حضرنا للاستماع إلى خطب الساذجين سياسياً، خطب اللصوص والسارقين الذين يحلمون بالسير قبل تعلم الزحف، وخطب اللصوص والسارقين الذي يحملون حسداً على الغنائم التي سرقت واختزنت من قبل من مارسوا اللعبة لعهد طويل من الزمان.عند القدوم إلى هنا، كنا نعتقد أننا نزور أناساً يفهمون أن كافة اللصوص والسارقين في العالم ينتمون إلى زمرة العمر نفسها، إلى الأسرة نفسها، والجنسية نفسها، وأنهم يشتركون في الإيديولوجيات نفسها. إننا نؤمن بالحرية، الحرية التي تتيح للفرد السلب والنهب تبعاً لقدراته. ذلك هو ما ندعوه مبادرة شخصية ومشروعاً فردياً، وذلك هو ما جعلنا دائماً نقول: إننا ننتمي للعالم الحر، عالم لاتوجد فيه من قريب أو بعيد أية عوائق تجاه السرقة من الآخرين. فلماذا، إذاً، يريد "مؤيريري وا موكيراي" إحداث شرخ فيما بيننا؟ وماذا جعله يقول: إن هنالك نوعين من السرقة؟ السرقة هي السرقة. ولماذا يقول: إن عليكم أن تبنوا قذائفكم الخاصة وقنابلكم وصواريخكم؟ ألا تظنون أننا قادرون على حراسة وحماية سرقاتكم وسرقاتنا، مثلما كنا نفعل دائماً في كوريا الجنوبية والبرازيل وإسرائيل وجنوب أفريقيا؟ إننا نأكل ونشرب من المائدة نفسها ومع ذلك ليس عندكم إيمان وثقة بنا. الآن، ومن جراء لغة الشتيمة والإهانة التي تعين علينا تحملها على يدي "مؤيريري وا موكيراي"، فقد اتخذنا قرارنا بعدم الانتظار حتى نهاية الاحتفال، بل سنغادر الآن وسنأخذ معنا كافة الهدايا التي أحضرناها، ونترككم أيها الكينيون تتدافعون طلباً لفلذات الحديد التي كان "مؤيريري" متحمساً جداً إزاءها.‏

بعد ذلك جلس زعيم الوفد الأجنبي في مكانه.‏

(3)‏

ازداد جو الكهف برودة. أحس كثير من اللصوص بوشك وقوع نقص الطاقة في عظامهم، فوجهوا جميعاً عيوناً مريرة ثاقبة نحو "مؤيريري وا موكيراي".‏

كان رئيس المراسم هو الذي أنقذ الحفل مرة ثانية. فقد اعتلى المنصة وتكلم بقلب مفعم بالندم، متوسلاً الأجانب كي لا يهتموا بما ورد على لسان "مؤيريري"، لأنه ليس ثمة لص واحد في الكهف كله لاينشد أسباب تحسين علاقته مع مثل هؤلاء الضيوف المرموقين، في سبيل المجد الأكبر والأعظم لنظام السرقة واللصوصية على الكرة الأرضية. إذ لم يكن نداء "مؤيريري موكيراي" الموجه للسارقين واللصوص في كل دولة لكي يكونوا معتمدين على أنفسهم وأن يقفوا بمعزل في زاوية من الزوايا، يربتون على كروشهم، سوى حديث مراهقة.‏

ثم أقسم رئيس المراسم بكل الآلهة أنه لم يكن هنالك لص أو سارق واحد من الموجودين مؤيداً لآراء "مؤيريري وا موكيراي".. لقد ذكَّر الضيوف الأجانب بالحكاية الرمزية التي افتتح بها الأحداث ذلك الصباح.. وهي أن راية الاستقلال يمكن أن تشبَّه برجل مسافر إلى بلد بعيد، فيستدعي عبيده الخاص، ويسلمهم بضاعته....‏

توقف رئيس المراسم في منتصف الحكاية الرمزية واتجه نحو اللصوص الأجانب ثم أعلن وهو يبتسم بتملق ويظهر أسنانه الذهبية: أيها الضيوف المرموقون، نحن عبيد لكم. لقد عدتم لكي تشاهدوا ما فعلناه بالمواهب التي أورثتموها لنا اعترافاً شاكراً منكم بالخدمات التي قدمناها لكم في قمع أولئك الناس من قومنا الذين درجوا على تسمية أنفسهم مقاتلين من أجل الحرية. ذلك أمر حسن. أود تذكيركم أننا حتى في هذا النهار واصلنا خداع بني جلدتنا للاعتقاد بأنكم غادرتم البلد فعلاً. وذلك هو ما يمنعنا من تسميتكم أجانب، أو إمبرياليين، أو لصوصاً بيض. إننا نسميكم أصدقاء، ولذلك أتوسل إليكم أن تحتلوا مقاعدكم من جديد، وتتجملوا بالصبر، لكي تتمكنوا من سماع حكايات أكلة لحم البشر الآخرين. لا تهتموا بما قاله "موكيراي". سوف نهتم به نحن، وسوف يتقرر مصيره اليوم. أرجو أن يكون هذا الاعتذار كافياً. وليس بعد ذلك سوى الاعتذار العملي.‏

جلس رئيس المراسم. لقد قبل زعيم الوفد الأجنبي اعتذاره وأضاف أنهم سوف ينتظرون الاعتذار العملي. ثم قال: يجب ألا يقتصر الأمر على تطبيق العدالة، وإنما يتعين مشاهدتها وهي تطبق.‏

كاد التصفيق الراعد الذي نشب في الكهف أن يهدم السقف والجدران الأربعة.‏

(4)‏

أمسك "جاتويريا" يد "وارينجا". كان لايزال يشعر أنه في حلم. شدَّت وارينجا على يده. ثم جلس الاثنان في صمت، وكل مستغرق بأفكاره الخاصة، وكل يشعر بأنه لو ترك يد الآخر، فإنهما كلاهما سيغرقان في ظلام الكهف الدامس.‏

لم يكن "جاتويريا" قادراً على متابعة أفكاره باتجاه نتيجة منطقية. تخالج فكرة من الأفكار ذهنه وتتراقص فينة من الزمان، ثم تدفعها فكرة جديدة أخرى. والفكرة الجديدة تتماثل فينة إلى أن تدفعها وتبعدها فكرة أخرى. بدت رغبته الجامحة حيال موضوع مناسب لموسيقاه وكأنها تبخرت في الجو. أما ما كان يقلقه أشد القلق فهي الأفكار المتعلقة بمشاكل "وارينجا" الماضية. غير أنه وهو يقلِّب حكاية "وارينجا" في ذهنه، والفكرة الخاصة في أن "وانجاري" ذهبت لإحضار الشرطة، وأن "موتوري" سيحضر العمال فرضت نفسها وأزعجته. ماذا سيحصل عندما تجتمع كافة القوى في الكهف؟ كما أن الصخب والفوضى الناجمين عن شهادة "مؤيريري وا موكيراي" أزعجاه وأقلقاه أيضاً. ثم إنه لم يشجب نظام السرقة واللصوصية. كل ما قاله هو أن على كل سارق أن ينهب بني قومه وأهل بلده. ماذا إذاً، لو حضر رجل مثل "مؤيريري وا موكيراي" إلى هنا ورفض نظام السرقة واللصوصية برمته؟‏

شعر "جاتويريا" بغتة أنه يرغب في أن يخبر "وارينجا" بأن عليهما أن يهربا، وذلك لأن مخيلته كانت ترى صوراً جعلته يرتجف ويرتعد. وكان في وسط تلك الصور "مواؤرا".‏

لقد اعتقد "جاتويريا" أنه شاهد "مواؤرا" ينظر إليه بعينين يغمرهما جشع فاتك نهم. ثم رأى أن "مواؤرا" لم يكن وحده الذي ينظر إليه بتلك الطريقة. فقد كان جميع الناس من حوله يرتدون الصورة التعبيرية نفسها. وكلما تثاءب أحد اللصوص، كان "جاتويريا" يحسب أن أسنانه تتحول إلى مخالب مصاصة للدماء تتجه إلى المكان الذي جلس فيه مع " وارينجا". سمع صوتاً يهمس له: هؤلاء هم أكلة لحوم البشر، وهؤلاء هم شاربوا الدماء البشرية؛ هؤلاء هم "ندينجوري" الجدد؛ فخذ هذه الفتاة وارحل عن المكان فوراً.‏

غير أن شطراً آخر منه كان يحضه على عدم الهروب، وإنما التريث حتى النهاية لكي لا يترتب عليهم في الختام الاستماع إلى الحكايات التي تدور حول كيفية انتهاء المهرجان. ذلك لأنه لو سمع "جاتويريا" يقول إنه لايزال هنالك مجرمون محترفون وأكلة للحم البشر في العالم، ما كان ليصدق ذلك. فهل كان ذلك العجوز من بلدة "باهاتي" في "ناكورو" يحكي له في الحقيقة حكايات عن غيلان العهد الجديد إذاً؟‏

هز "جاتويريا" رأسه لكي يمنع نفسه عن مواصلة هذا النهج من التفكير، أمعن النظر ملياً في المنصة لكي يحول بينه وبين التطلع إلى الصور المروعة التي رآها على وجوه الناس من حوله.‏

راح يفكر بما قاله "مؤيريري وا موكيراي"، مقارناً شهادته بالحكاية التي رواها لهم قبل يومين عن الرجل الذي كان في طريقه إلى بلد بعيد ناءٍ وترك خمس مواهب، وموهبتين، وموهبة واحدة لعبيده، والذي بعد أن غاب فينة من الزمان، عاد واستدعى عبيده إليه.‏

والعبد الذي تلقى... مواهب أقبل وشهد....‏

شهادة ندتيكا وانجونجي‏

كان "ندتيكا" بديناً جداً. وكان رأسه ضخماً مثل جبل كبير. كان كرشه يتدلى فوق حزام خصره، كبيراً ومتغطرساً. كانت عيناه كبيرتين بحجم مصباحين كهربائيين أحمرين. ظهرتا وكأنهما وضعتا على وجهه من قبل خالق نفد صبره ويروم متابعة عمل آخر. كان شعر رأسه مفروقاً في الوسط، بحيث أن الشعر على كل جانب من الفرق كان يبدو مثل تلتين تجابهان إحداهما الأخرى على طرفي طريق الإسفلت. كان يرتدي بزة سوداء. وكانت لسترته ذيول على شكل أجنحة الذباب الأخضر والأسود الكبير، الذي يوجد عادة في حفر المراحيض أو بين القمامة العفنة. وكان لقميصه كشكش يتدلى من الأمام. كان يرتدي ربطة عنق على شكل قوس أسود. وكانت عيناه تتدحرجان بما يناسب كلماته. كما كانت يداه تستقران على بطنه وهو يربته برفق، كأنه يرجوه ألا ينبق نحو الناس بمثل هذه الغطرسة.‏

"ليس عندي كلام كثير. ولن أنفعل في عدِّ الشهادات التي لا تجد وسيلة نقل أفضل من سيارة "الماتاتو". وسوف أترك إهانة الأجانب للتعساء الذين لا يملكون مايفاخرون به أمام أكلة لحم البشر سوى كراهيتهم للأجانب.‏

إسمي "نجونجي واندتيكا"- بل "ندتيكا وانجونجي". وبالنسبة للزوجة، عندي زوجة واحدة وحسب. أما عشيقاتي؟ فأنا أنتمي إليهن، آذاناً وقروناً وكل شيء. إنني أعاني نوعين من الأمراض: فأنا لا أشبع لامن ذاك ولا من الطعام. الطعام الجيد يساعد على قيام جسم صحيح جميل، كما أن فخذي الفتاة الصبية الناعمين يساعدان على خلق شخصية طيبة معافاة.‏

أما بالنسبة إلى السيارات، فعندي الكثير منها، بدءاً بـ"المرسيدس بنز" فا"لرينج روفر"، و"الفولفو" و"البيجو 604". عندما أخرج لاصطياد الفتيات، أركب سيارة ب.م.و(التي تعني كوني عشيقتي)، ومن الصحيح تماماً أن الصبية التي تركب سيارة ب.م.و لن تقول لا على الإطلاق! وأما سلة تسوق زوجتي فهي سيارة فيات /1600/. غير أنها قبل يومين اشتكت بمرارة من أن المرأة صاحبة سلة الأماليد تحتاج أيضاً إلى سلة ألياف صغيرة، ولهذا اشتريت لها سيارة "مازدا".‏

أما أبنائي فيركبون الخيول. لقد تعلموا ركوبها في مدرسة نيروبي لركوب الخيل، التي كان يملكها "جروجان" و "ديلامير" في السابق. قبل الاستقلال، لم يكن يسمح لأي رجل أسود الاقتراب من حوش المدرسة. أيها الناس، لو نفكر في أن بعض البلهاء يملكون الجرأة على التجوال من فندق إلى فندق آخر وهم يقولون: ليس بعد يا "أوهورو"! أيَّ "أوهورو" غيره يريده الناس؟ أما بالنسبة لي، فيتملكني الفرح والسرور كلما شاهدت أولادي يمتطون خيولهم ويلوِّحون بأيديهم، ويخرجون ألسنتهم وهم يصرخون بابا، بابا مثل الأطفال الإنكليز بالتمام والكمال! "أوهورووو".‏

لقد تفتقت كل هذه المباهج عن السرقة واللصوصية الحديثة. إنني، في هذه الأيام، مثلاً، أملك عدة مزارع في "نجورو"lأ و "إيلبورجون" و"كيتال". أدفع لعمالي خمسة وسبعين شليناً في الشهر، إضافة إلى مؤونة يومية من الدقيق وقارورة أسبوعية من اللبن المستخرج. ها، ها، ها، هل تعرفون ماذا؟ لقد أضربوا عن العمل في يوم من الأيام، مطالبين برفع الأجور! وأنا أقول لكم: لقد صاروا جميعاً يرون من خلال أفواههم بدلاً من عيونهم. طردتهم جميعاً في الحال، دون إنذار، ثم ذهبت إلى القرى وشغَّلت أيد جديدة في ذلك الزمان والمكان. وكما تعلمون، إن تلك القرى هي صوامعنا من أجل اليد العاملة الإحتياطية، ها، ها، ها، لماذا تراني أغرق في الضحك؟ إعذروني، واسمحوا لي بتجفيف دموع الضحك هذه. إنكم ستضحكون أيضاً حين أخبركم أن معظم العمال الذين يقلعون الأعشاب في مزارعي هم نفس الناس الذين استلوا في الماضي السيوف المثلمة والبنادق المصنعة محلياً، متبجحين بأنهم يقاتلون من أجل الحرية! وتعلمون، أنني حتى في تلك الأيام لم أخف شيئاً عنهم وتعودت أن أقول لهم ما يدور برأسي: "نحن نتحكم بكم خلال مرحلة الطوارئ، وسوف نظل نتحكم بكم بعد الحصول على الحرية والاستقلال"! كانوا يردون علي بهزء وازدراء: "توقف عن ذلك الهراء! إنك تستحق رصاصة في القلب". إنني أنظر اليوم إلى بعضهم حين يحضرون إلى مكتبي لتقاضي الأجور، وقد خلعوا قبعاتهم، ووضعوا أيديهم خلفهم احتراماً وإذعاناً، فأتذكر عندها كلماتهم التوبيخية، وأكاد أموت من الضحك. ها، ها، ها.‏

