أفراح ليلة القدر - عبد الكريم ناصيف

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:18 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الرواية 1997 الرواية 1998
 

-أميرة، أبوك مقطوع الأنفاس لا يستطيع الكلام.. تكلمي أنت.. ماذا حدث؟

-ليلة القدر!! تدخل الأب حائلاً بين أميرة وبين الكلام.. بالأمس طلعت لنا ليلة القدر!!‏

-لكن نحن في شهر محرم ولسنا في شهر رمضان حتى تطلع ليلة القدر..‏

-في محرم، في صفر، المهم تحقق الحلم مصباح!! نلت كل ما أتمناه.‏

-نزلت لك قفة ذهب من السماء أم انفتحت لك مغارة علاء الدين في الأرض؟‏

-بل قل أكثر، أكثر..‏

-يعني لم تعد بحاجة لثمن البذار؟ قال وهو يخرج مبلغاً من المال كان قد طواه بعناية في جيبه..‏

-أي ثمن بذار؟ بل أي بذار؟ رد متضاحكاً، مشيراً بقرف إلى مال أخيه.‏

-ماذا يا رجل؟ تكلم.. أهلكتني!! قال وهو يعيد المال إلى جيبه..‏

-لا بذار بعد اليوم، بل لا فلاحة ولا زراعة.. قد بعت الأرض!!‏

-بعت الأرض لتأكل بثمنها دجاجاً وشواء؟‏

-بل بعتها لأقبر الفقر!!‏

-تقبر الفقر شهرين ثلاثة ثم تجد نفسك بلا مال ولا أرض.. مائة مرة قلت لك: الأرض رصيدك الوحيد.. لا تتخلّ عن الأرض.. لا تتخل عن رصيدك الوحيد. قال مصباح بنبرة العتاب واللوم إضافة إلى مسحة واضحة من الحزن.‏

-لا مصباح، هذه المرة الرصيد كبير.. لا تنفقه بشهور ولا سنين..‏

-كم!؟ عشرون ألفاً.؟ خمسون ألفاً!؟‏

-بل خمسة ملايين!!‏

-خمسة ملايين!؟ بدأ بشيء من دهشة ثم استدرك للتو،‏

معنى ذلك أنها أصبحت أرضاً عقارية.. نظمت للبناء!؟‏

-بالطبع. أرض عقارية.. وأخرج من جيبه الداخلية صك البيع ثم قدمه لأخيه وكأنه وسام انتصاره.‏

-أراك وقعت العقد وانتهى كل شيء. قال بعد أن قرأ الورقة على عجل .‏

-أجل.. انتهى كل شيء.‏

-إذن تعجلت؟ لم لم تأخذ رأيي قبل أن تبيع؟!‏

-في ليلة القدر لا يستشير أحد أحداً‏

-لكنك.. بعتها بثمن بخس!! رد وهو يعيد له العقد.. ألف ليرة للمتر الواحد؟ هذه الحواكير.. سوف تكون أرقى الأحياء في دمشق.. يتوقعون أن يصل المتر الواحد هنا إلى العشرة والخمسة عشرة ألفاً..‏

-لا يهمني!! أنا بعت الدونم بمليون.. وهو مبلغ أكبر بكثير مما كنت أحلم أو تحلم به أنت نفسك!!‏

-حسن.. أنت مسرور إذن!؟‏

-بل قل أطير فرحاً.. لا فقر بعد اليوم، لا حاجة، لا جوع، لا دين.. الآن أملك المال وبالمال أدخل الجنة!!‏

-بعضهم يدخلون به جهنم.. فاحذر أبا دياب..‏

-لا.. لا.. بالمال نصنع السعادة.. والسعادة هي الجنة..‏

-أحياناً، رد مصباح بعد لحظة تفكير، لكن في أحيان أخرى يكون المال مطية إبليس لا يقودك إلا إلى جهنم..‏

-وكيف يقودني المال إلى جهنم؟ رد الأخ الكبير بشيء من عصبية؟‏

-هو ذا السؤال الذي لا يرد عليه إلا الزمن.‏

-لا، مصباح، هذه المرة أنت مخطئ، رد سيف الدين وهو يضحك مقهقهاً.. مخطئ كثيراً، المال هو كل شيء في هذه الدنيا.. مفتاح كل سعادة، وقد صار في قبضة يدي ذلك المفتاح.‏

-إذن، لم تعد بحاجة إلى مساعدتي؟ قال مصباح وهو ينهض.‏

-بحاجتك؟ أجاب مقهقهاً من جديد، من اليوم فصاعداً أنت الذي ستكون بحاجتي.‏

لم يجب مصباح للتو، بل تفرس في أخيه: تلك القهقهة، نبرة الصوت، كلمة مخطئ التي يخاطبه بها لأول مرة، كلها كانت قد دقت جرس انذار: ثمة تغير خطير، لكنه اكتفى بهزة رأس ثم:‏

-عن إذنك...‏

ومضى قبل أن يستطيع سيف الدين اكمال قهقهته.‏

-عمي، لا تذهب، أرجوك، قالت أميرة وهي تهم باللحاق بعمها، لكن يد أبيها امتدت تمنعها وصوته ارتفع يزجرها:‏

-دعيه، ربما يحطم هذا شيئاً من غروره.. ولم تستطع أميرة أن تفعل شيئاً سوى أن ترقب عمها وهو يغادر، في فمها مرارة العلقم وفي حلقها غصة القهر..‏

غصة أخرى أحست بها الأم وهي تسمع شوكة الداهوك يعاتب زوجها:‏

-ماذا؟ النهار بطوله لم تفعل شيئاً؟ لا.. لا.. عليك أن تتحرك.. غداً يجب أن ننهي إجراءات البيع القانونية وخلال ثلاثة أيام يجب أن تخلوا.. "ثلاثة أيام فقط "تساءلت الأم في سرها وكل ما في فمها غصة وعلقم "معقول؟ نخلي بهذه السرعة؟ نتخلى عن كل شيء في ثلاثة أيام؟" وكانت الأم ما تزال تتساءل حين خرج شوكة، السمسار البارع الذي يخرج الحية من وكرها. في الحال دوى النفير طالباً لم الشمل..‏

-الآليات ستأتي بعد غد، بدأ الأب الذي بدا مشبعاً بكلام السمسار الحاذق، سميعاً مطيعاً لأوامره، وعلينا أن نرحل خلال يومين..‏

-نرحل غداً، وما الذي يمنعنا؟ رد ديبو وهو يكاد يطير فرحاً..‏

-كيف؟ وأثاثنا؟ رزقنا؟ أغراضنا؟ عقبت الأم بكثير من المرارة والأسى.‏

-بسيطة، بدأ فهد وهو في قمة سروره، هناك طريقة سريعة للتخلص من كل شيء،‏

-ما هي؟ سألت شاهة فتابع:‏

-نلقي بهذا الأثاث العتيق في القمامة، العنزات، السخال، الدجاج نوزعها كلها على الجيران، فنثبت لهم أننا صرنا فعلاً فوق الريح.‏

-لكن هذه منفخة!!‏

-هذا تبذير!!‏

-هذا جنون!!‏

راحت التعليقات تترى من أفراد الأسرة، الذين يعلمون من قبل مدى غرور فهد وحبه للتبجح .‏

-ماذا نفعل إذن؟ عاد يسأل خائباً، ثم جرى نقاش،ٍ أخذ ورد، قر بعده قرار الأسرة على بيع الأثاث في سوق العتيق والدواجن في سوق الدجاج، والمعزى والعجلة في بازار حرستا..‏

-لكن بهذه السرعة نتخلى عن ماضينا؟ ننسلخ؟‏

بدأت الأم متلعثمة بعد أن بحثت طويلاً عن الكلمة، لكن فهداً لم يدعها تتابع.‏

-ننسلخ.. أجل.. قاطعها على عجل، تلك هي الكلمة.. ننسلخ عن ذلك الماضي كله.. نفعل كما تفعل الأفعى.. ترمي الجلد القديم الوسخ لتلبس الجديد الزاهي..‏

لكن الأم تشعر أنها ليست أفعى تسلخ جلدها بسهولة وتلقي به أرضاً.. هي بشر.. جذورها في الأرض مثلما أغصانها في السماء.. هي ماض مثلما هي حاضر ومستقبل.. سيؤلمها كثيراً أن تقتلع من جذورها كما يؤلم الشجرة الغضة الخضراء ويذبل أوراقها، لكن ماذا تفعل ولا مجال للتردد؟ العقد أبرم، المهلة محددة. وليس عليهم سوى التنفيذ.‏

صامتة راحت تسمع والآخرون يخططون للغد، يناقشون الإجراءات ويوزعون الأدوار. بسرعة بدأ التنفيذ في الصباح، وعلىعجل انطلق كل إلى عمله، وضع الدجاج في الأقفاص والأم تراقب، شحنت العنزات وسخالها بشاحنة صغيرة مضت بها بسرعة والأم تنظر، لكن حين جاء دور العجلة لم تستطع إلا أن تقترب منها، تتلمس جلدها، تمسد جبينها ثم تذرف دمعة فقد تذكرت أمها العطراء.‏

-آه!! ما أقسى قلوبكم أيها الرجال!! قالت لزوجها وقد انتهى من تحميل العجلة وربطها بالحبال.‏

-ماذا؟ تريدينني أن أبكي كالنساء؟‏

-النساء خير منكم.. هن أعظم وفاء وأخلص وداً.. قالت وهي ما تزال تذرف الدمع.‏

-ليس وقتك يا حرمة.. هيا.. اذهبي.. ساعدي الأولاد. لدينا عمل كثير..‏

أجل .هي تعلم أن لديهم عملاً كثيراً، لكن هل باستطاعتها أن تعمل شيئاً؟ ركبتاها واهنتان تشعر أنهما قد تتفككان في أية لحظة.. ذراعاها ضعيفتان تحس أنها أعجز عن تحريكهما في رزم غرض من أغراضها. قلبها يبدو متثاقلاً متباطئاً وكأنما تمنعه الحسرة من الخفقان.‏

-مالك أماه؟ سألتها أميرة وقد عادت لتوها من المعسكر.‏

-لا أدري.. أشعر وكأنني مصابة بدوار.. لا أعرف ما يجري حولي.. أميرة نفسها أحست بنوع من الدوار كذلك الذي كانت تشعر به حين تركب الدواخة أيام الأعياد ويحركونها بسرعة كبيرة. السرعة.. أجل.. في الفيزياء درسوا قوانين السرعة والتسارع وتأثيرهما على الإنسان. هي تعلم أن كل زيادة في السرعة تعني تجاوزاً للنمط الذي بني عليه توازن الإنسان وبالتالي اختلالاً لذلك التوازن.‏

توازن البيت اختل وقد بدأ كل شيء يجري بسرعة، حزم الأمتعة، النقل، البيع، الشراء، فالدلال حريص على استلام البيت في الموعد المحدد، والمتعهد دائم التجهم، دائم الحملقة حريص أن يشرف بنفسه على وصول الآليات التي تهدم وتدمر بطرفة عين. الأم نفسها باتت حريصة أن تغادر بأسرع ما تستطيع إذ ما ان رأت تلك الآليات العملاقة تقترب هادرة حتى أصابها ما يشبه الهلع.. لا.. لن تقطعوا شيئاً قبل أن نغادر!! قالت ثم تحول ذلك الهلع إلى كوابيس مخيفة آخر ليلة وهي ترى وحوشاً هائلة الحجم تفتح فكاكها وتهجم عليها تريد تمزيقها بأنيابها الحادة.‏

مع ذلك لم تستطع أم ديبو أن تغادر إلا بشق النفس. قلبها يتفتت وهي تقلب النظر في الغرف الخاوية.. من غرفة إلى غرفة راحت تتلمس الجدران.. تتمسح بالنوافذ.. تقبل الأبواب.. عمراً طويل كانت قد قضت في ذلك البيت، فرحها، ترحها، سعادتها، شقاؤها، كلها كانت قد عاشتها في ذلك البيت، دخلته وهي ابنة ثلاثة عشر.. وها هي ذي الآن في الأربعينات فكيف لا تأسى عليه؟ الدموع نفسها تأبى إلا أن تسيل وفاء لعشرة عمر..‏

-ماذا؟ أتبكين بيت الفقر والحرمان؟ سألها ديبو وهو يضحك ساخراً ملوحاً برأسه.. لو كنت مكانك لخرجت وأنا أرقص وأزغرد.. لكنها لم تخرج إلا وهي تذرف الدموع، ثم ذرفت دموعاً أكثر حين مرت بأشجار الجوز والمشمش التي كانت تنظر إلى الآلات العملاقة وهي ترتجف خوفاً لكأنها تعرف المصير الذي ينتظرها. وحدها أميرة كانت تشارك أمها أساها، وهي تودع مسقط الرأس والحاكورة الجميلة التي طالما سرحت فيها ولعبت طفلة وصبية.‏

بما خف وغلا فقط رحلت العائلة، ففي الشقة الجديدة كل ما تشتهي أم ديبو: خمس غرف واسعة: ثلاث للنوم، واثنتان للمعيشة والضيوف.. المطبخ واسع حتى ليطارد فيه الخيال، يحوي البراد، الغسالة الأوتوماتيك، الثلاجة، الجلاية.. أواني "التيفال" التي لا تلصق أبداً، الطناجر البخارية، الكؤوس البلورية، صحون القيشاني.. فماذا تريد أم ديبو أكثر من ذلك؟ في غرفة المعيشة راديو ستريو، مسجلة، تلفزيون ملون، فيديو.. كل شيء على أحسن طراز، لكأن صاحب الشقة فكر بكل شيء عنهم، جهز كل شيء كما يرغب أصحاب الأحلام. الجدران صقيلة الورق، جميلة الرسوم، زاهية الألوان، بل حتى السقوف مزخرفة بالجص، مذهبة الحواشي، تنظر إليها شاهة فتنبهر، ينظر ديبو وفهد فينبهران..‏

-ليتها ملكنا يا أبي!! هتفت شاهة وهي تكاد ترقص فرحاً، خسارة أنها مؤقتة.‏

-هذا هو الشرط: يقدم لنا شقة ريثما تقوم شقتنا في حاكورتنا القديمة. شقة واسعة، مساحتها ثلاثمائة متر ستكون لنا هناك، فلماذا نهتم بهذه؟‏

-لكنها رائعة.. ليتك تشتريها لنا يا أبي!! قال فهد هذه المرة وهو يطمع في أن تظل له إذا عاد أهله إلى غربي المالكي..‏

لكن الأب لم يرد.. أمور كثيرة كانت تشغل ذهنه وهم يرتبون حاجاتهم هنا وهناك..‏

-انظري، هتفت شاهة بأختها وهي تكاد تطير فرحاً بغرفتها الجديدة. ما أجمل هذا الورق!! هذه الرسوم!! تابعت هتافها وهي تتلمس الجدران، الستائر.. وهذا السرير!! انظري كم هو مريح، قالت أخيراً وهي تقذف بنفسها عليه فيرفعها عالياً وقد تقلصت نوابضه ثم انبسطت. أميرة نفسها لا تملك إلا أن تعجب بالفرش، الستائر، ورق الجدران، لكن أكثر ما أعجبها شرفتها الواسعة.‏

-يا لها من شرفة رائعة!! هتفت وهي تخرج إلى الشرفة التي تطل على ساحة المالكي.‏

-بل قولي: كل شيء هنا رائع!! ردت شاهة وهي تنقلب على السرير الوثير يمنة ويسرة، فرحة سعيدة.. إنها ضربة حظ.. ليلة قدر حقاً فتحت لنا أبواب الجنة..‏

وللتو، شردت أميرة شاعرة بشيء من انقباض. هي تستعيد بذهنها ما قاله عمها لأبيها "في كثير من الأحيان يكون المال مطية إبليس، وإبليس لا يقودك إلا إلى جهنم.. "‏

لكم صدم حين سمع ببيع الأرض!؟ فلماذا؟ ألم يعجبه الثمن؟ أهي المفاجأة؟ أكان يرغب بأن يستشيره أخوه؟ ربما لتلك الأسباب كلها. لكن كم تود أن يبقى عمها إلى جانب أبيها.. هي تشعر أنهم يدخلون مرحلة خطيرة.. ينتقلون من عالم إلى عالم، فهل يستطيعون التكيف مع هذا العالم، أم يتصدعون وينشرخون، بلورة باردة وضعت في ماء حار؟ لو يظل إلى جانب أبيها، يقدم له الرأي والمشورة.. لكن كيف؟ وقررت أميرة أن تكون صلة الوصل.‏

الشقة الجديدة جعلت المهمة أسهل. بيت عمها، مدرستها، بل كل شيء بات أقرب وأسهل.‏

باستطاعتها أن تذهب إلى عمها كل يوم، لكن ذلك مستحيل.. الدراسة تستهلك جل وقتها فلا تجد إلا القليل من الفراغ.‏

-لماذا تتعبين نفسك بالدرس وقد أصبحنا أغنياء؟ شاهة تسخر منها، فترد أميرة بنبرة الحكماء: لا يغني المال عن العلم. كلاهما ثروة، وحبذا لو تجتمع الثروتان.‏

-تريدين بطيختين بيد واحدة؟ لماذا؟ بطيخة واحدة تكفي.‏

لكن أميرة كانت قد وضعت نصب عينيها هدفاً فهل يحرفها عنه المال؟ أميرة لا تشعر بالحاجة لأن تغير شيئاً: في المدرسة تلبس بذلة الخاكي، خارج المدرسة تدرس. فساتينها القديمة عزيزة عليها، لا تفرط بواحد منها.. صحيح أنها اشترت بضعة ملابس جديدة لكنها أبقت القديمة.. بل لشد ما يسعدها أن تخرج بفستان من تلك الفساتين فتبدو وكأن شيئاً لم يحدث.. ذات يوم، وكان الشتاء قد حل بقرسه ورياحه، ذهبت إلى بيت عمها بمعطف جديد لفت نظرهم في الحال:‏

-إي هكذا!! أرينا النعم الجديدة، أميرة!! قالت امرأة عمها، وهي تتلمس المعطف البني الأنيق .‏

-أميرة تتعمد أن تأتينا بثيابها القديمة كيلا تشعرنا بغناها الجديد، علقت ابنة عمها نور، وهي تتفحص المعطف معجبة بياقة الفرو الكبيرة في أعلاه.‏

-بل هي وفية مخلصة، أنا أعرفها، لا تتخلى عن قديمها من أجل جديدها.. علق مأمون وهو فرح ضاحك..‏

-فهيم!! كل عمرك فهيم.. أنا أعرفك أيضاً، ردت أميرة مبتسمة سعيدة، وهي تغرس نفسها وسط من تحب. لم يكن عمها في المنزل، لكن كل من في بيته يحل محله.. علاقتها بهم راسخة وقد ترسخت أكثر بعد التغير الجديد. كل مناسبة تنتهزها للمجيء إليهم، ابنة عمها نور تأتي إليهم أيضاً في شقتهم الجديدة، وقد سرها انتقالهم السريع ذاك. في الماضي، كانت نور تشفق على أميرة من الفقر، وكانت لا تدع فرصة تستطيع مد يد المساعدة فيها لابنة عمها إلا وتفعل ذلك. روابط كثيرة تجمع بينهما، ولم يكن مأمون بأقل منها روابط. هي نفسها تشعر بقربها الشديد منه..‏

هو رحب الصدر، ذكي، عطوف.. نسخة أخرى عن أبيه ولم يكن يسعد أميرة كأن تلتقي به.‏

-اسمعي.. أميرة.. تدخلت امرأة العم من جديد، القرآن الكريم يقول "وأما بنعمة ربك فحدث".. لهذا اسمعي مني.. البسي.. انفقي.. استمتعي، فالمال لم يخلق إلا للانفاق، والحياة لم تخلق إلا للاستمتاع..‏

-أماه!! ما هذا الذي تقولين؟ اعترض مأمون عابساً قليلاً، البنت ما تزال طالبة، أي في مرحلة الجد والبناء.. وليس اللهو والاستمتاع..‏

-أنا فقط أشفق عليها.. ألم تر أختها شاهة كيف تلبس؟ كم تضع في يدها من حلي وأساور؟‏

-لا.. أمي.. هي شيء وشاهة شيء آخر، تدخلت نور هذه المرة، شاهة تعيش فراغاً قاتلاً.. همها الوحيد أن تجد العريس.. أما هي فوقتها مليء، ولديها الف هم وهم..‏

-صحيح.. امرأة عمي.. قالت أميرة بنبرة التوكيد: أنا أرغب بالعلم.. ومن ترغب بالعلم لا ترغب بالملابس والذهب..‏

-إيه!! عقبت الأم متنهدة، لو كان لدى عمك نظر فقط!!‏

-أماه!! ما هذا الكلام؟ احتج مأمون من جديد وهو يرى ابنة عمه تتحول إلى كتلة من انتباه..‏

-ما.. ماذا تقصدين امرأة عمي؟. سألت الفتاة ذات المعطف البني الجديد وقد فاجأتها اللهجة الغريبة لامرأة عمها.‏

-أقصد أيام زمان، حين توفي جدك تنازل عمك عن كل ما تركه المرحوم لأبيك: بيت، أثاث، أرض.. بحجة أنه يريد أن يوفر له حياة كريمة.. لكن ها هو ذا أبوك يبيع الأرض بالملايين، ألا يفترض أن يكون قد ذكر أخاه بشيء؟ ألا ينبغي أن يتذكر أن لأخيه الحق في تلك الأرض مثله؟‏

ذلك السؤال والحرقة التي طرح بها جعلا أميرة تنكمش. ثم تفكر بالسؤال المرة تلو المرة.. صحيح، عمي وأبي وريثا الأرض بالسواسية فكيف يستفيد منها واحد دون الآخر؟‏

-لكن عمك تنازل لأبيك فهل تراجع الآن؟ هل ندم على تنازله؟ سألت شاهة بدورها وقد بلغها السؤال الذي حملته أميرة بارداًساخناً إلى الشقة الجديدة.‏

-هو لم يقل شيئاً.. بل لم أره البتة.. لكنه سؤال جدير بالبحث، لماذا لم يفكر فيه أبي؟ لماذا لم يفكر فيه أحد منا؟‏

وعلى مدى أيام، ظل ذلك السؤال شغل البيت الشاغل.. أميرة والأم مقتنعتان أنه يستحسن بالأب أن يكون لديه نظر فعلاً وأن يقدم لأخيه جزءاً ولو يسيراً من ذلك المبلغ عرفاناً وامتناناً.. أما الآخرون فقد أبدوا كل امتعاض:‏

-كيف يثيرون مشكلة كهذه؟ قال ديبو .‏

-الأرض ملكنا.. لا يشاركنا فيها أحد، أكد فهد..‏

-هذه الثرثارة!! كان تعليق الأب، أبي صرف الآلاف على تعليمه حتى صار أستاذ كيمياء وفيزياء ثم موظفاً معتبراً.. وخرجت أنا صفر اليدين.. لا علم ولا شهادات.. هو قدر ذلك وتنازل لي عن الأرض فهل تستكثرها امرأته علي الآن؟ تريده أن يلحس بصاقه؟‏

تلك الهجمة المباشرة قطعت الطريق على أميرة في طرح المسألة من جديد، لكنها ظلت تشغلها.. أتراها هي السبب في صدمة عمي الأولى؟ هل ندم على كرمه القديم؟ أيريد فعلاً أن يأخذ حصته من ثمن الأرض؟" ولم يكن ليهنأ لها عيش قبل أن تعرف الأجوبة.. نور أكدت أن أباها لم يفكر في الأمر قط، وان كلام أمها من عندها فقط.. مع ذلك أرادت أن تعرف الحقيقة من المنبع ذاته. فالعلاقة بين أبيها وعمها كانت تشهد فتوراً متزايداً. مرتين أوثلاثاً كان العم قد زارهم في شقتهم الجديدة، وعلى فترات متباعدة.‏

-عمي، مالك لا تزورنا هذه الأيام؟ سألته ذات مرة وقد التقيا في الشارع مصادفة.‏

-أميرة!! قال وهو يحضن كتفها بذراعه، سائراً بها إلى الرصيف الآخر، أنت تعلمين أنني لا أستطيع إلا أن أزوركم، إن لم يكن من أجل أبيك فمن أجلك أنت..‏

-أنت زعلان من أبي، أليس كذلك؟‏

-زعلان!؟ لماذا؟‏

-ربما قصّر في حقك.. امرأة عمي قالت.. كان عليه أن يكون صاحب نظر ويعطيك بعض حقك..‏

-لا.. لا. امرأة عمك على خطأ.. الأرض لأبيك، حقه ومستحقه.. لا يشاركه فيها أحد..‏

-يعني.. أنت غير نادم..!؟ لا تشعر أنك غبنت؟..‏

-نادم! غبنت؟ ما هذا الذي تقولين؟ لقد تنازلت له بمحض إرادتي ذات يوم، وليس عمك من يندم على ما فعل!! ليس عمك من يشعر بالغبن إن استفاد أبوك من أرضه.‏

-إذن، لم علاقتكما هكذا؟ فاترة.. بغيضة ؟‏

-أميرة.. لا تسألي كثيراً.. أبوك أخي وأنا أحب أخي ولا أتنازل عن أخوته أو أبيعها بمال الأرض.. فقط أنا خائف، أميرة.. أخي يدخل عالم المال.. وهو عالم خطر كله منزلقات وهاويات وما الذي يضمن لي ألا ينزلق أخي أو يهوي؟ أ.. آ...؟ من يضمن ذلك؟‏

-هو رجل كبير.. سنه، خبرته، تجاربه،، ألا يمكن أن تكون ضمانة، عمي؟‏

-يقولون: الحب بحاجة إلى الأدب، القرابة بحاجة إلى المودة، المعرفة بحاجة إلى التجرد، أما المال فبحاجة إلى العقل والمال كثيراً ما يذهب بالعقل، فمن يضمن العكس أميرة؟‏

-لهذا السبب يجب أن تبقى قريباً منه..صدقني..بعدك عنه يزيد الطين بلة..‏

-بالتأكيد.. لكن كيف إن كان هو نفسه يريد تركي؟ إن كان هو نفسه يرغب بالابتعاد عني؟‏

-لكن لماذا؟ أرجوك.. قل لي.. أريد أن أفهم..‏

-سأقول لك. رد العم وهو يزفر حرقة ولوعة، مذ نشأنا كان والدك يشعر أنه أقل مني بكثير.. أنا الأنجح وهو الأفشل، أنا الأغنى وهو الأفقر.. مما ترك في نفسه شعوراً بالدونية.. أنا فوق وهو تحت وكان ذلك يحز في نفسه.. يترك شيئاً من حقد كنت أشعر فيه من حين إلى آخر..‏

الآن.. صار لديه المال، بات يشعر أنه لم يعد بحاجة إلي، بل هو قادر على الاستغناء عني.. فلماذا لا يستغني؟ يمكن أن يفتح صفحة جديدة ينقلب فيها الوضع فيصبح فوق ومصباح تحت.. إذن لماذا لا يفعلها؟ الفرصة سانحة لأن يعيد تسوية الأمر: هو الأخ الأكبر وأنا الأصغر فلماذا لا يستغل هذه الفرصة..؟‏

-أيعقل أن يفكر هكذا؟‏

-بل هو وحده الذي يعقل.. ألم تريه كيف بات يعاملني من علٍ كلما التقينا؟ ألم تسمعيه كيف يكلمني؟ كيف يسخر من آرائي ونصائحي؟ أبوك، أميرة.. تغير كثيراً..‏

أميرة تعلم ذلك.. التغير يرتسم واضحاً على أبيها: لباسه لم يعد ذلك القميص المقلم العتيق والسروال الأسود الفضفاض، بل شيئاً فشيئاً بات يذهب إلى السوق، يشتري بذلات من الجوخ الانكليزي، قمصاناً حريرية، ساعات ذهبية، ربطات عنق، هو الفلاح الذي لم يفكر يوماً بباريس أو روما، جاء بربطات عنق من باريس وروما.. حتى أحذيته اشتراها من الجلد الإيطالي.. أميرة تتعجب، من يزرع في رأسه أن يبذخ هذا البذخ؟ الحذاء بألف ليرة، هو الذي لم ينفق على الأحذية ألف ليرة طوال عمره. شعره يقصه لدى أحسن الحلاقين، يسرحه بتأن ورعاية، بل يضع الكريم والمثبت.. فأي تغير يحدثه المال؟‏

-أنا معك.. أبي تغير.. قالت الفتاة وهي تصعد زفرة، ليس من جهتك فقط.. بل في كل شيء.‏

-هه.. أنت نفسك تقولين ذلك، فما عساي أقول؟‏

أجل.. هي تقول ذلك.. وكيف تخفي عن عمها شيئاً؟ عمها الذي تثق به أكثر من أي كائن في الوجود، تحبه أكثر من كل من في الوجود.. ليس أبوها وحده من تغير بل البيت كله.. أمها باتت تكره أن تطبخ. هي تجلس طوال النهار، كسولا لا تحرك ساكناً وإذا أرادوا أن يأكلوا، فالمطاعم أقرب وطعامها أطيب. حسب شاهة أن ترفع السماعة وتتصل بمطعم الساحة والفارس لتأتي بعد ذلك المشاوي والكبة، الشرحات والفيليه.. وكأنهم لم يكونوا في يوم من الأيام يعيشون على الشوربة والمجدّرة..‏

-عمي.. هذا التغير هو الذي يخيفني.. تابعت تفكيرها بصوت عالٍ، فأمسك العم بالخيط..‏

-معك حق.. التغير يخيف.. وسرعة التغير الأكبر هي التي تخيف أكثر.. تصوري نمراً أرقط تنقلينه من الغابة الاستوائية مباشرة إلى ثلوج القطب، دبا أبيض تنقلينه من صقيع القطب إلى لهب الربع الخالي، ماذا يحدث له؟‏

-هذا ما أخشاه يا عم.. وهذا ما يدفعني للتوسل إليك أن لا تدع أبي وشأنه.. أحطه برعايتك.. ظل إلى جانبه.. أرجوك يا عماه!!‏

-لا حاجة لأن ترجيني.. أميرة.. أنت تعلمين كم أحب أباك.. كم ضحيت من أجله وكم أريد له الخير.. لكن ماذا أفعل إن بات يكره قربي؟ يرفض حتى سماع رأيي،.. تصوري لو استشارني قبل أن يبيع.. كم كان سيربح يا ترى؟‏

-كم؟ سألته وقد فتحت عينيها دهشة..‏

-خمسة، بل ربما عشرة ملايين أخرى.‏

-عماه، ماذا تقول؟ هتفت دون أن تعير انتباهاً لمارة أو مسترقي سمع، فالمفاجأة شديدة الوقع.‏

-ما تسمعين. لقد استغلوا بساطته، استغلوا عدم معرفته.. عرضوا عليه ذلك المبلغ وهم يعلمون أنه سيجن فرحاً ويوقع في الحال. كان قرار التنظيم قد صدر لتوه، وكان أصحاب الأرض لا يعرفون قيمة أرضهم بعد، باعوا المتر بألف ليرة أما اليوم، وبعد تسعة أشهر فقط أتعلمين كم صار سعر المتر الواحد؟‏

-لا..‏

-ألفين وثلاثة آلاف.. أي كل دونم الآن بدونمين وثلاثة مما باعه يومذاك فهل تدركين مقدار ما خسر؟‏

-أجل.. أجل.. أدرك قالت وهي تهز رأسها أسى وحسرة..‏

-ومن ربحها؟ السماسرة والمتعهدون.. كما هو شأنهم دائماً.. لهم كل شيء وللآخرين الفتات.. أرأيت لماذا صدمت يوم أخبرني بالبيع؟ ولماذا أنا خائف عليه اليوم؟‏

-الآن أزداد تشبثاً بك.. فلا تبتعد عنا.. ظل معنا.. ولم تترك أميرة ذراعه حتى وصلا إلى البيت. ثم لم تسمح له أمها بالذهاب حتى تغدى.. صحيح أنها لم تكن قد طبخت، لكن شاهة كانت قد طلبت الطعام، ولم يجد العم بداً من البقاء.. لكن دون أن يرى أخاه، فالأب لم يعد ذلك اليوم إلى البيت.. كان شوكة الداهوك قد دعاه إلى الغداء وكان كثيراً ما يدعوه.. فالفلاح الذي كانت آفاقه محددة ببضع مئات من الأمتار باتت الآن واسعة، بل مع شوكة الداهوك باتت بلا حدود.‏

شوكة... علاقاته واسعة، صلاته كثيرة بالتجار، بالأغنياء، بكل من يمكن أن يفيد.هو، مذ كان تلميذاً في المدرسة، شاطر.. بل يذكر سيف الدين جيداً أنهم كانوا يلقبونه بالشاطر حسن، ولم يكن الشاطر حسن يخيب أملهم.. فقد كان يقرص هذا، يلدغ ذاك، يسرق قلم هذا، حقيبة ذاك وكان بإمكانه أن يخفيها بطرفة عين ولا يكشفها أحد. هو مثل سيف الدين لم يكمل تعليمه.. وصل إلى السابع ثم هجر الدراسة. اشتغل صبي متجر، ثم صبي محام، فأجير سمسار.. في السمسرة وجد ذاته، فبدأ يصعد إلى أن بات صاحب مكتب كبير في أرقى أحياء دمشق.‏

بسيارته الأمريكية يمضي مع صاحبه الجديد إلى الغوطة، الزبداني، بلودان، يرتادان المقاهي، المطاعم.. المال كثير وشوكة الداهوك ينفق، بل سيف الدين النايفة نفسه بات ينفق.. في الأيام الأولى كان يكتفي بأن يكون ضيفاً.. تمد الطاولات أمامه، يأكل، يشرب، بل يشهد الرقص والراقصات ولا يدفع شيئاً. يده لم تكن قد اعتادت الدفع. والسنون الطويلة التي عاشها خاوي الوفاض عودت يده ألا تمتد، والعادة طبع ثان. لكن شيئاً فشيئاً بدأت يده تعتاد.. نقود كثيرة في جيبه.. يشعر بها في المحفظة المنتفخة." عيب أبا دياب!! معك نقود، فلماذا لا تدفع؟ "كان يخاطب نفسه من حين إلى آخر، ومن حين إلى آخر يجد من الشجاعة والحماسة ما يجعله يدفع.‏

في البداية حاول أن يقتر، لكن شيئاً فشيئاً بدا له أن من الغبن أن يحاول التقتير، أن يمتنع عن إعطاء أولاده ما يحتاجون.. الثياب، الحلي، فواتير الهاتف، الكهرباء.. كلها عودته أن يدفع.. وذات يوم وجد نفسه يدفع مائة ألف ثمن سيارة.. ولماذا لا يشتري سيارة؟ هل شوكة الداهوك خير منه؟ الأولاد فرحوا كثيراً، بل كاد ديبو أن يطلق الرصاص فرحاً، هو المغرم بالسيارات.‏

-اشتر لي واحدة أبي!! اقترح عليه بعد حين، وقد وجد أنه تعود بسط اليد.‏

-لا، يكفينا سيارة واحدة الآن!!‏

-ولماذا لا تكون لكل منا سيارته يتفسح بها ويتنزه؟ تشجع فهد فأدلى بدلوه، وهو يعلم أن السيارة أقرب الطرق إلى قلوب الفتيات. يكفي أن يذهب إلى أقرب مدرسة للبنات، يحوم هناك بعض الوقت، يذهب بسيارته ويجيء ثم يلقي بصنارته فيصطاد الفتاة التي يشاء.‏

-لا، لا، أنا أريد السيارة للعمل.. تدخل ديبو شبه عابس، وقد بدا له أن اقتراح أخيه سيفوت عليه الفرصة.‏

-للعمل؟ سأل الأب بكثير من التعجب، أي عمل؟‏

-سيارة عمومية، أشتغل عليها وأكسب المال.. تابع بدافع من حلم كان كثيراً ما يراوده أيام زمان.‏

-أنت أيها الكسول، يا من ينام حتى الظهيرة، تشتغل سائق سيارة عمومية؟ تدخلت الأم ساخرة من ابنها الذي بات ولا هم له سوى أن يأكل، يتسكع في الطرقات، يتفرج على التلفزيون وينام.‏

-أجل، أنا أحب السيارات وأريد واحدة أشتغل عليها.‏

-تشتغل!؟ قاطعه الأب وهو ينهض، هازاً رأسه ساخراً، ثم خرج وكل ظنه أنه قد أعطى الجواب. لكن البطالة التي كانت تعيشها الأسرة جعلت الأم تفكر كثيراً بالأمر.. وذات ليلة اقترحت على الأب:‏

-لو تجد عملاً لديبو.. أي عمل.. هذه البطالة مخيفة، ليس بالنسبة إليه فقط بل بالنسبة إليكم جميعاً..‏

-الناس تعمل لكي تكسب المال، ونحن لدينا المال فلماذا نعمل؟ رد الزوج الذي استطاع خلال تلك الفترة أن يملأ فكيه بأسنان جميلة بدلاً من أسنانه التي سقطت من قبل، أن يصبغ شعره الأشيب ليعود كشعر الشباب، أن ينصب ظهره من جديد وكأنه لم ينحن من قبل، بل بات بارعاً حتى في ستر عاهته، ذلك العي الذي كان كثيراً ما يحرجه، إذ صار يقف عند كل حرف يمكن أن يستعصي عليه أو يتمهل، يدور ويلف حتى لا يظهر عيه.‏

-لكن الفراغ مفسدة يا رجل فكيف إذا كان معه المال والشباب؟ لو تشغلهم بأي شيء، أليس خيراً من السهر حتى مطلع الفجر والنوم حتى الظهر؟ تساءلت وهي تعنيه أكثر مما تعني ولديه.‏

-ليشتغلوا ما يشاؤون.. أنا لا أشغل أحداً.‏

-لكنك أب.. والأب رب للبيت ومسؤول عمن فيه.. قالت ذلك وهي تتذكر البيت الذي كان سلفها مصباح يردده دائماً!! "إذا كان رب البيت بالطبل ضارباً"، وهي وإن كانت لا تعرف تكملته إلا أنّها تعرف معناه جيداً.‏

-لا تنقي كالضفدع على رأسي.. اذهبي إليهم.. نقي كما تشائين، لكن أنا.. دعيني وشأني.. أريد أن أعيش.. بالطول والعرض أريد أن أعيش.. سعيداً.. مسروراً لا يعكر صفوي شيء.‏

-لكن، كل ما ليس من نبع ينضب، تابعت نقاشها غير وجلة من العبوس الذي بدأ يرتسم على جبينه، وأموالك هذه ليست من نبع.‏

-لا.. لا تخافي.. أموالي في بنك وفوائدها تكفيني. فلماذا أتعب نفسي في كسب المال؟ حسبي إنفاقه.‏

منطق عجيب جعل الزوجة تفغر فاها لحظة دون أن تدري ما تقول. كانت تعلم أن الرجل بدأ رحلة التغير بخطا واسعة لكنها لم تكن تظن أنه قطع ذلك الشوط. هو يخرج كل صباح ليعود وقت الغداء حيناً وعلى العشاء أحياناً ومع الفجر أكثر الأحيان. أين يذهب؟ ماذا يفعل؟ أكثر من مرة سألته، لكنه أكثر من مرة صدها: في مكتب شوكة، مع شوكة. لكن شوكت يبيع عقارات، يتوسط، يسمسر، أما هو فماذا يفعل؟‏

-اسمع.. أبا دياب.. أنت قاعد عن العمل. لديك مال فلماذا لا تستثمره في البيع والشراء؟ سأله صديقه الدلال وكأنما يرد على تساؤلات زوجته.‏

-أنا أستثمر؟ أشتغل في البيع والشراء؟ وما أدراني بذلك أبا عمرو؟ أعاد الصديق الكرة إلى مرمى السمسار، لكن هذا سرعان ما صدها كأبرع حارس مرمى.‏

-لا تدري.. صحيح.. لكن يمكنك أن تتعلم.. وأنا معك.. نعمل شريكين..‏

-لا.. إن كنت معي نعمل شريكين، الأمر مختلف، لكن كيف؟ رد أبو دياب ببعض التعثر والعي فقد بدا له الاقتراح داعية من دواعي العي..‏

-اسمع.. الحواكير حارتك.. اهلك وأصحابك.. تعرفهم واحداً واحداً، فلماذا لا تسعى؟ تشتري دونماً هنا، دونما هناك.. أعني نشتري معاً.. فالبناء يمتد نحو الغرب والأرض ترتفع أسعارها يوماً بعد يوم؟‏

-أجل!! قال أبو دياب متنهداً، هو الذي أدرك مدى الخسارة التي لحقت به حين باع حاكورته في ذلك الوقت المبكر.. المتر الآن بثلاثة آلاف.‏

-أرأيت؟ لكن إن ابتعدنا نحو الغرب قليلاً أخذنا بسعر أرخص، لقطنا لقطات أربح. هه.. ماذا قلت؟‏

-فكرة..قلت.. هي فكرة.. لكن دعني مرتاحاً الآن.. على الأقل إلى أن أستلم البيت.‏

-البيت.. لن تستلمه قبل شهرين على الأقل.‏

-وماذا في ذلك؟ ننتظر شهرين.‏

لكن عينه لم تعرف الرقاد تلك الليلة إلا بعد أن قام بجولة على الأرض، تلك التي كانت ذات يوم حاكورته ثم بدأت ترتفع فيها كتل من الاسمنت سيكون له في أولاها بيت واسع شاسع يحلم بأن يسكنه قريباً.‏

شاهة لا تحلم بذلك.. فالشقة الجديدة فتحت لها آفاقاً جديدة. شرفتها تطل على أبنية مقابلة ومن شباكها ترى شباناً يثيرون الاهتمام.‏

-مسكينة، ماذا سيحل بك حين نرحل إلى بيتنا الجديد؟ سألت أميرة ضاحكة وهي تشير من الشباك إلى شاب بات يظهر كثيراً في النافذة المقابلة.‏

-لـ .. لـ.. لن يحل بي شيء.. ردت متعثرة وقد فاجأتها أختها بدخولها الغرفة..‏

-أعلى هامان يا فرعون؟ لكنه صدقيني شاهة، أنت في غاية الذوق، الشاب جميل ويستحق أن يحب..‏

-صحيح.. أميرة؟! قالت بلهفة واضحة وقد شجعها كلام الأخت..‏

-صحيح بالتأكيد.. وصحيح أيضاً.. أن تبحثي عن رجل تحبينه وتتزوجينه قبل أن يفوتك القطار..‏

-القطار.. القطار.. راحت تردد بنبرة ارتعاش.. صحيح.. أميرة.. أنا لم أعد صغيرة وكل ما أخشاه هو أن أبور..‏

-تبورين؟! ربما كان ذلك أيام الفقر.. لكن الآن أنت غنية.. وهل رأيت غنية تبور؟ لوحي للرجال بالمال يجروا وراءك جرياً.‏

-صحيح.. أميرة؟! عادت تكرر كالببغاء وهي تكاد لا تصدق.. لكنني خائفة.. لا أدري ما أفعل. .‏

-تحركي.. دبري رأسك.. خاصة إن كان ذلك الفتى يعجبك..‏

-يعجبني؟! تساءلت شاهة هازة رأسها، ثم مضت إلى الشباك تغرس عينيها في عيني جار لم تكن تعرف عنه إلا أنه شاب ممتلئ الجسم، وسيم الوجه، أنيق الملابس، يبتسم ويلوح لها من حين إلى حين لكن دون أن تجرؤ على رد ابتسامته أو تلويحة يده.. كثيراً.. أميرة.. يعجبني كثيراً..‏

-حسناً قولي انه يعجبك.. ردت بين الممازحة والجادة فهي ترى ما تعانيه أختها، ترى خوفها وحيرتها فلماذا لا تشجعها قليلاً؟ أعطيه الضوء الأخضر.. من يدري؟ فقد لا يمضي الشهر إلا وهو خطيبك..‏

-بيدك حق.. أجل.. الضوء الأخضر.. سأعطيه الضوء الأخضر..‏

وهكذا، بدأت شاهة إطلاق الأشعة الخضراء.. وبدا الشاب الوسيم ذو الجسم الممتلئ والملابس الأنيقة يتلقى، ثم يرسل. نظرة فابتسامة، فسلام فكلام فموعد فلقاء.. ثم اتفاق على أن يأتي بأمه وأخته.. لكن، ما ان همت الأم والأخت بالمجئ لتحديد موعد الخطبة حتى بدا أن عليهم جميعاً أن ينتظروا، فقد كانت العائلة منهمكة بالرحيل إلى البيت الجديد.‏

-3-‏

"طالما للحياة وجهان، يمكن أن تكون الكلمة جناحاً للصمت والنار دثاراً للبرد" تقرأ أميرة في كتاب بين يديها فتنتصب إشارات استفهام وتعجب بين عينيها." كيف تكون النار دثاراً للبرد والكلمة جناحاً للصمت؟ "ثم شيئاً فشيئاً تتلاشى إشارات الاستفهام والتعجب وهي ترى بأم عينها أن للحياة وجهين فعلاً: سعادة وشقاء، جمالاً وقبحاً، ولادة وموتا، تماماً مثلما للطبيعة نهار وليل، صيف وشتاء، ربيع وخريف، فيشكل الشيء ونقيضه وحدة متكاملة.‏

الفكرة تثيرها كثيراً فتتابع متسائلة: ألا يمكن لرجل يلبس لبوس الصداقة والود أن يكون أعدى الأعداء؟ ألا يمكن لضارة أن تكون نافعة؟ شيء تكرهه يعود عليك بالخير وشيء تحبه يعود عليك بالضير؟ ثم بدا لأميرة، وهي تتابع سلسلة تداعياتها، أن الحياة جملة من المفارقات العجيبة وأعجب ما فيها أن على الإنسان أن يقبلها كما هي، بل أن يتكيف معها أوضاع في متاهة أشبه بمتاهة ثورندايك، يدخلها الجرذ فلا يستطيع الخروج. إحدى تلك المفارقات أن البيت الجديد الذي ظنت أميرة أنه سيكون الجنة حين ينتقلون إليه لم يكن كذلك. كان كل شيء يوحي بأن عودتهم إلى الحواكير ستكون أحمد، كما يقال، لكن ها هي ذي تتبدى أسوأ.. كيف؟ أميرة لا تجد جواباً على الإطلاق.‏

كان البيت واسعاً مطلاً على كل ما دونه من سفح قاسيون المنحدر حتى ساحة الأمويين. وكان قد غدا لأميرة غرفة خاصة بها.. لم تعد بحاجة لأن تنام مع شاهة في سرير واحد كما كانت الحال أيام الحواكير القديمة ولا في غرفة واحدة كما كانت الحال في شقة المالكي، بل بات لها سريرها العريض الوثير وغرفتها الجديدة الجميلة، تسرح فيها وتمرح كما تشاء، لكن ما لها السعادة وكأنها ينبوغ غاض؟ بل هي مذ رأت ما حل بحاكورتهم الجميلة تلك، أحست أن شيئاً في قلبها تفتت. لم تكن تفارق خيالها أشجار الحور الباسقة وهي تشرئب بأعناقها عالياً فوق النهر رشيقة هيفاء كحوريات الجنة. لم تكن تنظر من شرفتها المطلة على نهر تورا إلا وتتذكر المرج الأخضر الذي كثيراً ما كانت تفترشه تحت شجرة الجوز العتيقة الضخمة كمظلة إلهية الفيء والأنسام. تنظر أميرة من الشرفة فتتذكر كل صغيرة وكبيرة. هنا لعبت الاستغماية مع رفيقاتها، هناك جرت مع أختها تختفيان بين رؤوس الملفوف، هنالك جلست مع ابنة عمها نور تشويان الذرة.. لكن ذلك كله ذهب، كانت خمسة مبان كبيرة قد قامت: كل مبنى عدة مداخل وكل مدخل عدة شقق يتراكب بعضها فوق بعض عشر طبقات.. فأية متاهة استطاعت التكنولوجيا أن تصنع من تلك الحاكورة الجميلة البسيطة ذات البيت المبني باللبن بغرفه العتيقة وسقفه الخشبي؟‏

أدمغة كثيرة وزنود كثيرة عملت ولا شك.. معماريون، نجارون، حدادون، كلهم شارك بشكل أو بآخر في صنع المتاهة، في مسح كل ما له علاقة بالماضي حتى تحولت الأرض كلها إلى ميدان من الاسمنت انقسم مباني للناس ومرائب للسيارات، فالسيارات كأصحابها، بحاجة لمأوى يقيها حر الصيف وقر الشتاء.‏

"لو تركوا أشجار الدراق الثلاث فقط، "كانت أميرة تردد لنفسها كلما نظرت إلى الطرف الشمالي من الحاكورة حيث كانت أشجار الدراق تنتصب". حين يأتي الربيع سأفتقد أزهارها الجميلة". ذلك أن أميرة كانت تحب أكثر ما تحب أزهار الدراق وهي تكسو أشجارها بحلة زاهية الألوان كلما جاء نيسان..‏

أميرة تحب الأزهار كلها، أزهار الأجاص البيضاء المطرزة بأنواع الدانتيل كأثواب العرائس، أزهار الجلنار، وهي تنبثق من حلل الرمان الخضراء، لوحة فنان يعشق الأحمر والأخضر، بل تحب حتى أزهار الزيزفون ذات الأصفر والأبيض التي تملأ الأجواء كلها بعبق رائع.. ذلك كله كانت تفتقده أميرة كلما خرجت أو دخلت المبنى الجديد الذي لم تكن الأشغال فيه قد انتهت.. فالطوابق العالية فيه ما تزال قيد الانجاز.. السلالم كلها حجارة واسمنت.. الأرض المحيطة بالمبنى كلها قضبان حديد، أكياس اسمنت، أوساخ، أتربة.. لكن كان لا بد لهم من الانتقال، فشقتهم في المالكي بالإيجار والبيت الذي وعدهم به المتعهد الهمام قد أنجز.‏

كان العالم القديم قد زال ليحل محله عالم جديد بكل ما فيه من شواش واضطراب، غموض وقتامة، وكان ذلك ما جعل أميرة تقلق منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها البيت. مع القلق راودها الخوف من المستقبل، ذلك الغامض المجهول الذي ينتظرها، ومع الخوف بدت لها السعادة ينبوعاً يغيض وبدا لها البيت الواسع الرائع خالياً موحشاً، كروض هجرته عناد له ليغدو مقبرة للوحشة والصمت.‏

لا، الحقيقة، لم يكن هنالك صمت، فالورش العاملة والآلات الهادرة كانت ما تزال تصدر ضجيجها العالي ليل نهار. الروافع والسيارات الغادية الآتية كانت كلها تفتت الصمت، تحيله حطاماً وكان ذلك يزيد من شعور أميرة بالخوف، بالقلق، بل والوحشة.. أليست الحياة كلها مفارقات!؟ هي ذي واحدة أخرى.. الضجيج دثار الصمت، والزحام رداء الوحشة. حين دخلت الأم البيت عاشت مفارقة أخرى تماماً كابنتها.. بادئ ذي بدء بهرتها الغرف الواسعة، التنظيم الجميل، المطبخ الحديث، سيراميكه الإيطالي.. بهرها كل شيء.. لكن شيئاً فشيئاً بدأت تنتابها مشاعر القلق والخوف شجرة مقتلعة الجذور غرست في غير تربتها، فكيف تمد جذورها من جديد؟ في بيتها القديم كان كل شيء بسيطاً مريحاً حفظته عن ظهر قلب، لكن ما تراها تفعل في بيتها هذا وكل ما فيه جديد بل أكثره معقد تخشى الاقتراب منه ولا تعرف شيئاً عنه؟ الجرس أوكرديون ما ان تكبس زره حتى يبدأ العزف ولا يتوقف حتى تنتهي أسطوانته. الغسالة أوتوماتيك، الثلاجة، الجلاية، المكيف في غرفة النوم ذاك الذي لا يفتأ يئز ويئز، محيلاً الصيف إلى شتاء والشتاء إلى صيف. هذه الآلات مخيفة.. مذ رأتها في شقة المالكي نفرت منها وابتعدت عنها.. شاهة، أميرة أغنتاها عنها، لكن، وقد انتقلت إلى بيتها الجديد، كيف تنفر منها؟ هي صنعت لخدمتها، جيء بها من أجل راحتها، فكيف تبتعد عنها؟‏

أم ديبو تقرفص بجانب الغسالة الأتوماتيك، هنيهات طويلة ترقب كيف تدور من اليمين إلى الشمال ثم من الشمال إلى اليمين، كيف تشرق الماء، تأخذ المسحوق، تدور برهة ثم تتوقف برهة وكرة ثانية تدور ثم تتوقف، وعلى حين غرة تبدأ عدواً سريعاً يخيل معه لأم ديبو أنها ستطير من مكانها. "فقط. املئيها ملابس ثم اكبسي زراً "قالت لها أميرة وهي تعلمها العمل بها، وكادت تفغر فاها عجباً "بل يمكنك أن تنامي أو تذهبي زيارة وحين تعودين ستجدين الملابس قد غسلت ونشفت..." كيف؟"‏

"لقد تقدم العلم إلى درجة بات بإمكان الآلة أن تستغني عن الإنسان "ازدادت الخشية في قلب الأم.. الثلاجة نفسها مصدر خوف.. احفظي فيها الفول، البازلاء، الملوخية.. كل شيء يمكنك أن تحفظيه هنا شهراً.. شهرين.. ستة أشهر.. ثم تخرجيه وتطبخيه وكأنه قطاف الأمس." هكذا قالوا لها فلم تملك إلا أن تتساءل: "معقول؟ ألن يسود الفول ويهترئ؟ ألن تيبس البازلاء وتجف؟ والملوخية الن تخيس وتعطن؟" وكان ديبو أكثر من ضحك وقهقهه. "أم ديبو ضد التطور.. القديم يشدها إليه إلى درجة تخشى معه الجديد." أما فهد فقد وجدها مناسبة لكي يلقي على أمه محاضرة عن ضرورة نسيان الماضي، التمسك بالحاضر والتطلع إلى المستقبل فقط.." لكن كيف؟ سألته الأم "أيستطيع المرء أن ينسى الماضي وهو نفسه من صنع ذلك الماضي؟" .. نحن أولاد اليوم "أكد عليها" ما فات مات والماضي فات، أي صار ميتاً مدفوناً في قبره ويحسن بنا ألا ننبشه كيلا تصدمنا روائحه الكريهة." أجل، فهد على حق" ثنت شاهة على كلام أخيها.. "خير ما نفعل ألا نتكلم عن ذلك الماضي.. نفتح صفحة جديدة نحن فيها الأغنياء، الموسرون، ولا خوف فيها من الفقر والحرمان". "لكن، من ليس له قديم ليس له جديد يا ابنتي" ردت الأم حزينة متألمة، تألم شجرة تشعر بالمعول وهو يقطع جذورها الواحد تلو الآخر.. "هذا كلام قديم أكل الدهر عليه وشرب. "تنطع فهد هذه المرة للتقطيع من جديد بمعوله ذي الحد المسنون." علينا أن نلغي علاقاتنا القديمة كلها، أم تراك ستظلين صديقة لأم قاعود وأم برو"؟ "حتى صديقاتي تريدونني أن أنساهن؟" "أجل.. بعد اليوم لا دجاج ولا ماعز، لا بقر ولا حليب، فما الذي يربطك بمثل هؤلاء النسوة؟ ما الذي يأخذك إلى كفرسوسة وكيوان؟ لا.. لا.. يجب أن تقيمي علاقات وصداقات تتناسب مع عالمنا الجديد.."‏

ذلك الحديث أخافها أكثر مما أخافتها الغسالة والجلاية، الثلاجة والفديو. في أعماقها كانت تشعر بشيء من فرحٍ فالثروة الجديدة يمكن أن توفر لها الراحة، فلا تشقى بالغسيل والجلي.. برعاية البقرة والماعز.. بشغل الداخل والخارج، لكن أن تحرمها من ماضيها وصاحباتها أمر يقتل كل فرح. أميرة اعترضت على ذلك كله إلا أن أخوتها تمادوا أكثر، مصرين على ضرورة القاء الماضي كله في المزبلة "كما قال فهد ساخراً مقهقهاً" وعلى ضرورة تخفيف العلاقة حتى مع بيت عمي مصباح" معقول؟" ردت أميرة هذه المرة بقدر كبير من الحنق" بيت عمي نخفف العلاقة معهم؟" "بل نقطعها"، أكد ديبو ثم تابع الشرح بلغة الرصين الذي يعرف عظمة مقداره وقد أصبح ذا نعمة.." من اليوم فصاعداً، ستكون الفوارق بيننا كبيرة.. نحن الأثرياء وهم الفقراء فلماذا نحافظ على علاقتنا بهم؟" لم ترد أميرة على كلام أخيها، بل رمته بنظرة شزراء وخرجت. لكن ذلك المساء، وحين انفردت بأمها، همست لها بأن لا ترد على أولادها الحمقى الذين لا يفهمون شيئاً في الدنيا فلا خير فيمن يتنكر لأهله وماضيه، ولا خير فيمن يسلخ جلده.‏

مع ذلك لم ترتح الأم.. كلام أولادها زاد من خوفها وبلبالها.. هم يريدون أن تقيم علاقات جديدة.. غداً ينبغي عليها أن تتعرف على زوجة التاجر الكبير، الصناعي الخطير، زوجة الطبيب والمهندس أولئك الذي سيسكنون البناية وقد بدأ بعضهم بالانتقال إلى مسكنه الجديد.. لكن كيف؟ ما الذي يربطها بامرأة التاجر أو الصناعي؟ الطبيب أو المهندس؟ عمّ تحدثهم؟ بأية لغة تخاطبهم؟ هي أمية لا تقرأ ولا تكتب وهن سيكنّ متعلمات مثقفات ولا شك.. لباسها طويل واسع محتشم ولباسهن قصير ضيق وفق أحدث الأزياء فكيف ينسجمن؟ وكيف تقيم معهن الصداقات؟.‏

تلك الأسئلة راحت تشغل بالها وقد دخلت العالم الجديد من أوسع أبوابه.. مع انشغال البال بدأ التوجس والخوف يعششان في الزوايا المعتمة من نفسها.. مشوشين ذهنها، معكرين صفو السعادة التي ينبغي أن تعيشها وقد ظهرت لها ليلة القدر.. كل ما كانت تحلم به راح يتحقق. حتى ابنتها شاهة، تلك التي كانت قد يئست من إيجاد عريس لها جاءها العريس: شاب كفلقة القمر طويل، أبيض، أخضر العينين مسترسل الشعر، عريض المنكبين، ابن أرقى العائلات الدمشقية، يرتمي عند قدميها، فأي عجب!؟‏

والحقيقة، حين حدثتها أميرة بذلك أول مرة، تبسمت بمرارة." معقول؟ شاب بمثل تلك المواصفات، سليل مثل تلك العائلة يتقدم لخطبة شاهة؟ أنا لا أصدق" لكن ليالي القدر تأتي دائماً بما لا يصدق إذ لم تكد العائلة تستقر في بيتها الجديد حتى قامت أمه وأخته بالزيارة التي تعقد فيها النساء اتفاقات الزواج عادة ولا يبقى على الرجال إلا أن يبصموا. أمر واحد نغص على أم ديبو تلك الزيارة. "شاهة!! أليست متكبرة كثيراً هذه المرأة؟" سألت ابنتها ما ان غادرت المرأة الخمسينية الطويلة الرشيقة الرافلة بأفخر الملابس منزلهم، لكن الابنة لم تكن قد رأت الأم ولا الأخت، متكبرتين كانتا أم غير متكبرتين. كل ما رأته هو ذاك الشاب الأبيض الطويل ذو العينين الخضراوين والمنكبين العريضين الذي كان يرصدها من نافذته حين كانت في شقة المالكي ثم بات يحوم على طريق الحواكير حين انتقلت إلى بيتها الجديد. هو حلم جميل بالنسبة إلى أي فتاة فكيف لا يكون كذلك بالنسبة إلى شاهة وقد قطعت كل أمل بالزواج؟.. عشر سنوات كانت قد مرت عليها مذ بلغت مبلغ النساء دون أن يطرق بابها أحد. حتى مأمون ابن عمها لم يكن قد نظر إليها مرة واحدة نظرة تبعث الأمل. كان قصر قامتها وميلها إلى السمنة قد جعلا الكل يلقبونها منذ الصغر "بالدعبولة" وكان اصفرار وجهها، صغر عينيها، كبر فمها، ضخامة أنفها، كل ذلك يجعل الدعبولة تخشى التقرب إلى أحد. أليست الدمامة أرهب حراس المرأة وأشدهم إخافة للرجال؟ ذلك الحارس جعلها تسير على طريق العنوسة شوطاً زرع اليأس عميقاً في نفسها، لكن ما أن ظهرت ليلة القدر وانفتحت أبواب السماء تمطرهم ذهباً وفضة، حتى ظهر سمير بطوله وعرضه، حسبه ونسبه يغازلها من الشباك ثم يطلب اللقاء بها، يبوح لها بحبه ويعبر عن غرامه، ثم يبعث في طلب يدها أمه وأخته. الود ودها أن يوافق أهلها على أن يكون عرسها الاثنين لا الخميس فمن يعلم؟ قد تفيق غداً فتجد أنه مجرد حلم لا علاقة له بالواقع. لكن الزواج ليس شوربة تطبخ بل هو مسألة معقدة لا بد لحلها من تمعن وتفكير، ضرب وطرح، جمع وتقسيم. أبو ديبو ملهوف مثل ابنته للخلاص من ابنته لكنه، كبقية أفراد العائلة، مستغرب، متعجب. "كيف يطلب مثل ذلك الشاب، سليل تلك العائلة، شاهة للزواج؟" أخته قالت في زيارتها التمهيدية إنه الحب.. فأخوها سمير الذي لم يكن يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، أعجب منذ النظرة الأولى بشاهة، بل وقع صريع الحب ومن يستطيع الوقوف في وجه الحب خاصة إذا ما بلغ مرتبة الهوى وصار من ذلك النوع الذي يجتاح القلوب اجتياح الأعاصير؟‏

رغم فصاحة الأخت، ظل أبو ديبو في حالة استغراب، ولكي يخرج منها ويؤدي واجبه الأبوي، صمم على أن يسأل عن الخاطب، أصله وفصله، وكان صديقه الداهوك خير عون. الداهوك ابن الحي، يعرف كل شاردة وواردة فيه. "الشاب، لا غبار عليه "أجاب الرجل عن ابن حيه الشاب." سمعته كالعطر، أصله تعرفه، فصله ممتاز، كل شيء حوله مشجع.. فقط هو مدلل بعض الشيء وحيد أبويه.." "مدلل، لا يهم!! مسألة شخصية لا تقدم ولا تؤخر "كان رد الأب المتلهف للخلاص من ابنته" نقطة ثانية أيضاً" وضعه المادي مزعزع بعض الشيء."" لكن المعروف أنهم سلالة اقطاع.. أراضٍ وعقارات.. أرصدة وأملاك." صحيح.. كل هذا كان صحيحاً، فقد كان لأبيه قرى في الجولان.. بساتين في الغوطة، أراض بين الشيخ محي الدين وركن الدين.. عقارات في الجبة.." إي وأين ذهب هذا كله؟" سأل الأب وقد جحظت عيناه استغراباً.. "ذهب به القمار.. تلك الآفة التي كان الأب مبتلى بها.. من أجلها يذهب إلى كازينوهات لبنان.. ايطاليا.. فرنسا.. يلعب ويخسر.. حتى لم يبق لديه شيء..".‏

وأحس الأب بنوع من الصدمة جعلته ينكمش، يتخوف، بل يفكر جدياً برفض الابن الذي لا يملك شيئاً..."أنا هارب من الفقر أأعود إليه؟.. "قال لامرأته وابنته، لكن الابنة لا تسمع.." سمير يطلب يدي وأرفضه؟ هذا جنون بل إن حدث سأصاب بالجنون." تصرح دون خوف أو مواربة، فعقلها الذي كانت الضربات المفاجئة تترى عليه لم يكن يتحمل ضربة أخرى.. هي عائلة هابطة وضعها المادي في الحضيض وأخشى أن يكون داخلاً على طمع. لكن حجج الدنيا كلها لا تجدي نفعاً.. فالفتاة صماء بكماء متشبثة حتى الموت بفارس الأحلام.‏

ساند الفتاة أمها وأخوتها، فوافق الأب أخيراً، بل وعد أن يقيم لها عرساً يليق بابنة السلطان، فهم، بعد كل شيء، سيناسبون عائلة كبيرة شهيرة. لكن سوء الحظ كان بالمرصاد كالعادة وكان هذه المرة على شكل رخام إيطالي. كانت الاستعدادات للزفاف قد اتخذت والعرس قد حدد حين دخلت أم ديبو الحمام وفي نيتها أن تستمتع بدفء الماء وعطر الصابون. ملأت الحوض بالماء الساخن ثم غطست فيه.. جرمها الكبير جعل الماء يفيض من أعلى، ومع الماء رغوة الصابون التي تشكلت طبقات طبقات.. ثم ما ان خرجت من الحوض حتى تحولت تلك الرغوة إلى مزلقة سقطت فيها المرأة الناعمة بدفء الماء الهانئة بعطر الصابون. مع السقوط انطلقت صرخة بدا، فيما بعد، أن لا علاقة لها بالنعيم والهناءة، اسرعت العائلة تنقل الأم المتوجعة إلى المستشفى.. ثم تبين أنها لن تستطيع تحريك ساقها قبل ستين يوماً فكيف تحضر عرساً إذن؟‏

وهكذا، ألغي حفل الزفاف، لكن لم يلغ الزفاف نفسه، فقد اكتفى العروسان المتلهفان بحفل بسيط في المنزل مضيا بعده لقضاء شهر العسل في بيروت.‏

غياب شاهة زاد الطين بلة، فالبيت الخالي بات أكثر خلواً والموحش صار أكثر وحشة: الأب يذهب منذ الصباح ولا يعود إلا آخر الليل، دياب يخرج ويدخل، لكن دون أن يشعر أحد بدخوله وخروجه. فهد يغيب اليوم واليومين معاً.. ولا يعرف أحد أين يغيب. وأميرة تمضي إلى مدرستها.. هناك تجد الصحبة والتسلية، لكن إذا ما عادت إلى البيت راودها ذلك الإحساس بالوحدة والوحشة كما كان يراود أمها وهي في سريرها لا تستطيع الحراك..‏

-من يخدمني؟ من يخدم البيت؟ قالت للزوج وقد اضطرت أختها أن تعود إلى بيتها بعد أيام.‏

-أميرة.. رد الزوج الذي لم يكن خروجه الدائم يسمح له بالتفكير بها أو ببيتها..‏

-أنا!؟ كيف؟ ومدرستي؟ صاحت الفتاة متعجبة..‏

-مدرستك؟ رد بشيء من استهزاء.. اتركيها.. واقعدي في البيت..‏

-أقعد في البيت بعد أن تعبت ووصلت إلى الشهادة الثانوية؟‏

-الشهادة الثانوية؟! وهل شهادتك هذه ستخرج لك الزير من البير؟ اسمعي مني أميرة، استريحي في بيتك.. اخدمي أمك.. وغداً يأتيك عريس أحسن من عريس أختك، فلماذا التعب والمرارة؟‏

-وأنت فقير درستني، فهل تحرمني من ذلك وقد صرت غنياً؟‏

-درستك؟ لا لا، أنا طول عمري لا أحب الدرس ولا الدراسة.. رد مشيحاً بوجهه جانباً.. بنت ودراسة؟ بصراحة هذا لا يدخل في رأسي. الشاب إن درس.. يعني.. فيها وما فيها.. لكن البنت تدرس؟ لماذا؟ هي بالمحصلة ستتزوج ثم تحبل وتلد.. هذه وظيفتها الرئيسية في الحياة. أليس كذلك أم ديبو؟‏

أم ديبو حائرة.. هي تكره أن تجرح إحساس ابنتها كما تكره أن تخالف زوجها. تريد لابنتها أن تتعلم كما تريد من يظل إلى جانبها، يخدمها، ينظف البيت، يطبخ، ينفخ.. وليس هناك غير أميرة فماذا تقول؟‏

-صحيح.. البنت خلقت للزواج والانجاب.. لكن أميرة حرام تترك المدرسة.. ردت الأم أخيراً بكثير من التردد والتلعثم..‏

-حرام!؟ عقب الأب وهو ينهض فقد تأخر عن موعد خروجه! إذن ظلي وحدك.. ولا تسأليني عمن يخدمك أو يخدم بيتك؟‏

-ولماذا لا تأتي لها بخادمة؟ تدخلت أميرة بهجوم مفاجئ باغت كلاً من الأب والأم.‏

-خادمة؟ ردد باستغراب أوقف عينيه في محجريهما.‏

-أجل يقولون هناك خادمات فلبينيات، سيريلنكيات.. والواحدة بخمسين دولاراً في الشهر..‏

-خمسين دولاراً؟ ماذا؟ تريدين أن أدفع خمسين دولار من أجل خادمة؟ لا.. لا.. هذا بطر.. بطر.. راح يردد وهو يتوجه نحو الباب ملوحاً برأسه استنكاراً.. عند الباب توقف لحظة ملتفتاً إلى الوراء ثم استأنف بنبرة فيها قدر أكبر من الحزم!.. اتركي المدرسة، أنا لم أعد بحاجة إلى شهاداتك وعلمك.. بل بحاجة إلى أن تخدمي أمك.‏

-هه.. أعجبك هذا؟ هاجمت البنت أمها حال خروج أبيها من عتبة الباب، من أجل خدمتك أخرج من المدرسة!؟‏

-لا.. لا.. لم أعد أريد من يخدمني.. لم أعد بحاجة لأحد.. لكن أميرة ظلت في حال من القلق والخوف دفعها لأن تبحث عن الراحة والطمأنينة.. وأين تجدهما.. إن لم تجدهما عند العم مصباح؟‏

الساعة الواحدة انتهى دوامها المدرسي، الواحدة والنصف كانت تدخل مكتب عمها، وهي تدعو ربها أن تجد لديه لحظة فراغ. فهو كأمين لإدارة الجامعة، نادراً ما يجد تلك اللحظة. هي تعلم ذلك، إذ كثيراً ما تأتي لتجد المكتب مليئاً بالمراجعين الغادين الآتين، هذا يريد وثيقة، ذاك يريد شهادة، تلك تواجهها مشكلة، والكل يريد من أبي مأمون الحل، لكأنهم جميعاً يعلمون جبلّة أبي مأمون فيؤمنونه كما يؤم القطا الغدير.‏

فتحت أميرة الباب فكادت تشهق:‏

-أنت وحدك!؟ هتفت وهي تسرع إليه فرحة. هب العم من كرسيه يستقبل ابنة أخيه.‏

-أميرة!! كم أنا مشتاق إليك!؟ أخذها بالأحضان، ثم بدأت الأسئلة عن الصحة والأهل، لكن دون أن يستطيعا الإكمال، فقد بدأ دفق الناس للتو لكانما كانت هي الفاتحة. فرادى وجماعات صاروا يدخلون إلى العم، يستفسرون منه، يقدمون له أوراقاً، يطلبون مشورته وأميرة ترقبه صامتة متفكرة: "جميل أن تجد الناس بحاجة إليك.. لكن الأجمل أن تجد نفسك قادراً على قضاء حاجتهم!!"‏

بصبر شديد وحلم كبير كان عمها يعامل الناس.. هي تحسده على ذلك الصبر، تغبطه على ذلك الحلم.. فالموظفون غالباً ما يكونون نزقين، غلاظ القلوب.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244