|
||||||
| Updated: Sunday, September 21, 2003 11:17 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصـل الحـادي عشـر (1) إن مدينتنا "إيلموروج"، على ما يبدو، لا تتغير كثيراً، فبعد سنتين كاملتين من مهرجان الشيطان، كانت "إيلموروج" تبدي لعين الناظر نفسها التقسيمات التي كانت فيها من ذي قبل. لقد واصلت "المرتفعات الذهبية" توسعها. كانت لاتزال المنازل ذات الجدران المزينة بالقناديل داخل ثريات ذهبية وبالسجاجيد الفارسية على أرض الغرف تشيَّد بالمال الذي يملكه ملوك المال المحليون بوفرة وغزارة. والشيء نفسه يحكى عن الأسرَّة المصنوعة من الفضة والذهب: إذ أن ذلك صار شائعاً جداً وطبيعياً بحيث لا يساور الشك أي إنسان بأن بقية سكان المنطقة قد يندهشون حتى تجاه هذا الوضع. ولقد تزايدت أعداد الشركات الأجنبية، لاسيما الأمريكية والكندية والألمانية الغربية والفرنسية والبريطانية واليابانية. فكانت السيارة مقياساً جيداً لهيمنة المال الأجنبي على حيواتنا. (حقيقة الأمر هي أنه ليس ثمة اليوم طراز من السيارات؛ تويوتا، داتسون، مازدا، هوندا، سوبارو، فورد، كاديلاك، فوكس هول، فولفو، فيات، بيجو، رولزرويس، بنتلي، جاكوار، ألفا روميو، مرسيدس بنز، ب. م. و. إضافة إلى أنواع عديدة أخرى، إلا وتجدها تدور على طول طرقات "إيلموروج". كما أن بيوت المال الأجنبية ومستودعاته- البيوت التي تسمى نفسها شركات ومصارف الضمان- التي لَّمت الأموال وخزنتها، قد اجتاحت "إيلموروج" بصورة عملية واقعية. وكان مصرفان أمريكيان، واحد من "شيكاغو" والآخر من نيويورك، هما آخر من يبني المستودعات، قواعد لتجارة- المال، في هذا القلب النابض بالثروة والمال. كما أن "نجيروكا" توسعت أيضاً. الملاجيء الكرتونية، والخنادق المليئة بالمياه الفاسدة، وحطام المعامل التي تعود ملكيتها للأجانب، والغائط والبول، كلها وسَّعت قليلاً من "نجيروكا" . وحتى القرى التي كانت تقوم في ضواحي "نجيروكا". مثل قرية "نجاينديثيا" حيث يعيش والدي "وارينجا" فقد ابتلعتها "نجيروكا". العمال والعاطلون والمعدمون وبائعو الخمور المحرَّمة، وبائعوالبرتقال و"الماندازي" ، والمتاجرون بأجسادهم كانوا جميعاً محشورين في حي الفقر والقذارة. كما كان في "نجيروكا" عدد من الدكاكين الصغيرة التي تبيع اللحم والبيض والخضار والملح والجعة والفلفل والبصل والدقيق. أما مالكو هذه الدكاكين والملاجئ الحقيرة فهم سكان المرتفعات الذهبية، كان بعضهم يزور "نجيروكا" لتحصيل الأجور والأرباح، غير أن أكثرهم كانوا يستخدمون زعراناً لتحصيل ذلك، وحتى "ملائكة الشيطان" أسسوا فرعاً لهم في "إيلموروج". كان والدا "وارينجا" يعيشان في "نجيروكا" ولكنهما كانا دائماً يسميان حيهما بإسم قرية "نجاينديثيا". وكان منزلهما أكبر قليلاً من معظم المنازل، ذلك لأن "وارينجا" ساعدت على توسيعه عندما كانت تعمل بوظيفة سكرتيرة. ثم إنها، بمبلغ المال الضئيل الذي كانت تكسبه بالمرآب، كانت تساعدهما في دفع رسوم المدرسة وشراء الطعام. وفي قرية "نجاينديثيا" من حي "نجيروكا" في " إيلموروج"، حطَّ "جاتويريا" و "وارينجا" رحالهما أولاً. (2) كان اليوم