غير أن ذلك كله صار من التاريخ الآن. لقد حاربنا جميعاً من أجل الحرية بأساليب مختلفة، ولصالح أطراف مختلفة. ما هو وجه الخطأ في أسلوب سير الأمور؟ دعونا جميعاً ننسى الماضي. لم تكن قضية القتال من أجل الحرية كلها سوى حلم رديء، وكابوس فارغ من أي معنى. دعونا نتحد للقيام بثلاثة أشياء: اغتصاب، وابتزاز، ومصادرة النقود. ثالوث السرقة المقدس، الاغتصاب، و الابتزاز والمصادرة. ولو وجدتم شيئاً يخص الجماهير، إياكم أن تتركوه خلفكم، لأنكم إذا لم تعتنوا بأنفسكم، فمن تراه يعتني بكم؟‏

لقد حدَّ من نجاحي في ميدان السرقة والسلب انصرافي إلى ميدان التهريب والسوق السوداء. دعوني أشرح لكم بإيجاز. إنني أملك عدة مصادر من الحجارة الثمينة -ماس، ذهب، تانزانايت، وجلود الحيوانات النادرة مثل النمور والأسود، وأنياب الفيلة وأسنان الكركدن، وسم الأفاعي، وأشياء كثيرة أخرى، وكلها من المناجم الشعبية العامة واحتياطات اللعبة والشغل. إنني أصدِّرها جميعها.‏

لقد حصلت على طلبيات كبيرة من اليابان بخاصة، ومن ألمانيا وهونغ كونغ، طلبيات تكافيء جهودي تكافؤاً جيداً. ولم تصلني أية شكاوى بكل تأكيد. لم تكن هذه التجارة ممكنة لولا شراكتي مع الأجانب، الذين يملكون فنادق كبيرة ومنتجعات سياحية أخرى. إنهم على خبرة في معالجة الشؤون الجمركية، وخطوط الشحن البحرية والجوية. وإنهم على احتكاك جيد أيضاً مع العملاء وراء -البحار. وكما تعرفون، لا يتصور بنو قومنا أن البيض يتورطون في أعمال التهريب أو يلعبون لعبة السوق السوداء، ولكنني أعرف أكثر مما يعرفون، فأقمت علاقة مفيدة ومربحة معهم. ذلك هو ما يجعلني عندما أرى شخصاً من الأشخاص يقف هنا ويطالب بكل عنجهية بأن على الأجانب أن يرحلوا عن بلدي، أشعر وكأنني.. أوه، سوف أترك شهادات جامعة "ماتاتو" تخرج من هذه!‏

إن السلع الأخرى التي أهربها وراء البحار وللدول المجاورة هي الملح والسكر والذرة والأرز والشاي والقهوة. وإذا ما تحدثت من الناحية الشخصية، فإن رحيل "عيدي أمين" عن السلطة، شكل خسارة فادحة لي. خلال حكمه، غلَّ علي بن "أوغندا" ما ينوف على خمسين مليون شلين. كما أنني أصدِّر لحم البقر إلى الجزيرة العربية وأوروبا. إن عندي سفينة خاصة في "مومباسا"، وهي دائماً وأبداً مستعدة جاهزة.‏

ولكنَّ عندي أشغالاً كبيرة أخرى تدرُّ علي المال. أحياناً أشتري الغذاء وقت الحصاد. ولكنْ، آه، هل تراني أشتريه أم ألمُّه عن الأرض؟ وعندما تنتشر المجاعة في البلاد، أبيع الطعام للناس الذين زرعوه وحصدوه أنفسهم. فهل ذلك هو بيع أم ابتزاز واغتصاب؟ لقد أصاب "جيتوتو وا جاتانجورو" عين الحقيقة عندما قال: المجاعة الجماعية هي الدرر بالنسبة للأثرياء.‏

