أفراح ليلة القدر - عبد الكريم ناصيف

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:18 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الرواية 1997 الرواية 1998
 

ذات مرة رأت أحدهم يفك حزامه ويهوي ضرباً على حشد تجمع أمام بابه.. صابا على رؤوسهم أفظع الشتائم وأقذع السباب.. يومذاك أحست بالقهر والغضب، "تباً" له!! يضرب المواطنين!؟ يسب الناس ويشتمهم؟" قالت لعمها وهي تنقل له الصورة" للأسف!! ذلك يحدث كثيراً.. بل يحدث ما هو أسوأ منه!! "لماذا؟ سألت عمها فأجاب بمزيج من التعجب والألم "لأننا متخلفون.. جهلة.. لا المواطن منا يعرف حقه فيدافع عنه ولا الموظف يعرف واجبه فيؤديه بل ربما يظن الكثير من الموظفين، أنهم مندوبو سلطة لا علاقة لها بالشعب، تماماً كما هي الحال أيام الاستعمار، مهمتهم اذلال الناس وتعذيبهم، فيمارسون عليهم عقد التكبر والتجبر كلها".. كانت أميرة ماتزال تفكر مستعيدة كلمات عمها تلك حين دخلت ابنة عمها نور.. تبادلتا القبل ثم انتحتا جانباً فيما كان الأب ينهي آخر معاملات مراجعيه..

-أية مصادفة سعيدة!؟ أية بهجة أن أجدك هنا؟ قالت نور لابنة عمها وهما تنتظران أمين السر الذي كان عليه أن يلملم أوراقه ويحشر بعضها في حقيبته عله يتابع انجازها في البيت.‏

-أنا السعيدة المبتهجة بك!! ردت أميرة وهي تنظر بإعجاب إلى طالبة الطب المجدة النشطة التي كانت دائماً مثلها الأعلى والقدوة التي تريد أن تحذو حذوها. الحقيقة لم أتوقع رؤيتك.. كنت أريد أن أرى عمي بضع دقائق أسأله شيئاً.. وأعود.. لكن كما تعلمين.. هو مشغول.. لم أستطع أن أكلمه..‏

-تكلمينه في البيت.. فلم العجلة؟ قالت وهي تمسك بيدها سائرة بتمهل عبر الرواق الطويل ذي السقف العالي وكأنه رواق أحد المعابد القديمة.‏

-أمي، كما تعلمين، لا تستطيع الحركة ولا أحد لديها في البيت..‏

-مسكينة!! من أين جاءتها هذه البلوى؟ سألت طالبة الطب التي كانت صور الكسور والعظام والجماجم تملأ رأسها قبل قليل في مشرحة الكلية، لكن أميرة لم تجب فقد وصل العم مسرعاً دافعاً بهما إلى اللحاق بسيارة الجامعة.‏

وهكذا، لم تجد أميرة نفسها إلا وهي في بيت عمها، حيث كل شيء يسير وفق نظام دقيق لا يخالفه أحد، أياً كانت الأشغال. أفراد العائلة كلهم يجتمعون على الغداء، يجلس الأب على رأس الطاولة، الأم على يمينه، مأمون إلى شماله ونور إلى جانب مأمون. تحضر أميرة فتأخذ مكان مأمون. وينتقل مأمون إلى يمين أمه. جو من التفاهم والحب تشعر به أميرة يغلف تلك العائلة، روابط حقيقية من الإيثار والمحبة تربط بين أولئك الأفراد. على الغداء يناقشون مشكلات البيت، يتبادلون الأخبار، يروي كل منهم ما سمع من قصص ونوادر. طعامهم صنف واحد تطبخه امرأة العم بإتقان.. الفواكه، الشاي.. كل في حينه، مذ كانت أميرة طفلة صغيرة تزور بيت عمها، كان ذلك النظام قائماً وهو ما يزال قائماً ولا تملك أميرة إلا أن تتحسر على بيت أهلها الذي لا يعرف إلا الفوضى والوحشة.. الخالي من كل تفاهم وحب. بعد الغداء فقط تحدثت أميرة عن همها الكبير الجديد.‏

رد الفعل الأول كان الضحك والاستهزاء.‏

-أيعقل هذا؟ الآن وأنت على وشك نيل الشهادة يخرجك من المدرسة؟ هتف العم.. ولماذا؟ فقط لكي تخدمي أمك؟‏

لكن أميرة رجت عمها أن لا يستهين بالأمر.. فوالدها الذي كان قد تغير كثيراً مذ دخل عالم المال والتجارة، قد يصر على موقفه، وقد يخرجها من المدرسة فعلاً، هو الذي لا يقيم أي وزن للعلم.‏

-لا تخافي.. أنت خلقت للعلم والدراسة ولسوف تكملين ما خلقت له.. إنهما ضمانتك الوحيدة للمستقبل فلا تفرطي بهذه الضمانة!!‏

-هو يقول "لم أعد بحاجة لعلمك وشهاداتك، قالت الفتاة مصعدة زفرة ملؤها الحسرة..‏

-لا.. اطمئني. نحن معك.. كلنا معك، قال، وهو يشير إلى بقية أفراد العائلة..‏

-صحيح.. إن كان يحتج بأمك.. أنا أذهب إليها كل يوم أظل إلى جانبها.. أخدمها. قالت امرأة العم بمبادرة أدهشت أميرة.. فالسلفة التي لم تكن قادرة على التفاهم مع سلفتها مستعدة الآن للتضحية بكل شيء كيلا يتحطم مستقبل الفتاة..‏

شكرتها أميرة كثيراً على تلك المبادرة ثم مضت تشكو بكثير من الحرقة حالتهم، وقد غدا البيت مسكناً للوحشة والصمت.. شاهة ذهبت، الأم مكسورة الساق لا تستطيع الحراك.. أبوها وأخواها كل في واد، متعطلون متبطلون لا يعرفون مايفعلون.‏

-هو ذا المال أميرة، استلم العم زمام الحديث، إنه كإبليس لم يدخل عائلة إلا فرقها، ولا قلباً إلا جرده من العاطفة ولا رأساً إلا ملأه جشعاً، ألم يقل الانجيل: لا يدخل غني جنتي حتى يدخل الجمل خرم الإبرة؟‏

-صدقت.. عمي..فأنا لا أنظر إلى بيتنا إلا وأتمنى لو عدنا كما كنا أيام الحاكورة.. على الأقل.. كان الفقر يجمعنا حينذاك.. كان يجعل واحدنا يعطف على الآخر، أما اليوم فكل منا يفكر في نفسه فقط.. يبتعد عن الآخر حتى لأخشى أن يأتي يوم لا نعرف بعضنا بعضاً..‏

-لا، هذا ينبغي ألا يحدث.. وهذه هي مسؤوليتك.. رد هذه المرة مأمون الذي كان يحب الإصغاء أكثر مما يحب الكلام..‏

حملقت أميرة وكأنها فوجئت بتدخله.. ثم راحت تتأمله بفرح.. هو دائماً يفاجئها، ذلك المهندس المدني الذي يحسن إقامة الجسور وشق الطرق، تخطيط المنشآت وتصميم المشاريع كما لا يحسنها أحد.. بودها دائماً لو تعلم من أين يأتي فجأة بأفكاره العجيبة، هو الذي غالباً ما يؤثر الصمت ودائماً يكره التنظير..‏

-مسؤوليتي؟ كيف؟ ماذا تقول مأمون؟‏

-دائماً الوعي هو المسؤول، والأكثر وعياً هو الأكثر مسؤولية وفهمك كفاية!! ختم كلامه شبه ضاحك فثنت نور ضاحكة.‏

-مأمون على حق.. فليس باستطاعتك أن تلومي الجاهل إذا لم يعرف طريق الصواب ولا أن تعتبي على من ينقصه الوعي إن أخطأ.‏

-صحيح، رد الأب وقد تحمس فجأة، لكن شريطة أن يكون الواعي في موقع المسؤولية.. لا العكس كما هي حالتنا..‏

-ماذا تقصد أبي؟ سألت نور غامزة وكأنما شعرت بما يعتلج في صدره..‏

-أقصد أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب لا كما نجد على أرض الواقع: المسؤولية بيد الأمي الجاهل، المال بتصرف اللص الجشع، والقرار بيد السمسار المخادع.‏

-لا، أبي.. لا تعمم.. أرجوك، عاد مأمون للحديث.. نحن إزاء حالة خاصة فلنعالجها بمنطقها الخاص.. أميرة هي الواعية في بيت عمي إذن هي المسؤولية عن تصحيح كل خطأ، الوقوف في وجه كل انحراف. وعليها أن تثبت جدارتها في تحمل تلك المسؤولية.‏

ولم تستطع أميرة إلا أن تشرد "إيه مأمون، يابن العم الرائع!! "حديث مأمون يسحرها دائماً.. ألأنه نادر؟ ألأنه في مكانه دائماً؟ هي لا تعلم.. لكنها تعلم أنه ما من شيء يشنف أذنيها كحديثه. أميرة تحبه بقدر ما تحب عمها، تشعر بقربها منه حتى لتود ألا تنفصل عنه!! لكنه كبير.. عشر سنوات ونيف بينهما، بل هو يشعر أنه أكبر منها بكثير.. "كنت أحملك على ذراعي وأنت صغيرة".. كان يقول لها دائماً "كم لاعبتك وأنت طفلة بل كم هززت لك سريرك!!" حتى الثالثة أو الرابعة عشرة ظل مأمون يعاملها معاملة الطفلة الصغيرة، يأتي لها باللعب، يركض وراءها في الحاكورة، يلاعبها ملاعبة الأطفال، وكانت لا تنفك تنشد إليه أكثر وتتعلق به أكثر. مرة جديدة عادت إليه من شرودها وقد طرقت مسامعها كلمة تشرين. فأكثر ما كان يغريه بالحديث ذكرياته عن حرب تشرين تلك التي كاد أن يقتل فيها.‏

-في حرب تشرين تعرضنا لموقف خطر، كان مأمون يقول، فصيل الهندسة الذي كنت أعمل فيه حوصر من العدو الذي بات في مواجهتنا، وطائرات الهليوكبتر انزلت مفارز خاصة خلفنا.. فماذا نفعل؟ قائد الفصيل كان يرتعد خوفاً، ضباط الصف اختلفوا في الرأي، نسلم أنفسنا؟ نقاتل؟ نحاول الهرب افرادياً؟ نحاول الهرب جماعياً؟ كل برأي.. في تلك اللحظة شعرت بالمسؤولية فاقترحت: نصمد ونطلب النجدة؟ أجهزة اللاسلكي ما تزال تعمل؟ وبإمكاننا الاتصال بقواتنا الخلفية بل بإمكاننا أن ندلها على موقع الانزال الجديد وتحديد إحداثياته لهم، فلماذا لا نفعل ذلك؟ اتصلت ووصلتنا النجدة، ثم تبين أنه كان اقتراحاً ناجحاً فقد تم القضاء على قوة الانزال.‏

-هذا ليس لأنك واع يقظ، تدخلت الأم وهي تحيط كتفه بذراعها، مائلة بفمها على خده، لاثمة.. بل لأنك شجاع.. بطل.. قالت ذلك ثم توجهت بناظريها إلى أميرة، وملء عينيها الفخار والكبرياء، مردفة.. ابني بطل..‏

-أجل.. مأمون بطل..وأنا فخورة به ردت أميرة وهي تتذكر كيف كان يأتيهم من الجبهة بوجه معفر، شعر أشعث، ثياب لم تغسل ولم تبدل منذ زمن. كان يأخذها دائماً بين أحضانه هاتفاً "صغيرتي، أميرتي الجميلة، برنسيستي، "وكانت هي تجد بين أحضانه الأمان والدفء كما لا تجدهما مع ديبو وفهد." آه!! لو توقف الزمان ولم نكبر!" راحت تحدث نفسها، وهي تعود إلى الوراء أميرة صغيرة مدللة.‏

-وأميرة شجاعة أيضاً.. بل بطلة.. قاطعها مأمون من جديد مربتاً كتفها، وعليها أن تصمد، أن تدافع عن حقها في العلم.‏

-أجل، ثنى العم هازاً رأسه، يجب أن تتابعي دراستك أن تحققي حلمك.‏

-لهذا جئت إليكم.. أنا بحاجة إلى الدعم..‏

-ونحن ندعمك.. هيا أم مأمون.. هيا نذهب معها، قال العم وهو ينهض متحمساً حاثاً زوجته.‏

-نذهب.. ولم لا نذهب؟ ردت الزوجة وهي لا تقل حماسة عن زوجها، فما اقترحته قبل قليل لم يكن مجرد كلام.‏

"مركب الضرائر يمشي ومركب السلائف لا يمشي." هكذا يقول المثل الذي لم يأت من فراغ. لكن لماذا يا ترى؟ كيف تتفق الضرائر وتتعاون وتختلف السلائف وتتنازع؟ ألأن في مركب الضرائر قبطاناً واحداً فيسير، وفي الآخر قباطنة شتى فيقف؟ أم ديبو وأم مأمون سلفتان ككل سلائف الأرض، لكن حسن الحظ وحده جعل كلاً منهما تدرك أن عليها أن تبقي شعرة معاوية مع الأخرى، فمن يدري؟ الذهب يحتاج إلى النخالة والأخ لا يستغني عن أخيه.‏

سرت الأم كثيراً لمجيء سلفها وسلفتها.. بل نسيت حتى قلقها وخوفها على أميرة وقد غابت عنها أكثر من ثلاث ساعات. وجه مصباح المشرق، قبلات أم مأمون الحارة، احتضان أميرة لها، كل ذلك أنساها حتى أن تعاتبها أو تلومها. وللتو شغلتها أم مأمون بالأسئلة.. وهي تنتقل من واحد إلى آخر إلى أن وصلت إلى شاهة:‏

-هل تكلمكم من بيروت؟‏

-بالطبع.. كل يوم تتكلم.. وهي سعيدة.. تكاد تطير فرحاً..‏

-وكيف لا تطير وهي في شهر العسل؟ تساءلت السلفة لكن الزوج كان حريصاً على الدخول مباشرة في المسألة.‏

-وأخي؟ أين هو؟‏

-أخوك في مكتبه.. يشتري ويبيع.‏

-معقول؟ هل صار سمسار عقارات هو الآخر؟‏

-ماذا؟ ألم تخبركم أميرة؟ سألت وهي تنظر إلى ابنتها.‏

-إي أبي.. صحيح.. شارك شوكت في المكتب وصار يعمل معه.. يشتري ويبيع.. ونادراً ما يأتي قبل آخر الليل..‏

-حسناً فعل أبو دياب.. قالت السلفة وهي ترى في الأمر تطوراً هاماً.. خير من أن يقعد بلا عمل.‏

-ولماذا يريد إخراجها من المدرسة؟ سأل الأم وهو يشير إلى الابنة.‏

-الحق علي.. صدقوني.. هو لم يفكر بذلك.. بدأت الأم ثم شرحت لهم بالتفصيل كيف جرت القصة.‏

-إذن أنت التي جنيت عليها؟ سألت السلفة بمزيج من العتاب والضحك.‏

-وأنا سأخلصها، قالت بنبرة الوعد.. أجل.. سأدبر رأسي.. بمساعدة أخواتي.. جاراتي.. بأي شكل سأدبر رأسي.. وتبقى أميرة في المدرسة.. هذا وعد..‏

-تقصدين أن لا حاجة لتدخلي.. سأل السلف من جديد.‏

-لا.. لا.. ردت أم ديبو وهي تعلم مدى تحسس أخيه منه.. ومن يعلم..؟ بتدخله قد يزيد الأمر سوءاً..‏

-حسن، الآن يطمئن قلبي، قال مصباح وهو يعلم أن لامرأة أخيه بعض الدالة على أخيه وربما بعض السطوة، أميرة نفسها أحست بالطمأنينة والراحة. وعد أمها يعني شيئاً.. وكلامها ليس جزافاً.. فهي التي شبكتها وهي وحدها القادرة على تخليصها.‏

فواكه، كاتو.. شاي.. قهوة.. أميرة حاتم الطائي بودها أن تحمل ضيافات الدنيا كلها لعمها وامرأته.. هما اللذان تحبهما أكثر ما تحب في العالم، فكيف وقد هبا لنجدتها؟‏

-لا، هذا كثير أميرة.. احتج عمها أخيراً، وهي تقدم لهم الشوكولا مع البوظة..‏

-ليس عليك كثير يا عم.. ردت أميرة وهي تنحني عليه مطوقة إياه بذراعيها.‏

كان التلفزيون الجديد الملون يعمل، وكان يشد أيما شد ناظري امرأة العم التي لم تكن قد جاءت بمثله بعد.. أبيض وأسود ما زال عندها وكان في قلبها حرقة.‏

-مصباح!! انظر!! اسمع!!‏

فجأة هتف بصوت ملؤه التعجب والاستغراب.‏

تطلع مصباح إلى حيث أشارت امرأته فاندفعت عيناه إلى الخارج، كأنهما تريدان مغادرة محجريهما:‏

-ماذا؟ السادات في إسرائيل؟ هتف أخيراً ملء صوته..‏

تسمرت الأعين على التلفزيون وانشدت الآذان فيما كان السادات يهبط على سلم الطائرة في مطار بن غوريون، بشعره الأجعد وبشرته الداكنة ونظارتيه السوداوين.. ثم مد يده يصافح مناحيم بيغن، اسحق شامير، غولدا مائير..‏

-أصحيح هذا؟ أأصدق عيني أبا مأمون؟ غمغمت الزوجة وهي تطرف بأجفانها كأن ما تراه مجرد وهم.. صور من خيال لا علاقة لها بالواقع. لكن أبا مأمون لم يكن قادراً على إجابتها.. كانت الدهشة قد وصلت به حد الذهول وكان عاجزاً عن أن يجد الكلمة المناسبة.. المفاجأة صاعقة والصاعقة تدع كل ما تصيبه حطاماً.. مصباح يتابع الصور، السادات يقف وقفة الاستعداد تحية للعلم الأزرق والأبيض ذي النجمة السداسية، بل يرفع يده بالتحية لنجمة داوود كأنما نسي كل ما تحمله له من حقد وعداء. نسي كل ما سببته لأمته من مواجع وكوارث، نسي آلام الحروب، كل شيء.. كل شيء..‏

لكن.. كيف تراه ينسى؟ بالأمس فقط كانت حرب تشرين.. بل هو نفسه الذي قادها.. عبور القناة.. خط بارليف.. حصون شارون.. ثم العودة: ثغرة الدفرسوار.. حصار السويس.. مجاعة الجيش الثالث.. أذهب ذلك كله هباء؟! ماتت ذاكرته موت الفجاءة؟ مصباح يتساءل وهو يتابع صورة الرجل الذي كان على مدى خمس وعشرين سنة في سدة الحكم.. أحد رجالات ثورة يوليو.. ثم ضابطاً بارزاً في قيادتها، فوزيراً مسؤولاً، ثم نائباً للرئيس فرئيسا للجمهورية.. هزيمة حزيران نفسها كان يتحمل جزءاً من مسؤوليتها فكيف يلقي بذلك الماضي كله؟ كيف يتخلص من تلك المسؤولية؟‏

-تباً لك أبا رغال!! إنك لتقود الأحباش إلى قلب الكعبة!! وجد الرجل نفسه يتمتم أخيراً، وهو يستعيد في ذاكرته اسم ذلك الخائن العتيق عتق الدهر الذي ما يزال قبره يرجم بالحجارة حتى اليوم.‏

-قل لي كيف يحدث ذلك. كيف يزور السادات إسرائيل؟‏

-ومن يملك التفسير يا عم؟ وحدها الصهيونية والمخابرات الأمريكية تملك ذلك.‏

-لكن هكذا فجأة!؟ دون مقدمات!؟‏

-لا، ليس فجأة دون مقدمات، غمغم العم وهو يصعِّد زفرة.. مستعيداً في ذهنه فتات الأنباء التي كانت تتسرب بين الحين والحين عن لقاء حكام عرب بالصهاينة.. اتصالات سرية بين مسؤولين عرب ومسؤولين إسرائليين..‏

-كيف إذن؟ قل لي عماه!!‏

-أميرة، رد العم أخيراً وهو يتنهد من جديد، معظم الساسة يؤمنون بمبدأ الظاهر والباطن..‏

-ظاهر وباطن، ماذا تعني؟‏

-أعني أنهم يضمرون شيئاً ويظهرونشيئاً آخر، يفعلون في الباطن غير الذي يفعلونه في الظاهر.. يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر..‏

-ألا كبُرَ عند الله مقتاً أن تقولوا مالا تفعلون!! تدخلت أم مأمون، معلمة الدين التي تحفظ الكثير من الآيات القرآنية..‏

-لكن ما معنى هذا؟ سألت هذه المرة أم دياب، التي ظلت طوال الفترة صامتة ترقب التلفزيون، صورة حقيقية للحيرة والتعجب.‏

-معناه الصلح مع إسرائيل.. رد السلف الذي لا يقل عنها حيرة وتعجباً.‏

-لكن أين لاءاته الثلاث: لاصلح، لا اعترف، لا مفاوضات مباشرة..؟ سألت هذه المرة أميرة.‏

-ألم أقل لك يا بنتي..؟ يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر. اللهم قد بلغنا أرذل العمر!! اللهم قد بلغنا أرذل العمر!!‏

وفجأة نهض، كأنه لم يعد يحتمل المشهد، ثم مضى حزيناً كسيراً لا يلوي على شيء.‏

آخر الليل جاء أخوه أبو دياب. كانت ضحكته تشق فمه حتى الأذنين وكانت السعادة والفرح يصنعان له جناحين يكاد يحلق بهما في الجو.. تعجبت أميرة وهي تراه على تلك الحال فلم تملك إلا أن تسأله، وقد عادت إلى ذهنها صورة العم الكسير الحزين الذي خرج يجر قدميه جراً.‏

-أبي.. ألم تسمع بزيارة السادات إلى إسرائيل؟‏

-وما شأني أنا بهما؟ ليذهب هو وإسرائيل إلى الجحيم.. أنا مسرور فرح..‏

-ولماذا أنت مسرور فرح؟ تدخلت الأم وفي نبرتها أشد الاستغراب..‏

-صفقة!! أكبر صفقة عقدتها اليوم!! صفقة سأربح منها الملايين.. ثم شرع يدور على نفسه ضاحكاً مقهقهاً إلى أن سقط على الأريكة مقطوع الأنفاس..‏

-4-‏

الطبيعة تعمل، الأرض تدور، الأجرام تسير. كل بنظام محدد.. نظام وجد بذاته ولذاته. ليس من خارج ولا ناظم، بل من داخل ووفق قوانين، وكل بهدف محدد..‏

هدف نابع من طبيعة الأشياء الحاكمة وعلاقات الأشياء الناظمة...‏

علاقات الأشياء الناظمة في عالم رأس المال تقول "من معه يعطي ويزاد ومن ليس معه يؤخذ منه. "إذن باستطاعة أبي دياب أن يستفيد من علاقات الأشياء الناظمة وقوانينها... بتوجيه عرابه الجديد شوكة الداهوك الذي يعرف، بالحاسة السادسة وحواس رأس المال الخفية والظاهرة كلها، كيف يجعل الأموال تتكاثر تكاثر خلايا السرطان.‏

إنه التكاثر الانشطاري: الخلية تصبح اثنتين والاثنتان أربعاً والأربع ثماني فست عشرة...‏

وهكذا تسير المتوالية الهندسية إلى أن تصبح أرقاماً خيالية. أليس هذا ما طلبه مخترع الشطرنج؟ "حبة قمح واحدة في مربع الشطرنج الأول تتزايد وفق متوالية هندسية، مكافأة بسيطة طلبها من ملك الهند.‏

ذلك الملك ضحك في البداية من مخترع الشطرنج البسيط الساذج الذي لم يطلب ذهباً ولا فضة بل قمحاً.. ثم اكتشف في النهاية أنه هو البسيط الساذج، فغلال بلاده كلها من القمح لا تكفي مكافأة لذلك المخترع.‏

أبو عمرو طرح الفكرة في البداية "شريكين في المكتب، أنت تدبر البائع من أصحابك، فلاحي الحواكير وأنا أدبر الشاري من المتعهدين" الفكرة أعجبته لكنه تريث هو بحاجة للتفكير فراح شريكه يحثه. "اسمع أبا دياب، الغنى يجر الغنى كما يجر الفقر الفقر، فاستفد من هذه الفرصة قبل أن تضيع أم تريد العودة إلى الفقر".‏

"لا.. لا.. لا أريد أن أعود إلى الفقر، لا أريد أن أعود إلى الحرمان".. "إذن.. استثمر أموالك... بالاستثمار وحده يكثر المال.. بل أقول لك: إن أحسنت استثمار ملايينك هذه لم تبق مليونيراً وحسب بل أصبحت مليارديراً".‏

حينذاك لم يكن أبو ديبو الذي بات الكل يناديه بلقب التبجيل " أبي دياب" يعلم معنى كلمة ملياردير... "ألف مليون" شرحها له عرابه الجديد، لكن دماغه لم يكن على استعداد لاستيعاب مثل ذلك المبلغ.. ملايينه الخمسة نفسها لم يكن قد استوعبها دماغه بعد، فكيف بالألف مليون؟ لكن شوكة قال له "إذا هبت رياحك فاغتنمها.. وها هي رياحك قد هبت.. معك ملايين وأنا معي الخبرة والمعرفة والعلاقات... يضع أحدنا يده بيد الآخر نحقق المعجزات."‏

لكن أبا دياب فلاح قاسى طويلاً الجوع والفقر، عانى الحاجة والحرمان، ولا يريد البتة أن يعود إليها فكيف يلقي بنفسه هكذا بين يدي شوكة؟ بحذر راح يدرس العرض، حذر الفلاح الذي غدرت به الطبيعة مرات ومرات وقضت على مواسمه مرات ومرات. كانوا قد قالوا له "المصرف مضمون.. تضع أموالك فيه فتجدها كما هي.. بل تزيد أن أخذت فوائدها، " فوضع أمواله في المصرف، في البداية رفض أن يأخذ الفائدة، الإسلام حرم الربا، وفائدة المصارف ربا.. إذن كيف يحلل ما حرم الله ويأخذ الفائدة؟ "لا.. لا.. الله يغنيني عن هذه الفائدة" قالها بطريقته العيية يومذاك لشوكة الداهوك. لكن لم تمض أشهر ثلاثة حتى عاد شوكة الذي يريد أن يزرع في رأس صديقه فكرة الاستثمار فبيَّن له بحساب بسيط أنه أخطأ خطأ فادحاً وأنه خسر خلال تلك الأشهر مبالغ طائلة. "في لبنان مصارف تدفع فائدة (14) بالمائة. يعني لو وضعت ملايينك الخمسة هناك لأخذت عليها ثلاثة أرباع المليون كل سنة، فلماذا تضحي بثلاثة أرباع المليون؟ إن كان من أجل الحلال والحرام.. صدقني.. هذا حلال زلال لا حرام فيه ولا ما يحزنون... لسبب وحيد: المصرف يشغل هذه الأموال، أي يستثمرها.. وإن كان يعطيك فائدتها.. فما هي إلا جزء بسيط من أرباحه"..‏

"صحيح!؟ هو يربح من أموالي؟" وبدا لأبي دياب أنه على خطأ فعلاً وأن شوكة على صواب.. "فمن يربح من أموالك يجب أن تشاركه أرباحه" ومضى في اليوم التالي مع شوكة الداهوك إلى بيروت يضع أمواله في أعلى مصارفها فائدة. لكن الأموال في المصارف تتزايد حسب متوالية حسابية بسيطة، وشوكة يريدها أن تتزايد حسب متوالية هندسية، كمتوالية الشطرنج... ثم إذا ظلت في مصارف بيروت ماذا سيستفيد هو ومكتبه العقاري؟ وعاد لإعمال حجته وشحذ لسانه بغية إقناع أبي دياب في استثمار أمواله بطريقة أخرى... " نشتري عقارات ونبيع.. شريكين كاملين في السراء والضراء" لكن أبا دياب كان مسروراً بحسابه في المصرف... فقد اكتشف، بحسبته البسيطة نفسها، أنه دون إن يحرك ساكناً ودون أن يتعب ويشقى، يمكنه أن يعيش من فائدة أمواله عيش الملوك". خمسمائة ألف، ستمائة ألف كل عام.. ماذا أفعل بها؟"‏

قال ذات مرة لأم دياب وقد سألته أن يعمل شيئاً بدلاً من قعوده عاطلاً باطلاً "انفقي ما يحلو لك... اصرفي ما تشائين... فائدة أموالي تكفي وتزيد.." والحقيقة لم تكن أم دياب بحاجة للكثير، هي الفلاحة التي عاشت طويلاً على مبدأ الاكتفاء الذاتي، وحاكورتها عماد اكتفائها الذاتي، هي التي لم تكن تعرف موضة أزياء ولاحلاق شعر ولا سهراً في كازينو. لكن أم دياب كانت مشغولة البال على زوجها تكره أن تراه فارغ الأشغال... الطبيعة علمتها أن لاخطر كالفراغ فهو سرعان ما يبحث عما يسده.. ناقشت أبا دياب في ذاك أكثر من مرة.. لكنه كل مرة كان يضحك "الفقراء وحدهم يتعبون أنفسهم... يكدحون ويكدحون، يشهقون ولا يلحقون.. لكن الأغنياء مثلنا، ما حاجتهم للعمل؟ أموالهم هي التي تعمل... لتعود عليهم بالأرباح". في تلك المرحلة شدد شوكة ضغطه على أبي دياب. في المكتب، في المطعم، في السيارة، شوكة يلح عليه أن يشتريا أراضي الحواكير، أن يستثمرا الأموال معاً لتتكاثر معاً، والإلحاح مطية الظافرين.. لكن أبا دياب لم يسلم بظفر صاحبه السمسار العتيق الماكر إلا بعد أن أخذ ضمانة." في عالم المال لا ضمان ولا أمان.. وحدها الوثائق هي الضمان والأمان.." وأصبحا بموجب وثيقة نظامية شريكين في المكتب.. شريكين في رأس المال وفي الأرباح.. النصف بالنصف..‏

بعدئذ، بدأت المتوالية الهندسية بالعمل.. محضر هنا، محضر هناك، ثلاثة محاضر هنالك.. بيع وشراء.. إلى أن جاءت الصفقة ودخل أبو دياب بيته فرحاً وهو يهتف "أكبر صفقة عقدتها اليوم.. صفقة سأربح منها الملايين".‏

قبل فترة، كان شوكة قد همس في أذنه أن قراراً بتنظيم البساتين المحاذية لنهر يزيد سيصدر قريباً..." ألا تعرف أحداً من أصحاب تلك البساتين هناك؟". سأله بهمس أشد وكأنه يخشى أن يسمعه أحد." كيف؟ لي أكثر من صاحب"، "اذهب إليهم إذن، نشتري حواكيرهم". وذهب أبو دياب في اليوم التالي إلى صاحبه الأقرب "أبي قاعود" وقد تعمد أن يلبس أبسط ثيابه وأرخصها، علَّ أبا قاعود يشعر معه بالطمأنينة...‏

وحدث ما توقع السمسار الجديد... لقيه صاحبه بالترحاب، بل هش وبش.. عرض عليه أن يشتري منه حاكورته، فقد كره القعود بلا عمل... حن للعمل في الزراعة... وسرعان ما استجاب الرجل وقد وجد العرض مغرياً لم يحلم به من قبل. لكن قبل أن يتم أبو دياب الصفقة، كان يريد الاطمئنان.. "إن لم يصدر قرار التنظيم خرب بيتنا"، "قلت لك القرار جاهز ندفع الساعة السادسة يوقع في السادسة والربع... ألا تصدقني؟" احتج شوكة الداهوك. "بل أريد أن يطمئن قلبي." رد الشريك الذي بات يداري عيه كثيراً فلا ينطق الكلمة إلا بعد أن يتأكد من قدرته على إخراج حروفها دون تلكؤ.‏

ولكي يطمئن قلبه، ذهب مع شريكه إلى أمانة العاصمة حيث عرفه هناك على رئيس الدائرة التنظيمية نفسه.... كهل خمسيني وخط الشيب فوديه وشاربيه وانطفأ شبابه لكن لم يشب حبه للمال ولم ينطفئ جشعه للرشوة. "متى يصدر القرار؟ " سأله شوكة غامزاً، مشيراً إلى ورقة قرب يده اليمنى لم يستطع أبو دياب أن يعرف فحواها. "متى شئتم" أجابه الكهل رئيس الدائرة التنظيمية التي تتولى تحويل الأراضي الزراعية إلى أراض عقارية وتنظيم الأحياء الجديدة إلى مبان، شوارع، مرافق وحدائق..‏

على طاولة الغداء في كازينو طويل عريض، فاخر باذخ، يربض على مشارف الربوة، عرف أبو دياب ما الذي كان يقصده الكهل الخمسيني من تلك الميم، علامة جمع الذكور في جوابه ذاك.. فقد تحدث الرجل الضيف عن ضرورة الإسراع بالدفع.. بغية الإسراع بإصدار القرار.. وكل تأخير يحمل الخطر في انكشاف الأمر... كما تبين لأبي دياب أن شوكة لن يكون الدافع الوحيد، فهناك أكثر من عشرة سماسرة ومقاولين متكافلين متضامنين سيقتسمون منطقة التنظيم الجديدة. "لكنه مبلغ كبير؟ خمسة عشر مليوناً؟ "احتج شوكة الداهوك احتجاج الممازح للكهل الضيف.. "احمدوا ربكم.. لم نطلب ثلاثين.. المنطقة واسعة والأرباح ستكون كبيرة للغاية.."‏

-لا تكن طماعاً كثيراً.. تابع شوكة احتجاجه الممازح.. لكن سرعان ما قاطعه الكهل رئيس الدائرة.‏

-وهل تحسبني وحدي؟لا.. لا.. أنت تعلم.. هناك من هو أعلى مني.. ومن هو أعلى وأعلى.. وإذا رضينا نحن بحصة الثعلب والذئب، ما الذي يرضي الأعلى؟ سأل مرفقاً سؤاله بضحكة وغمزة لم يكن من الصعب على أبي دياب أن يفهم مغزاها.‏

طوال الغداء دامت المساومة، فالصفقة كبيرة وزلة واحدة قد تؤدي إلى خسارة الملايين... لكن شوكة الداهوك يتقن فن المساومة اتقاناً أذهل شريكه الجديد. كذلك، بدا الكهل وكأنه لا يقل براعة عن خصمه.. كلاهما على حلبة صراع يداور ويناور، يريد الإمساك بالآخر وإسقاطه الإسقاطة القاضية... أخيراً أفلح السمسار الداهية في إيقاع الخصم أرضاً، إذ قبل بتخفيض الرقم إلى اثني عشر مليوناً... ولكم كانت فرحته شديدة في المكتب وهو يدفع المبلغ للكهل، فقد وفر لنفسه ثلاثة ملايين.‏

"عجيب" قال الشريك الجديد وهو لايستطيع إخفاء دهشته: "رئيس دائرة يساوم علناً ودون استحياء أو خجل؟" "كلهم كذلك"، رد شوكة تساؤله "مامنهم إلا من يرتشي ويساوم.. ولسوف أجعلك ترى بعينك". ولكي يريه شوكة بعينه.. بات يأخذه معه إلى هذه الدائرة أو تلك شريكاً يريد أن يطلع على أسرار المهنة. بأم عينه رأى أبو دياب الواقع المر: كان بعضهم يريد الرشوة نقداً، بعضهم يريدها حساباً في مصرف خارج البلد.. بعضهم الثالث يرضى بها: ذهباً وحلياً.. ثياباً وأثاثاً. لكن المفاجأة التي أذهلت أبا دياب أن أحدهم طلب امرأة... ثم كانت المفاجأة أشد حين لبى شوكة الطلب ودون أن يرمش له جفن.‏

"سوسو، أنا بحاجة إليك... فرّغي نفسك الليلة"، خاطب عبر الهاتف امرأة كان أبو دياب يسمع باسمها لأول مرة. "داهية هذا الشوكة، خبيث ماكر!!" قال في سره وهو يتأمل شريكه الذي كان يتفق مع المرأة على تفاصيل السهرة والمهمة والأجر. "إذن لا مانع لديه أن يكون قواداً!!" وحين أطلع شريكه على مادار في رأسه أثناء المكالمة الهاتفية، قهقه شوكة ضاحكاً: "الغاية تبرر الوسيلة يا صاحبي.. وكل وسيلة مشروعة، إن كانت توصلك إلى غايتك"، قال بنبرة المعلم الذي يريد لتلميذه أن يتعلم بسرعة وبلا مناقشة. في الواقع، لم يكن التلميذ يناقش كثيراً، هو في كل صفقة يحضر المساومة من البداية إلى النهاية، يصيخ السمع جيداً.. المعلم بارع في اللف والدوران، ذلق اللسان، حاضر البديهة، وخير لأبي دياب أن يراقب ما يجري، يصغي لما يدور دون أن يتدخل، ذلك أن العي غالباً ما يقف له بالمرصاد ليربكه أحياناً ويحرجه أكثر الأحيان... هو مقتنع "التدريب ثم العمل.. التعلم ثم الممارسة." هكذا قال لنفسه منذ البداية وظل على قناعته يشارك صامتاً، حتى سهراته الحمراء التي بات شوكة الداهوك حريصاً أن يأخذه إليها، كان أبو دياب يشارك فيها صامتاً.‏

أرض أبي قاعود بيعت بكاملها، ثم اشتريت أرض أخرى وبيعت.. سيف الدين النايفة يعرف صاحب الأرض.. بهذا الأسلوب أو ذاك يمهد الطريق ثم يأتي شوكة الداهوك فيعقد الصفقة. بعدئذ تباع الأرض من جديد لمتعهدين يريدون أن يزرعوا كتل الإسمنت في صدر قاسيون المنحدر من المهاجرين إلى شارع بيروت. مع البيع والشراء، بدا لأبي دياب أن المتوالية الهندسية تجري سريعاً وحبة القمح لا تقف عند المربع الثاني أو الثالث من الشطرنج بل تنتقل سريعاً إلى السادس، الثامن، والعاشر...‏

-لكن ما تراه يحدث حين تصبح في المربع الرابع والستين؟ سأل ذات مرة صاحبه شوكة فقهقه:‏

-من يحسب يغلب.. اسمع مني لا تحسب أبداً".‏

-كيف لا أحسب؟ لا. لا. الحذر ضروري يا رجل.. فالأموال التي تأتي اليوم تذهب غداً.. قال أبو دياب وهو يتمسك بآخر ثمالة من حذر الفلاح القديم.‏

-الأموال تأتي بغزارة أكبر من أن يذهب بها شيء.. حسبك أن تظل تبيع وتشتري.. ومع البيع والشراء الربح طبعاً، فلماذا الخوف؟ ولماذا الحساب كله؟ عش حياتك.. استمتع بأموالك يا رجل.‏

بعد تلك النصيحة صار أبو دياب يستمتع بالإنفاق والبذخ، فقد بدت الأموال أكثر من أن يذهب بها شيء، كما قال صاحبه، وهكذا، بدأ حذره القديم يتلاشى، خوفه من المستقبل يذوب شيئاً فشيئاً حتى بدا وكأنه قطع رحلة التغير حتى النهاية. فأم دياب التي رفض وضع خادمة لها، وهي مكسورة الساق لا تستطيع الحراك، جاء يوم رأت فيه أبا دياب، ودون أن تطلب منه، يدخل بفتاة قصيرة القامة سلوقية الجسم، صفراء الوجه، مائلة العينين، بارزة الوجنتين ليقدمها لها على أنها الخادمة الجديدة، اسمها ريتا وموطنها تايلاند... وعلى الرغم من أن ريتا لم تكن تفهم كلمة عربية واحدة ولم تكن أم دياب تفهم كلمة تايلاندية واحدة، إلا أنه كان عليهما أن تتفاهما... بماذا؟ وكيف؟ لم يكن أحد يدري.‏

التغير تناول جوانب سلوكه الأخرى: خروفاً كاملاً بات يرسل إلى البيت، الفواكه بالصناديق، الأرز، السكر، البطاطا.. كلها بالأكياس، ولماذا يعذب نفسه بالكيلو والكيلوين؟ هكذا أفضل.... الخضري، البقال، اللحام... كلهم بخدمتك.. فقط ادفع لهم.. وأبو دياب يدفع.. يده لم تعد مغلولة إلى عنقه كما كانت في البداية بل هي مبسوطة كل البسط.. ولم لا تنبسط إذا كانت يد القدر قد انبسطت له على يد شوكة الداهوك لتدفق عليه المال دفقاً؟‏

في المطاعم لم يعد شوكة يدفع، ولماذا؟ اليد العليا خير من اليد السفلى، إذن ليدفع أبو دياب... شارباه صارا ينفتلان أكثر... وجهه لم يعد مكمداً ناحلاً... بل راح يستدير ويتسع.. بشرته نفسها راحت تبيض... تجاعيده تمَّسح... لكأن هناك يداً تغسل البشرة بمبيض سري، تمسح التجاعيد بمسحة خفية... بل حتى عوده الناحل بدأ يمتلئ.. عظامه بدأت تثخن... وكرشه يبرز قليلاً قليلاً، حتى خيل إليه ذات مرة، وهو ينظر إلى نفسه في المرآة، أنه بات أكثر طولاً وعرضاً، أحلى هيئة وأضخم قامة... لكن ما دفعه إلى الضحك جهاراً سؤال الراقصة الغجرية ذات ليلة وقد جلست إلى طاولته في المقهى.‏

-كم يكبرك شوكة في السن؟ عشر سنوات؟ ثم دهشت كل الاندهاش حين أجابها شوكة:‏

-بل هو يكبرني بعامين، بعدئذ لكزه شوكة حانقاً:‏

-أرأيت؟ بت تبدو أكثر مني شباباً وأصغر سناً!!‏

"إنه المال، يجعل القبيح جميلاً والصغير كبيراً، البغيض حبيباً، والبعيد قريباً".‏

راح أبو دياب يفكر وكله استغراب، ترى كيف يفعل المال ذلك؟ هو ينظر إلى المرآة ولا يصدق.." أحقاً تغيرت كل هذا التغير؟ "لكن نظرات أم دياب، ملاحظات أولاده، كلام النساء اللواتي بات يتردد عليهن هنا وهناك.. كل ذلك بات يؤكد أن أبا دياب الغني غير أبي دياب الفقير.. شكله، لباسه، نظراته، حركاته كلها تغيرت.. لقد ولد سيف دين جديد.‏

لكن، ما إن ظهرت نتائج الثانوية حتى عاد أبا دياب القديم بسرواله وكوفيته، ذاك الفلاح الذي لا تتجاوز دائرة تفكيره دائرة حاكورته.‏

أميرة نجحت لكن ليس بالمعدل الذي يخولها أن تدرس الطب، حلمها القديم، فجاءت حلاوة النجاح ممزوجة بمرارة الخيبة.‏

-لاعليك، أبوك يرسلك إلى الخارج، تدخلت الأم وقد آلمها أن ترى ابنتها حزينة ساعة ينبغي أن تفرح. هو غني وباستطاعته أن يرسلك حيث تشائين لتدرسي ما تشائين..‏

-حقاً، أماه!! تساءلت الفتاة باندهاش وكأن الفكرة لم تخطر لها ببال، آه!! لو يفعل ذلك يا أماه فأحقق حلمي!!‏

لم تكن أميرة تتخيل نفسها إلا طبيبة.... كانت تحلم بذلك وتعمل من أجله... نتائجها ظلت على الدوام تبشر بالخير... فقط، خلال الصف الحادي عشر، ومع التغيرات التي جاء بها ليلة القدر، بدأ نوع من التراجع... في الثاني عشر عادت أميرة تبذل أقصى ما لديها من طاقة، لكن كان ثمة ما يشغلها دائماً، يلهيها عن الدرس، وجاءت النتيجة أدنى مما كانت ترجو.‏

-اطمئني... أنا سأكلمه. ختمت أمها الحديث وهي تشدها إليها بحنان الأم التي ترى نفسها في ابنتها: نجاحاً أو فشلاً، فرحاً أو ترحاً.. لكن لشد ما شعرت بالخيبة حين رد عليها الزوج بعصبية وحنق:‏

-ماذا؟ تريدينها أن تضيع؟ تلقينها بيدك إلى الذئاب؟‏

-أضيع؟ ذئاب؟ ردت الفتاة من التعجب، أنا ذاهبة أدرس الطب...‏

-بلا طب، بلا صيدلة، قاطع الرجل ابنته، في أوروبا الفلتان، الإباحية، وأنا لا أرسل ابنتي إلى حيث الفلتان والإباحية.‏

-أبي ماالذي تقوله؟ باستغراب ونوع من عدم الفهم سألت البنت أباها. ما قصدك؟‏

-قصدي واضح... أوروبا، انزعيها من فكرك... فكري فقط: البنت للبيت ولا حاجة لأن تخرج هنا، هناك، تعرض نفسها للمشاكل وتقع في الورطات والمآزق.‏

-تريد أن تحبسني في البيت؟ بنبرة احتجاج حادة سألت البنت...‏

-أريد أن توفري علي المشاكل..‏

-لكنك تعلم: حلمي أن أدرس الطب..‏

-في أوروبا؟ ووحدك؟ قاطعها الأب محتداً، لا.. علي الطلاق بالثلاثة لاتدوسينها..‏

-ماذا أفعل إذن؟‏

-ما تفعله كل بنت، بدأ بعصبية واضحة لكن سرعان ما كبح نفسه متنحنحاً متظاهراً بالحكمة، ثم تابع: المرأة حرمة... يا بنتي، عورة ينبغي أن نسترها، لا أن نكشفها لخلق الله جميعاً، نبعثها إلى أوروبا وحيدة!؟‏

-لكنك أنت نفسك كنت تشجعني.. ادرسي.. تعلمي.. سأرسلك إلى الجامعة..‏

-الجامعة.. الجامعة.. قاطعها الأب من جديد.. ذلك كان أيام زمان، أيام الفقر والحاجة... لكن بعد ذلك أردتك أن تتركي.. قلت لك لا حاجة بعد اليوم للدرس، لكنك ناورت وداورت.. قلت أتركك حتى تأخذي الثانوية، أما الآن وقد أخذتها، ما حاجتك للدرس والجامعة؟‏

-ماحاجتي؟ كيف.. أبي؟‏

-أميرة، رد الأب بثقة من يملك كل الأوراق الرابحة في يده، أنت كنت تدرسين للحصول على وظيفة حين كانت الوظيفة مصدر رزق، أما الآن وقد صارت لدينا مصادر رزق وفيرة.. صار لدينا مال كثير، فلماذا الدراسة؟ ولماذا الشهادة؟‏

-صحيح، لماذا تتعبين نفسك: دراسة ووجع قلب إن كان هناك من يريد راحتك ويوفر لك ما تحتاجين من مال؟ تدخل الأخ ديبو الذي كان مايزال صامتاً حتى تلك اللحظة.‏

-بل أكثر مما تحتاج؟ تابع الأب فرحاً بمساندة ابنه له.‏

-لكنني أريد أن أكمل دراستي، حتى ولو هنا..‏

-وماذا ستدرسين هنا؟ تجارة؟ حقوق؟ آداب؟ حسن.. كم سيكون راتبك بعد التخرج؟ ثلاثة آلاف!؟ أربعة آلاف؟ خذي خمسة.. خذي عشرة آلاف واقعدي في البيت.. تزوجي وانستري.. يا بنتي.. الله يرضى عليك.. السترة خير ماتسعى إليه الفتاة....‏

وبدا لأميرة أنها غير قادرة على الإجابة فلاذت بالصمت.. كان والدها قد تغير: خلع السروال والكوفية، لبس البذلة وربطة العنق، خرج من الحاكورة، اتسعت علاقاته... بات يذهبإلى المطاعم والأماكن الراقية... لكن ماذا غير ذلك؟ هاهي ذي تراه... الظاهر تغير لكن الباطن ظل كما كان والأنكى أنه صار قادراً أن يتشبثبباطنه ذاك وأن يدافع عنه: فقد صار لديه المال..‏

-صحيح... السترة خير ما تسعى إليه الفتاة، تدخلت الأم وهي ترى تلجلج ابنتها وحيرتها، فاركة يديها غامزة بطرف عينها، أبوك وأخوك على حق.. المال وفير ماعليك إلا أن تنفقي.. فلماذا التعب والنكد؟‏

-يسلم فمك.. هذا ما أريدك أن تقنعيها به.. قال الأب ثم مضى مسرعاً وكأنما فاته موعد، لكن ما إن غادر يلحق به ابنه، وانفردت الابنة بأمها حتى صاحت شبه مولولة:‏

-حتى أنت يا أماه!! حتى أنت لا تريدينني أن أتعلم!؟‏

-لا... أميرة... أنا حلمي أن أراك طبيبة..‏

-كيف تقفين معهم إذن؟ كيف تساندينهم؟ احتجت الفتاة غاضبة.‏

-أنا أردت إيقاف النقاش فلا يغضب أبوك ولا يحتد.. ثم يقسم يميناً لا تستطيعين تجاوزه بعد ذلك..‏

-يعني أنت معي؟ قالت أميرة وقد هدأت ثائرتها فجأة.‏

-بالتأكيد..لكن خشيت أن تشتد العاصفة أكثر فحنيت رأسي لها إلى أن تمر.‏

-فكرة!؟ هتفت أميرة بعد اطراقة من تفكير، أنت على حق.. الانحناء للعاصفة.. ثم الالتفاف حولها... هي ذي فكرة عبقرية.‏

ولكي تنفذ الفكرة العبقرية، كان لابد لها من أن تلجأ إلى ذوي الخبرة وأصحاب المشورة.‏

-عمي مصباح، قل لي ماذا أفعل؟ أكاد أجن، ثم روت له القصة من ألفها إلى يائها..‏

-لا... لاتجني، رد العم على مهل وكأنه لم يفاجأ. أبوك يرسلك إلى أوربا؟ إذن أنت لا تعرفينه... رجل يحمل رواسب الماضي كلها ويرسلك إلى أوربا؟ وحيدة؟ تتعلم؟ لا. لا. مستحيل..‏

-لكني أريد الطب، أريد العلم...‏

-طب.. علم.. قاطعها عمها.. ذلك كله لا يدخل في حسبان أبيك.. هو يكره العلم.. اسأليني.. مذ كان صغيراً كان يكرهه... فكيف تريدين أن يحبه الآن؟‏

-لكن أنا أحبه.. أريد أن أتعلم...‏

-هنا بيت القصيد.. رد صائحاً فرحاً، ما الذي تريدينه؟ وهل لديك الإرادة؟‏

-عمي.. أنا أعرف ماأريد.. ولدي كل الإرادة.‏

-حسن.. إذن.. لا تخشي شيئاً..‏

-كيف، وهو يقف في وجهي؟‏

-أميرة..هي ذي الحياة..صراع بين الجهل والعلم، الظلام والنور،الشر والخير..وأجمل ما فيها أن تخوضي هذا الصراع..لذة الحياة هي في الصراع نفسه، يخوضه المرء بمرارة وقسوة، فإذا انتصر كان نصره متعة المتع ولذة اللذائذ..‏

-لكنني أخشى الفشل.. أخشى عناده وإصراره فتكون العاقبة مرارة الهزيمة وعلقم الفشل.‏

-ليس كل ما نريده، يأتينا على طبق من فضة.. بل كثيراً ما ينبغي أن نقاسي المرارات قبل أن نبلغ غايتنا.. يخزنا الشوك قبل أن نصل إلى الورد، يلسعنا النحل قبل أن نصل إلى الشهد...‏

-عمي، أنا مستعدة لأن أضحي.. أفعل أي شيء كي أتابع دراستي.. فقط... قل لي ماذا أفعل؟ ساعدني!!‏

-المسألة بسيطة.. يذهب إليه عمك، يضغط عليه ويقنعه، تدخلت امرأة العم التي بدت مستخفة بالأمر كله، فعقلها لم يكن قد استوعب موقف الرجل الذي كان حتى الأمس بسيطاً، لين العريكة، هين الإرضاء، لايني يطلب من أخيه المشورة والمساعدة..‏

-لا.. لا.. أخشى أن تتعقد الأمور أكثر. قالت أميرة، وهي تتذكر الآراء الجديدة التي بات والدها يصرح بها، والمواقف الجديدة التي بات يأخذها تجاه عمها "أنا الأخ الكبير، ومكانتي لا أتنازل عنها"، "واجب الصغير أن يطيع الكبير" "ذهبت أيام مصباح وجاءت أيامي" الخ.‏

-بيدك حق.. عقب العم وقد استعرض هو الآخر مواقف أخيه، وأنا أخشى ذلك أيضاً...‏

-معقول؟ عادت الزوجة تسأل وهي ماتزال مستغربة.‏

-في زمن المال، كل شيء معقول. ألا يقولون اليوم "معك قرش تساوي قرشاً، معك مليون تساوي مليوناً؟ "قال العم وهو يطلق تنهيدة....‏

-لكن هذا غير صحيح... احتجت أميرة بكثير من الانفعال..‏

-بالطبع.. هذا غير صحيح، تابع العم بنبرته نفسها.. عبر التاريخ كانت قيمة المرء بجوهره لا بمظهره، قدره يقاس بما يملك من عقل وعلم، لا بما يملك من ذهب وفضة.. والدليل على ذلك، أن التاريخ لم يذكر سوى العلماء والحكماء، الأدباء والشعراء. أما الأغنياء، أصحاب الأملاك والأطيان، الجواري والقيان فقد ذهبوا مع أملاكهم وأطيانهم، جواريهم وقيانهم دون أن يذكرهم أحد.‏

-للأسف، القيم تتغير الآن.. عادت الزوجة للتدخل من جديد، المفاهيم تنقلب.. لتسود قيم المادة وتطغى مفاهيم التملك.‏

-هذا ما جرنا إليه الغرب.. رد مصباح وهو يصعد زفرة.. رأس المال والاستهلاك، حتى غدت قيمة المرء بما يملك من رأسمال وما يستهلك من حاجات.‏

-إذن، نحن نسير إلى الهاوية.. قالت الزوجة بما يشبه الاستسلام والتنبؤ.. لما نصل بعد لكننا نسير .‏

-أنا أعلم ذلك.. أرى بأم عيني كيف يرتفع الواطئ وينخفض العالي، يسود الجاهل ويذل العالم.. وهو نفسه مايخيفني...‏

-وهو أمر مخيف... ثنت الزوجة.‏

-أبو دياب يرى ما يجري.. تابع الزوج وكأنه لم يقاطع، يعلم أن كفته بدأت ترجح وكفتي تخف.. فكيف يمكنني الضغط عليه وإقناعه؟. بنبرة أقوى وجه السؤال الأخير إلى زوجته لكن دون أن تترك لها أميرة فسحة لجواب.‏

-ماذا أفعل إذن؟ أأخضع؟ أأخنع؟‏

-لا.. لا.. قال العم وهو يلوح بسبابته علامة النهي الشديد. الخنوع للمستبد الظالم هو وحده مايزيده استبداداً وظلماً.. أما الوقوف في وجهه، مجابهته، فهي وحدها ما يمكن أن يردعه...‏

-أنا معك.. لكن كيف؟ سألت أميرة بكل اللهفة والفضول.‏

-هو ذا ما ينبغي أن نفكر فيه.. ليس على عجل... بل بتروٍ وإمعان.. ليس برد فعل بل بفعل المتأني المفكر...‏

-يا إلهي!! كم أحبك ياعماه!! كم أنا معجبة بك!! هتفت الفتاة وهي تطوق عمها بذراعيها لاثمة.‏

-وأنا كذلك!! لكن أكثر ما أريده منك أن لاتسلمي قيادك للجهل‏

والأمية مهما كان الثمن.‏

وكيف تسلم قيادها للأمية والجهل؟ هي تفضل الموت على ذلك. عمها، مذ عرفت الدنيا، مثلها الأعلى، هو بعلمه ومعارفه، بفهمه وأخلاقه، مثلها الأعلى، فكيف... تقبل مثلاً آخر؟‏

ذلك المساء مكثت أميرة في بيت عمها، فقد كانت بحاجة لرؤية نور، ونور في الجامعة.‏

-السنة الرابعة صعبة، موادها كثيرة ودوامها طويل، شرحت لها ابنة العم وهما تدخلان الغرفة معاً، ربما لتتسنى لهما حميمية الحديث بين البنت والبنت. في المشرحة، المختبرات، قاعات الدرس.. كانت نور قد ظلت النهار بطوله إلى أن هدها التعب، مع ذلك هي سعيدة.. سعيدة بكدها، سعيدة بدراستها "مذ كنت صغيرة وأنا أحلم بالمريلة البيضاء ألبسها وأعالج الأطفال".. كانت تقول لأميرة قبل أن تدخل هذه الإعدادية، "الأطفال في بلادنا يموتون، بسبب الجهل، الفقر، انعدام الرعاية، يموتون، وعلينا أن نبذل كل ما في وسعنا لمنع ذلك".‏

ولم تكن أميرة تملك إلا أن تعجب بابنة عمها، بل وتغبطها، لكن في ذلك المساء فقط أحست بشيء من الحسد.. "لماذا تتحقق رغباتها وأنا لا؟" لماذا تترجم أحلامها إلى حقيقة واقعة وأحلامي تنكسر؟.‏

"لماذا ليس لي والدها، يفهمني ويتفاهم معي؟ يتعاطف ويحاور؟" كانت تفكر حين فاجأتها ابنة عمها بالسؤال:‏

-هه، بم أنت شاردة؟ فيم تفكرين؟‏

شرحت أميرة لابنة عمها المأزق الذي هي فيه ثم ختمت شرحها متسائلة وهي أكثر قلقاً وتخوفاً:‏

-والآن، مارأيك؟‏

-رأيي، كما قال أبوك: انزعي فكرة أروربا من رأسك..‏

-معقول!؟ أنت ابنة عمي نور تقولين ذلك؟‏

-أميرة، أجابتها ابنة عمها وهي تحيطها بذراعها، المثل يقول: إن أردت أن تطاع فاطلب المستطاع...‏

-هه.. هـ.. ها.. هتفت أميرة فرحة، ها أنت ذي قلتها.. هل أبي فقير؟ ألا يستطيع أن يرسلني إلى أوروبا؟ ينفق علي هناك؟‏

-أميرة.. المسألة ليست مسألة غنى وفقر.. إنفاق ومال؟ لا.. لا.. المسألة هنا.. وأشارت بسبابتها إلى صدغها، مسألة عقلية وتفكير.. نفسية ووعي.. والذهاب إلى أوروبا.. بصراحة، فوق مايستطيع عقله تحمله... أجل، هذا فوق المستطاع.‏

-ماذا أفعل إذن؟ أستسلم وأقعد في البيت بانتظار العريس؟‏

-بل تدرسين في الجامعة.. هنا..‏

-وماذا أدرس؟ تجارة؟ سكرتارية؟‏

-بل شيء قريب من حلمك.. اختصاص يخدمك!!‏

-أي اختصاص؟ سألت أميرة وكأنما غاب عن ذهنها كل شيء.‏

-اسمعي، أجابت نور بكثير من التركيز غارسة عينيها في عيني ابنة عمها... أنت، كعمك مصباح، تحبين الكيمياء، أتذكرين كم كنت ترددين ذلك؟‏

-أجل.. أذكر... ردت أميرة وقد لمعت عيناها ببريق فرح..‏

-إذن، لم لا تدرسين الكيمياء، وعلامتك فيها تامة؟‏

-أجل.. لماذا؟ تساءلت أميرة شاردة من جديد مستعيدة إلى ذهنها ماكان يقوله عمها مصباح عن الكيمياء: " هذا العلم الرائع الذي وضع أسسه العرب، أوجده كعلم قائم بذاته العرب، كانوا يومذاك يسمونه السيمياء، وكانوا يحلمون أن يستطيعوا به أن يحولوا الحديد إلى ذهب، الحجر إلى جوهر.. فأية أحلام؟ خالد بن يزيد قضى حياته وهو بين أنابيقه وحواجله يجري التجارب ويقوم بالاختبارات.. ثم جاء بعده علماء وعلماء أضافوا وطوروا حتى غدت الكيمياء أهم العلوم.. الآن كل شيء كيمياء.. مبادئها تحكم حياتنا.. معادلاتها تغير من معيشتنا وتبدل.. صحيح أنها لم تستطع أن تحول الحديد إلى ذهب والحجر إلى جوهر، لكن الصحيح أيضاً أنها استطاعت أن تصنع ما هو أهم من الذهب.. أن تقدم ماهو أجدى بكثير وأخطر بكثير. لقد استطاعت الكيمياء أن تصنع الحضارة، بل الحضارة هي الكيمياء "هكذا كان عمها يختم حديثه، عمها يعشق الكيمياء، ذلك العشق تسرب إليها منه حتى باتت الكيمياء مادتها المفضلة في المدرسة جنباً إلى جنب مع الفيزياء والعلوم.. ألم تكن تحلم بالطب..؟ وما الطب سوى تلك العلوم؟"‏

-إي أميرة، مارأيك باقتراحي؟ تكلمي.. أم أن القطة أكلت لسانك!؟ قالت نور مداعبة ضاحكة وهي تشد ابنة عمها إليها، آملة أن تدفعها للتنفيس عن كل مافي صدرها من هموم.‏

لكن أميرة لم تشعر بقدرتها على التنفيس حتى أطل مأمون. فهو بقامته الفارعة وهامته المرتفعة، بوجهه النضر، وثغره الباسم كان يحمل لها دائماً الأمل ويشيع في نفسها البشر والتفاؤل،‏

-لاعليك، قال وقد سمع منها القصة، عقارب الساعة لا ترجع إلى الوراء والتاريخ لا يعود القهقرى!!‏

-لكن عقارب الساعة قد تتوقف.. فماذا يحدث لي؟‏

-لن تتوقف، بل ستسجلين كيمياء وتدرسين.. فقط‏

Take It Easy, Take It Easy.‏

وتنفست الصعداء.. هي تعلم أنه لايقول تلك العبارة إلا وهو مطمئن وواثق مما يقول "بالراحة.. بالراحة" كان يقول لها وهي صغيرة ثم ما إن كبرت وبدأت تعرف الإنكليزية حتى صار يقولها بالإنكليزية. مأمون دماغ نشيط، عقل فهيم، وهو واثق دائماً من نفسه. يخيل إليها أنه لو واجه الحيتان، العمالقة، لظل واثقاً من نفسه.. واثقاً من انتصاره.‏

بالحقيقة هو لم يعرف الفشل.. في دراسته كان المتفوق دائماً.. الرياضيات مادته المفضلة، ومن الرياضيات الهندسة خصوصاً. حلمه في هذه الدنيا أن ينشئ ويبني، يعمر ويشيد. جسر طويل عريض يعمل فيه الآن.. قبل أيام حدثهم طويلاً عنه، عبر الحارات القديمة سيقام ذلك الجسر.. بيوت عتيقة ستهدم، طريق عريض سيشق، غائصاً في أعماق دمشق.. ليصل شارع بغداد بشارع الحجاز.. شريان سير رئيسي، إلى اليمين ذاهب وإلى اليسار آيب، وفي الوسط جسر للذهاب والإياب أيضاً تمر تحته طرق أخرى وممرات، ومأمون يعمل ليل نهار، ورشات كثيرة تعمل ليل نهار.. البناء صعب بقدر ما الخراب سهل.‏

من غرفة الطعام ارتفع صوت الأم يدعوهم إلى العشاء.‏

-الحمد لله!! أسرع مأمون إلى مصدر الصوت هاتفاً، انقذتنا من مخالب الجوع يا أم!!‏

لكن قبل أن تبدأ العائلة الطعام، جاء من الخارج صوت رصاص: طلقة، اثنتان، ثلاث ثم انطلقت صرخة ألم حادة وساد صمت. هب الجميع من كراسيهم مذعورين وكلهم دهشة وذهول.. فيما اندفع مأمون إلى الخارج جارياً.‏

-لا.. لا.. لا تخرج مأمون، صاحت به الأم خائفة، ترصد أذناها أصوات همهمة رجالية، وتحاول عيناها اختراق الجدران.. لكن مأمون كان قد خرج، بل لحق به الأب دون أن يجري، فيما راحت ابنتا العم تسيران بخطا حذرة نحو الباب: رجل إلى الوراء ورجل إلى الأمام، الفضول يدفعهما والخوف يرجعهما... ثم لم تستطع الأم نفسها إلا أن تلحق بهما لترى ماحدث.‏

حين وصل مأمون إلى الرصيف كان رجل ملثم قد وصل إلى دراجة نارية تربض في الجانب المقابل. امتطاها فأطلق عادمها فرقعة شبت بعدها كفرس جموح. بعدئذ راحت تنهب الأرض نهباً، طائرة على مدرج تهم بالطيران...‏

التفت مأمون إلى اليمين، إلى الشمال. هناك عند مدخل البناء الثاني كان رجل ملقى أرضاً وقد بدأ الناس يتراكضون إليه. أسرع مأمون فرأى الرجل الممدد على ضوء مصباح الشارع: جارهم الضابط الكبير، ببزته الرسمية ونياشينه وقد صار جثة مضرجة بالدماء.‏

-مسكين!!‏

-يا حرام!!‏

-فعلها ذلك المجرم!!‏

-لماذا قتله؟‏

راحت التعليقات تترى من رجل هنا، امرأة هناك، وهم يتجمعون حول الجثة الهامدة إلى أن طغت عليها جميعاً ولولات وصرخات كانت تنحدر مع درج المبنى الذي استلقت الجثة عند أسفله:‏

-أبي!!‏

-حبيبي!!‏

-زوجي!!‏

أم، بنتان، ولدان، وكلهم بثياب المنزل كانوا يركضون باتجاه الجثة، وقد اكتشفوا أن الرجل رجلهم. وصلت المرأة فألقت بنفسها على الرأس، تمسكه من كلا جانبيه، البنتان ألقتا بنفسيهما على الكتفين والولدان على الجنبين..‏

الحيرة، الخوف، الذهول، الإشفاق، مزيج عجيب من الأحاسيس كان يسيطر على الحشد الذي اجتمع، كانت الزوجة تنتف شعرها وتولول، الأولاد يبكون ويصرخون، أكبر البنتين تشق ثوبها وتزعق زعيقاً تنفطر له القلوب، وكان ذلك سيستمر بل ربما لم يكن باستطاعة أحد أن يوقفه لو لم تأت سيارة مطلقة بوقاً مخيفاً وهي تنهب الأرض نهباً...‏

نزل بضعة رجال على عجل، شقوا الحشد على عجل، حملوا الجثة على عجل رغم تشبث المرأة وأولادها بها ورغم ولولاتهم وصراخهم، وضعوها داخل السيارة ومضوا لا يلوون على شيء...‏

وشوشات جانبية، همسات خائفة راحت تنداح اثر السيارة..‏

"المسكين.. كان ينزل من سيارته عائداً من عمله إلى بيته وأولاده، ككل خلق الله، لكن رجلاً ملثماً كان يترصده، في المدخل.. خلف عمود... بيده مسدس وفي قلبه حقد. رصده وهو يغادر السيارة ثم رصده وهو يقترب.. خطوة خطوة.. فيما كانت السيارة نفسها تبتعد، اقترب، تحرك نحوه، وحين صارا وجهاً لوجه، فتح عليه النار، طلقة في الرأس، طلقة في هذا الجانب من الصدر، طلقة في ذلك الجانب، ثم أسرع يعيد مسدسه إلى مكانه ويركب دراجته هارباً".‏

بحزن شديد ورؤوس منكسة عاد الجميع إلى البيت... كانت الولولات ماتزال تدوي في آذانهم، لكن لم يكن بمستطاعهم أن يفعلوا شيئاً، فالشرطة، ورجال الأمن، الحراس، الخفراء كلهم كانوا قد جاؤوا ليفرقوا الحشد ويبعدوا الناس، بالسباب أحياناً وبالسياط أحياناً أخرى وكأنهم هم القتلة الآثمون. في الداخل ساد الصمت برهة من الزمن، صمت الذهول ربما، وصمت الخوف والتوجس ربما... فقط كانت الدموع تنساب من عيني الأم التي كانت تعرف الرجل جيداً وتربطها بامرأته علاقة وشيجة:‏

-ويلي عليها!! ماذا سيحل بها؟ قالت أخيراً وهي تمسح دموعها منكسة الرأس.‏

-بلى قولي الويل عليه... هو الذي مات!! علق الزوج وقد أزعجته كثيراً حركة الشرطة، والحراس...‏

-من يمت يسترح.. أما العثرة فعلى من بقي!! تابعت الأم من جديد وهي لا تستطيع أن تتصور كيف يمكن لامرأة أن تفقد زوجها، هكذا فجأة، وبلا مقدمات.‏

-لكن من هو ذلك المجرم؟ لماذا فعل فعلته؟ سأل مأمون وهو مايزال في حالة شديدة من الاضطراب والضيق.. لقد رأى المجرم، ربما كان باستطاعته أن يمسك به لو وثب وثبتي كنغارو، لكن تباطؤه وربما خوفه هو الذي جعله يتمهل، يتلفت دون أن يندفع فيقبض عليه أو يميز دراجته ووجهه على الأقل...‏

-ربما هو جندي خدم لديه فحقد عليه وأراد الانتقام منه، ردت نور وهي غير واثقة من ردها.‏

-ربما هي قصة ثأر ريفي. تابعت أميرة مدلية بدلوها هي الأخرى.‏

-لا .. لا.. المسألة أخطر من ذلك.. بدأ الأب بعد أن أطلق زفرة طويلة...‏

-أخطر، كيف؟ سألت الأم وقد اشتعلت فضولاً وحب استطلاع..‏

-هو اغتيال سياسي.. في الغالب..‏

-لكن الرجل عسكري ولا علاقة له بالسياسة.. قاطعته الزوجة.. هو ضابط مشهور... عسكري بارع...‏

-لذلك هو اغتيال سياسي... قاطعها الزوج بدوره، وهو ليس الأول من نوعه، بل خامس اغتيال في البلاد...‏

-خامس اغتيال!؟ تساءلت أميرة باندهاش، هي التي لم تسمع بذلك من قبل.‏

-أجل.. منذ سنة ونيف بدأت حركة الاغتيالات.. في هذه المدينة أو تلك.. اغتيالات متباعدة لكنها مخططة، والرأس الذي يخطط واحد...‏

-من هو ذلك الرأس؟ من هم أولئك المنفذون؟ تساءلت نور.‏

-لا أحد يعرف هويتهم تماماً، لكن يقال إنهم متطرفون.. يستهدفون الضابط والطبيب، المهندس والكاتب...‏

-لكن ما ذنب هؤلاء!؟ صاحت أميرة متعجبة، وهي تنظر إلى مأمون، المهندس الذي يمكن أن يكون هدفاً لهم...‏

-هذا مالا يعرفه سواهم.. خيرة الضباط، أمهر الأطباء، أحسن المهندسين، أنبغ الكتاب.. لكأنها عملية انتقاء للأفضل، تصفية للأدمغة والعقول.‏

-أمرهم عجيب!! علقت الأم هذه المرة وهي تنتقل بناظريها بين زوجها وابنها...‏

-هي فتنة إذن؟ سأل مأمون وقد لمعت في ذهنه فكرة...‏

-هذا مانخشاه.. فتنة يقصد بها إشعال حرب أهلية...‏

-مثل لبنان؟ سألت نور على حين غرة...‏

-بالضبط.. لكأنهم يريدون أن ينقلوا عدوى الحرب الأهلية من هناك إلينا...‏

-اللعنة عليهم.. أياً كانوا.. ومهما كانوا!! هتفت الأم بقلب لدعته النار التي اشتعلت قبل قليل.‏

فالفتنة وصاحبها في النار.. لكن، فجأة لفت نظرها العشاء على الطاولة فأكملت مشيرة إلى المائدة، مصباح، مأمون، أيتها البنات، هيا إلى الطعام.‏

لكن من له رغبة في طعام أو شراب؟.. كان الحديث قد قضى على كل شهية لديهم، قلَّم كل ماللجوع من مخالب وأنياب.. ليتركهم وليس من شاغل يشغلهم سوى: الاغتيال والفتنة، المخاوف والمستقبل. لكن في الصباح عاد الشغل الشاغل لأميرة مستقبلها هي ومخاوفها، وحين رجعت إلى البيت كانت خطة ماقد وضعت..‏

-إي.. أميرة.. ماذا ستفعلين؟ سألت شاهة، التي كانت تزور أمها، بكثير من اللهفة.‏

-لا أدري.. أجابتها أميرة بهزة من كتفيها ورأسها، وقلب لكفيها وشفتيها.. أبي يقول، جامعة ودراسة يعني وجع رأس وتعب قلب.‏

-لا... لا.. حذار أميرة يجب أن تدرسي!! يجب أن تكملي تعليمك.. أصرت شاهة بحماسة شديدة، غير أن أميرة تابعت كلامها وكأن الأمر لا يعنيها:‏

-لماذا؟‏

-أميرة، أنت تسألين؟ لا.. لا.. يجب أن تتعلمي كي تستقلي.. كي يصبح لك كيانك.. ولا تستطيع واحدتنا أن تكون كذلك إلا إذا كانت قادرة على إعالة نفسها، مستقلة اقتصادياً...‏

-وأبي، ماذا أقول له؟ هو مصر على رأيه يقول انه مستعد لإعطائي كل ما أريد من مال.. وإن أحداً لن يحتاج إلى عملي أو مالي.‏

-لا.. لا.. اسمعي مني.. ادرسي واستقلي... لاتكوني مثلي.. بقرة حلوباً يأتي إليها الرجال فإذا لم يجدوا فيها حليباً ذبحوها من أجل لحمها... اسمعي من أختك. اتعظي منها، هي رأس الذئب المقطوع.‏

شاهة مذ عادت من شهر العسل تشكو وتتذمر!! "أنا بائسة، أنا ضحية، أنا رأس ذئب مقطوع". ألا يقولون الزواج برميل من طبقتين: عسل وزفت؟ بعضهم يلتقي بالعسل أولاً لكن بعضهم الآخر يطمس في الزفت على الفور، بعضهم حسن الحظ فتكون طبقة العسل سميكة وطبقة الزفت رقيقة. الآخر بالعكس.. طبقة العسل سطحية فقط رقيقة للغاية لا يباشر الأكل منها حتى تتكشف طبقة الزفت تحتها.. هكذا كان حظ شاهة.. إذ ما إن عادت إلى دمشق.. ودخلت البيت الارستقراطي العريق.. حتى اكتشفت الزيف الفظيع الذي يقوم عليه بنيان العائلة كله: من الخارج رخام ومن الداخل سخام. الأم أرملة منذ سنوات طويلة، في أواخر خمسينياتها، أكل الدهر عليها وشرب والأخت عانس في أواخر ثلاثينياتها بلا جمال ولا مال، والزواج بحاجة إلى جمال ومال.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244