شيطان على الصليب Devil On The Cross - ترجمة: عبد العزيز عروس - الكاتب الأفريقي: نجوجي واثيونغوNgugi Wa Thiongo

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:17 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصـل العاشـر

(1)‏

ذات أحدٍ آخر كان ذلك بعد سنتين من رفض "وارينجا" عروض غواية إبليس في ميدان الجولف بمدينة "إيلموروج": سنتين كاملتين بعد أن ولدَّ مهرجان الشيطان في مركز اللصوص والسارقين مأساة القتل والاعتقال: سنتين من التغيير الكبير في حياة "وارينجا" و "جاتويريا".‏

سنتان....‏

أين سأبدأ؟ أم تراني يجب أن أتوقف عن التدخل في حيوات الآخرين؟‏

إن من يحكم لا يعرف كيف سيحكم عليه شخصياً.‏

إن بقر الوحش لا يكره من يراه قدر مايكره من يكشف مكان وجوده.‏

ولكنني أنا الأخرى كنت موجودة في "ناكورو". رأيت بأم عيني وسمعت بأذني.‏

كيف لي أن أنكر دليل عيني وأذني؟ وكيف أهرب من الحقيقة؟.‏

لقد كُشف الأمر لي.‏

لقد كشف الأمر لي.‏

أين سألتقط خيط حكايتي المقطوع؟‏

اسمع، لقد مرت سنتان...‏

لا، لن أواصل حكايتي بنفس السرعة التي اعتمدتها من ذي قبل. إن البذور في حبة القرع ليست جميعاً من نوع واحد، ولذلك سوف أغير سرعة حكايتي وأسلوبها.‏

وإذاً، تعال ياصديقي، تعال ياصديقي، تعال معي فلعلني أستطيع نقلك على طول الدروب التي سارت عليها "وارينجا". تعال، ودعنا نقتفي آثار خطواتها، لنرى بعيون قلوبنا مارأته، ونسمع بآذان قلوبنا ما سمعته، بحيث لا نكون في عجلة من أمرنا بإصدار الحكم على أساس الشائعات والخبث.‏

الحقيقة تستطيع كسر قوسٍ معدٍّ للرمي!‏

لابأس بذلك، يا صديقي.‏

وليكن الأمر كذلك.‏

أوه، ليكن، تعال، ياسلام الله!‏

هيا، عجِّل يا صديقي. وأنت أيضاً، يا عاشق العدالة، عجِّل. إجر بسرعة أكبر، إذ على المرء النزول إلى السوق باكراً، قبل أن تأخذ الخضروات بالذبول تحت أشعة الشمس...‏

(2)‏

ها هي "وارينجا"!‏

إنها تعيش الآن في حي "نجارا" من مدينة "نيروبي"، وفي غرفة منفردة في الطابق الرابع لعمارة من ستة طوابق. والعمارة كلها تسمى "منزل مارارو".‏

لقد تم تقسيم الطابق الأول إلى عدة غرف سكنية تناسب أي شخص يدفع الأجرة. وكل غرفة من الغرف هي مطبخ وغرفة جلوس وغرفة نوم في آن واحد. وبرغم ذلك، فقد تم تأجير الغرف جميعاً. إذ إن العصفور المتعب من الطيران يحط على أقرب شجرة.‏

أما خارج العمارة فيوجد عدد لابأس به من مراكز الخدمة التي تملكها شركات نفط أجنبية: "إسو"، "شل"، "كالتكس"، و "موبيل أويل" و"آجيب"، و"توتال". وعلى بعد بضعة ياردات، قرب "طريق مورانغ" توجد عدة أكشاك لبيع الأغذية الطازجة والمطبوخة.‏

وأما "منزل مارارو"، فيقع على مفرق طرق. ولذلك فإن ضجيج السيارات يجعل النوم في غاية الصعوبة، سيما إذا كان المرء زائراً.‏

ولكن "وارينجا" لاتبالي بالضجيج.‏

لقد تعودت عليه الآن، فضجيج السيارات مصدر رزقها.‏

أوه، يا "وارينجا"، اعملي بجهد أكبر لتطوير بلادنا!‏

إن "وارينجا" هذه غير "وارينجا" التي عرفناها قبل سنتين. "وارينجا" هذه ليست المرأة التي كانت تظن بأنها لا تقوى على شيء سوى الضرب على الآلة الكاتبة للآخرين، والتي اعتادت أن تحرق جسدها بمساحيق "آمبي" و "سنو فاير" لكي تغير لون بشرتها من أجل إدخال السرور على عيون الآخرين، وإشباع شهواتهم للجلود البيضاء، والمرأة التي اعتادت التفكير بأن ثمة طريقة واحدة لتجنب اشراك ومطبات الحياة، ألا وهي الانتحار.‏

لا، إن "وارينجا" هذه ليست "وارينجا" الأخرى تلك.‏

لقد قررت "وراينجا" الجديدة أنها لن تسمح لنفسها مرة أخرى بالبقاء مجرد زهرة، هدفها تزيين أبواب ونوافذ وموائد الآخرين، والانتظار حتى يرمى بها على المزبلة في لحظة أفول بهاء جسدها وروعته. لقد قررت "وارينجا" الجديدة أن تكون عصامية باستمرار، وأن تقتحم منتصف حلبة صراع الحياة لكي تكتشف قوتها الحقيقية وتعرف إنسانيتها الحقيقية.‏

النظافة استحمام والبطل لا يعرف إلا في أرض المعركة. كما أن الراقص الجيد لا يعرف إلا في ميدان الرقص.‏

يا "وارينجا"، يا بطلة الكدِّ والتعب، إن بطولة الحياة لا يمكن اكتشافها إلا في معركة الحياة....‏

في هذا السبت، مثلاً، تنهض "وارينجا" باكراً من نومها، وتضخ ضغطاً هوائياً في "وابور البريموس"، ثم تشعله وتضع عليه إبريق ماء لتصنع الشاي. وقبل أن تغلي الماء، تكون "وارينجا" قد غسلت وجهها وذهبت لتسريح شعرها أمام مرآة، جامعة الشعر بأربع جدائل مضفورة. شعرها طويل وأسود وناعم.‏

ماذا قلت لكم؟ لقد توقفت "وارينجا" الجديدة عن سفع شعرها بالأمشاط الحديدية. الساخنة من عهد بعيد. ها هي الآن تجرب وضع وشاح على شعرها. إنها ترتدي بنطالاً من الجينز لفحته صروف الطقس وقميصاً من الخاكي. إنظر إليها. إن ثيابها تناسبها تماماً، وكأنها خلقت بهذا اللباس.‏

ثم تذهب "وارينجا" إلى خزانة، وتختار الثوب الذي سترتديه فيما بعد، أي بعد العمل، وثوباً سترتديه غداً في يوم الأحد. تضع "وراينجا" الثوبين في حقيبة سفرية صغيرة، إذ أنها اليوم، وبعد العمل، ستسافر إلى ذويها في "إيلموروج". كما أنها ستذهب، في الغد، برحلة أخرى إلى "ناكورو" لرؤية والدي "جاتويريا".‏

غير أن الرحلتين لا تمنعان "وارينجا" من التركيز على عملها. إنها اليوم تغير محرك سيارة وعليها إكمال ذلك العمل قبل الساعة الواحدة.‏

وارينجا، يا بطلتنا المهندسة!‏

شربت شايها. وهي الآن تبحث وتنقب داخل حقيبتها اليدوية للتأكد من أن كل ما تحتاجه موجود هناك، المشط وبعض المساحيق والمرآة اليدوية والمنشفة... مع مفتاح الربط (صمولة). كيف وضعت المفتاح في حقيبتها؟ لابد أنها فعلت ذلك خطأً. أجل، والمسدس الذي أعطاها إياه "موتوري" كان موجوداً هناك أيضاً... فهي لا تترك مسدسها في أي مكان. إنه صغير جداً بحيث أن من لا يعرف شيئاً عن المسدسات قد يحسبه لعبة أطفال. إنها جاهزة للذهاب. وعند الباب تتذكر أنها تركت جهازاً لاختبار الوجه على عتبة النافذة. تعود لإحضاره. إنها بالعادة تعلقه في جيب قميصها، مثل القلم، ولا تنساه بتاتاً حتى في مكان عملها مع بقية العدة. لكأن جهاز الاختبار والمسدس هما درعاها الأهم.‏

هاهي "وارينجا" تسير في الطريق. تعبر شارع "نجارا". وتنعطف إلى داخل الممر الذي يجتاز سينما "شان"، وتعبر نهر "نيروبي" ثم تصعد عبر وادي "جروجان". إنها الآن في "طريق النهر"، تمشي باتجاه المرآب بين شارع "توم مبويا" و"طريق النهر"، بالقرب من "طريق مونيوا".‏

وفيما "وارينجا" تواصل سيرها، يتوقف الناس لمراقبتها، كان بنطالها الجينز وقميصها الخاكي وصدارتها الزرقاء الباهتة أيضاً، ألبسة تظهرها بمظهر جميل. وليست هذه الثياب وحدها. لقد كانت كافة ملابسها، في هذه الأيام، تناسبها بشكل جميل أخاذ. ذلك لأن "وارينجا" في هذه الأيام تحصل على ثياب مصنوعة من أجلها أو تشتري ثياباً جاهزة، ولكنها دائماً تناسب شكل ولون وحركة جسدها الجميل. إن جسدها الآن هو الذي يفرض طريقة لباسها، لا قوام الأخريات أو ذوقهن.‏

ولكن ليست ثيابها وحدها هي التي جعلتها على ماهي عليه الآن.‏

إنها اليوم تخطو خطوات مديدة تعبر عن القوة والهدف، وعيناها السوداوان تشعان بنور شجاعة داخلية ونور امرئ صاحب أهداف ثابتة في الحياة -نعم، ثبات وشجاعة وإيمان شخص حقق شيئاً من خلال الاعتماد على الذات. ما فائدة الإنسان من التثاقل في السير بجبن وفؤاد مخلوع في بلده الخاص؟ إن "وارينجا"، الجمال الأسود! إن "وارينجا" صاحبة العقل واليدين والجسد والقلب، تمشي في إيقاع متساوق في رحلة العمر! إنها "وارينجا" العاملة!‏

إن من لم يسبق لهم التعرف إليها قد لايخمنون من الوهلة الأولى بأن الفتاة مهندسة ميكانيكية مختصة بالعربات الآلية وغيرها من المحركات الإنفجارية الداخلية. كما أن الذين يستحقون من شأن عقول وذكاء وقدرات نسائنا قد لا يصدقون بأن "وارينجا" هي أيضاً خبيرة في الإحكام والخراطة، في التطريق واللحم، وفي تكييف الحديد لكي يتناسب مع شتى الأغراض.‏

يهوى الناس تشويه ذكاء نسائنا وطاقتهن الثقافية بالقول: إن الأعمال الوحيدة التي تستطيع النساء القيام بها هي الطبخ وتسوية الفراش وعرض سيقانهن في سوق الغرام. لقد رفضت "وارينجا" الجديدة هذا كله، بعد أن حاكمت الأمور في ذهنها وتوصلت إلى أنه مادام فخذاها ملكاً لها، ودماغها ملكاً لها، وكذلك يداها وجسدها، فإن عليها أن تمنح كل ملكاتها دورها المناسب وزمانها ومكانها المناسبين ولا تسمح لأي جزء في أن يطغى على حياتها، كأنه التهم بقية الأجزاء واستهلكها. ذلك هو مادفع "وارينجا" الجديدة إلى توديع العمل كسكرتيرة، وجعلها تقسم بأنها لن تضرب على الآلة الكاتبة مرة ثانية من أجل أمثال "بوس كيهارا"، أولئك السادة الذين يشترطون لتوظيف الفتاة لقاءها غرامياً مدة خمس دقائق بعد تناول شراب مسكر.‏

وهكذا ذهبت "وارينجا" إلى معهد الفنون المتعددة لاتباع الدورة الهندسية التي كانت تحلم بها عندما كانت طالبة في مدرسة "ناكورو" الثانوية، وقبل زمن طويل من دخول عجوز "نجوريكا" في حياتها وتعليمها رقصة الطريدة والصياد. كلما كانت تدخل مشغل الهندسة وتشعر بأن جسدها كله كان يهتز بسبب المثاقب، وهي ترسل ألسنة من اللهب في كل اتجاه، أو تطرِّق الحديد الذي سبق صهره في الأفران العالية العملاقة، كانت "وارينجا" دائماً تمتليء بفرحة من تراقب قوة ذهنها وجسدها وهي تكافح ضد الطبيعة، فتحول الحديد المصهور، مثلاً، إلى منتجات من شأنها أن تزيد حياة بني البشر قيمة ومعنى.‏

غير أن المهارة التي كانت تثيرها أكثر من كل شيء هي قدرتها على تفكيك وتجميع المحركات الإنفجارية الداخلية. لقد كانت رائحة البترول المحترق أعظم عطر مسكر. كما كانت ضوضاء الآلات في المشغل، وضوضاء الحديد يثقب الحديد، والحديد يحشو الحديد والحديد وهو يطرق على الحديد، وضجيج العمال وهم يرفعون أصواتهم فوق صوت الحديد- كانت هذه الضوضاء بالنسبة "لوراينجا" أشبه بأغنية جميلة تنشدها أفضل الجوقات.‏

تلك هي موسيقى المصنع الحديث! لابأس بذلك!‏

لقد أمضت "وارينجا" حتى الآن سنتين في معهد الفنون المتعددة، وبقي أمامها سنة واحدها حتى تكمل الدراسة.‏

كانت السنة الأولى هي أصعب السنوات عند "وارينجا". لقد اعتاد الطلاب الذكور في صفها الضحك عليها. غير أنهم عندما شاهدوها تناضل بالأدوات المعدنية الثقيلة، مثلما يفعلون، أو تتصبب عرقاً من الفرن العالي، كما يتصببون، أو تواجه ببسالة كل تحد، أخذ ضحكهم يتناقص وأخذوا يبتلعون تعليقاتهم الساخرة المتهكمة. غير أن الضحك والتعليقات انتهت جميعاً نهاية مباغتة عندما أعلنت نتائج امتحانات الفصل الأول واحتلت "وارينجا" المرتبة الرابعة بين خمسة وعشرين طالباً. بدلاً من الضحك، ازداد احترامهم لها، وبدؤوا يعاملونها كواحدة من رفاقهم في رحلة النضال.‏

كانت تنوء أيضاً تحت مشاكل وصعوبات مالية. لقد كان معظم الطلاب في المعهد مكفولين من قبل أرباب العمل، الذين كانوا يدفعون كافة رسومهم ومصاريفهم الأخرى. غير أن "وارينجا" كانت بلا كفيل. كانت تدفع بطريقتها الخاصة. إن النقود التي ادخرتها وهي تعمل كسكرتيرة في شركة بناء "تشامبيون" لم تكن كافية لدفع الرسوم وأجرة البيت والطعام.‏

عرض "جاتويريا" المساعدة بالرسوم والأجرة، لكنَّ "وارينجا" رفضت ذلك. كانت تأبى أن ترهن نفسها "لجاتويريا" أو لأي شخص سواه بخيوط الشكر على الإحسان. فالاعتماد على الذات اعتماد على الذات. وهكذا دبرت "وارينجا" شؤونها عن طريق القيام بكل صنوف الأعمال الغريبة، مثل قص الشعر في صالون للتجميل، وطبع أوراق البحث والمقالات (الأمالي الجامعية) التي كان "جاتويريا" يحضرها لها من الجامعة.‏

لم تتمكن "وارينجا" في بحر السنة الأولى من الحصول على راحة كافية. فهي عندما لا تكون في المعهد، تكون مع كتبها، وعندما لا تنكب على الكتب، فهي منشغلة في كسب النقود من أعمال غريبة هنا وهناك، وعندما لا تقوم بشيء من هذا، كانت تحضر دروس الجودو والكاراتيه في نادي كينيا العسكري للفنون في منطقة "نجارا". قررت "وارينجا" أن عليها أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها والوقوف وحدها في كل مجال.‏

خفَّت مشكلة النقود في السنة الثانية. كان ذلك عندما سنحت "لوارينجا" الفرصة كي تقدم خدماتها كميكانيكي عامل في مرآب "مويهوتوري كيوانجا"، بالقرب من شارع "مونيوا".‏

لايغرب عن ذاكرة "وارينجا" أبداً اليوم الأول الذي مرت به بجانب المرآب المكشوف. كانت ظهيرة يوم جمعة، عند الساعة الثانية تقريباً. كانت جائعة جداً. لكنها عندما شاهدت الرجال يشتغلون بالسيارات، قررت على الفور سؤالهم عما إذا كان بوسعها الانضمام إليهم لكسب بعض القروش. وعندما سمع الميكانيكيون طلبها، خرجوا عن طورهم من الضحك. انتصب أحدهم، وكان ينحني تحت غطاء شاحنة مفتوح، انتصب ونظر إلى "وارينجا" بكراهية، وذهنه يبحث عن كلمات لكي يجرح مشاعرها. أيتها المرأة، لماذا لا تذهبين وتبيعين الجعة في أحد البارات؟ هنا لا توجد خزانة النقود التي يمكن وقوفك بجانبها لكي تهزين تنورتك وتجذبي الرجال. كظمت "وارينجا" غيظها، لأن المتسول لايمكنه أن يكون حساساً جداً إزاء الإهانات. ولكنها كانت عازمة على الاستمرار، فالرجل الذي سيتبول هو الذي يذهب إلى دورة المياه، بينما لا تأتي دورة المياه إليه. "لست واقفة هنا عن أية رغبة في هز التنورة أو اجتذاب الرجال". ردت عليه بصورة حاسمة.‏

وقف ميكانيكي كان يستلقي تحت عربة أخرى وأعلن بصوت عال وساخر عن عمد، لكي يسمعه كل من حول المكان: لماذا لا تأتين إلى هنا وتنزعين أو تفكين هذا المحرك الذي سبب لنا وجعاً في الرأس طيلة النهار، وتقولين لنا ماهي علته؟‏

تنمرت "وارينجا"، وشعرت بالشجاعة فجأة تفيض في جسدها. ودون أن تبتعد عن مكان وقوفها، قالت للرجل: إنه ليس ثمة داع لفك المحرك. أنت، شغِّل المحرك فقط. قالت له "وارينجا" بصيغة الأمر وكأنها تملك سلطة عليه. بعد أن اشتغل المحرك، سارت "وارينجا" نحوه، وأمضت دقيقة كاملة تنظر إليه فقط. كان كافة الميكانيكيين الآخرين عند هذا إضافة إلى عدد من المارة قد توقفوا عن كل ماكانوا يفعلون وتجمعوا حول الشاحنة لرؤية امرأة تجرؤ على اقتحام معاقل الرجال. أشاحت "وارينجا" عينيها عن المحرك وراحت تنظر حولها على الأرض حيث كانت الشاحنة تقف، كأنها تبحث عن شيء. شاهدت قطعة خشب لها شكل الملعقة وذات مقبض طويل. تناولتها وضربتها بعنف على حجر لكي تزيل الغبار عنها. وضعت أحد طرفي الملعقة على جانب المحرك ووضعت الطرف الآخر على أذنها، تماماً كما يضع الطبيب السماعة على صدر المريض ويستمع لدقات قلبه. نقلَّت "وارينجا" طرف المعلقة على مواضع مختلفة من المحرك. لم يستطع المتفرجون من حولها فهم ماكانت تفعله. توقفت "وارينجا" على حين غرة، وركزت فينة من الزمان على حركة المكبس الثالث القريبة، ثم نادت الرجل الذي كان يعمل على المحرك، وأعطته قطعة الخشب وطلبت منه أن يصيخ السمع. فعل الرجل كما طلب منه.‏

ضحك بعض المتفرجين عليه، في حين علَّق آخرون تعليقات ساخرة بخصوص الرجال الذين يطيعون أوامر النساء المجنونات الطفولية. من تراه رأى مثل هذا الجنون كمحاولة معرفة عطل محرك بواسطة عصا صغيرة؟‏

سألته "وارينجا" أن يصف لها مايسمع. أجابها الرجل على الفور: أستطيع فقط سماع نوع من ضجيج الطحن، مثل صوت قطع مبعوجة من المعدن تأكل بعضها بعضاً.‏

سألته "وارينجا": إذاً ماهي العلة؟ أمسك الجميع الآن أنفاسهم صامتين صمتاً مطبقاً.‏

الرجل الذي تصرف قبل دقيقة فقط كخبير نظر حوله الآن متجهماً، كأنما يطلب العون ممن حوله. وعندما فشل في إيجاد العون في امتحانه، أطرق عينيه. أحس بكتلة تسد حلقه، وتلعثم قائلاً: لا أدري.‏

قالت له "وارينجا": إن هذا الصوت الرديء الشاذ ناجم عن مزلاج رخو يربط بين المخروط والعمود المرفقي. أخذ الناس حولها يصفقون بأيديهم. بينما ابتعد آخرون وهم يهزون رؤوسهم قائلين: حقاً، لم نزل ننتظر رؤية مايفوق ذلك! لقد اكتسبت نساؤنا قدراً كبيراً من التعليم! أما العمال الآخرون فرحبوا بها كواحدة منهم، وسمحوا لها باستعمال عدتهم حتى تتمكن من شراء طقم عدة خاص بها.‏

ومنذ ذلك اليوم فما بعد، تطورت صداقة متينة بين "وارينجا" وبقية العمال. كلما كانوا يرون "وارينجا" تعمل ويلاحظون أنها لا تنأى بنفسها عن أي نوع من العمل، يزدادون احتراماً لها وإكباراً.‏

أدخل رجل في يوم من الأيام سيارته للفحص. وعندما رأى أن "وارينجا" هي التي فتحت غطاء المحرك، خامره شك كبير. غير أنه، وقد لاحظ جمالها، بدأ يضايقها بخفة، ثم لامس ثدييها. رفعت "وارينجا" رأسها، ونظرت إليه بعينين لايخالطهما الضحك، وبصوت لايدل على فرح أو غضب، حذرته بهدوء وحزم من مضايقتها بالقول: أنا عاملة، وأنت عليك أن تحترم أو تحتقر عملي تبعاً لأدائي. غير أن ثديي ليسا جزءاً من العمل. وليس لجمالي أو قبحي علاقة بالعمل الذي أقوم به. اعتبر الرجل ذلك على أنه تظاهر المرأة المعتاد عند الإساءة والإزعاج، مقصود منه إغراؤه للاستمرار. ولذلك فعندما انكبت "وارينجا" على عملها مرة ثانية، قام بتربيت وركيها.‏

اسمح لي أن أقول لك: إن الدرس الذي لقنته "وارينجا" لذلك الرجل، حيثما يمكن أن يكون، درس لاينساه مدى الحياة، إذ إنها استدارت كالبرق، وفي رمشة عين، أوسعته ضرباً بعدة لكمات جودو وحركات كاراتيه بحيث أنه شاهد النجوم فترة من الزمن. وعندما هلك من لكمات الجودو، توسل إليها للتوقف قائلاً: أنا آسف، نهض واقفاً وتناول مفاتيح سيارته ثم شغل المحرك وأثار الغبار على الطريق المعبدة وهو يبتعد.‏

انتشرت سمعة "وارينجا" في كل ركن من أركان المدينة وازداد احترام العمال الآخرين لها، وتغنوا باجتهادها وشجاعتها وصمودها.‏

وارينجا، ابنة ثوار "إيريجي"!‏

كانت غلة كل عامل من العمال تذهب إلى جيبه الخاص. غير أن على كل عامل في نهاية الشهر أن يساهم بملبغ ثابت في صندوق مشترك، تدفع منه أجرة أرض المرآب إلى مجلس مدينة "نيروبي" مع بقية المصاريف المشتركة. وإذا ما تعرض أحد العمال لمشكلة غير متوقعة، فإنه يسمح له أو لها بالاقتراض من الصندوق العام لسد حاجاته. لم يكن أحد في تلك الجماعة العمالية يعيش على جهد وعرق الآخر. كان كل واحد يحصل وفق قدرته وسمعته وسرعة يديه في العمل. وعندما يكون لدى أحدهم كثير من الزبائن، فإنه يحوِّل قسطاً من العمل والمنافع المالية لمن عندهم عمل أقل. لميكن من شأن المشروع جعلهم جميعاً أغنياء، غير أن هذا العمل الذاتي كان يوفر لهم بالفعل الثياب والطعام والمأوى. كان طموحهم هو بناء مرآب حديث بملكية جماعية على الموقع نفسه في يوم من الأيام. لقد سبق أن اتصل زعيمهم بمجلس المدينة ووعدوه بالموقع.‏

وهكذا، كان مقرراً أن تتواجد "وارينجا" خلال السنة الثانية في معهد الفنون المتعددة تداوم على دروسها، أو في غرفتها في "نجارا" ترسم الرسوم كجزء من وظيفتها أو في المرآب.‏

إن "وراينجا" ستذهب إلى المرآب هذا السبت لكي تنهي عملها قبل انطلاقها بالرحلة إلى "إيلموروج".‏

تدخل "وارينجا" أحد الفنادق قرب المرآب، لأنها تحتفظ هناك بمعطف العمل الخارجي وطقم العدة. وكافة العمال الذين يرتادون الفندق لتناول كوب من الشاي في الصباح يعرفونها. يتبادل الجميع التعليقات والنكات اللطيفة العذبة، ومنها ما يتناول شؤون الرجال والنساء. غير أن الملاحظات الساخرة والنكات البذيئة تقوم على أساس من الاحترام المتبادل. إنهم يعتبرونها واحدة منهم ويشعرون أنها تخصهم جميعاً.‏

تستبدل "وارينجا" ثيابها بثياب الشحم وتسلم حقيبتها السافاري وحقيبة يدها إلى الفندق.‏

تخرج "وارينجا" وتعبر الشارع.‏

وعبر الشارع يقوم المرآب.‏

يطفق قلبها يدق بشكل أسرع. لماذا تجمع كافة العمال معاً في مجموعة صامتة، وبوجوه مكفهرة كأنها وجوه أناس فقدوا أمهم وأباهم؟ لماذا يبدون جميعاً في قلق كبير في مثل هذه الساعة المبكرة؟‏

عجلي، يا "وارينجا"‍‍! أسرعي، يا وارينجا! تحركي، يا وارينجا!‏

لماذا تبدون جميعاً في غم وحزن أيها الناس؟‏

لا تسألي أية أسئلة، أيتها الصديقة.‏

لا، أخبروني!‏

لقد تم بيع موقعنا.‏

من باعه؟‏

المجلس البلدي، بالطبع.‏

ولمن؟ لمن تم بيع ميراثنا؟‏

إلى "بوس كيهارا" وزمرة من الأجانب من الولايات المتحدة واليابان وألمانيا.‏

"لبوس كيهارا"؟‏

إنه يكاد يملك كل نيروبي. إنهم ينوون بناء فندق سياحي كبير على هذا الموقع. من أجل أن تملك نساؤنا تسهيلات لبيع لحم جسدهن للأجانب.‏

ولماذا لا يقوون على الاعتراف بأنهم يبنون مصنعاً للعهر الحديث!‏

ذلك صحيح تماماً. إن مايراد من هذه الفنادق السياحية هو تنشئة وطن من العاهرات والخادمات والطباخات وصبيان مسح الأحذية ومرتبي الأسرة والحمالين....‏

اختصر ذلك بجملة واحدة وقل: لتنشئه عبيد يلبون نزوات الأجانب.‏

بوس كيهارا، مهرجان الشيطان، الأجانب، بيوت المال- والآن، السياحة؟ كانت أفكار حول هذه الأشياء تدور وتتراقص في ذهن "وارينجا". وفجأة تتذكر "وارينجا" "موتوري" و "وانجاري" وقائد الطلبة، متى سيطلق سراحهم من الاعتقال، إذا كان ذلك سيحدث؟ تشعر "وارينجا" وكأنها تختنق من الغضب.‏

عندما يتم تنظيف الأرض من السرخس، تحل محله أشجار التين في أغلب الأحيان، والشجرتان كلاهما رديئتان للأرض. إنني أهرب من البرد لكي أغرق بالصقيع! يقول أحد العمال، وكأنه يحدث نفسه.‏

سيكون من المروع أن نتركهم يقطعون أيدينا دون إبداء أية مقاومة! تقول وارينجا بصوت مثقل بالدموع وكأنها ترد على العامل الذي كان يتكلم.‏

غير أن قلبها يتلظى بشجاعة الثائر المتمرد.‏

(3)‏

إنها ظهيرة يوم السبت نفسه. إن "وارينجا" و "جاتويريا" في طريقهما إلى إيلموروج. يركب "جاتويريا" سيارة "تويوتا كورولا" حمراء اللون. إنهما ينويان قضاء الليل في "إيلموروج" وسوف يسافران في الصباح إلى "ناكورو".‏

يريدان إخبار أبويهما بقرارهما في الزواج.‏

يرتدي "جاتويريا" سراويل رمادية اللون، وقميصاً أبيض وسترة جلدية بنية. لقد استبدلت "وارينجا" "الجينز" الذي ارتدته في "نجارا" أثناء النهار. إنها الآن ترتدي فستاناً كتانياً طويلاً موشى بالزهور البيضاء والحمراء. أما شعرها فمضفور بخصلات تجري من مقدمة الرأس إلى الخلف. من يستطيع القول إن هذه هي "وارينجا" التي كانت تلبس الجينز قبل ذلك في النهار؟ ومن يقول إن هذه هي وارينجا التي كانت ترتدي معطفاً خارجياً مشحماً قبل ذلك في النهار؟ ومن ذا الذي يستطيع تقدير أن هذه الفتاة الحسناء خبيرة في الجودو والكاراتيه؟ من يقدر أن هاتين اليدين تتحركان بأسرع من البرق حين تمسكان بالمسدس؟‏

يختلس "جاتويريا" النظرات من "وارينجا": عيناه لم تتعبا أبداً من حسنها وجمالها. وعينه الداخلية تقول له: بعد مرور أشهر قليلة، ستحمل هذه المرأة اسم "وارينجا واجاتويريا". وحين تراوده مثل هذه الأفكار، كان "جاتويريا" يشعر بوخزة حادة في معدته وظهره، فيرتفع قلبه وكأن له أجنحة للطيران، وينتاب جسده إحساس بالدفء من دماء العشق والغرام. يبدأ قلبه يغني: سعيدة هي المرأة التي يدق قلبها لصوت المحبوب وهو يناديها عند البوابة لدى رجوعه من مهمة دفاع مظفرة عن بلاده ضد هجوم الأعداء. سعيد هو الرجل الذي يدق قلبه بتوافق ينسجم مع صوت حبيبته وهي تسحب الماء أو تجمع الخضار والأعشاب في الوادي. سعداء هم الرجال والنساء الذين تدق قلوبهم بتساوق وانسجام وهم يجلسون على المصطبة في الليل لكي يبعدوا العصافير عن أصابع الجاروس. سعداء هم الرجال والنساء عندما تسري دماء الشباب في عروقهم، وقلوبهم تنادي بعضهم بعضاً: ماذا أستطيع أن أفعل، يا حبيبتي، بعد أن أمضَّني حبي لك إلى هذه الدرجة؟‏

في مثل هذه اللحظات، يشعر الراوي بأنه يلقى شعراً جميلاً مثل شعر مطرب "جيكاندي"، ويشعر المستمع أن كلمات المحبوب تنقر على أوتار القيثارة الذهبية التي تسكن القلب. ذلك هو الإحساس الذي يخامر "جاتويريا" و "وارينجا" الآن وهما في الطريق إلى "إيلموروج" يسألان بعضهما حزازير الحب والهيام.‏

إن "جاتويريا" يتحدث عن الموسيقى. لقد قرر "جاتويريا" على أثر مهرجان الشيطان مباشرة أن مرحلة البحث قد انتهت وأن طائفة الصائحين: "سوف أفعله غداً"، سينتظرون أبد الدهر ولن يأتي ذلك الغد. قرر "جاتويريا" إذاً أنه لن يتكلم ثانية عن تأليف الموشح القومي حتى ينجز العمل، مقطوعة موسيقية تنشدها مئات الأصوات البشرية، مع جوقة من مئات العازفين والآلات. لقد قرر أيضاً أنه لن يناقش موضوع الزواج أو حتى أن يقدم "وارينجا" لأبويه حتى يجتاز بنجاح نهر مؤلفه المراد.‏

لقد ركز مدة سنتين كاملتين على عمله بشكل مطلق، فكان في الواقع يقفل على نفسه في مكتبته كلما تزوره عروس إلهامه. لم يكن بمثل هذه الأوقات يسمح لأي شخص بدخول مكتبه. فالعمل لايشكل عبئاً إلا حينما لا يعالج.‏

لقد أنجز "جاتويريا" الآن المأثرة الموسيقية، كما أنه كسب قلب "وارينجا" أيضاً. عندما قبلت "وارينجا" عرضه بالزواج، أرسل على الفور رسالة إلى والده يخبره فيها أنه بعد سنوات من التجول، يريد الآن أن يعود، مصطحباً معه إلى بيته حبيبة قلبه وثمار بحثه في الموسيقا.‏

وردَّ والده دون إبطاء؛ يا ولدي الوحيد، إن قرارك بالعودة إلى بيتك ونشدان بركات أبيك قرار جيد، لازالت أملاكي الشاسعة الواسعة تنشد مديراً يتمتع بمعرفة حديثة.. عد إلى البيت بسرعة، حتى يتسنى لي تجميلك بأفضل الألبسة وبخاتم تضعه على يدك، ولكي أتمكن من ذبح عجل مسمَّن بهذه المناسبة. سوف نأكل ونمرح معاً لأنك كنت ميتاً وعدت إلى الحياة، وكنت ضائعاً فعثرنا عليك. أحضر معك مناك ومرادك، لكي تفرح وتمرح أجسادنا وأرواحنا معاً. لقد سمع الله صرخة قلوبنا‍‍!‏

إذاً، العجل المسمن سيذبح غداً من أجلك، قالت "وارينجا" "لجاتويريا"..‏

بل أكثر من عجل واحد، رد جاتويريا، وهو يضحك. إن رسالته توحي بأنه يعتبرني الإبن المسرف المبذر الذي سافر إلى بلد أجنبي فضيع هناك ثروته على حياة الخلاعة والموسيقا والعاهرات. وأنا واثق أنه كان منغمساً بالصلاة، يرجو الله عودتي إلى البيت وتوقفي عن رمي جواهر عمري للخنازير!.‏

وماذا لو اكتشفوا أنك لم تتوقف عن رمي جواهرك الثمينة للخنازير؟‏

لست خائفاً. حين يرى من أحضرت له، سيتكسر قلبه من الفرح الغامر.‏

عني أم عن القطعة الموسيقية؟ تسأله "وارينجا" والضحك بعينيها.‏

كيف يمكنك مقارنة حسنك وجمالك بألواح الموسيقى الجامدة؟ يسأل "جاتويريا" وهو يتظاهر بالغضب. يبدو أنك لا تملكين أية فكرة.. منذ مهرجان الشيطان، تبدين وكأنك تغيرت جسدياً وروحياً. إن لبشرتك عمقاً من السواد أطرى وألطف من أغلى زيوت العطر. وعيناك السوداوان تشرقان بصورة أبهى من بريق النجوم في الليل. ووجنتاك أشبه بثمرتين أكثر نضجاً من ثمر العليق. وشعرك حالك السواد والطراوة والنعومة بحيث أن كافة الرجال يحبون التفيؤ بظلاله من حرارة الشمس.. كما أن صوتك أعذب من ألف صوت وصوت من الأدوات الموسيقية. وارينجا، يا حبيبتي، أنت موسيقا روحي..‏

كلماته تبعث الخوف فجأة في قلب "وارينجا". تمر ظلال عبر وجهها وتغيب الابتسامة عن عينيها. كيف يمكن لكلمات سمعتها قبل سنتين أن تندفق الآن من شفتي "جاتويريا"؟ كلمات سمعتها في حلم قبل سنتين... غير أن "وارينجا" لا تريد أن تخبر "جاتويريا" عن خوفها الذي ألمَّ بها فجأة، كما أنها لاتريد من "جاتويريا" مواصلة الحديث عن حسنها وجمالها. إنها تحاول تحويل الحديث نحو أقنية مختلفة أخرى.‏

