|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 11:17 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصـل التاسـع (1) سقطت أشعة شمس الغروب على مرتفعات "إيلموروج" الذهبية كأنها ألسنة نيران تنعكس على حديد السيوف والرماح المتألق. وقف "جاتويريا" و "وارينجا" على سجادة مضمار الجولف المعشوشبة والخاصة بمدينة "إيلموروج"، وعينا كل منهما وأذناه مشدودة نحو الطريق إلى "نجيروكا"، الذي كانت تصدر عنه أصوات كلمات الأغنية تعالوا جميعاً وشاهدوا المنظر العجيب منظرنا ونحن نطارد الشيطان مع كافة تلاميذه تعالوا جميعاً! لابد أن ذلك هو "موتوري" مع جمهوره، قال "جاتويريا". دعنا نحث الخطى إذاً، أجابت "وارينجا" ثم راحت تجري نحو الأصوات، وبعد ذلك أخذت الأصوات تقترب وتقترب، وهم لايزالون ينشدون تعالوا جميعاً وشاهدوا العجب العجاب منظرنا ونحن نطارد الشيطان مع كافة تلاميذه تعالوا جميعاً! وبعد دقائق معدودة، كانا يقفان إلى جانب الطريق الذي كان يخترق "إيلموروج" مذهولين بالمنظر العجيب أمامهم. كان هنالك موكب طويل من النساء والأطفال والرجال أمام عيونهم. وكان هذا الموكب يشق طريقه نحو الكهف. كما كان كثيرون من الأطفال يركضون بجانب أرتال الناس، بعضهم يتواثبون بينما يشارك الآخرون في الغناء والإنشاد. ياله من موكب طويل، قال "جاتويريا" يبدو وكأن "موتوري" جمع كل أهل نجيروكا سوية! ردت "وارينجا" لاأعرف فيما إذا كنا سنتمكن من رؤية "موتوري"، قال "جاتويريا" دعنا نقف هنا ونعلِّق الأمل على أن يرانا "موتوري" ويأتي إلينا، قالت وارينجا. وحتى لو أخبرناه عن الشرطة، فالأمر سيَّان، قال "جاتويريا". لماذا؟ سألت "وارينجا". لأنني لا أرى أن هذا الجمهور سينسحب. رد "جاتويريا". وقف الاثنان على جانب الطريق، يراقبان الموكب الطويل وينتظران "موتوري". كان الناس لايزالون يتوافدون، بعضهم يغني، وبعضهم يصفر، والبعض الآخر ينفخ الصافرات والأبواق الرخيصة الثمن، ولكن ذلك كله متوافق مع النشيد. كما كانت خطواتهم وحركاتهم تتماشى مع إيقاع الأغنية. كان كثيرون يلبسون الثياب البالية وأكثر منهم حفاة القدمين. غير أنه كانت هنالك مجموعة صغيرة في الموكب ترتدي ثياباً أفضل، من قمصان نظيفة، وسترات وسراويل. شعرت "وارينجا" فجأة أن قلبها لم يعد يدق. ولم تكن تعرف ماإذا كانت تصدق دليل عينيها. لكأنها عادت إلى حلم ليس له بداية أو نهاية. انظر، انظر، صرخت "وارينجا" وهي تلفت انتباه "جاتويريا". انظر إلى الرجل الذي رأيته بالأمس! قالت "وارينجا" وكأنها تغني. ولكن من؟ الرجل الذي أعطاني بطاقة الدعوة المزيفة عند موقف باص فندق "كاكا" هل تستطيع رؤيته؟ أين؟ هناك، بين المجموعة التي تبدو بلباس أفضل قليلاً. الرجل ذو اللحية الصغيرة المشذبة. انتظري لحظة! قال "جاتويريا". أنا أعرفه! من هو؟ سألت وارينجا. إنه أحد طلاب الجامعة! هل هو طالب؟ أجل، إنه قائد اتحاد طلاب جامعة "إيلموروج" ماتراه يعمل في الموكب؟ سألت "وارينجا" لعله واحد منهم، أجاب "جاتويريا" إذاً، هل كان ادعاء "مؤيريري وا موكيراي"، في أن البطاقات المزيفة التي أطلقت على هذا الاحتفال اسم مهرجان الشيطان إنما صدرت عن طلاب الجامعة، هو ادعاء صحيح؟ سألت "وارينجا". هناك وفي تلك اللحظة، فتحت حقيبة يدها وتناولت البطاقة التي أُعطيت لها من قبل الطالب مع البطاقة التي أعطاها لها "مؤيريري وا موكيراي". قارنتهما بسرعة، كأنها تراهما لأول مرة، ثم أعادتهما إلى الحقيبة. أعرف الآن، دون ريب، من هم الذين وضعوا البطاقة المزيفة داخل مكتبي في الجامعة! قال "جاتويريا" وهو يحرك رأسه. كان كل شيء انكشف له الآن. راقب الاثنان الموكب، وذهناهما مشغولان بالتساؤلات. كان بعض الناس يحملون يافطات عليها شعارات مختلفة: نرفض نظام السرقة واللصوصية؛ فقرنا ثراء لهم؛ اللص والساحر توأمان؛ أمهم هي الاستغلال؛ لقد أعدّت خلية النحل التي سندحرج فيها السارقين واللصوص على منحدرات تلة الموت من قبل العمال؛ ماهي أكبر سرقة؟ إنها سرقة عرق ودماء العمال! وماهي أكبر لصوصية؟ إنها سلب دماء الجماهير! ويافطات كثيرة أخرى لايمكن تمييزها بسهولة من قبل شخص يقف على جانب الطريق. وأما من لايحملون يافطات فكانوا يحملون العصي على أكتافهم مثل البنادق. هذا في الحقيقة جيش! قال "جاتويريا". جيش من العمال؟ سألت "وارينجا". أجل، والفلاحين وصغار التجار والطلاب... بقيادة العمال... إنهم ينقلون المعركة إلى الكهف! أضاف "جاتويريا". ضحكت "وارينجا" لما تخيلت المعركة التي ستنشب في الكهف بين قوى العمال وقوى السارقين واللصوص. عند هذا كان كثيرون ممن تصدروا الموكب قد تجاوزوا "وارينجا" و "جاتويريا"، فقالت "وارينجا" "لجاتويريا": هل يمكن ألا يكون "موتوري" بينهم؟ (2) وكأنه إجابة عن سؤال "وارينجا"، وقع بصر "موتوري" عليهما في تلك اللحظة، فترك الموكب وأقبل نحو مكان وقوفهما، أخذ "موتوري" يتكلم بسرعة ودون توقف، كان نهر كلماته فاض وفجَّر ضفتيه. هل تغادران بهذه السرعة الكبيرة، في حين أن المعركة بدأت تواً؟ هل تريدان أن يفوتكما مشهدنا الغريب ونحن نطرد طائفة المستغلين من عرينهم في الكهف؟ انظرا إلى قومنا وهم يضربون بخطى ثابتة وكبرياء على الأرض كأنهم يعيرون آذاناً صاغية لنداء الجماهير! لقد وجدت أن معظم العمل التحضيري تم عن طريق عمال "إيلموروج" أنفسهم. لقد ساعدت قليلاً. هل ترون تلك المجموعة التي تبدو بثيات لابأس بها؟ أولئك هم طلاب "إيلموروج" من المدارس المجاورة ومن الجامعة. هذا شيء رائع حقاً! إن أجيال المستقبل ستتغنى بهذا اليوم من أسطحة المنازل وقمم الأشجار والجبال، من "كينيا" إلى "إيلجون"، ومن "إيلجون" إلى "كيلمنجارو"، ومن روابي "نجونج" إلى "نيانداروا". فلقد وجدت أنا، "موتوري وا كاهونيا مايثوري" الطلاب والعمال يحضرون مسيرة، ويحضون كل من يعيش في "نجيروكا" للانضمام إليهم في سبيل مهاجمة السارقين واللصوص المحليين وضيوفهم الأجانب. نقلت لهم المعلومات التي جمعتها سابقاً، وطلب مني إلقاء كلمة. تجولنا في كل ركن من أركان "نجيروكا". وما أن يسمع أي في أنني سبق أن سمعت اللصوص والسارقين وهم يتبجحون، حتى يذهب في الحال للحصول عل عصا ويعود لكي ينضم إلى الموكب والهتاف. ماذا أقول لكما أكثر من ذلك؟ هاتوا أبواقكم لكي نتمكن من الضرب عليها تمجيداً لهذا اليوم العظيم. تعالوا ودعونا نحتفل معاً. هيا، ودعونا نمشِ بكبرياء وأنفة، ذلك لأن بعض شبابنا المتعلم شنفوا آذانهم وأصاخوا السمع بصرخة الشعب! لقد فتحوا عيونهم وبدؤوا يبصرون النور الذي يشع من منظمة العمال والفلاحين العظيمة! هل عادت "وانجاري"؟ جئنا لملاقاتك! قال "جاتويريا" حين سنحت له الفرصة للتفوه بكلمة واحدة. لماذا؟ أين هي "وانجاري"؟ لقد اعتقلت "وانجاري" من قبل الشرطة، قالت له "وارينجا". اعتقلت؟ أجل، من أجل نشر الإشاعات التي قد تبعث أعمال العنف وتعرض السلام، والاستقرار في البلاد للخطر! قال "جاتويريا". أين اعتقلت؟ في الكهف؟ أجل، أجابت "وارينجا". طفق "موتوري" يتكلم الآن بألم ومرارة: أنا كعامل أعرف جيداً أن قوى القانون والنظام هي إلى جانب من يسلبون العمال نتاج عرقهم، وإلى جانب من يسرقون الغذاء والأرض من الفلاحين. إن السلام والنظام والاستقرار الذي يدافعون عنه بالعربات المدرعة هو سلام ونظام واستقرار الأغنياء، الذين يقيمون الولائم على الخبز والخمرة المستلبة من أفواه الفقراء. أجل، إنهم يحمون الأكلة المستغلين من غضب العطاش والجائعين. هل سبق أن شاهدتم رب عمل يهاجم من قبل القوات المدرعة بسبب رفضه زيادة رواتب العمال؟ وماذا عندما يقوم العمال بإضراب؟ أو يملكون الجرأة للحديث عن العنف! من تراه يزرع بذور العنف في هذه البلاد؟ ذلك هو ما جعلني أريد أن تحضرهم "وانجاري" وترى بنفسها، بحيث تتبخر وتتلاشى كل شكوكها الكامنة، فتوجه السؤال لنفسها: هل رأيت في حياتي الشرطة ترسل لإسكات الأغنياء؟ إسمع، قال "جاتويريا" بسرعة، لقد جئنا لتحذيرك من أنه يمكن أن تعتقل أيضاً. إن رئيس شرطة "إيلموروج" موجود في الكهف. يسعدني أنكما أتيتما لتحذيري، رد "موتوري" ببطء، متأثراً بشكل واضح بهذا التلميح، إن عملكما مصدر فرح كبير لي. أنتما وأنا التقينا في سيارة أجرة "ماتاتو" الليلة الماضية فقط ومع ذلك جئتما لإنقاذي من الخطر. ولكنني لن أهرب. سوف لانهرب جميعاً. وبالنسبة لنا نحن العمال ليس ثمة تراجع- فأين نستطيع أن نهرب؟ دعوني أقل لكما، أنا على ثقة بأن نظام السرقة واللصوصية لن ينتهي مطلقاً في هذا البلد مادام الناس يرهبون البنادق والهراوات. علينا أن نناضل ونحارب ثقافة الخوف. وليس هناك سوى علاج واحد: ألا وهو منظمة قوية للعمال والفلاحين في البلد مع الذين عيونهم وآذانهم مفتوحة ومتيقظة الآن. لقد بين هؤلاء الطلاب الشجعان الطريق أو الجانب الذي يؤديه التعليم. يا صديقيَّ، يجب أن تأتيا وتنضما إلينا. ادعمونا بثقافتكما، ولا توليا الشعب الأدبار. تلك هل الطريقة الوحيدة. (3) ما إن قال "موتوري" هذا حتى ترك "جاتويريا" و"وارينجا" وهرع للانضمام إلى موكب العمال من جديد. نظر كل من "جاتويريا" و "وارينجا" إلى بعضهما. لقد أصابت كليهما الرعدة من دعوة "موتوري" للسلاح. قبل هنيهة، وفيما كانا يأكلان اللحم ويشربان الجعة في "نجيروكا"، لم يكونا ليفكرا أنهما يمكن أن ينضما لموكب من العمال الحفاة بثيابهم البالية وهم في طريقهم لمهاجمة الكهف بالعصي واليافطات. أما الآن فقد كان صوت أحد العمال يناديهما أن يختارا الجانب الذي سيستخدمان به علمهما وثقافتهما. قبل هنيهة، وعلى الرغم من اشمئزازهما من الحديث في الكهف، فقد كانا يميلان إلى اعتبار هذه الأشياء في عالم منفصل تماماً عن عالم حياتهما، أما الآن، فكان صوت أحد العمال يناديهما، ويقول لهما: إن ما من إنسان يمكن أن يسير في طريقين بآن واحد. قبل هنيهة، كانا يعتبران نفسيهما مشاهدين لرقصة يرقصها الآخرون. أما الآن فكان صوت أحد العمال يحضهما على دخول الميدان، وألا يقفا على الطرف ويراقبا رقصة الناس التي تؤدى الآن. سأل "جاتويريا" نفسه: أين نقف نحن العمال المثقفين؟ هل إلى جانب المنتجين أم إلى جانب من يعيشون على إنتاج الآخرين؟ هل نقف إلى جانب العمال والفلاحين أم إلى جانب الطبقة المستغلة؟ أم نحن مثل الضبعة التي جربت السير على طريقين مختلفين في آن واحد؟ كانت "وارينجا" تتعرض لاختبار عواطف وانفعالات مشابهة وتجري وراء أفكار مشابهة: نحن الذين نعمل كتبة، ضاربي آلة كاتبة وسكرتاريا، على أي جانب نحن؟ نحن الذين نضرب على الآلة الكاتبة ونتلقى الإملاء من "بوس كيهارا" ومن على شاكلته، مع أي جانب نحن في هذه الرقصة؟ هل نحن إلى جانب العمال أم إلى جانب الأغنياء؟ من نحن؟ من نحن؟ مرات كثيرة سمعت النساء تقول: مؤسستنا تفعل هذا وذاك، ونحن نستخدم عمالاً كثيرين في شركتنا، عمالاً يجنون المبلغ المرقوم، شركتنا حققت هذه الأرباح الكثيرة، بينما وهم يتكلمون، قد لايملكون سنتاً واحداً يدفعون فيه أجرة الباص في المساء. نعم، كثيراً ما سمعت فتيات يتبجحن بالحديث عن أسيادهن وأرباب عملهن، وعندما يبحث الإنسان بدقة لمعرفة ما يتبجحن به، لايستطيع أن يجد شيئاً. إنها بضع مئات من الشلينات تدفع شهرياً لامرأة تعيل أطفالها ونحن نسمي هذا راتباً؟ وفي مقابل هذا القليل ضحيناً بأربعة أشياء: أولاً، سواعدنا. أجل فنحن الذين نطبع كل وثائقهم ورسائلهم. وأيدينا تصبح أيديهم، وقوتنا تصبح قوتهم. ثانياً، عقولنا. أجل، وذلك لأنه ليس هنالك رب عمل يريد فتاة بأفكار مستقلة وموقف مستقل، ولايكون رب العمل سعيداً مع سكرتيرة تناقش الأمور وتسأل عنها، أو تفتح عينيها بصورة كاملة لترى مايحدث لها من قبل "بوس كيهارا"! فرب العمل دائماً على حق وصواب: "علقي دماغك من أصابعك أو فخذيك"! ثالثاً، إنسانيتنا. أجل، لأن "بوس كيهارا" ومن على شاكلته يتخلصون من إحباطهم معنا. عندما يتخاصمون مع زوجاتهم في المنزل، يجلبون غضبهم إلى المكتب؛ وعندما لاتسير الأمور مسارها الصحيح في العمل، فإنهم يجلبون كل غضبهم وحنقهم إلى المكتب. نحن نهان، ولكننا نظل هادئين لأن المفروض أن لنا قلوباً لا تحركها الدموع بسهولة. رابعاً، أفخاذنا. أجل، لأنه وباستثناء المحظوظات والقلائل، فإن أكثرنا يحصل على العمل فقط عن طريق السماح لأمثال "بوس كيهارا" بتمسيد وضرب أفخاذنا. نحن زوجاتهم الحقيقيات... ولكن لسنا بالطبع زوجاتهم الشرعيات! أجل، نحن زوجات توضع في سيارة ب.م.و. في مشوار نهاية الأسبوع إلى مسلخ من المسالخ! وبعد كل شيء، هنالك فرق بين الماعز الذي يذبح والماعز الذي يربى. من نحن؟ من نحن؟ من نحن؟ طفق قلب "وارينجا" يدق بانتظام رداً على سؤالها، وهي تنبش مشاكل لايستطيع أحد أن يوفر حلولاً لها لأنها تتعلق بالقرار الذي عليها أن تتخذه لنفسها بالنسبة للجانب الذي ستختاره في صراع الحياة. (4) وجد "جاتويريا" و "وارينجا" الكهف كله يعبق برائحة الحطام المحروق والدخان. وكان المكان كله محاطاً بجمهور "نجيروكا" وهو لايزال ينشد: تعالوا جميعاً وشاهدوا المشهد العجيب مشهدنا ونحن نطارد الشيطان مع كافة تلاميذه تعالوا جميعاً. كان الوضع المسرحي عند باب الكهف، وفيما يحاول عدد من اللصوص والسارقين الضغط على كروشهم البدينة عبره في الوقت نفسه، وضعا مضحكاً ومبكياً في آن معاً. كان كل لص يسعى للتسلل بتثاقل إلى سيارته مثل الحصان، وبعد ثانية كان يثير الغبار وهو ينطلق بسيارته بعيداً، يتلو صلواته من كل قلبه وروحه. أما الذين لا يملكون كروشاً سمينة- طائفة النحلاء الهزيلين فكانوا يقفزن من النوافذ، وما أن يلامسوا الأرض حتى يندفعوا كالسهام المنطلقة. أما العمال فكانوا يجرون خلفهم صائحين: ها هو ذا! وها هو ذاك! اصطادوه! اصطادوه! اقبضوا عليه! أمسكوا اللص! ومن المكان الذي كانت تقف عليه، لم تستطع "وارينجا" رؤية كل شيء يحدث في الكهف رؤية جيدة. كانت الساحة في فوضى كبيرة تعج بأقدام أصحاب القصور والعزب في مرتفعات "إيلموروج الذهبية"، وهم يطاردون من قبل ساكني الأكواخ في "إيلموروج". غير أن "وارينجا" استطاعت رؤية مشهد "جيتوتو وا جاتاغورو" و "ندتيكا وا نجونجي" المدهش وهما يحاولان الفرار، مثل عنكبوتين يحملان البيوض، فيما كانت أردافهما تساط بالعصي من قبل ملاحقيهما. وفي وقت وصولهما إلى سيارتيهما، كانا يلهثان، وعرق الألم والتعب والخوف يتساقط على الأرض قطرات قطرات مثل مطر خلال وابل ثقيل. لم تكن "وارينجا" وحدها التي افتر ثغرها عن ابتسامة. فقد كان الجو كله يعبق بصخب الضحك النشوان الصادر عن أهل "نجيروكا" وهم يسخرون من سكان المرتفعات في الفرار، وهم ينزعون السترات، وعقد الرقبة والأحذية، والزنانير أو أي شيء يجعلهم أخف وزناً. أما عندما شاهد الجمهور السارقين الأجانب وهم على وشك مغادرة الكهف، فقد تحول ضحكهم إلى زئير مهدد خطير. كانوا يزأرون مثل ألف أسد غاضب سلبت منهم أشبالهم، وأمسكوا بعصيهم وهراواتهم وقضبانهم الحديدية وتدافعوا إلى الأمام باتجاه اللصوص الأجانب، الذين يحيط بهم حراسهم المحليون من أهل البلاد. استل سارق محلي مسدسه لكي يطلق النار، ولكن هسيس الجمهور الغاضب جعل يده ترتجف، فانطلقت الرصاصة في الجو دون أن تؤذي أحداً. توقف الجمهور، ثم تدافع إلى الأمام من جديد، وخطوات الناس متماشية سوية تهز الأرض هزاً. لقد نجا اللصوص الأجانب السبعة القادمون من أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان من التمزيق إرباً إرباً لأن سياراتهم كانت قريبة، ولأن سائقيهم كانوا قد شغَّلوا المحركات استعداداً لهروب سريع. وكان هنالك سارقان نسيا أن لهما سيارات، فهربا مشياً على الأقدام. كانت السيارات منوَّرة. وبعد برهة قصيرة، لم يبق أي سارق أو لص في منطقة الكهف. لقد تدبر الجميع الفرار، كأنهم ركَّبوا فجأة أجنحة من الخوف. (5) تجمع الناس الآن خارج الكهف، ينتظرون خطباً وإرشاداً من قادتهم. كان "موتوري واكاهونيا ميثوري" أول المتكلمين: أيها الأصدقاء -أو لعل من الواجب أن أناديكم بني عشيرتي، لأننا نحن المجتمعين هنا ننتمي لعشيرة واحدة، ألا وهي عشيرة العمال- وأعتقد أننا جميعاً رأينا المشهد اللامعقول لأولئك الذين يملكون كروشاً لم تحمل أطفالاً أبداً يأتون لاحتقارنا وإهانتنا. هذه الكروش لم تتورم من المرض. لقد سمنت على ثمار عرقنا ودمائنا. هذه الكروش عقيمة عاقرة، كما أن أصحابها عاقرون. وماذا عنا، نحن العمال؟ إننا نبني المنازل، فيسكنها الآخرون وأما نحن البنائين فنرمى خارجاً تحت المطر. نصنع الملابس، فيأخذها الآخرون، ليرتدوا لباساً حسناً فيما نبقى نحن الخياطين عراة، ننتج الطعام فيأكله الآخرون، أما نحن الزارعين فننام وكروشنا تعول وتقرقع طيلة الليل. انتبهوا. نبني المدارس الجيدة، فيجد أبناء الأخرين أمكنة جيدة بها، أما أطفالنا فيذهبون بحثاً عن الطعام في أكوام القمامة وسلات المهملات. إننا اليوم نتخذ موقفاً. إننا نرفض اليوم وفي هذا المكان أن نظل القدور التي تطهو ولكنها لا تتذوق الطعام على الإطلاق. تنحى "موتوري" جانباً فقابله الجمهور باحتفاء كبير، وراحت النساء تزغرد. كان قائد طلاب "إيلموروج" هو الثاني في الكلام. عندما رأته "وارينجا"، أحست إحساساً غريباً. كيف يمكن أن يكون هذا؟ كيف يمكن أن يُتبع "موتوري"، الذي أنقذها في يوم من الأيام من الموت تحت القطار في "ناكورو" بالرجل الذي أنقذها من الموت تحت الباص في "نيروبي" بالأمس؟ راحت "وارينجا" تراقب لحيته المشذبة تتحرك بانسجام مع كلماته. "نحن جمهرة الطلبة في "إيلموروج"، سواء من المدارس الإعدادية والثانوية أو من الجامعة، نؤيد العمال بشكل كامل في نضالهم العادل ضد نظام السرقة واللصوصية الحديثة. إن العمال هم جبهة المعركة ضد الكولونيالية الجديدة، آخر مراحل الإمبريالية. عندما استروحت منظمة "إيلموروج" العمالية رائحة تجمع اللصوص المحليين والدوليين أنبأتنا بذلك، كمنظمة طلابية. جلسنا نحن الطلاب وسألنا أنفسنا: ماذا يمكن أن نعمل لكي نعلن تضامننا مع العمال؟ عند ذلك فقط طبعنا بطاقات تدل على طبيعة الاحتفال، نوضح فيها أنه سيكون أشبه بمهرجان للشيطان يديره إبليس، ملك الشياطين. دعونا الآن جميعاً نضم أيدينا لأيدي العمال في حربهم العادلة ضد شرب الدم البشري وأكل اللحم البشري، والجرائم الكثيرة الأخرى التي ارتكبتها الإمبريالية في مرحلتها الكولونيالية الجديدة. دعونا نضم أيدينا للعمال وهم يناضلون لبناء منزل يأتي بالخير والفائدة لكل البنائين. أي شيء أفضل يمكن أن تقدمه ثقافتنا من أجل وطننا؟ ذلك هو السبب الذي جعلنا نحن الطلاب نقول: إننا سوف لانتخلف، وإننا سنشارك في هذه المسرحية العجيبة التي وجَّب فيها علينا نحن الشعب أن نرمي بالشيطان وكل أتباعه إلى الخارج! قوبل قائد الطلبة هو الآخر بحفاوة كبيرة، كما كانت زغردة النساء أشبه بطبول الحرب. أما ثالث المتحدثين فكان قائد عمال "إيلموروج". كان يرتدي معطفاً فضفاضاً وقبعة على شكل المخروط. قبل أن يتكلم، خلع قبعته. فظهر أنه يملك عدداً من الشعرات البيضاء. "أود بادئ ذي بدء أن أقدم آيات الاحترام والإجلال لشجاعة طلاب الجامعة والمدارس المحيطة بهذا المكان. إذا كان لزاماً على شبابنا أن يكفُّوا سواعدهم، فماذا سيحصل لحصن الدفاع عن الأرض؟ وأين سيصبح الوطن؟ كلمة امتنان وعرفان بالجميل لكل من أصاخوا السمع لندائنا من "نيروبي" إلى "إيلموروج". سوف أحكي الآن كلمة واحدة وأسأل سؤالاً واحداً. إن عندنا نموذجين من نماذج الوحدة، وحدة الأغنياء ووحدة العمال. فعلى أي جانب أنتم؟ وأية مبادئ ترفعون وتعتنقون، مادام لكل جانب مبادؤه الخاصة؟ إن تطويبة الأغنياء والإمبرياليين تسير على النحو التالي: مبارك هو من يعض ثم يخفف الوجع، لأنه لن يُكتشف بتاتاً، مبارك هو الرجل الذي يحرق منزل رجل آخر ثم يشاركه أحزانه في الصباح، لأنه سيدعى رحيماً شفوقاً مبارك من يسلب الآخر خمسة شلينات ثم يرد له نصف شلين ثمناً لملح الطعام. لأنه سيدعى كريماً. أما بالنسبة لمن يعض ولا يعرف كيف يخفف الألم ومن يسرق من الجماهير ولا يحاول خداعهم بكلمات معسولة. فالويل له! لأنه إذا صحت الجماهير، فإن أمثال هؤلاء سيرون من خلال arses ولربما ينقلون أمراضهم لنا، نحن الذين كنا قادرين على تمويه أعمالنا الشريرة بأردية الرياء الدينية. أما عقيدة العمال فتجري على النحو التالي: إنني أعتقد بأننا نحن العمال من طائفة واحدة. ولذلك ينبغي ألا نسمح بالانقسام حسب الدين واللون والعشيرة. بل أعتقد أن قوتنا تكمن في ظل منظمة العمال. ذلك لأن المنظَمين لايضلون طريقهم أبداً، أما غير المنظمين فيشتتهم صوت طلقة واحدة. ولذلك فأنا أومن بوحدة العمال. لأن الوحدة قوة لنا. كما أعتقد أن الإمبريالية وممثليها المحليين هم أعداء مسيرة العمال والفلاحين والوطن بأكمله. ولذلك إني دائماً أقسم على النضال ضد الكولونيالية الجديدة. لأن الكولونيالية الجديدة هي الركلة الآثمة الأخيرة للإمبريالية المنقرضة دعونا ننشد الآن جميعاً نشيد العمال معاً! ثم بدأ يغني، كما شارك الآخرون الغناء، بأصوات ترتفع بتساوق وانسجام مما جعل الأرض ترتعد في الموضع الذي وقفت فيه "وارينجا". وفيما كان النشيد يرتل، شعرت "وارينجا" أن شخصاً ما كان يشد ثوبها من الخلف. استدارت بسرعة فوجدت أن "موتوري" يحاول لفت انتباهها. لحقت به وانسحب الاثنان إلى مكان مخفي وراء الكهف. اسمعي، بادر "موتوري" الحديث فوراً، وعيناه مثبتتان على وجه "وارينجا" وعينيها، كأنه بذلك يقوى على قراءة كل الزوايا المستترة في قلبها، هل أستطيع أن أعهد لك بعبء صغير إلى الغد؟ ماهو هذا العبء؟ سألته "وارينجا" مجرد أنبوب معدني يقذف ناراً قاتلة ودخاناً، قال "موتوري" وهو لايزال يراقب "وارينجا". ولم لا؟ سألت "وارينجا" نفسها. نعم إذا تعهدت بأخذه غداً، قالت "وارينجا". ليس ثمة وقت نضيعه، قال "موتوري" وهو يحضها على ذلك. لقد عرفتك الليلة الماضية في السيارة، وراقبتك خلال النهار في الكهف، فقررت أنه يمكن ائتمانك على سر عامل. لما تركتك مع "جاتويريا" تقفان إلى جانب الطريق، ذهبت وشاركت الناس معركتهم ضد اللصوص. هل شاهدت قوة الشعب المتحد؟ كان هؤلاء اللصوص مسلحين ولكن لم يتمكن أحد منهم من استعمال مسدسه لأنهم تجمَّدوا هلعاً من عيون الجماهير وزئيرها الصاخب. كان "كيهاهو وا جاتيكا" وحده الذي حاول إطلاق النار علي. لقد لاحقته إلى هذا الطرف الذي نقف عليه الآن. وكنت سريعاً جداً بالنسبة له، فضربت ذراعه قبل أن يطلق النار. راح يصرخ من الألم، ورمى مسدسه، ثم لاذ بالفرار منطلقاً كالسهم... تناولت أنا هذا الأنبوب الحديدي الذي أراد قتْلي به. ها هو المسدس. إنه صغير جداً بحيث أنه يناسب راحة يدك أو جيب القميص. انظري كيف يلمع ببريق جميل! هذا من إنتاج أحد العمال! ولكنه كما ترين لايدافع عن العمال. فنحن العمال نصنع في كثير من الأحيان أشياء تنقلب ضدنا وتستخدم لاضطهادنا! انظري الآن إلى نتاج العامل وهو يعود لملكيته. لقد كانت الأنابيب الحديدية من هذا النوع في زنود العمال هي التي أنقذت كينيا من الكولونيالية القديمة. وحتى في الوقت الحاضر، إن البنادق من هذا النوع بنبغي أن تكون في أيدي العمال لكي يتمكنوا من الدفاع عن وحدة وثراء وحرية وطنهم. ولكنْ دعيني أمسك عن... الوعظ. أرى أنه يفترض أن تنشأ مشاكل أكبر هذه الليلة. خذي هذا المسدس. ضعيه في حقيبة يدك. ودعينا نلتقي في العاشرة صباحاً عند موقف باص "نيروبي". إياك عرض هذا المسدس على أي شخص أو إخبار أي شخص عنه، ولا حتى "جاتويريا". فهؤلاء المثقفون ليسوا على رأي حازم في وقفتهم مع هذا الجانب أو ذاك. إنهم يتمايلون ويترنحون من جانب لآخر كما يتمايل الماء على ورقة الشجر. اذهبي الآن. كوني على حذر. وهذا المسدس بطاقة دعوة إلى مهرجان العمال الذي سيعقد في يوم من الأيام مستقبلاً. أعطى "موتوري" المسدس "لوارينجا" وانصرف بعيداً. أحست "وارينجا" إحساساً غريباً ينتابها. طفق قلبها يرتجف. شعرت بدفقة من الشجاعة تسري في جسدها كله. حسبت أنه ليس ثمة خطر واحد في العالم لا تقوى الآن على مواجهته.. لقد زالت كل شكوكها ومخاوفها بالشيء السري الذي عهد به "موتوري" لها. خطر لها أن تسأله عن المناسبة التي أنقذها بها من الموت تحت عجلات القطار قبل أمد بعيد في "ناكارو". غير أن فكرة أخرى تلبثتها فنادته: يا "موتوري". وتوقف موتوري على الأثر. قل لي شيئاً واحداً أريد أن أعرفه قبل أن تبتعد. من أنت؟ أنا، أجاب "موتوري"، أنا مندوب من منظمة عمالية سرية في "نيروبي". ولكن، إياك توجيه أسئلة أخرى. حيثما أكون، أعمل من أجل تلك المنظمة. اعتني بنفسك، وتذكري أنك لست وحيدة. افترق الاثنان بعد ذلك. قفلت وارينجا عائدة إلى "جاتويريا"، تحمل معها سر "موتوري". ثم رأت أن من الأفضل لها أن تحمل السر إلى البيت فوراً. كان العمال لا يزالون ينشدون. أعربت "وارينجا" "لجاتويريا" عن رغبتها في الذهاب إلى البيت قبل حلول الظلام، لأنها كانت منهكة من التعب. غطَّ قلب "جاتويريا" وتجهم وجهه. أصيب بالخيبة لأنه كان يعتقد أنه سوف يكون قادرا ًعلى أخذ "وارينجا" إلى البيت، ولكن لم تخطر له طريقة يطرح بها نفسه مرافقاً وحارساً لها. فقال: أود البقاء هنا لكي أرى نهاية هذه المسرحية. ولكن كيف أستطيع مقابلتك غداً؟ تم الاتفاق على اللقاء في فندق "شعاع الشمس" الساعة الثانية عشرة في اليوم التالي. أرادت "وارينجا" أن تغني "لجاتويريا" أغنية اعتادت الاستماع إليها عشية الدخول إلى حياة جديدة: الآن تراني! الآن تراني! الفجر آخذ في الإنبلاج! الموت والحياة سواء بالنسبة لي فالفجر ينبلج! وفيما كانت "وراينجا" تسير على طول الطريق، حباها الله أجنحة جديدة، وصارت جاهزة للطيران. خطر لها أن تنتظر سيارة الأجرة، ثم تذكرت فجأة "مواؤرا" مع سيارته "الماتاتو ماتامو" والمصير الذي كان ينتظر "مؤيريري وا موكيراي". قررت أن تذهب في البداية إلى فندق "قوس قزح الأخضر" لكي ترى إذا كان بوسعها منع "مؤيريري وا موكيراي" من السفر إلى "نيروبي" هذه الليلة. لم تستطع قول أو معرفة ما كان يدفعها للقيام بهذا. غير أنها كانت تشعر بأنها مدينة ديناً معيناً لأنها شخصياً أنقذت من الموت في مناسبتين بواسطة غرباء. استذكرت حلمها الأخير. أتراه كان حلماً أم كشفاً؟ طرحت "وارينجا" السؤال نفسه ثانية. هل كان الصوت حقيقياً أم تراه كان وهماً؟ لا. لقد كان صوت إبليس، صوت الغواية. ذلك لأنه على الرغم من أن الصوت رسم صورة حقيقية لما كان يجري في البلاد، وسجَّل ملاحظات دقيقة وثيقة الصلة عن كينيا الكولونيالية الجديدة، فإن الطريق التي أظهرها الصوت كمحور للخلاص من سجن الحياة الكولونيالية الجديدة كانت طريقاً مضللة وربما تكلف "وارينجا" عمرها وحياتها. لقد أغواها للسير في طريق عريضة مفروشة بأزاهير الفردية الأنانية المصلحية. لقد أغواها كي تبيع جسدها مرة ثانية طلباً للمال! هل تراها ستفكر ببيع روحها للشيطان والبقاء كالمحارة، على شاكلة "ندينجوري وا كاهاهامي"؟ من أجل النقود وحدها؟ ياالله، لا. لقد كانت سقطة واحدة تكفي، هذا هو القرار الذي توصلت إليه "وارينجا" بكل يقين وثبات، وكأن سر "موتوري" الذي كانت تحمله وهبها شجاعة لا تغلب في محاربة الشيطان وهزمه مع كافة عروض غوايته التي من شأنها خداع الوطنيين من أجل بيع بلادهم كلها. وقبل أن تصل "وارينجا" إلى فندق "قوس قزح الأخضر"، شاهدت شاحنتين عسكريتين، معبأتين بالجنود المسلحين تسليحاً كاملاً، تنطلقان باتجاه الكهف. وخلف الشاحنتين، كان هنالك ثلاث عربات مدرعة. أوه، ياالله، سوف تقع الواقعة في الكهف الآن، حدثت "وارينجا" نفسها. راحت تفكر بالعمال المتجمعين خارج الكهف. كما فكرت " بجاتويريا"و "موتوري" وأرواح الناس. تذكرت "وارينجا" السر الذي كانت تحمله. حثت الخطى... كانت الشمس قد أفلت، غير أن الظلام لم يسدل ستوره بعد... هذا وبسبب الأفكار المتصارعة التي كانت تصطخب في ذهنها، لم تعرف "وارينجا" أنها وصلت فندق "قوس قزح الأخضر"، حيث كان ينزل "مؤيريري وا موكيراي"، حتى شاهدت شارة المصباح المضاءة بصورة مفاجئة. أتريدين "مؤيريري وا موكيراي"؟ سأل موظف الاستقبال "وارينجا"، وكأنه لم يسمع طلبها بوضوح. نعم. لقد رحل تواً. لقد غادر الفندق قبل أقل من خمس دقائق. كيف ذهب؟ سألت "وارينجا". بواسطة سيارة أجرة، ماتاتو، ماتاتا، ماتامو من طراز فورد.ت. وتحمل رقم التسجيل م.م.م. 333. لم أر في عمري سيارة أجرة مزركشة بمثل هذه الشعارات الكاريكاتورية الغريبة. "إذا كنت ترغب بشائعات حقيقية، فاركب ماتاتو ماتاتا ماتامو، وإذا أردت ثرثرة حقيقية.... تركت "وارينجا" موظف الاستقبال الذي خرج عن طوره من الضحك. عم هذا كله؟ عم كل هذا؟ كانت وارينجا تتساءل. وعلى حين غرة، تجمدت دماء "وارينجا" في شرايينها. في كل أنحاء "إيلموروج"، لم يكن يسمع أي شيء غير طلقات البنادق وصرخات الناس المروعة. (7) ذهبت "وارينجا". في اليوم التالي إلى موقف الباص لمقابلة "موتوري". لم يكن "موتوري" هناك. ذهبت وارينجا بعد ذلك لرؤية "جاتويريا" في فندق شروق الشمس. كان قلبها مثقلاً حزيناً لأن الموضوع الرئيسي في "نجيروكا" وفي "إيلموروج" بأكملها هو مهرجان الكهف وكيف أنه انتهى بعدد من الضحايا والوفيات. بعض الناس قال: إن عشرين شخصاً ماتوا، فيما ادعى آخرون بوقوع خمسين ضحية، بل رفع آخرون الرقم إلى المائة. أما ماهو معروف عامة، فهو أن بعض الناس قتلوا من قبل رجال الجيش والشرطة، وأنه تم إلقاء القبض على آخرين من قبل مدير الشرطة "جاكونو". كان "جاتويريا" هو من سرد دقائق الموضوع "لوارينجا". لقد قتل خمسة عمال من قبل قوات النظام والقانون البورجوازيين. كما أن العمال قتلوا جنديين. غير أن هناك عدداً من المجروحين في الطرفين. وماذا عن "موتوري"؟ سألت "وارينجا" بقلق. موتوري؟ لقد اعتقل مع قائد الطلاب. لم يستطيعوا اعتقال زعيم العمال لأن الآخرين خبأوه. لقد نزل إلى النفق ولكنهم لازالوا يبحثون عنه. ركن الاثنان إلى صمت حزين، مثل أبوين حرما ولدهما. جلسا في الخارج، على مائدة في إحدى حدائق الفندق المكسوة بالعشب الأخضر والأزهار. أما الشاي الذي طلباه، فقد صار بارداً في الأكواب. وقبل أن تنطق "وارينجا" بأية كلمة، أضاف "جاتويريا" يقول على مهل: ولكنَّ ما جعلني أتأفف كثيراً هو هذا. إن إذاعة "إيلموروج" لم تورد شيئاً هذا الصباح عن موت خمسة عمال أو عن الجروح البالغة العديدة. غير أن محطة الإذاعة وجدت الوقت الكافي للإخبار عن مقتل جنديين ووفاة "مؤيريري وا موكيراي". "مؤيريري وا موكيراي"؟ نعم. لقد ذكرت الإذاعة أنه قضى نحبه بحادث سيارة في "كينيني" وهو في طريقه إلى "نيروبي" الليلة الماضية. وماذا عن "مواؤرا"؟ روبين مواؤرا؟ سألت وارينجا وقد صعقها النبأ. إنه على قيد الحياة. لقد نجا بأعجوبة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |