شيطان على الصليب Devil On The Cross - ترجمة: عبد العزيز عروس - الكاتب الأفريقي: نجوجي واثيونغوNgugi Wa Thiongo

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:17 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصـل الثاني عشـر

حين حضر "جاتويريا" صبيحة الأحد لكي يقلَّ "وارينجا بالسيارة، وجدها جاهزة ترفل بأجمل الحلل من قمة رأسها إلى أخمص قدمها. أصابه البكم، وعجز للوهلة الأولى عن التعرف عليها.‏

كانت "وارينجا" تتزيّا بزي "الجيكويو"، لقد سُحبت قطعة قماش بنية اللون، مطوية قليلاً في طرفها الأعلى، ومُررت تحت إبطها الأيسر، والتقى طرفاها وثبِّتا فوق الكتف الأيمن بوساطة دبوسين على هيئة وردة، بحيث صار الكتف الأيسر عارياً تماماً. كان الثوب طويلاً يصل إلى رسغ القدم، وطرفاه مثبتان معاً بالشكلات على جانبها الأيمن، حول خصرها، ربطت "وارينجا" حزاماً مغزولاً من الصوف الأبيض، ترامى طرفاه الطويلان السائبان على طول الثوب حتى الكاحلين. انتعلت خفين من جلد النمر، وحول عنقها عقود من الخرز الأبيض والأحمر والأزرق تجثم بكل روعة وجمال فوق نهديها. وكانت تزين أذنيها بأقراط من طراز "نيوري". أما شعرها فكان مسبلاً ناعماً وأسود.‏

ظهرت "وارينجا" وهي تتخطر في مشيتها مثل ابنة "الحسن والجمال"، وأماً لآيات الجمال، أبدعها على أتم صورة مبدع التوأمين، الأناقة والجمال.‏

هل يمكن أن يصبح طول القماش وحده على هذا القدر من الجمال؟ كانت هذه كلمات "جاتويريا" الأولى عند استرداد أنفاسه.‏

أتقصد أن الثوب أجمل مني؟ إن عليَّ في هذه الحال أن أخلعه فوراً!‏

قالت "وارينجا" بخفة ودعابة.‏

الجسم الناعم يُصنع من زيت العطر، أجاب "جاتويريا" بنفس اللهجة المازحة، ولكن زيت العطر لا يُصنع من جسم جميل.‏

إنني أحياناً أشعر بالذنب من تزيين جسمي، قالت "وارينجا" بصوت يشوبه قليل من الحزن.‏

لماذا؟ سأل "جاتويريا".‏

ليست هذه أوقات تزيين أجسامنا بالعقود والعطور. أجابت "وارينجا" إن هذه هي أوقات المحافظة على أجسامنا وعقولنا في وضع الإستعداد.‏

من أجل...؟‏

أعمال النضال المنتظرة.‏

تلك الأعمال ستأتي قريباً، أجاب "جاتويريا" على الفور. أما اليوم فهو اليوم. لا تخلعي ثوبك. والكفاح من أجل ثقافة وطنية هو كفاح وثيق الصلة بذلك. ثم راح يغني، وانضمت إليه "وارينجا":‏

جاتويريا: لو كان فردوس الله قريباً، لرفعت دعوى قضائية ضد النساء.‏

الله وهبكن أجساماً جميلة بالمجان فلماذا تخربنها بمساحيق الجلد المبيضة.‏

وارينجا: أيها الفتى، هيا أسرع، هيا أسرع، فنحن راحلان!‏

اركض، اركض وأسرع! فنحن ماضيان إلى محكمة الفردوس!‏

الله وهبكن نواظر بالمجان، أوه، لماذا لا يسعد، بني قومي، غير منظر الأشياء الأجنبية الغريبة؟‏

صعد الإثنان إلى داخل سيارة "التويوتا" بنفس مبتهجة فرحة للإنطلاق إلى "ناكورو" ووضع حد لكافة الوساوس والشكوك.‏

لم ينفك "جاتويريا" عن اختلاس النظر إلى "وارينجا" والإطراء على طريقة ارتدائها للثوب والجواهر، حتى اضطرت "وارينجا" لإنذاره: ركز ذهنك على عجلة القيادة، أيها الفتى، أم هل تريدنا أن نتدهور كما وقع لسيارة "الماتاتو"؟‏

الحياة الدنيا غيمة عابرة. أجابها "جاتويريا". إذا انقلبت بنا السيارة الآن، سأكون سعيداً جداً، ذلك لأنك إذا وقفت على أبواب الخلد بلباسك هذا، فإن الملاك الذي يحفظ المفاتيح سيهرع لفتح الأبواب على مصاريعها. وإذا أنت دخلت، سأحصل، أنا المذنب، على فرصة لدخول الجنة أيضاً وأحيا أبد الدهر معك ومع الرب.‏

هذه الدنيا منزلي. ولن أفارقها. لذلك قد سيارتك بحذر وحرص لأنني لم أعد على عجل للصعود إلى السماء.‏

أنت على حق ولكنْ بما أن دنياك هي جنتي، أجد لزاماً علي أن أكرر النظر إليك، لأن لا أحد يكتفي ويشبع من نظرة واحدة فقط إلى حسناء رائعة.‏

توقفا ونزلا من السيارة في بعض الأمكنة مثل "نايفاشا" و "جيلجيل" من أجل تناول الشاي أو المشروبات الخفيفة لمجرد قضاء الوقت حتى حلول الساعة الثانية، وكان ذلك أمراً يسعد "جاتويريا" الفرح كان يغمر قلبه لدى رؤية "وارينجا" تتمشى وهي ترتدي ذلك الثوب وتتزين بقلاداتها وأقراطها، وحقيبتها اليدوية تتدلى على أحد كتفيها، لا يظهر لعين الناظر شيء منها سوى عقبيها، ولم يكن "جاتويريا" وحده في ذلك، فقد توقف كثيرون من المارة للتفرج عليها.‏

آوه، هذه امرأة بهية الطلعة، قال بعضهم.‏

وعلق آخرون بالقول، ليس ثمة تقليد لا يمكن تطويره، كما ترون. فحيثما كانت تخطر، كان الناس يقرّون بحسن تلك المرأة الشابة وجمالها.‏

وعند العودة إلى السيارة، أكد لها "جاتويريا" تعليقات هؤلاء الناس فهم يقولون الحقيقة فقط، وليس ثمة تقليد قومي يمتنع علينا نحن، شعب كينيا، تطويره والتأسيس عليه-فن عمارتنا، أغانينا وأسلوبنا في غنائها، مسرحنا، أدبنا، اقتصادنا وتقنيتنا، وهذا على الرغم من أن "مؤيريري وا موكيراي" لم يرفض مبدأ أكل ما ينتجه الآخرون، فإن بعضاً مما ذكره صادق وصحيح. لقد كان مغزى خطابه صحيحاً: إن علينا ألا ننساق دائماً وراء الأشياء الأجنبية، نتعقب خطوات الآخرين، نغني الأغاني التي ألفها الآخرون فقط، ونلتحق بجوقة الأغاني التي يغنيها عازفون منفردون من بلاد أخرى. إننا قادرون على تأليف أغانينا الخاصة، وصنع عازفينا المنفردين، وإنشاد الأغاني لأنفسنا.‏

يمكن لمؤلفك الخاص أن يكون إيذاناً بثورة في الموسيقا الكينية، قالت له "وارينجا" ، ثم أردفت مع الضحك، Goteario Juu‏

لست سياسياً، ولذلك لا تتملقي موهبتي كثيراً. قال "جاتويريا"‏

ثورة؟ إن كلماتك تذكرني بما قاله مرة مؤلف موسيقي روسي هو "إيغور سترافينسكي"، في كتابه "أشعار الموسيقا". لقد طرح أنه ليس هناك ثورة حقيقية في الموسيقا، وكل مؤلف يضيف شيئاً ما فقط لما قدمه الآخرون من قبل.‏

ولكنني أقول "آمين" لأفكارك، ونحن، الشباب الكيني، يجب أن نكون النور الذي يضيء دروباً جديدة من التقدم لبلادنا.‏

وأنت، يا "وارينجا"، على سبيل المثال، نموذج جيد لما أحاول قوله. إن تدريباتك في الهندسة الميكانيكية، على التركيب والخراطة والسكب، خطوة بالغة الأهمية، إنها نوع من الإشارات المميزة التي تدلُّ البنات الأخريات على إمكاناتهن وقدراتهن.‏

خلال دقيقة من الزمن، لم تكن "وارينجا" تسمع صوت "جاتويريا" ولكنها تسمع صوت المحاضر في معهد الفنون وهو يحدثهم عن كيفية عمل المحرك الإنفجاري ذي الإحتراق الداخلي، وخاصة محرك السيارة...‏

إن لمحرك السيارة عدة أقسام تجعله يشتغل، الطاقة التي تجعله يتحرك تأتي من انفجار الوقود الداخلي. والمحرك بالنسبة للسيارة يقوم مقام القلب في جسم الإنسان. وهو الذي يحول خليطة قوامها الهواء والوقود إلى الطاقة التي تجعل السيارة تتحرك. وهناك نوعان من المحركات ذات الإحتراق الداخلي، محرك المازوت، ومحرك البنزين، ولكننا سنقتصر اليوم على دراسة المحرك الذي يستخدم البنزين، يوجد في المحرك كتلة ذات أربع أو ست أسطوانات، ولكل أسطوانة مكبس يرتبط مع العمود المرفقي بوساطة قضيب الربط، والمكبس له شكل مدقة تحطم وتسحق خليطة الهواء والبنزين. وفي كل أسطوانة صمامان، صمام الإدخال من أجل خليطة الهواء والبترول، وصمام الإخراج للغاز الناجم عن الإحتراق، لكل أسطوانة سدادة لهب. كما أن البترول والهواء يختلطان في المبِّرد.‏

إن للإنفجار أربع مراحل رئيسية: التحريض، الضغط، إرسال، الشرارة أو الإشعال، ثم الإنعدام، دعونا نأخذ اسطوانة واحدة، لنر كيف تعمل. لقد تم تشغيل السيارة الآن، عن طريق تدوير محرك الإقلاع، يبدأ العمود المرفقي بالدوران. المكبس يسحب إلى أسفل الأسطوانة. وينفتح صمام الإدخال. يتم حقن خليطة من الهواء والبترول داخل الأسطوانة فيملأ الفراغ، الآن يبدأ المكبس الموجود في أسفل الأسطوانة بالتحرك نحو الأعلى، ضاغطاً أثناء ذلك على خليطة الهواء والبنزين، فينغلق صمام الإدخال تطلق شمعة الإشعال البوجي شرارة تفجر خليطة الهواء والبنزين المضغوطة، أما الآن، وبما أن كافة صمامات الإدخال والإخراج مغلقة، فإن قوة الإنفجار تدفع المكبس إلى الأسفل. يدور العمود المرفقي. وقبل أن يبدأ المكبس بالتحرك إلى الأعلى من جديد، ينفتح صمام الإخراج وتنطلق غازات الإحتراق خارج العادم وهكذا دواليك. الطاقة القادمة من المحرك تأخذها آليات تعشيق التروس وعلبة المسننات وعمود القيادة، التي توزعها على المحاور، التي هي بدورها توزعها على العجلات. وسوف نرى هذا كله تفصيلياً في دروس قادمة. إن الدرس اليوم مجرد بداية لأشياء أكبر وأهم سندرسها مستقبلاً...‏

ابتعدت "وارينجا" عن ذكريات الماضي بهزة عنيفة من "جاتويريا"، الذي كان يتكلم بمرارة مباغتة... وماذا عن يومنا الحاضر؟ إن طاقات وإمكانات نسائنا مستغلة في الضرب على الآلة الكاتبة، والمشارب والأسرة في الفنادق التي أقمناها في كل حدب وصوب من بلادنا للترفيه عن السياح.‏

كم من المهين لكرامتنا القومية أن تصبح نساؤنا مجرد أزهار تزين أسرة السياح الأجانب، بحيث أنهم عندما يعودون إلى بلدانهم الأصلية، يتمكنون من التشدق بمديح كرم نسائنا في الفراش! هل يكون ذلك مديحاً حقيقياً صادقاً أم احتقاراً وازدراء؟‏

ليس من الحق إلقاء اللوم كله على الأجانب، أجابته"وارينجا" إذ حتى أنتم، يارجال كينيا، تعتقدون أن ما من عمل تستطيع المرأة القيام به سوى طهو أطعمتكم وتدليك أجسامكم. منذ بضعة أيام قلت لبعض الشباب: إن طموحي هو تصميم آلة بسيطة أخفف بها من عبء نساء الريف، آلة بسيطة تستغل مصدر الطاقة الأكبر على الكرة الأرضية- الطاقة الشمسية. ولا أخفي عنك، تضاحك الرجال! لماذا غاب عن ذاكرة الناس أن النساء الكينيات كن يصنعن البنادق خلال حرب "الماوماو" ضد البريطانيين؟ ألا يستطيع الناس تذكر مختلف المهمات والواجبات التي نفذتها النساء في القرى عندما كان الرجال يرسلون إلى معسكرات الاعتقال؟ إن أغنية الحمد والثناء تبدأ في البيت. لو لم تكونوا، أيها الرجال الكينيون، على درجة كبيرة من الإزدراء والقمع، ما كان الأجانب الذين تثرثرون عنهم كثيراً على هذا القدر من الإحتقار لنا‏

قال "جاتويريا" على وجه السرعة مخففاً عنها. دعينا نتفق أن هذه بداية طيبة لأشياء مستقبلية أفضل. أردف يقول ورأيه نابع عن يقين وإيمان بأن الأشياء ستتغير حتماً.‏

ثم تذكر "جاتويريا" بطاقات الدعوة إلى حفل هذا اليوم والأسلوب الذي طُلب فيه من الضيوف ارتداء الملابس، وسكت سكوتاً تاماً عندما تصور صدمة والديه لدى رؤية طريقة لباس "وراينجا" من ثوب وعقود خرزية وأقراط "نيوري".‏

ضحك "جاتويريا" بينه وبين نفسه فكر بعرض بطاقة الدعوة على "وارينجا"، ثم طرد الفكرة.‏

بداية أشياء جديدة أكثر ثمراً وعطاءً على الطريق، كرر قوله محدثاً بالأكثر نفسه لكي يشد من معنوياته.‏

دعنا نرجو ذلك! قالت "وارينجا" ولكنها بعد توقف قصير تراجعت عما قالته، لا، لاتتركنا نكتفي بالأمل. لن ننتظر بعد الآن حدوث الأشياء من تلقاء ذاتها. لماذا لا نستطيع جعل الأشياء تحدث بالطريقة التي نريدها؟‏

دعينا نجعلها تحدث إذاً. قال "جاتويريا".‏

دعنا نجعلها تحدث إذاً. رددت "وارينجا".‏

ثورة ثوار "إيريجي"!‏

بداية جديدة لدنيا جديدة، قالت وارينجا.‏

ليكن كذلك، صرخ "جاتويريا" وهو يضغط قدمه اليمنى بشدة على المسرِّع.‏

(2)‏

الحقيقة أن رحلتهما إلى "ناكورو" كانت ممتعة.‏

وكانت رحلتهما ممتعة أيضاً عندما اجتازا "لانيت"، وانعطفا بسيارة "التويوتا" الحمراء نحو "نجوريكا".‏

وظلت رحلتهما ممتعة أيضاً حتى عندما دخلا منزل السيد والسيدة "هسبانيورا جرينوي غيتاهي" في "حدائق نجوريكا الغناء"....‏

وأنتم يامن كنتم هناك، هل من زيادة لمستزيد؟‏

(3)‏

لقد كانت رحلة "جاتويريا" و "وارينجا" ممتعة حتى وهما يسيران عبر مداخل بيت العائلة والأجداد؛ بل ممتعة أيضاً حين دخلا فناء المنزل ووقعت عيونهما على وجوه "كيهاهو واجاتيكا"، "جيتوتو وا ماتا نجورو"، "ندتيكا وا نجونجي" ووجوه آخرين كثيرين ممن شاهداهما في مهرجان الشيطان في إيلموروج قبل عامين، وكان "روبين مواؤرا"، صاحب شركة "الماتاتو" للنقل الحديث، بين الحاضرين أيضاً، باعتباره نقل بعض الضيوف الأجانب إلى الحفل بسياراته الصغيرة الجديدة.‏

كادت "وراينجا" ترفض تصديق الدليل الذي تراه بعينيها، ولكن عينيها لم تكونا تخدعانها: لقد كانت عمتها وزوجها هناك أيضاً....‏

(4)‏

ماذا تقول؟ أشياء كهذه لايمكن أن تكون؟ أعطني القوة، يا من طلبت مني أن أروي هذه الحكاية، أعطني اللسان، أعطني الكلمات...‏

(5)‏

إن ما حدث بعد ذلك هو حكاية رويت مراراً وتكراراً، غير أنها حكاية يصعب أن يصدقها من لم يكن هناك، أعطني اللسان... أعطني القوة، أنت يا من أمرتني أن أروي هذه الحكاية، أعطني الكلمات....‏

(6)‏

حين سار "جاتويريا" و "وارينجا" إلى داخل فناء المنزل، قابلهما خدم يرتدون اللباس الرسمي، سراويل مخططة، معاطف ذات ذيل أسود، قبعات رأس، وقفازات بيضاء.. وتكريماً لهما، رافقتهما كوكبة من هؤلاء باتجاه قاعة خاصة، حيث كان والد "جاتويريا"، مع مجموعة من كبار السن المقربين المختارين، ينتظر استقباله، لقد تم ترتيب الأمور بشكل يكون فيه والد "جاتويريا" أول من يستقبل عروس ولده، وأول من يمسها. الواجب كان يفرض أن يكون صاحب البيت أول من يستقبل عروس ولده، وفق التقاليد الحديثة.‏

اصطف الضيوف على الجانبين، وأخذوا يصفقون بأيديهم أثناء مرور موكب "جاتويريا" و "وارينجا".‏

الرجال كانوا يرتدون بزات سوداء حالكة، وقمصاناً بيضاء مكشكشة، وربطات عنق مقوسة. أما النساء فكن يرتدين أثواباً نفيسة فاخرة من ألوان شتى، ولكنهن جميعاً كن يرتدين القبعات والقفازات البيضاء.‏

وعلى الأطراف الخارجية وقف ضيوف وسياح أجانب، يرتدون ثياباً خفيفة مناسبة ليوم مشمس يراقبون المسرحية بدهش وهي تتجلى لنواظرهم كأنهم يدرسون العطاءات المضحكة التي انتجتها بعثاتهم التحضيرية الخاصة.‏

(7)‏

وجهت "وارينجا" نظراتها إلى عمتها وزوجها علها تبدد الوساوس التي أحست بها. رأتهما يخفيان وجهيهما، فعللت لنفسها أنهما فعلا ذلك خجلاً من طريقة لباسها...‏

كان المدخل المؤدي إلى القاعة الخاصة مكسواً بسجادة حمراء اللون وعلى أرض القاعة، كان هنالك سجادة بسماكة أربع بوصات، ومن السقف كانت الثريات تتدلى مثل أضاميم من الفاكهة الزجاجية.‏

كان والد "وارينجا" يتربع على مقعد وثير عالٍ مفروش بمساند من كل صنف ولون. وعلى كل جانب من جانبيه كان كبارالسن من أصدقائه يجلسون على مقاعد مشابهة ولكنها أصغر حجماً.‏

لقد بلغت أخبار الابن الوحيد العائد إلى بيته كل ركن من أركان المنطقة، فتمثل ذلك بأعداد الناس الغفيرة ممن وفدوا للاحتفال.‏

نعم، إن أخبار من كان ضائعاً ضالاً ثم عاد إلى البيت للحصول على بركات والده وبركات كبار السن من حوله كانت تنتشر في طول البلاد وعرضها.‏

شعرت "وارينجا" وكأنها ممثلة في فيلم سينمائي.‏

كان ذلك هو ما شعرت به عندما دخلت القاعة الخاصة ووقفت على السجادة الخضراء.‏

وكان ذلك هو ما شعرت به عندما سرحت بعينيها حول الغرفة... وعلى حين غرة تلتقي عينا "وارينجا" عيني والد "جاتويريا".‏

والد "جاتويريا"؟ يالله، لا!‏

لقد وقعت عينا "وارينجا" على عيني الغني العجوز من "نجوريكا"، الذي كان يتربع فوق المقعد العالي، على أتم استعداد لإستقبالها. والد "جاتويريا"؟ والد "وامبوي"!‏

(8)‏

ياوالدي، هذه هي...، بدأ "جاتويريا" مقدمات التعارف. أوقفه والده بحركة من يده، كان شيخاً قوي البنية، وكانت رقعة صلعه، التي تقسم شعره الأشيب إلى قسمين، تلمع في ضوء الغرفة.‏

ولكن وجهه لم يفصح عن شيء.‏

ثم إن صوته لم يفصح عن شيء أيضاً وهو يطلب من كل شخص مغادرة الغرفة، ومنهم "جاتويريا" نفسه، لكي يتعرف على حبيبة ولده، ولكي يتمكن العم وابنته من التعارف.‏

اذهب، يا "جاتويريا" ، وألق السلام على والدتك، وخذ هؤلاء الضيوف للإنضمام إلى باقي المدعوين، أغلق الباب وراءك ، من فضلك، وأخبر أمك أنني سأكون شاكراً ممتناً لعدم القيام بأي إزعاج مهما كان.‏

غادر الضيوف الغرفة، وهم ينظرون نظرات كلها فسق وفجور إلى "وارينجا" وبعضهم يغمغمون بالكلام لأنفسهم: إن صبايا هذه الأيام جميلات حقاً إما أرذل أيام الشيخوخة وأفجعها!‏

تصور هؤلاء الشيوخ أن كل شيء كان يجري وفق خطة مرسومة. لاأحد كان يعرف أن هناك تطوراً غير متوقع في مجريات الأمور- لا أحد، أقصد لا أحد سوى "وارينجا" ووالد "جاتويريا".‏

والد "جاتويريا"؟ والد "وامبوي"!‏

(9)‏

كانت يدا العجوز الثري من "نجيروكا" ترتجفان. مدَّ العجوز ذراعيه ووضع يده فوق الكتاب المقدس على الطاولة أمامه. كانت عيناه، طيلة الوقت، مركزتين على وجه "وارينجا". وكانت شفتاه ترتعشان أيضاً. لم يكن يعرف كيف ومن أين يبدأ.‏

جمرة الكلام كانت تحترق عند مقبضها.‏

وقفت "وارينجا" في المكان نفسه، تقابل بعينيها الجريئتين نظرة العجوز الثري المحدقة. ونقلت حقيبة يدها من كتفها الأيمن إلى كتفها الأيسر.‏

ألا تجلسين؟ سألها العجوز الثري، وهو يقف ويدفع بكرسيٍّ نحوها.‏

بقيت "وارينجا" في مكانها. ولم تنبس ببنت شفة.‏

غاص العجوز في مقعده، وعيناه ما زالتا عالقتين بوجه "وارينجا". هل... هل كنت تدرين أن "جاتويريا" هو ابني، ولدي الوحيد؟‏

هزت "وارينجا" رأسها.‏

وقف العجوز ثانية وقال لها: دعينا نركع ونصلي معاً.‏

هزت "وارينجا" كتفيها استهجاناً. وظلت واقفة على قدميها.‏

أرجوك، أتوسل إليك، دعينا نصلِّ معاً لكي يرينا الرب الطريق.‏

لم تتحرك "وارينجا" أما العجوز الثري من "نجيروكا" فركع على السجادة أمامها.‏

نظرت "وارينجا" إليه كما ينظر القاضي إلى سجين لم يعلن التوبة وهو يطلب الرحمة. حاول العجوز أن يصلي ولكن كلمات الصلاة لم تطاوعه.‏

افترت شفتا "وارينجا" قليلاً، وكأنها على وشك أن تضحك، غير أنها لم تفعل ذلك.‏

فتح العجوز عينيه ورفع نظره إلى "وارينجا" ، فقابل عينين تتراقصان ضحكاً وسخرية.‏

أخذت شفتاة ترتعشان، أقلع عن صلاته ووقف ثم راح يذرع السجادة ذهاباً، وإياباً، ويداه متشابكتان معاً وراء ظهره، ولكنه كلما مشى بضعة خطوات كان يقف ويلمس الطاولة أو الكرسي الذي كان يجلس عليه.‏

لم تنزع "وارينجا" عينيها عنه لحظة واحدة.‏

بعد ذلك، توقف فجأة عن الرواح والمجيء ووقف أمام "وارينجا".‏

هذه محاكمة، قال العجوز بصوت يشبه صوت الغارق في الماء. أخفض بصره وكأنه لا يريد النظر مباشرة إلى وجه "وارينجا" ، ثم تابع باللهجة نفسها: هل تعرفين أن كل مارسمته مع "جاتويريا" مستحيل الآن؟‏

لم تقل "وارينجا" شيئاً. نظرت إليه فقط.‏

لمعت قطرات من العرق على صلعته الملساء.‏

وفجأة انتاب "وارينجا" شعور بالأسى والرثاء لهذا الرجل. بدأت تتكلم ثم توقفت. غير أن رأس سهم حاد من الشفقة خرق فؤادها.‏

شعر العجوز بتغير طفيف في الجو. حسب أنه شاهد صدعاً في جدران قلب صلب قاسٍ، فأسرع يوسعه بالكلمات.‏

يا "جاكينتا" ! يا "وارينجا"! ليس ثمة شيء لن أفعله اليوم... حقاً، ليس ثمة شيء لن أفعله من أجلك، إذا خلصتني من هذه النازلة اليوم. أرجوك. يا "جاكينتا"، أضرع إليك وأناشدك باسم المرأة التي ولدتك! إن سعادتي ومركزي وديني وثروتي وحياتي جميعها رهن يديك. خلصيني من هذه الملمّة فقط!‏

أحست "وارينجا" بالضحك ينبعث في صدرها. ولم تعد وخزة الشفقة تطعن فؤادها. لكنها فتحت فمها وتفوهت بكلمة واحدة: كيف؟‏

لم يسمع العجوز الثري من "نجوريكا" صوت "وارينجا" منذ أمد طويل. رفع عينيه فوراً كأن كلمة "وارينجا" الوحيدة رمح أصابه في الصميم. حدق إلى عينيها السوداوين وراح يتكلم بوتيرة أسرع وأسرع، متصوراً أنه سينجح في توسيع صدع الشفقة بداخلها.‏

تتركين "جاتويريا" إنه ولدي الوحيد، وأنا أحبه كثيراً، رغم أنه ولد عاق يحاول أن يرسم لنفسه خطه المستقل، بدلاً من اقتفاء خطوي. وفوق ذلك، إنه بمثابة ولدك. وهكذا فإن مشروعكما مستحيل ما دمت على قيد الحياة، لأنه سيكون بمثابة ولد يتزوج أمه. الأمر سيكون بمثابة أن يتزوج ولدي زوجتي وأنا لا أزال حياً أتنفس. لن أقوى على التنفس يوماً واحداً بعد ذلك من خجلي وعاري أمام أهلي وأمام الله.‏

بيتي سيتفكك وأملاكي ستبقى بلا مدير، حياتي ستتحطم فأنقذيني، يا "جاكينتا"!‏

كيف؟‏

ومرة ثانية يفتن العجوز الثري ويسحر من وقع صوت "وارينجا" أخذ يزرع السجادة ذهاباً وإياباً من جديد. خطا خطوتين أو ثلاث ثم توقف وهو يجاهد للتحكم بنفسه.‏

أريدك أن تهجري "جاتويريا".‏

كيف؟‏

ارجعا سوية إلى "نيروبي". وعندما تصلانها، قولي له: إن قصة حبكما انتهت. لم يزل طفلاً، ولن يشعر بشيء.‏

وأنا؟‏

وفجأة أحس بما كان يحسه في الأيام الغابرة، حين كان يغمرها بالكلمات المعسولة. أحس بالدماء تسري مندفعة في عروقه، وأحس برجولته تعود إليه. مدَّ ذراعيه كأنه يزمع وضع يديه على كتفي "وارينجا" ، ولكنه عندما التقى عيني "وارينجا" الملتهبتين، ألقى يديه جانباً بسرعة، ومع ذلك، لم يستطع كبح جماح الكلمات على شفتيه.‏

كوني لي. تذكري أنك كنت يوماً لي. أعتقد أنني الرجل الذي حولك من فتاة بكر إلى امرأة. ثم إنك أم طفلتي، وإن كنت لم أرها على الإطلاق.‏

وماذا بالنسبة لزوجتك، والدة "جاتويريا"؟‏

غمر جمال "وارينجا" العجوز الثري، وسيطر عليه، استبد به الشبق والشهوة. وراحت الكلمات المعسولة تتدفق وتجري دون عناء، ازداد اقتراباً منها وراح يتكلم كما يتكلم "بوس كيهارا" بالتمام والكمال. كأنهما درساً في مدرسة الإغراء نفسها أوقرأا الكتاب الذي يحتوي على مائة رسالة حب من والد لابنته.‏

لاتحسبي حسابها، يا "جاكينتا". لا أحد يتعطر بعطر عتيق فقد أريجه. أرجوك، ياسيدتي الصغيرة، يا فاكهتي، اصغي لكلماتي، خلصيني من هذا العار اليوم. كوني امرأتي، وسوف أستأجر لك منزلاً في "نيروبي" أو "مومباس" أو في أي مكان تختارين. سوف أجهز البيت بنفس طراز الأثاث والسجاد الذي ترينه في هذا المنزل، وبالفرش والستائر والأشياء الأخرى المستوردة من الخارج- من هونغ كونغ، طوكيو، باريس، لندن، روما، ونيويورك. سمِّي ماتريدين، فيكون لك. أريدك أن تخلعي عنك هذا الثوب وهذه العقود وهذه الأقراط المصنوعة من أعواد الذرة اليابسة وأن ترتدي ملابس ومجوهرات مصنوعة في أوروبا. سوف أشتري لك أيضاً سلة للتسوق، سلة تأخذك إلى السوق، من طراز "تويوتا"، "كورونا"، "داتسون 16ب"، أو "الفاسود" أو أية سيارة أخرى تختارينها. يا "جاكينتا"، يا طفلتي، ياتفاحتي، يابرتقالتي، عودي إلي وحلي مشاكل حياتك ومشاكل بيتي وطفلي.‏

أي طفل؟‏

جاتويريا، طبعاً.‏

و "وامبوي"؟ أليست طفلتك أيضاً؟‏

لست غبياً كما تظنين. لقد قال "جيكويو": من يكره البقرة، يكره جلدها المدبوغ. وأنا أقول لك الآن: من يحب البقرة، يحب عجلها.‏

وماذا لو رفضت أن أصبح وردتك، وردة تحلِّي شيخوختك وتلطِّفها؟‏

توقف العجوز الثري قليلاً، كأنه غارق في تفكير عميق. اكفهر وجهه: فقد أغضبته كلمات وارينجا، تنحنح وراح يتكلم بصوت مرير أجش، صوت رجل لم يتعود أن تلقى كلماته ورغباته تحدياً ومخالفة.‏

دعيني أحدثك بالأمثال. قبل زمن سحيق كان "إبليس" (أو الشيطان) ملاكاً محبوباً حباً جماً من قبل الله. وكان يسمى عندئذ "لوسيفر". ولكن روحاً شريرة استولت عليه في يوم من الأيام، وراح يحن ويتوق لمقعد على يمين الله. وذلك المقعد، كما تعلمين، محجوز لابن الله الوحيد. ماذا فعل الله "بلوسيفر"؟ وحتى نحن، عبيد الله على الأرض، لدينا طرقنا الخاصة لتنفيذ مشيئته. لست طفلاً صغيراً، ولذلك لا أجد ضرورة لتفسير معنى ذلك. لم أكن ممن حضروا المهرجان في "إيلموروج". ولكنني أعرف حق المعرفة أن بين الحضور شخص اسمه "مؤيريري وا موكيراي". لقد كان واحداً من أكثر المدعوين احتراماً في المهرجان. وسمعت أنه كلف بتوزيع أكبر عدد من بطاقات الدعوة. ولكنه بعد أن أكل وشرب حتى الثمالة، أخذ يلعن الرب ويحتقر أبناء طبقته ويهزأ بهم. لقد رفض الرضوخ لشريعة الله على الأرض. لعله كان يتمتع بأعظم الاحترام في الماضي - ولكن أين هو الآن؟‏

قتله "روبين مواؤرا" بسيارته "الماتاتو ماتاتا ماتامو" فوردت تسجيل 333 م. م. م. في "كينينى"، قرب "ليمورو".‏

جفل العجوز الثري وراعه سماع ذلك.‏

وهكذا أنت تعرفين؟ لذلك ليس على أن أخفي شيئاً عنك. لقد كان "مواؤرا" قائداً لجماعة تدعى "ملائكة الشيطان". ربما سمعت عنهم. إن مهمتهم هي تصفية من يحولون دون تنفيذ مشيئة الله على الأرض.‏

في هذه اللحظة تماماً، ليس علي إلا أن أفتح فمي، ولن تصلي إلى "جيلجيل"... ولكن عم نتكلم، يا جاكينتا؟ لقد انحرفنا عن طريقنا. أنا أعرف أنك لست حمقاء مغفلة، وأنك لن ترفضي النعمة. إذا كان ما تريدينه هو مزرعة في "وادي الريفت"، تديرينها بالهاتف من "نيروبي" أو "مومباسا"، لبيك، ليس عليك إلا أن تذكري ما تريدين، فيتحول القول إلى حقيقة.‏

والموجودون في الخارج؟ ماذا سنقول لهم؟‏

اتركي ذلك لي.‏

ياسيد "جيتاهي"، إنني أشك أنك اهتممت مرة واحدة في حياتك بالتفكير في حياة الآخرين. هل يمكنني أن أسألك سؤالاً؟‏

بكل تأكيد، فالمرء لا يحاكم على توجيه الأسئلة.‏

أنت تريد أن ينتهي الحب بيني وبين "جاتويريا"، أليس كذلك؟‏

نعم، أريد ذلك.‏

حسناً، هل تريد أن تتزوجني؟ أقصد، هل تريد الخضوع لطقوس زواج رسمية أصبح بموجبها زوجتك الثانية؟‏

أرجوك، يا "جاكينتا"، أقلعي عن التظاهر بأنك لا تفهمين، أنا من أتباع الكنيسة. أريدك فقط أن تكوني لي. سوف أجد وسائلي الخاصة في الحضور لزيارتك. مثل أيامنا الخوالي فقط، ألا تتذكرين؟ أرجوك، أنقذيني! أنقذي شرف اسمي! أنقذي شرف ابني! ياجاكينتا، أنقذي شرف بيتي، وستجدين أمامك إنساناً يعرف قيمة العرفان بالجميل.‏

بعد ذلك وقعت المعجزة. حدق العجوز الثري "بوارينجا"، ففُتن فجأة بروعة حسنها الكاملة. لقد أحرق شبابها النشوان قلبه وجسده.‏

فقد سيطرته على نفسه، وخرَّ راكعاً على ركبتيه أمام "وارينجا" ثم بدأ يناشدها ويلتمس ودها. لم أر أبداً جمالاً يشرق بمثل هذا الألق. أنقذيني!‏

أحكم قبضته على "وارينجا" من ركبتيها، بينما كانت الكلمات تندفق من شفتيه مثل نهر فائض.‏

كانت "وارينجا" تقف تماماً في المكان الذي وقفت فيه منذ دخول الغرفة.‏

وأخذت تتحدث مثل قاضي محكمة الشعب، وهو على وشك إعلان حكمه.‏

يا سالب أرواح الناس! هل تتذكر اللعبة التي اعتدنا على لعبها معاً، لعبة الصياد والطريدة؟ هل تصورت أن يأتي يوم يمكن أن تصبح فيه الطريدة هي الصياد. ما وقع وقع ولا يمكن محوه. أنا لن أنقذك. ولكنني سأنقذ بشراً كثيرين آخرين، بشراً لن تتعرض حياتهم للدمار عن طريق الكلمات المعسولة المعطرة.‏

قاطعها العجوز الثري قائلاً: كنت أعرف أنك ستوافقين! يا عزيزتي، يامن أحبها حباً كبيراً! يا تفاحتي الصغيرة، يا برتقالتي الصغيرة، يا وردتي التي تبهج لي شيخوختي.‏

استطرد العجوز، منجرفاً ومدفوعاً بكلماته. لم ير "وارينجا" تفتح حقيبة يدها. ولم يرها وهي تخرج المسدس.‏

انظر إلي، قالت "وارينجا" آمرة، بصوت قاضي المحكمة.‏

عندما شاهد والد "جاتويريا" المسدس، انقطع حبل كلامه.‏

(10)‏

الناس في الخارج سمعوا الطلقات، وعندما دخلوا الغرفة، وجدوا والد "جاتويريا" مازال جاثياً، متشبثاً "بوارينجا" من ركبتيها. ولكن ثلاث رصاصات استقرت في جسمه.‏

ما الأمر؟ ما الأمر يا "وارينجا"؟ سأل "جاتويريا".‏

ههنا يركع برغوث، قملة، سوسة، برغوث، وبقة! إنه نبتة الدبق، إنه الطفيلي الذي يعيش على أشجار غيره من البشر.‏

(11)‏

غادرت "وارينجا" الغرفة. وأفسح الناس لها الطريق. خارج باب الغرفة، قابلت "كيهاهو وا جاتيكا" و "جيتوتو وا جاتا نجورو". وفجأة، اعتراها وهي تتذكر "وانجاري" و "موتوري" وقائد الطلبة- الثلاثة الذين خلصوها من عبوديتها العقلية- اعتراها غضب لم تشعر بمثله وهي تقتل "جيتاهي".‏

أنت أيضاً، وأنت! ثم أطلقت النار على كل من "كيهاهو" و "جيتوتو"، فمزقت ركبتيهما أشلاء.‏

الناس تفرقوا في كل اتجاه، وبعضهم يصرخ، اعتقلوها، ألقوا عليها القبض! إنها مجنونة، بينما هم يتراكضون طلباً لنجاتهم.‏

قوبل اثنان حاولا إلقاء القبض عليها بركلات الجودو وضربات الكاراتية، فسقطا أرضاً. مشت "وارينجا" مبتعدة بكل رزانة وهدوء، بينما كان الناس يراقبونها عن مسافة آمنة.‏

كان "نجونجي وا ندتيكا" الشخص الوحيد الذي شوهد وهو يركض، ممسكاً كرشه بكلتا يديه حتى لا يسقط ومنادياً بصوت عال "روبين مواؤرا": أين أنت؟ أين أنت ورجالك؟ غير أن "مواؤرا" كان قد شغَّل سيارته وانصرف على وجه السرعة بعيداً.‏

لم يعرف "جاتويريا" ماذا يفعل: يعالج جثة أبيه، يواسي أمه أو يلحق "بوارينجا". ولذلك فإنه وقف في فناء المنزل، يسمع داخل رأسه موسيقا لا تقوده إلى أي مكان.‏

وقف هناك في فناء المنزل، كأنه فقد القدرة على استخدام لسانه، وساقيه وذراعيه.‏

تابعت "وارينجا" سيرها، دون أن تنظر مرة واحدة إلى الوراء. ولكن "وارينجا" كانت تعرف بكل أعماقها وأحاسيسها أن نضالات رحلة حياتها الأشد والأصعب ما زالت تنتظرها على الطريق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244