سبت والساعة تقترب من الخامسة مساءً. لم يكن والد "وارينجا" في البيت. أما "وامبوي" إبنة "وارينجا"، فقد ذهبت مع بقية الأطفال مشواراً في "نجيروكا". غير أن كل شيء على ما يرام، فوالدة "وارينجا" موجودة في البيت. يطلع "جاتويريا" و "وارينجا" الأم على نيتهما في الزواج، كي يتسنى لهما فتح بيت خاص بهما أسوة ببقية الناس، تسحج أم "وارينجا" حنجرتها. وهي رغم كبر سنها، كانت ممن لا يظهر عليهم العمر. كانت عباءتها المزركشة بالأزهار السوداء والبيضاء، ورغم أنها باهتة قليلاً، تناسب جسمها جيداً. أخذت ترش صدرها باللعاب، على سبيل التبرك، غير أن في جعبتها سؤالاً تطرحه، سؤالاً واحداً ليس إلا. سوف أطرح سؤالي عليك يا "وارينجا" وسوف أطرحه أمام هذا الشاب لكي يتمكن من سماع الجواب أيضاً، لأن من العسير فهمكن وسبر أغواركن يابنات العصر الحديث. هل أخبرت هذا الرجل أن عندك فتاة بلغت من العمر ما يؤهلها دخول عالم النساء وأقصد ختانها إذا كانت عادة الختان لا تزال سارية؟ وهل طفلتي الصغيرة "وامبوي" هي التي تسمينها امرأة؟ تسأل وارينجا ضاحكة. إن ذلك أمر لم أخفه. بل إنني أطلعت "جاتويريا" على كل شيء. ثم إنه التقاها عندما كان هنا آخر مرة في مهرجان الشيطان قبل عامين. وما من أحد يستطيع أن يقول بأن "وامبوي" و "جاتويريا" غير متصلين اتصالاً دموياً. ألا تظنين أنهما متشابهان؟ إنهما يمكن أن يشكلا توأمين- لولا أن "جاتويريا" كبير السن ! إنك مصيبة تماماً، توافقها أمها الرأي دون تردد. إنهما بالفعل يشبه احدهما الآخر، وماهي صلة الدم؟ يسأل "جاتويريا" بشيء من الغضب والإثارة. مايهم إذا كان الناس متشابهين أو غير متشابهين؟ الطفل طفل. ونحن جميعاً من نفس الرحم، الرحم المشترك لأمنا الواحدة "كينيا". إن الدم الذي أريق في سبيل حريتنا، قد أزال الفوارق بين هذه العشيرة وتلك وهذه القومية وتلك، لم يعد هنالك اليوم "ليو" و "جيكويو" و "كامبا" و "جيرياما" و "لوبيا" و " ماساي" و "ميرو" و "كالينجين" أو "توركانا". إننا جميعاً أبناء أم واحدة. أمنا هي "كينيا" أم الشعب الكيني برمته. لقد تلفَّظت بكلام جيد، أيها الشاب! ترد والدة "وارينجا" أمدك الله دائماً بعونه وجعل حرثك خصيباً مثمراً . إن بناتنا اليوم لا يفكرن إلا في إلقاء أطفالهن داخل المراحيض أو رميهن في صناديق القمامة حتى لا ينبذهن أصحاب من الفتيان. شارفت على قتل نفسي، تقول وارينجا. وذلك كله لأن عجوزاً غنياً نبذني. إنها الحقيقة! تصوروا أنني ألقيت نفسي أمام أحد القطارات على حساب الجماعة التي أرسلت "موتوري" ورفاقه إلى المعتقل! الأحمق المغفل وحده هو الذي يرضع ثديي جثة أمه، تذكر والدة "وارينجا" ثم تقول: وما الشباب إلا ضرب من الجنون والحماقة في بعض الأحيان. إنسه، يقول جاتويريا في محاولة لكبح "وارينجا" عن استذكار الموضوع. إن ما فات فات. لم أعد أُحرم النوم حسرة على ما خسرت، تقول وارينجا ضاحكة. لو أنني تزوجت "وايجوكو" صاحب الصدر المملوء بالشعر، كيف لي أن أحظى بشاب وسيم مثلك؟ غير أنني سمعت من أحد الناس أن أمثال "وايجوكو" الجدد يحلقون صدورهم حلاقة بواسطة النقود. فالنقود هي الشباب الحديث. النقود ليست هي الحياة، تعلق أم "وارينجا" والأمر المهم، سواء كان الرجل عجوزاً أو شاباً، هو السعادة التي تنجم عن أفعال الإنسان في هذه الدنيا يا "وارينجا" لماذ لا تأخذي "جاتويريا" مشواراً حول "إيلموروج" ، بينما أطبخ أنا شيئاً ما؟ انصرفا وعندما تعودان، ستجدين والدك هنا، ثم تطلعينه على كل مشاريعك. هذه فكرة حسنة، ياأماه، يقول "جاتويريا" وهو يهب واقفاً إنني لم أمش حول "إيلموروج" منذ المهرجان.... (3) ومرة ثانية يتجه "جاتويريا" و "وارينجا" نحوالمرتفعات الذهبية طلباً لنسمة من الهواء البارد العليل، العشب في حديقة "إيلموروج" ناعم وأخضر والأشجار هناك تنشر أغصانها وأوراقها مثل المظلات. يوقف "جاتويريا" سيارة "التويوتا" إلى جانب الطريق، لأنهما كلاهما يريدان أن يتمشيا فوق العشب الأخضر وبين الأشجار. يتسلقان قمة الجبل لكي يمتعا النظر بالسهول المضطجعة في الأسفل، بمزارعها الغناء من القمح والشعير، المزارع التي تعود ملكيتها لمعامل "ثينجيتا" لصنع الجعة.. هذه هي المتعة: إنها متعة ما بعدها متعة عندما يسري دم الشباب في تآلف وانسجام إلى أسفل وادي الغرام والهيام، إن "وارينجا" و "جاتويريا" يقفان سوية، وكتفاهما متلاصقان، ينظران إلى السهول المترامية والهضاب البعيدة. يسعدني دائماً أن أسمعك تقول ما قلته في البيت. تبدأ وارينجا الحديث. ماذا قلت؟ يسألها "جاتويريا"، فقد ثرثرت كثيراً. أن لاشيء يعيب الفتاة التي تحبل. وأنَّ الطفل المولود من زواج غير شرعي ليس علَّة. ترد "وارينجا" على الفور. ألم أطلب منك نسيان الماضي؟ يسألها "جاتويريا" خلِّي علينا سعادتنا اليوم وغداً. تغلبنا على عقبة أولى في رحلتنا: فقد باركت أمك زواجنا. إن قلبي يعمر بالفرح والسعادة. من يستطيع الإدعاء بأنه أكثر حظاً وسعداً مني؟ لقد ألَّفت الموسيقا التي كانت طموحي الدائم. والآن أنعم بعطاء خاص- جمال يفوق كل جمال. إنك تقدم أسلوب الشهادة ذاته الذي قدمه لنا اللصوص والسارقون في "إيلموروج"! تقول وارينجا ضاحكة. وينبغي عليك أن تتوقع من يتغنى بمديحك والثناء عليك! ولكنني أقول الحقيقة. إنني أغني ترانيم الفرح. ماذا تحسبين الشيء الوحيد الذي أحتاج إليه لكي أجعل فرحي يفجر ضفتيه؟ لا أستطيع قراءة رسالة مختومة في مغلف فؤادك، تقول "وارينجا" وهي تكبت ضحكها متذكرة كلمات "بوس كيهارا" في المكتب. قل لي ماذا تنتظر، لكي أتمكن، حين أرى فرحك يفيض كالطوفان، من القفز إلى الضفة الأخرى حتى لا يحملني معه ويوردني الهلاك. إنني انتظر مباركة والديَّ في "ناكورو" غداً، يجيبها "جاتويريا" كيف شكل والديك وماذا يشبهان؟ تسأله "وارينجا" فجأة. وهل أنت تشبه أمك أم أبيك؟ لم يسمع "جاتويريا" "وارينجا" تسأل ذلك النوع من السؤال من ذي قبل على الإطلاق. وهو لا يعرف كيف يجيبها. كان "جاتويريا" في أعماقه يشعر دائماً بالخجل من أبويه بسبب طريقتهما في تغليف نفسيهما بأردية العادات الأجنبية دائماً دائماً، ويجعلان من الحضارة الأوروبية صنواً لعلم الله. وحتى في هذه اللحظة، لم يكن "جاتويريا" واثقاً تماماً من طريقة استقبال أبويه "لوارينجا" في الغد، لاسيما إذا عرفا بأن لها طفلاً من رجل آخر. غير أنه اتخذ قراره حول نقطة واحدة، ألا وهي أنها، بصرف النظر عن طريقة استقبالها، تظل عروسه المختارة. ومن صميم الموضوع أيضاً، إنه لايعرف إن كانت "وارينجا" ستتقبل والديه. هل تراها ستحتقرهما عندما ترى سلوكهما غداً؟ وهل ستغير رأيها به بعد أن تكتشف أن العادات الأجنبية التي كانا يبحثانها معاً باستمرار ويشجبانها هي عادات راسخة الجذور في بيت أبويه؟ كانت هذه هي الوساوس التي منعت "جاتويريا" أن يعرض على "وارينجا" بطاقة الدعوة التي وزعها والداه على الأصدقاء، داعيين إياهم لحضور حفلة شاي ترحيباً "بجاتويريا". قبل كل شيء، لم يكن "جاتويريا" يرغب في إطلاع "وارينجا" على الأسماء الأجنبية التي انتحلها والده لنفسه. والبطاقة مطبوعة بحروف من ذهب وموشاة عند الأطراف بالأزهار الذهبية. ثم إن مايزيد من خجل "جاتويريا" إضافة إلى تحديد لباس المدعوين في المناسبة، هو أن البطاقة تحمل لائحة بأسماء الحوانيت التي يمكنهم إبتياع الهدايا منها. بطاقة الدعوة حفل! حفل! حدائق نجوريكا الغناء يتشرف السيد "هيسبانيورا جرينوى غيتاهي والسيدة زوجته بدعوة السيد، أو السيدة، أو الآنسة أو الأستاذ أو الدكتور إلى حفل شاي ترحيباً بعودة ولدهما السيد "جاتويريا غيتاهي" وخطيبته. يوم الأحد....، بتمام الساعة الثانية. لباس الرجال - بزات سوداء. لباس السيدات - أثواب طويلة، قبعات وقفازات ومن يهتم بإحضار هدية يمكنه ابتياعها من المحلات التالية. محلات "لندن" للرجال والسيدات في إيلموروج المحلات الباريسية في نيروبي. محلات سيدة روما في ناكورو- ثم التوقيع أتطلع إلى الروابي التي يأتيني منها المدد. "سفر داوود" وعندما يفكر "جاتويريا" بالبطاقة يشعر بميل للبكاء. ليس ثمة شيء مزعج ومروع مثل أن يرى المرء أناساً وقد ابتلعوا العادات الغربية بصورة كاملة، حتى من غير مضغها، لأن مثل هؤلاء يصبحون مجرد ببغاوات. إن الوساوس التي منعت "جاتويريا" من عرض البطاقة على "وارينجا" هي ذات الوساوس التي تجعله يتردد الآن في الإجابة عن سؤالها. هل نسيت شكل أبويك وماذا يشبهان؟ ولماذا تتأنى كثيراً في الإجابة؟ تقول "وارينجا" وهي تحضه على الإجابة. أغمض عينيك حتى ظهيرة الغد، يجيبها "جاتويريا"، وهو يحاول استخدام لهجة سلسة ناعمة. وعندما تفتحينها، قدري من سترين! إنهما والدا "جاتويريا" ثم سينجلي الأمر، ويا للعجب، عن أن كل وساوس "وارينجا" ستنمحي وتزول. وفيما هو يتكلم، كان "جاتويريا" يطوق بذراعه خصر "وارينجا"، بينما تسند هي رأسها على كتفه. آه... غداً، فلينبلج الفجر سريعاً لكي نتمكن من مشاركة الطير المبكر ماءه العذب، تقول وارينجا متنهدة، وكأن صوتها قادم من أصقاع بعيدة على ما يبدو. تنسكب دمعتان على وجنتيها، مثل قطرات الندى وهي تتشكل على قشرة ثمرة ناضجة ناعمة عند شروق الشمس. الفارق الوحيد الآن هو أن الشمس كانت تغرب عن المرتفعات الذهبية. ماذا هناك، ما القضية، ياحبيبتي؟ يسأل "جاتويريا" قلقاً مضطرباً ما الذي أثقل على فؤادك فجأة وفوراً؟ هل أنت غاضبة؟ لمجرد أنني كنت أمزح فقط. (4) الأمر ليس كذلك، تجيبه "وارينجا"، لا تعر بالاً لدموعي. فأنا أحياناً أبكي دونما سبب معين. هل أخبرتك أنهم أبلغونا اليوم بأن علينا أن نترك مبنى مرآب "مؤيهوثوري" والأرض التابعة له؟ تتركون موقعكم؟ ترحلون؟ ولمن تتركون الموقع؟ للسيد "بوس كيهارا" وشركته الجديدة، "شركة الفردوس للسياحة والتنمية". الرجل الذي صرفك من الخدمة لرفضك مضاجعته؟ نعم، فهو وأصدقاؤه الأجانب خلعوا عنا ثيابنا في وضح النهار، تقول "وارينجا" ثم، وهي تتذكر الحكاية الرمزية التي رواها لهم "مؤيريري وا موليراي"، تضيف بلغة ولهجة الكاهن، لكي تتحقق كلمات النبي، حين قال لنا: من له يعطى ويزاد..... .... ومن ليس معه، يؤخذ منه حتى ذلك النزر الذي يملكه. ويختم "جاتويريا" العبارة مستخدما اللهجة الكهنوتية نفسها. يضحك "جاتويريا" و "وارينجا" معاً. ثم يتوقفان عن الضحك في لحظة واحدة. وينفرد كل منهما دقيقة من الزمن مع أفكاره الخاصة. ثم تتنهد "وارينجا" وتسأل: هل تتذكر أنني أخبرتك مرة في "نجيروكا" عن حلم كان يراودني عندما كنت تلميذة في ثانوية "ناكورو"؟ عن الشيطان الذي يصلب من قبل بشر يرتدون ثياباً خرقة بالية، أليس كذلك؟ أجل، وفي اليوم الثالث يُنزل عن الصليب من قبل أناس يلبسون البزات السوداء وربطة العنق. ثم يركعون أمامه ويصرخون، هو زانا،! هو زانا! نعم، أستطيع أن أتذكر بأنك رويت لي شيئاً من هذا القبيل. ولكن تذكري ما قلته لك: إن لكثير من الكنائس رسوماً ونقوشاً على الجدران والنوافذ، ومثل هذه الصور يمكنها أن تسبب الكوابيس للإنسان. ولكن لماذا تسألين؟ يقول "جاتويريا" وهو ينظر إلى "وارينجا" وجهاً لوجه. لأن الحلم نفسه راودني الليلة الماضية. وأنت تعرف أنني قلما أدخل كنيسة في هذه الأيام. غير أن حلم الأمس كان مختلفاً قليلاً عن الحلم المعتاد. في حلم الأمس، لم ينتظر من يرتدون ربطات العنق حتى لإنقضاء ثلاثة أيام، كما أنهم لم يدنوا من الصليب خلسة، الليلة الماضية، أقبلوا مباشرة إثر وضع الشيطان على الصليب. كانت تقودهم عربات مدرعة ذات مدافع كبيرة. أنزلوه عن الصليب وراحوا يرتلون المدائح له، تحرسهم السيارات المدرعة من كل جانب. والذين يرتدون الأسمال؟ يسأل "جاتويريا" ماذا فعلوا عندما تم ضبطهم في العمل؟ لم أستطع أن أرى بوضوح. ولكنني أظن أنهم تشتتوا وذهبوا إلى الغابات والجبال، يغنون أغاني لم أسمعها من قبل. ثم صحوت من نومي قبل اكتمال الحلم. لاتجعلي الكوابيس تقضُّ مضجعك. يحاول "جاتويريا" رفع معنويات "وارينجا". ولا تنسي أنك قبل سنتين رأيت العربات المدرعة تلاحق العمال والفلاحين والطلاب الذين جاؤوا إلى المحكمة أثناء الإستماع إلى قضية "موتوري" ورفاقه. لقد عاودك حلم العربات المدرعة لأن ذهنك يعرف أنك اليوم قادمة إلى "إيلموروج". وهو المطلوب إثباته. يبدو أن الأمر على هذا النحو، تقول "وارينجا" وهي تخفف عن نفسها. يجدر بك أن تكون مفسر أحلام مثل يحيى حسين، فلماذا لا تقوم بمثل هذا العمل فإنه سيدر عليك دخلاً حسناً. أستطيع أن أسمي نفسي "الأستاذ جاتويريا"، مفسر الأحلام والكوابيس. إذا كنتم بحاجة لعشبة طبية تشفي كل الأمراض، فهلموا إلى " الأستاذ جاتويريا". وإذا كنتم تحتاجون وصفة حب وغرام، هيا إلي! فأنا صاحب معجزات.... لقد