في بعض الأحيان، عندما أعرف أن "يوم الميزانية" قريب، أحاول بكل ما أوتيت من جهد ابتياع معلومات عن البضائع التي سترتفع أسعارها من المقربين لبيت الأسرار، سواء كانوا كتاباً أو أي شيء آخر. وبعدئذ أبتاع كميات كبيرة من تلك البضاعة وأشحنها. وعندما تعلن الأسعار الجديدة، أغرق السوق ببضاعتي. أحياناً أشتريها في مخزنها، ثم أبيعها في المخزن نفسه في اليوم التالي- مقابل أرباح هائلة.‏

أما وجه الخطأ في أسلوب جمع الثروة هذا فهو أن المرء لا يتأكد كل التأكد منه مطلقاً. أتذكر في سنة من السنوات أن كاتباً من الكتاب أبلغني بأن أسعار الفلفل المطحون وغير المطحون سوف ترتفع. اشتريت من هذا الفلفل مايكفي لتموين البلد كله مدة تزيد على سنة كاملة. أيها الأخوان، لقد رأيت بعينين دامعتين أن الأسعار أخذت تنخفض بدلاً من الإرتفاع. فترتب علي أن أحرق الفلفل كله. وأنا اليوم لا أرغب من قريب أو بعيد رؤية أو شم أي نوع من الفلفل مرة ثانية.‏

أما الآن، فقد فتحت كل تلك الأنشطة عينيَّ، وتعلمت حقائق معينة. إن معرفة القراءة والكتابة ليست بالأهمية التي حاول "مؤيريري وا موكيراي" إثباتها. الثقافة ليست ثروة وملكية. خذوني مثلاً على ذلك. إنني لم أكمل دراستي الإعدادية وهاأنذا أشغِّل الخريجين الجامعيين كتاباً عندي. وشهاداتهم من النمط القديم، بكالوريوس الآداب والفنون الموثوقة، خلافاً للشهادات الممنوحة في "نيروبي" هذه الأيام من قبل أشخاص يعتقدون أنهم مثقفون جيداً لمجرد أنهم تنازلوا عن أسمائهم الأجنبية الغالية وسموا أنفسهم "وا"، "أول"، "أراب" أو هذا الإسم أو ذاك. صديقاتي جمعياً من مستويات جامعية أو من مستوي "كامبريدج"! ولذلك فإن على "مؤيريري وا موكيراي" أن ينسى كل هذه الجلبة والضوضاء المتعلقة بالشهادات والتعليم. إنني أتحداه أن يحمل شهاداته إلى السوق (بما في ذلك السوق الخاصة بالفتيات الأوروبيات والآسيويات اللواتي كان يتفاخر بهن)، وأنا آخذ معي سيارتي من طراز ب.م.و، وسوف نرى من الذي يفوز في استمالة العدد الأكبر من الفتيات.‏

بل إنني أحب أن أقول: إن المزيد من الثقافة قد يغدو حماقة. على سبيل المثال، ماذا كان "مؤيريري وا موكيراي" يحكي لنا الآن فقط؟ هل نقضي وقتنا كله على أكوام القمامة وفي ساحات الفضلات، نجمع الصفائح العتيقة لبناء السيارات؟ وهل نكون معتمدين على أنفسنا في فن السرقة واللصوصية؟ من أين لنا اكتساب تجربة وخبرة دولية في فن السرقة؟ أمن أكوام القمامة ومزابل الفضلات الخاصة بتكنولوجيا الدعم؟ لابد أنك كنت تمزح، يا "مؤيريري".‏

أستطيع أن أكرر فقط ماقاله الآخرون قبل هنيهة: وهو أن مايفيدنا هو شراكتنا مع الأجانب. دعونا نقوِّي تلك الشراكة. وعلى الرغم من حقيقة عدم حيازتي على أية إجازة "ماتاتو"، فقد خطرت لي مؤخراً فكرة ألمعية يمكن أن تحسِّن حياتنا الإمتلاكية. غير أنه يصعب تحقيق الفكرة إذا لم يتدخل الأجانب، وذلك لأنهم هم الذين يملكون المعرفة بالتكنولوجيا الحديثة. ذلك هو مايجعلني أتفق كل الاتفاق مع الذين يطلبون دائماً من الأجانب الإسراع في نقل تكنولوجياتهم أو بيعنا تكنولوجيا مناسبة ملكاً لنا.‏

أحب الآن إطلاعكم على فكرتي الألمعية للمشاركة بها، وحتى تعرفوا أنني الرجل الوحيد الصالح لارتداء تاج العبودية!‏

الفكرة خطرت لي بغتة في ليلة من الليالي، فيما كنت أستلقي نائماً، راح قلبي ينطُّ من الفرح، وشعرت أن سرَّ الحياة الجديدة بالنسبة لنا أصحاب الثروات كُشف لي شخصياً.‏

كان ذلك خلال زيارة الأستاذ "بارنارد" -وتعرفونه، صديقنا "البويري" من جنوبي أفريقيا- عندما تحدث عن عمليات الزرع في الجسم البشري. كنت موجوداً حين تحدث للأطباء في مشفى "كينياتا". عندها انتابني من جديد قلق طالما أصابني بالطاعون في كل مرة كنت فيها أنا، "ندتيكا وا نجونجي"، أتأمل ثروتي الهائلة، كنت أسأل نفسي بحزن عدة أسئلة دقيقة ثاقبة. بكل ما أملك، ماذا تراني أملك كمخلوق بشري، غير ما يملكه العامل أو الفلاح أو الفقير؟ إن لي فماً واحداً، كالفقير تماماً، وكرشاً واحداً، مثله تماماً، كما أملك قلباً واحداً كالفقير، وأملك... واحداً فقط وأنتم تعرفون ما أقصد، واحداً فقط مثل أفقر الفقراء.‏

إنني أملك من الأموال والأطيان ما يكفي لتوفير الطعام لألف إنسان، غير أن طبقاً مليئاً واحداً يشبعني، مثل بقية الناس تماماً. وأملك من المال ما يمكِّنني من ارتداء مائة بزة دفعة واحدة، غير أنني لا أقوى إلا على ارتداء بنطال واحد، وقميص واحد وسترة واحدة، مثل بقية الناس. كما أنني أملك من المال ما يمكنني من ابتياع خمسين كائناً حياً لو كانت الكائنات الحية تباع في السوق، ولكنني أملك قلباً واحداً وحياة واحدة، كبقية الناس أيضاً. وأملك من المال والأرزاق ما يمكنني من ممارسة الحب مع عشرة فتيات كل ليلة، ولكنَّ فتاة واحدة ترهقني بعد رمية واحدة، وأنتهي باللجوء إلى النوم دون بلوغ الشبع بشكل كامل.‏

لذلك، وبما أنني أعرف أني أملك فماً واحداً، وبطناً واحداً، وقلباً واحداً، وحياة واحدة، وذكراً واحداً، فما هو الفرق بين الأغنياء والفقراء؟ وما هو الهدف من سلب الآخرين؟‏

لقد انكشف لي في تلك الليلة ما ألهمني بأننا في هذا البلد يجب أن نملك معملاً لتصنيع قطع الغيار البشرية مثل الأفواه، والبطون، والقلوب وغيرها، قطع غيار للجسم البشري. وهذا سيعني أن الغني الذي يقوى على دفع الثمن يمكنه امتلاك فمين أو ثلاثة أفواه، وبطنين وذكرين وقلبين. فإذا تعب الفم الأول من المضغ، ولم يعد بمقدور بطنه استيعاب المزيد، يضطلع عندها بالعمل الفم والبطن الاحتياطي. وعندما يكون لرجل عجوز مثلي فتاة هوى، فإنه بدلاً من الخلود إلى النوم على أثر توقف المحرك الأول عن العمل، فإنه يشغل بكل بساطة المحرك الآخر ويتابع العمل، وبذلك يواصل المحركان تدعيم أحدهما الآخر طيلة الليل، بحيث أنه يشعر عند الاستيقاظ أن قلبه وجسده مسترخيان. إن بوسعنا صياغة وسبك أقوال مأثورة جديدة: فتوة الغني لا تنتهي أبداً. عندما يملك الإنسان قلبين، فهو في الواقع يملك حياتين. وهذا يعني أن الغني حقاً لن يموت أبداً. ثمة قول مأثور آخر: الغني لا يموت أبداً. يمكننا شراء الخلود بأموالنا وترك الموت والفناء امتيازاً خاصاً بالفقراء.‏

لقد سرتني تلك الخاطرة. غير أنني أخطأت عندما أطلعت زوجتي على مضمونها. السرعة الزائدة يمكن أن تفلق حبة البطاطا. وليس للنساء أسرار.‏

كانت زوجتي في البداية مسرورة جداً بالفكرة، وهنأتني وأثنت علي بالإنكليزية (عزيزي الصغير الذكي)، وغمرتني بوابل من القبل. ثم قالت: إنه إذا أمكن للفكرة أن تنجح، فسوف تكون رائعة، لأنه سيكون من الميسور التفريق بين زوجة الغني وزوجات الفقراء. فالنساء، في هذه الأيام، غنيات أو فقيرات، يشبه بعضهن بعضاً، جراء إنتاج الألبسة بالجملة. ولكن بعد بناء المصنع، ستميز زوجات الأغنياء عن زوجات الفقراء بامتلاك كل منهن فمين وقلبين أو أكثر، واثنين من الأشياء النسوية أو أكثر.‏

عندما سمعتها تذكر عضوين نسويين وتقول إنها ستكون قادرة على امتلاك عضوين بدلاً من واحد، أصابني الذعر. أخبرتها بصراحة أنه سيَّان عندي أن يكون لها فمان أو بطنان أو أضعافاً مضاعفة لأي عضو آخر من الجسم. أما أن يكون لها.. لا، لا! طلبت منها أن تنسى كل ذلك الهراء. ثم شرعت في المناقشة وقالت: إذا كان ذلك هو الوضع، فلن تسمح لي بالحصول على عضوين ذكريين. سألتها بمرارة: لماذا تريدين أن يكون لك اثنان؟ ومن أجل أي شيء تستخدمين اثنين؟ ردت علي: ولماذا تريد أنت اثنين؟ ومن أجل أي شيء تستخدمهما؟ إذا ملكت عضوين فسأملك أن عضوين بالضرورة. يجب أن نحقق مساواة بين الجنسين.‏

عند هذا، بلغت بالفعل حدود الغضب المفرط! طلبت إليها حمل مساواتها إلى أوروبا أو أمريكا. ولكننا هنا أفارقة، وعلينا الإلتزام بالثقافة الإفريقية. صفعتها على وجهها. راحت تبكي. صفعتها ثانية. ولكنْ عندما كنت على وشك أن أصفعها صفعة ثالثة، استسلمت. قالت: إنه يمكنني الحصول على ثلاثة أو عشرة وإنها تكتفي بواحد فقط.‏

أيها القوم، تمعنوا بذلك الحلم! كل غني يستطيع امتلاك فمين، وبطنين، وعضوين ذكريين وقلبين، وحياتين. ومن ثم فإن أموالنا ستشتري لنا الخلود! وسوف نترك الموت للفقراء. ها، ها، ها!‏

أحضروا التاج لي. فقد وجد التاج، بعد طول انتظار، صاحبه الحقيقي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244