حدثني عن المعزوفة. تقول "وارينجا". الحقيقة، لم أكن أفكر أبداً بأن أي عمل موسيقي يمكن أن يستغرق سنتين كاملتين في التأليف.‏

الموسيقا التي تحكي قصة موطن الإنسان؟ الموسيقا التي ستعزف بجوقة من مئات الآلات وتُغنى بأصوات مئات البشر؟ ثم تذكري، أن عليك أن تبيني مكان كل آلة وكل صوت مشارك. يا صديقتي، هناك موسيقى وهناك الموسيقى! هناك أغنية وهناك الأغنية! والحقيقة، لو أني لم أقابلك وأمعن النظر بعينيك، ولو أن الحب لم يمنح قلبي جناحين، لا أعرف إن كنت سأتمكن في حياتي من إكمال هذه المقطوعة. ولكنني حين حبست نفسي في مكتبتي، كنت أرى وجهك الجميل يوميء لي، يحضني ويقول لي: أنهيها يا حبيبي، لكي نستطيع الذهاب سوية. إن الهدية التي تنتظرك عند إكمال المهمة هدية خاصة جداً...‏

وبسبب هذا، قرر "جاتويريا" أن تكون مقطوعته خاتم خطوبة "وارينجا". لقد قرَّ قراره بأنه عند إكمال المقطوعة، سيقدمها "لوارينجا" أمام أبويه في "ناكورو".. وقر قراره أيضاً بأن أول أداء سيتم في ليلة زفافهما. سيكون يوم الغد أول مرحلة على طريق اتحاد قلبيهما: ولقد عزم "جاتويريا" أن يقدم لها في حفلة الغد المائتي لوحة موسيقية، وهي ثمار سنتين من جهد وكد فؤاده....‏

سألتك عن الموسيقا ولم أسألك عن وجهي، تقول "وارينجا" "لجاتويريا" وهي لاتزال تحاول تغيير الموضوع.‏

يقلِّب "جاتويريا" في ذهنه كافة المشاكل التي جابهها وهو يؤلف المقطوعة، وهو يتساءل عجباً كيف يمكنه أن يشرح عملاً استهلك مائتي صفحة بحفنة من الكلمات. وكيف لعمل استغرق سنتين كاملتين للاكتمال أن يلخص بدقيقتين من الزمان؟‏

وبالطبع، إن بمقدور "جاتويريا" إعادة تركيب عملية مزج الأصوات والألحان في ذهنه بتساوق وتآلف واحد: كيف وأين تلتقي كافة الأصوات، ثم كيف وأين تفترق، كيف يأخذ كل صوت مساره الخاص المنفصل، وأخيراً كيف وأين تجتمع معاً، وشتى الأصوات تجري بتآلف وانسجام كما يجري نهر "ثيريريكا" عبر سهول فسيحة نحو البحر، وكل الأصوات تمتزج مع بعضها مثل ألوان قوس قزح. والشيء نفسه ينطبق على أصوات الأدوات الموسيقية. ويستطيع "جاتويريا" أن يسمع، في رأسه، أين تلتقي الأدوات لخلق لحن واحد، وأين تفترق، وأين تحمل كل مادة الموضوع على كاهلها. غير أنه بشكل أوضح، يستطيع سماع أصوات الآلات وهي تلتقي معاً في جوقة واحدة من الإيقاع المنفرد، وبذلك ترفع في بعض الأحيان أفئدة النظارة إلى ذرى الفرح، بينما تقذف في أحيان أخرى بأفئدتهم إلى أعماق الحزن والأسى. ثم إن "جاتويريا" يستطيع تصور النظارة وهم يتدافعون خارج قاعة الحفل الموسيقي في غضب ضد من باعوا روح الأمة للأجانب وهم يهذون بالكلام فرحاً بالذين أنقذوا الوطن من الاستعباد للأجنبي. لقد كان "جاتوتويريا" يأمل فوق ذلك كله بأن موسيقاه ستلهم الناس حباً وطنياً خالصاً لكينيا.‏

هذه الأشياء كلها ترغي وتزبد في ذهن "جاتويريا"، وكل صورة صوتية تلاحقها صورة صوتية أخرى، وكأنها جمعياً تقاتل من أجل البقاء في ميدان عقل وخيال "جاتويريا". وفيما هو يقود سيارته "التويوتا" الحمراء نحو "إيلموروج"، يستطيع سماع أصوات وألحان الرجال والآلات تناديه...‏

يحاول "جاتويريا" أن يشرح "لوارينجا" حركة كل صوت ولحن. إنه يحاول شرح أنواع الأدوات التي يمكن تقديمها لتمثيل العمال والفلاحين وهم ينقذون روح الوطن من العبودية الإمبريالية. إنه يحاول شرح مصاعب تدوين الموسيقا الأفريقية، لأن تدوينها لم يتطور بشكل ناجح حتى الآن ولأنه يختلف عن تدوين الموسيقا الأوربية.‏

وفجأة يلاحظ "جاتويريا" أن وارينجا لم تكن تصغي إليه فيسألها. ما الخطب؟ لقد أشرت إلى العمال والفلاحين وهذا ما ذكرني "بوانجاري" "وموتوري" و... و...‏

وزعيم الطلاب؟‏

أوه، نعم، وزعيم الطلاب.‏

هل تنسين ما حييت ذلك الثالوث؟ يسألها "جاتويريا" ثالوث العامل والفلاح والوطني المقدس، ترد عليه "وارينجا"، ثم تتوقف وبعدها تستكمل كلامها من جديد، لا، لا، لم أنسهم قطعاً. لم أنسَ ظهورهم في المحكمة. ياالله، لن أنسى ماحييت محاكمة الثالوث المقدس.‏

(4)‏

لقد حضرت "إيلموروج" عن بكرة أبيها المحاكمة. كانت قاعة محكمة "إيلموروج" مكتظة بنوعين من النظارة. كان يوجد على جانب أول أناس مثل "كيهاهو وا جاتيكا" و "جيتوتو وا كاتا نجورو"،و"اندتيكا وا نجونحي" وا "كيمنديري وا كانيوانجي"، بينما يوجد على الجانب الآخر جمهرة العمال والفلاحين والطلاب وصغار التجار وهلم جرا. كان القاضي أبيض اللون ويرتدي رداءً أحمر كالدم فيما كان كاتب المحكمة "يخربش" بكتابة الأشياء وهو يترجم.‏

وفي قفص الاتهام كان يجلس "موتوري" و "وانجارى" وقائد الطلاب، تحت حراسة رجال الشرطة وحراس السجن. كان الثلاثة متهمين بتعكير أمن الجمهورية في ميدان الجولف بمدينة "إيلموروج" خلال لقاء نخبة من رجال الأعمال، مسببين بذلك مقتل سبعة أشخاص.‏

لقد تم استدعاء كل من "جاتويريا" و و"ارينجا" إلى مركز شرطة "إيلموروج"، وبعد توجيه الأسئلة لهما، طلب إليهما أن يذكرا إن كانا يرغبان أن يصبحا شاهدين في المحاكمة، فرفضا ذلك.‏

أما شهود جهة الإدعاء فكانوا من أمثال "جيتوتو" "وكيهاهو" ورجال الشرطة. ولكن الشاهد الرئيسي لجهة الإدعاء هو "روبين مواؤرا"، سائق سيارة الماتاتو ماتاتا، طراز فورد، ت، ذات الرقم /م. م. م. 333/.‏

أخبر"مواؤرا" المحكمة أنه في يوم أحد معين أقلَّ بسيارته من "نيروبي" راكبين هما "وانجارى" و" موتوري". غير أنه استطاع منذ البداية أن يرى بأنهما لم يكونا محل ثقة وصدق. لقد رفضت "وانجارى" حتى أن تدفع الأجرة، وهي تدق على صدرها وتقول إن كل شيء في كينيا يجب أن يعطى بالمجان. وكان "موتوري" دون أدنى ريب متفقاً ومتحالفاً معها لأنه هو الذي دفع الأجرة عنها. لقد كان الاثنان يتحادثان على طول الطريق من "نيروبي" إلى "إيلموروج"، وكل حديثهما عن وحدة العمال والفلاحين وعن الحاجة إلى نوع من الشيوعية بدعم من طلبة الجامعة. قال: إنه شخصياً وبأم أذنه، سمع "وانجارى" تتبجح كيف أنها سوف تخرب المهرجان في الكهف عن طريق خداع شرطة "نيروبي" و"إيلموروج" وإقناعهم بأن المهرجان اجتماع للسارقين واللصوص. كما سمع "موتوري" وهو يتبجح بأنه سوف يحشد ويستجمع العمال والفلاحين ويخرب المهرجان انتقاماً لفصله عن عمله من قبل مدراء "شركة البناء والتعمير العملاقة".‏

أخبر "مواؤرا" المحكمة بعد ذلك أن هذين الإثنين كانا متحالفين دون أدنى ريب مع شخص آخر يدعى "موئيريري وا موكيراي". لقد كان "موئيريري" صامتاً طيلة الرحلة. غير أن الصمت لم يكن سوى رياء فاضح لأنه هو الذي أعطاهما في نهاية الرحلة بطاقات الدعوة إلى المهرجان. وعندما رأى "موئيريري". أن الشغب والبلبلة اللذين خطط لهما مع المتهمين على وشك الإندلاع، فإنه بكل دهاء غادر الكهف واستأجر سيارة "مواؤرا" لرحلة ليلية يعود بها إلى البيت، ولكن السيارة لسوء الحظ تدهورت في "كينيني"، وقضى "مؤيريري وا موكيراي" نحبه في مكان الحادث وقضي على السيارة في الحال. أما هو "مواؤرا" فقد نجا بإعجوبة.....‏

كان "مواؤرا" في منتصف رواية قصته عندما سُلِّمت ورقة للمدعي العام. قرأ المدعي العام الورقة، ثم مشى نحو المنصة وهمس شيئاً ما في مسمع القاضي. أعلن القاضي إثر ذلك أن الإتهامات ضد المتهمين قد سحبت، وأنهم بذلك أحرار طلقاء. لم ينتظر الناس حتى للإستماع لمادة قانون العقوبات التي أُطلق سراحهم بموجبها. وراح العمال والفلاحون والطلاب يصيحون فرحاً. هرعت "وارينجا" إلى خارج قاعة المحكمة لتعانق "وانجاري" و"موتوري" وقائد الطلبة.‏

كادت "وارينجا" تسقط على الأرض من هول الصدمة. فقد كانت قاعة المحكمة كلها مطوقة تطويقاً كاملاً بجنود مسلحين بالبنادق والدروع والعصي والهراوات. هذا وما إن خطا "موتورى" و "وانجاري" وقائد الطلبة خطوة واحدة خارج القاعة حتى قوبلوا بالبنادق والسلاسل.‏

ولم يعرف الناس إلا بعد أسبوعين أن "موتوري" و "وانجاري" وقائد الطلبة قد اعتقلوا كما لم يعرفوا إلا بعد شهر أن "مواؤرا" قد اشترى ثلاث عربات جديدة حديثة حوَّلها إلى ناقلات بالأجرة. والشركة التي أنشأها سميت شركة ماتاتو ماتاتا ماتا مو للنقل الحديث. وأصبح رئيس المراسم واحداً من مدراء الشركة؛ أما المدير الآخر فكان "كيمنديري وا كانيوانجي".‏

(5)‏

ألا يزالون على قيد الحياة؟ "وارينجا" تسأل "جاتويريا". أشعر أحياناً أنهم نقلوا إلى تلال "نجونج".‏

من يدري؟ يقول "جاتويريا"، وهو لايزال يقود سيارة "التويوتا" الحمراء. دعينا ننتظر حتى الثاني عشر من كانون الأول. ثمة احتمال بالإفراج عنهم مع المحكومين العاديين.‏

آمين، إنشاء الله، تقول وارينجا من أعماق قلبها، ذلك سيكون اليوم الذي تصدح فيه الموسيقا الحقيقية في ثنايا روحي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244