كنت أول من تنبأ بقدوم النهار عندما تشرق الشمس في الصباح وتغرب في المساء! راح الإثنان يضحكان سوية. (5) صحيح أن الحب لا يعرف الخوف. وصحيح أن الحب لا يعرف الألم أو المشاكل أو الأحلام المزعجة. الحب لا يعرف الأمس أو ما قبل الأمس، إنه يعرف الغد وبعد الغد، ابتداء السعادة الخالدة. ومستقبل "وارينجا" و "جاتويريا" سيبدأ غداً... غير أن ما يجعلني أبكي، تشرح "وارينجا" لجاتويريا، لايرجع إلى هذين الأمرين: الطرد من موقع العمل ورؤية الكوابيس. إذاً، امسحي عنك دموعك. يجيبها "جاتويريا". هذه الدموع لايمكن مسحها اليوم، لأنها حصيلة خليطة من الفرح والأسى. تقول "وارينجا": ماذا تقصدين؟ لم تطأ قدماي أرض ناكورو مذ حاولت الإنتحار. كنت أقول لنفسي: كانت "ناكورو" نقطة البداية في أحزاني. وفي الغد ستكون "ناكورو" نفسها علامة على بداية أفراحي وسعدي. ما هو وجه الخطأ في ذلك؟ يسألها "جاتويريا" إن "ناكورو" الغد ستثأر من "ناكورو" الأمس، يحاول أن يخفف العبء عن قلب "وارينجا". أجل، ذلك هو الأمر. ستكون "ناكورو" مصدراً للدموع والضحك في آن واحد. آمين، إن شاء الله، يقول "جاتويريا"، ولذلك امسحي عنك دموعك، لأن "ناكورو" مصدر المعجزات. إنها تخلق من الحزن فرحاً، لماذا لاتمسحين دموعك، دعيني أمسحها بالحب والهيام. أنت، يا أستاذ الدجل والأكاذيب! تصرخ "وارينجا" وهي تدفع "جاتويريا" عنها بيد مترددة لاتقصد ذلك تماماً. أين تعلمت عادة التقبيل الأجنبية هذه؟ لاتنكر بأنك لم تتخل عن العادات الأجنبية أبداً! اعترفي أنت أنك تريدين قبلات الرجال السود! يرد "جاتويريا" وهو يبتسم ويلتصق بها. تميل "وارينجا" مبتعدة عنه، غير أنهما يواصلان الكلام طيلة الوقت. "قبلات وهمسات في فراش الحب والغرام"، يقول جاتويريا، ثم يبدأ إنشاد أشعار "موثونجوثي": جاتويريا: حيث أمسك بك الآن، حيث أمسك بك الآن، هل تشعرين أنني أضغط بشدة؟ وارينجا: حيث تمسك بي الآن، حيث تمسك بي الآن، الوضع جيد هكذا. أيها الرجل، امسك، ولا تتركني أفلت. جاتويريا: ارقصي، وسوف نمضي إلى البيت معاً. ارقصي، وسوف نمضي إلى البيت معاً، ياحبيبتي. لأنني لن أسمح لك بتركي في برد العراء. وبينما هو يغني البيت الأخير، يمسك "بوارينجا" ويعانقها. ومن علمك أغاني ورقصات "موثونجوثي"؟ تسأله "وارينجا". الرجل العجوز الذي حكيت لك عنه، هو من "باهاتي" في "ناكورو"، ذلك الرجل الذي روى لي الحكاية عن "نجينجوري"، الذي باع نفسه لروح شريرة وتحول إلى محارة فارغة، يجيبها "جاتويريا". ولكنه لم يطلب منك استخدام الأغنية لأغراض شريرة، فوق رابية يسدل الظلام أستاره عليها. ألم تسمعي أن الظلام يجعل حتى الراقص قليل البراعة يرقص وهو واثق الخطوات؟ سأرقص ههنا فوق السطح، سأرقص ههنا فوق السطح، أوه، يا وارينجا، لأن الوادي في الأسفل يخص المالك... ابتعد عني، أيها اللعين! تقول "وارينجا" ، وهي تضحك، ألا ترى أن هناك ندى على العشب وأن الظلام أرخى سدوله؟ تعالي إلي، ياحبيبتي! يهمس "جاتويريا" في أذنها، وهو يشدها إلى الأرض. العشب فراش مجاني وهبه الله لنا، والظلام غطاؤه! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |