|
وتحطمت سفينة الملاح اليتيم على ذلك الشاطئ الصخري المجهول..
وكان ذلك الشاطئ مرفأ الجزيرة التي توارت بحزنها في ظلمات البحار، كان ليل تئن تحت وطأته الكائنات، وعاصفة تقيم مناحة في صميم الكون.
وتسلق الملاح اليتيم صخور الجزيرة، وارتمى في عتمة النبات الغريب، ثم نام الملاح وعند الصباح ترجل من دابة الحلم ومشى في زحمة المشاعر وتدافع الأفكار، ظل يمشي في الدغل الكثيف، ويشق درباً مابين الغصون المشتبكة هو أول الدروب في تلك الجزيرة التي توارت بحزنها في متاهات البحار.
وانحدر به الدرب الوليد على بحيرة صغيرة تنام كالحسناء على بساط أخضر حتى السواد، وعندما انشرح صدره المغموم فرّت من عينيه دمعتان هما أول الدموع في تلك الجزيرة. وتأمل سطح البحيرة فرأى بطاً وأوزاً جميلاً يسبح في هناء وراحة بال، ورأى على ضفاف البحيرة ترتع أسراب من الطيور الأنيسة، على تلك الضفاف الوادعة... مَثَّلَ الطاووس زهو البتول، ومشى بجانبه الهدهد مزهواً بحكمته، والبجع المسكون بحلم الخريف يتنزه على تلك الضفاف.
الطيور.. الطيور قال الملاح.. الحسون والبلبل الشادي والكناري المغرد و... ياللروعة أبو مركوب.. أبو مركوب هنا.
ونام الملاح اليتيم مستأنساً بالبحيرة وكائناتها الجميلة، لكنه في الليل استيقظ مذعوراً وأحس بألم عظيم، وتلفت فإذا البحيرة راقدة مثل طفلة صغيرة وداهمها نوم خارج البيت، وإذا الطيور التي آنستها منذ برهة غادرتها وعادت إلى وكناتها بين الأشجار، أفيقي أيتها البحيرة.. وأقبلي أيتها الطيور.
والليل طويل الإقامة، والبحيرة العذبة والطيور الجميلة في سكون عميق، عمق هذا الظلام، لكن الملاح اليتيم ظل يغني في الليل.. أفيقي أيتها البحيرة.. أقبلي أيتها الطيور.. وفجأة ثقب حجاب الظلام صوتٌ يقول:.. الوحشة والأنس، الليل والنهار، الخوف والسكون. الألم واللذة، الظلام والنور، الذكر والأنثى، الجهل والمعرفة، الجمال والقبح، النوم واليقظة، الظل والحر، الصحراء والبحر، السهل والجبل، الحرب والسلام، الحب والكره، البكاء والضحك، الخوف والفرح، العافية والمرض، الموت والحياة، العذاب والغفران، ومضى الصوت يقول.. أنت الذي اخترت أيها الإنسان..
والليل رداء أسود يجلل الكون، ومن تحته ترزح الكائنات في خوف مقيم.
في الليل... وبعد أن أطفئ المصباح... أشعر بوحشة غريبة..
ولأجل عينيك ياسدرة السراب الأزلي، لأجلك يا امرأة المنتهى، وسيدة البداية والنهاية لأجلك.. أبارك وحشتي... وليلي الموشح بأردية الحزن.
سأظل أمشي وحيداً في ذلك الخلاء الأبدي المروّع، أُلاحق القافلة التي تهتُ منها في ليلة عاصفة وهبوب السموم الكاسحة، لقد مشت القافلة يقودها الخبير الذي تعلم حكمة النجم، ثم انحدرت بها الرمال على شفق مجهول.
وأنا على آثارها أتعقب السراب، وأُلاحقَ الأطياف من بيد إلى بيد.
لقد أرخيت لبعيري الرسن، وتركته حراً يخب في الخلاء الوسيع ليحملني إلى حيث تقوده الأقدار.
أنام حيثما يبرك، وأرحل وقتما يطيب له الرحيل.
لكنك سراب ياسيدتي.. وهمٌ أتعقبه في دروب الحياة الوعرة.
أنتِ فجر كاذب وملثم ياسيدتي.. صحوت في أوله لأرى وجه الملاك العائد.. فرأيُت شبح المأساة..
لكنني ياصاحبة النداء الحزين.. قَبِلتُ الرهان الخاسر في البدء، وطفقتُ أغرس في مرارة بذور الهزيمة والخذلان..
قايضتُ بكِ كل ما أملك ياسيدتي، فما ربحتكِ وماربحتُ نفسي، لقد خسرتُكِ في أول المغامرة فعدوتُ ألهثُ كالمجنون، أقدم كل شيء وأتنازل عن كل شيء، ولكنني أخسر... وأخسر إلى أن أصبحتُ أنا الخسران ولا خسران غيري,..
وأنا البدوي الذي قايض عمره بابتسامة.. وجلس على حافة القبر ينتظر القيامة..
قال البحر... ياصاحب الحقيبة الحمراء، شهدتُ أنك أنت السندباد القديم الجديد وعهدي بك مولود وفي يدك الحقيبة.. فهل تقعد أيها السندباد ومجاهيل الحياة تشتهي أن تراك؟!
لقد اشتقت لصحبتك أيها الملاح اليتيم فتعال معي..
البحر يناديني...والمراكب التي طال عليها الأمد تتوثب لانطلاقة ميمونة في صميم المجهول...
***
حيّ على السفر... حيّ على السفر..
حيّ على السفر أيها المسافر الغريب، كأن ليس لغربتك نهاية وليس لأسفارك حدود.
حيّ على السفر.. ياصاحب الحقيبة الحمراء يا أيها البدوي المعفر بالتراب والظمأ والحزن..
المراكب تناديني..
والبحر يناديني...
وأنا ابن السبيل..
حيّ على السفر أيها الملاح الذي تضحكُ لمرآهُ الصواري وترقصُ من بهجتها القلاع.
الضياع يناديني..
مرافئ الموت البعيدة تناديني
زوابع البحر تناديني
تعالَ أيها المتشرد في الآفاق، فأنت بلا وطن..
عاطفتك قيد لمعصميك..
وقلبك جلادك الأوحد
الغربة موطنك الأبدي..
***
ومسكنك في الكون الحقيبة..
وتهالكنا تحت وطأة الذات المستوحشة في الليل.
وارتعشت مداركي في ذروة المعانقة مع الشوق الأسمى، وثورة الحزن الذي ينام في مغارة الروح.
واقشعر بدني تلك القشعريرة التي تتحفز فيها جميع الحواس، وصحوتُ فجأة على مكان اكتمل فيه الليل ولم يبقَ سوى الهامش الأخير..
وتنبهت فإذا أنا في مجلس الراوي وحوله الرفاق ينصتون في سكون مهيب..
وسمعتُ صوت الراوي كأنه منبعث من داخلي يقول.. بعد سبعين عاماً يارفاق الظلام كان ملك الجزر الأربع قد مات، وابنته الأميرة فينوس ماتت هي الأخرى.
أتذكرون تلك القلعة يارفاق الليل.. تلك القلعة المتجبرة التي مات تحت إحدى شرفاتها بائع الأمشاط والمرايا، لقد أصبحت طللاً في ذاكرة الحياة..
ولما هاج البحر واضطرب داهمها في ليلة مظلمة فأصبحت أثراً بعد عين..
أصغينا للراوي في ذلك الهزيع الأخير من الليل وهو يسدل الستار الأخير على موت الشاعر.
وتلى الراوي البتول ختام الرواية التي تموت على الشفاه لتولد من جديد في خبايا الذاكرة.
ونحن خشوع نستمع ذهب يقول... يموت الشاعر ليحيا وهو الرابح الأخير في مقامرة الحياة والعدم..
ويوم اشتدت حرارة الأرض، وأُضرمت النار في تلك البقاع المتجمدة من الكون، ذابت جبال الجليد وتلال الثلج الكبيرة، وارتفعت كالطوفان، ثم انحدرت تغمر المحيطات والبحار، لقد هاج البحر على البحر،وسما الماء على الماء فاحتدم الصراع الضاري في صميم الخضم العظيم..
يوم التقى البحر بالبحر، وتدفق الماء على الماء.. غابت جزرٌ بأكملها تحت اللجة وتوارت سواحل اليابسة البعيدة بعمارها وزينتها وابتلعتها الهاوية التي ليس لها قرار.
يارفاق الليل... صراع الماء واليابسة لا ينتهي...
يوماً غلبت اليابسةُ البحرَ، فمشى التراب مزهواً بخلقه وكائناته يلاحقُ البحرَ في كل مكان، وعندما أيقن البحرُ بهزيمته أمام التراب فرَّ من وجهه مذعوراً وتوارى بحزنه في الركن القصي من الكون...
لكن التراب جبّار عنيد، أخذته نشوة النصر وسكرة الغلبة المفاجئة فلم يكتف بردم جوانب البحر وطمرها تحت أثقال كائناته الأليفة والمستوحشة، بل طفق بعتو وغلظة يتربص بالبحر المهزوم في كل مكان يلوِّح في وجهه بالرعب والموت ويدوس بأرجله المسمومة باطنه الحزين...
عندها يارفاق الليل... طفح الكيل وبلغ السيل الزبى... والبحر في غضبته سيد الأسياد، يوم استنجد البحر بقوى الطبيعة الأخرى، توافدت عليه من كل فج وتواطأت في ليلة مظلمة مع البحر ضد التراب الغاصب.
لقد تضافرت عناصر الكون على التراب وكان من أمره ماكان..
***
عندما هبت نسمة الفجر الأولى قال الراوي... الأرض أخذت مالها وردت ما عليها فلا غالب ولا مغلوب، والكل في ملكوت الله واحد..
هي الأرض.. حسناء الكواكب وكاعب الأتراب.
على بابها يتزاحم الخُطَّاب في كل جيل، وتلهجُ ألسنةُ الخلائق بجمالها في كل الفصول وعلى جسدها الغض النبيل نما الموت ونمت الحياة...
هي الأرض... ميدان الصراع الأزلي الذي لن ينتهي مادامت الحياة.
جميع الكائنات في الكون لاترى غير الأرض مكاناً يصلح للحروب، فجسد الأرض أقدس الأجساد وأصلحها مكاناً للحياة والموت.
الكواكب المعلقة في الخلاء السرمدي الفسيح عندما تغضب لا تثور إلاّ على الأرض، الشموس ومدائن النجوم والمدارات الكبيرة والمجرات وسائر الأفلاك لا تعشق سوى الأرض..
لو تقاتلت في الفضاء المهيب لأرسلت هدية الحرب للأرض، أو تصالحت لبعثت للأرض هدية السلام..
البحر والصحراء يتقاتلان على جسد الأرض وباسم الأرض، يقتل الإنسان أخاه الإنسان باسم الأرض، يسجنه، يعذبه. ينفيه إلى أقصى الكون باسم الأرض وحب الأرض، يقفز ليلاً على رقاب الملايين من التعساء والأشقياء سلطاناً وحاكماً ومؤيداً باسم الأرض...
الحيوان يقاتل الحيوان، والحشرة تقاتل الحشرة، كل العوالم والكائنات على رحابة الوجود يقاتل بعضها بعضاً باسم الأرض وحب الأرض..
الأرض ميدان الصراع وساحة القاتل والمقتول.
الحياة تقاتل الموت والموت يقاتل الحياة..
أخذت الأرض مالها وردت ماعليها، فلا غالب ولا مغلوب، والكل واحد في ملكوت الله الكبير وفي ذيل المأساة... يستوي الخاسر والرابح، الحاكم والمحكوم، الغاصب والمغصوب، السالب والمسلوب، القاهر والمقهور، السجان والمسجون، الطاعن والمطعون.. القاتل والمقتول...
وطلع الفجر الأقدس من بعد الطوفان والمأساة..
وانحنى رحيماً بوجهه الأبلج ونوره السني يضمّد جراحَ الأرض النازفة ويلفها بأرديته البيضاء النقية، ثم ضمها إليه ضمة العاشق البتول، عندها ارتعشت الأرض، وقال الفجر سلاماً أيتها الأرض الطيبة..
مبارك فيكِ صخب الجسد واقتتال الكائنات.
وطيبي مكاناً نبيلاً للموت وللحياة.
غاض الماء وانحسر الغمر، وتوارت الكارثة في الأمس الذي مضى
والحياة تولد اليوم..
والأرض تولد اليوم...
والفجر فجر اليوم...
ذهب الأمس بخيره وشره...
والكون حضور دائم..
***
سكت الراوي زمناً لا أعلم مقداره، فظننا أن ماعنده قد نفد، لكنه رفع رأسه إلينا وتأملنا واحداً واحداً، ثم التفت ناحية الباب وقال.. لقد أدركنا الفجر..
أيها الرفاق، وآن الأوان لكي نتهيأ لصلاة الفجر في المسجد.
ثم عاد ينظر إلينا ويقول.... الليلة أكملتُ لكم قصة الشاعر ماهر البدوي الذي تخفى في زي بائع الأمشاط والمرايا لكي يلتقي بحبيبته فينوس بنت سلطان الجزر الأربع.
وحدثتكم بمأساة موته تحت شرفة حبيبته الأميرة، وأخبرتكم بالطوفان ومابعد الطوفان... لكنني لم أحدثكم بخرج الشاعر المقتول...
ونحن أشباح أربعة... اختلطت أصواتنا بصوت المؤذن الذي ينادي لصلاة الفجر، قلنا بصوت واحد.. أهو ذلك الخرج المحشو بالدفاتر والكتب القديمة؟..
بلى... هو ذاك الخرج الذي عيروه به ونسبوه إلى الفقر والمتربة، وقالوا شاعر صعلوك لا يملك من حطام الدنيا سوى خرج قديم محشو بالدفاتر والكتب، وقالوا هو شاعر والشعراء أفقر خلق الله، ليس معهم غير هذه البضاعة الفاسدة التي اسمها الحب، وقالوا أينما حل شاعر فأبشر بفقرٍ مؤبد...
ولكن يارفاق الظلام والفجر قريب... هل كانوا يعلمون أن الشعر يطيل عمر الكائنات، مضى الشحرور وبقي صوته العذب الجميل، ومات العندليب ولكن حنجرته بقيت تغرد في الكون، القمرية التي سجعت في ذلك المساء اللأزوردي الحالم.. ذهبت إلى حيث لا نعلم ولكن سجعها الشجي بقي في آذاننا إلى اليوم...
وكذلك هو الشاعر... يموت ليبقى ويفنى ليعيش...
بعد مقتل الشاعر بعشرات السنين حمل اليم ذلك الخرج الحزين وألقاه على شاطئ جزيرة في قلب المحيط، ويوم اكتشف الناس تلك الجزيرة وجدوا دفاتر الشاعر بعضها ممحي أذابته اللجة وبعضها معافى من الأذى، وجدوا اسم فينوس واسم الشاعر البدوي فتيا منوا بالفأل الطيب... وأطلقوا على تلك الجزيرة المجهولة اسم الشاعر فعرفت بين الناس بجزيرة الشاعر البدوي...
وانتصب الراوي قائماً وانتعل حذاءه وأحكم على رأسه عمامته الكبيرة، وتناول عصاه بيده وقال أدركنا الفجر يارفاق وينبغي أن لاتفوتنا بركات الفجر.. (وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهوداً). ومضى..
ودخل كل واحد منا في إهاب صمته، ونهضنا فتفرقت بنا سبل الحياة مع أول طلوع النهار...
***
من المهد إلى اللحد، ومن الغيب إلى الغيب، يسير الإنسان ضاحكاً وباكياً، عالماً وجاهلاً، مسحوراً يتبع النداء المحموم.
لكن النداء لا ينتهي إلى غايةٍ معلومة، كما أن الوجيب لا يسكنه إلا الفناء والإضمحلال في صميمٍ الأبدية.
ولهذا أبثك يا سيدتي شظايا سكينتي المحترقة، لذا أتلو عليكِ قصيدتي التي اختزنت حلم الوجود وعويل الصبا وحزن المشيب.
فأنت إذن يا سيدتي امرأةٌ مجهولة تدب في مجاهيل الحياة، لكنني اصطفيتك بيتاً لأوجاعي وأسقامي، وأخترتك وسادةً عائمة أُريح رأسي عليها بعد الدوار الطويل، فاغفري لي إذن هذا الدخول المباغت بسماحة الأنثى التي لا يخلو قلبها المضرج بالحياء من الرحمة.
ربما كان مخجلاً يا سيدتي أن أحطم جدار العدم وأجرؤ على اقتحامك من عالمك المجهول، ولكنه النداء يا سيدتي..
هذا النداء المبهم الغريب الذي اختارني من بيت أشباح الكون لأمضي معه مسحوراً إلى حيث لا أعلم.
هذا الحنين الشجي إلى امرأةٍ لا أعرفها و لا تعرفني... إلى امرأةٍ تنام كالملاك على تخت الحروف ونزيف الكلمات.
أواه... أيتها الأنثى التي لا أعرفها... اغفري لي هذي المناغاة عبر سديم الحياة واغفري لي هذا النزيف المحموم الذي يسيل كالنهر من جسد الحروف وجسد الكلمات.
فأنا وهمٌ يا سيدتي.. وهمٌ يتكور في أسطح البيوت التي بللها المطر، وعلى الدروب الحزينة التي يتزاحم فيها البشر، على نواحي الليل المشدوه المحدق في فراغ الأبدية.
أنا الطيف الباكي يا سيدتي أسير في موكب الأطياف حتى آخر الهذيان والحلم، إلى الفناء في قعر الأبدية السحيقة.
ولذلك اصطفيتك لنفسي أبديةً أضمحل فيها مبهوراً، وأنحلُّ فيها كالغيمة الهوجاء. واخترتك فناءً وعدماً أمشي إليه مختاراً لأغفو متلاشياً فيه كما يغفو الناي الحزين بين شفتي راعٍ على مرجٍ أخضر.
أنا رسمٌ ممحيٌّ يا سيدتي ملوثٌ كالمسخ، كالشبح الحزين أدرج من فراغ لا نهائيٍ مهيب.
فكم مرةٍ إذن.. أشرق نور الصباح.
وكم مرة أقبل الليل الكتوم
وكم مرة حدق من عليائه القمر.
وغفوة الخريف الرحيم على الجروف وفي المنحدرات ما بين الأشجار، وهديل القمري على السفوح، وهدير المياه بين الصخور، وتسبيحة الوادي الساجد بين يدي الله. عفوك يا صاحبة الوجه النبيل الذي لا أنسبه إلا لوجه أمي.
عفوك إذا أحرقني السهاد في صميم الليل فطفقت أنفخ فيك من روحي، ثم دحوتك حقلاً خصيباً أُبعثر فيه العذابات وأسفح عليه الدماء.
فأنت يا سيدة المزمار متاهتي التي أدرج فيها واثقاً من فنائي. فلتعلمي إذن أنك أنت القافلة المسحورة التي تبعتها في التيه العظيم. وأنت الهودج المحروس بأسنة الرماح وظمأ الصحراء والعدم.
أواه يا سيدتي...يوم فُطمتُ من ثدي أُمي، أهرقتُ في جوفي قارورة الدواة... شربتها حتى سكرت، لقد كان أبي فقيهاً فبارك هذا الشراب... لذا فأنا أكتبكِ اليوم يا صاحبة النشيد بمزيج من حليب الأم ومداد الكتابة وأنا حقاً لازلتُ طفلاً يندد بالفطام ويحتج بشرب الدواة في كل يوم.
لقد كتبتني أمي بثدييها صحيفة بيضاء...
وكتبني المداد من لدنه صحيفةً سوداء..
وها أنذا لم أزل طفلاً يعبث بالألوان، ويلهو بأدوات الكتابة..
ولطالما كتبتُ نفسي في موهن الليل ثم محوتها في أول النهارِ، حتى إذا ما اقبل الليل ثانيةً أعدت الكتابة من جديد.
ويوم أيقنتُ أنني منذور لكتابة امرأةٍ مجهولة، علمتُ أن طفولتي لها أصلٌ في رحم الغيب.
لطالما شدني إليك حنين مبهم أيتها القديسة، وأنا طفلٌ تسحرني النداءات الغامضة فأركض نحوها مبهوراً حتى الجحيم.
وإذن.. فقد مهدتكِ للبوح الأليم يا سيدتي، والكون لا يعدو كائناً فرداً يتدحرج من حزنٍ تحت المطر.
أواه يا سيدة الأغوار البعيدة... لقد شدني إليك عقم السنين اليابسة فأفردتُ لجسدي الشراع لكي يبحر مبهوراً تحت زخات المطر، ومشيتُ في وجل اليتامى أترنح على الدروب العاطلة.
لكن شعاب الزمان مقفرةٌ وأفق الحياة غبيٌّ وشحوب، بيد أني يا متاهة الرغائب حملتُ نعشي على كتفي وعدوتُ أطلبك في فجاج الهلاك في فجاج الردى وأفواه الجحيم.
أموتُ شوقاً إليك يا سيدتي، وأهذي باسمك محموماً على الطرقات هذا أنا يامليكة البحار التي تنام تحت أمواجها روحي..
هذا أنا يا صاحبة الأناشيد التي ما فتئت تدق أجراسي...
هذا أنا أمشي إليكِ خاشعاً كالأحبار والرهبان في عيد العذراء البتول متعثراً في صبابتي، تنظمني وتنثرني ألحان شبابتي.
أحمل على ظهري تابوتي وأكفاني، وأشق الهول أطلبك قبراً لنفسي في الضريح الكبير.
أواه... يا صاحبة الناي الحزين والنداء المفجوع، أي بيداء موحشة بيدائي أيُّ صحراء تسكنها الغيلان والأِشباح صحرائي.
فيا ليالي الشتاء والثلج والمطر...
يا موقد النار والشهوة.
يا هزيم الرعد البعيد.
يا جسر الظلام القتيل، وسراط البرق
يا رعشة الذبيح في المحراب، ودمعة الثكلى.
يا شهقة الملاحف الباردة، وضجعة الموتى
يا أيها المعلوم والمجهول.. تلطف بالدنف الذي يعدو خلف السراب الأجنبي البعيد.
يا سيدة البكاء والنواح...
والليل حيٌّ يشيع جثمان الصباح
وأنا ابن السبيل، وابن الشهور
أسعى إليك فزعاً مع الرياح التي يتنفسها السديم
آتيك مجبولاً من سكينة الكتابة، وكتابة السكينة
وحشرجة الحرف الشهيد تحت سنابك الليل.
وصهيل الدماء التي أضرمها الشوق.
سيقتلني هذا النزيف يا سيدتي، وسأموت مسحوباً على وجهكِ الذي ملأ الأرض عيوناً وضفائر وعانق السماء بنحر الصلاة.
ولسوف يخرج من هامتي طائراً يعوي ويصيح... يصيح في حرقة الظمأ للدماء والثأر يقول اسقوني.. اسقوني شربةً من أصل الحياة وأصل الفناء.
أيُسكته الرصاص الذي يمشطُ ضفائر الأطفال...؟
أم دوى قنابل اللهب على جنبات وادينا والبيوت...
أيُخمد ثورته قهر الطغاة، أم يُحبس في قفص المأساة الخالدة.
أيُصلب في ساحة المدينة الباكية، أيرجم في البيت الحرام..
أم سيُلقى للكلاب تنهش من لحمه في الليل.
لكن هامتي يا صاحبة الشفاه المضرَّجة بدماء شهدائها، تُفرخ في الليل آلاف الطيور التي تصيح، ولن تعود إلى هامتي المتعبة حتى ترتوي... لن تعود حتى يبلغ سيل الدماء الزبى.
وتغوص الخيل الصافنة في تلك الروابي بحر الظلمات المتلاطم منذ الأزل.. فإذا تلونت مناقير تلك الطيور بمداد الحياة الذي لا ينضب.... عادت إلى وكرها الآمن، واستوت هامتي على التراب راضيةً مطمئنة.
والليل يا سيدة الجياد والصهيل..
ليس في الكائنات له شبيه و لا مثيل.
لكنني وأنا الملاح اليتيم... خرجتُ إليه تحت وابل البرد والمطر، فحبستُ أنفاسي، وتلوت أورادي، وتقدمت أمشي إليه. بخطىً واثقة..
قاتلته يا سيدتي بغرفةٍ من دمائي التي أخُطُّكِ بها الآن، فاستسلم من خشية الدماء المتكلمة، فقبضتُ عليه وحبسته في قارورة المداد.
مظلمةٌ هي النفس، ومظلمٌ هذا الحديث.
فأي الإناث أنتِ يا سيدتي حتى آتيك هذا النشيد، فإنه ليس كمثل الأناشيد التي قرأتِ ولا كالأحاديث التي سمعت.
إنها قصة قلبٍ سحرته قرمزية الشفق، وألوان المغيب التي تدعو للسفر فمضى حالماً ومبهوراً يطلب آفاق الأرجوان.
ذلكم قلبي أنا يا مليكة القلوب الحالمة، قلبي الذي أضر به عقم السنين ويباس المحيط والبحر، فترجل عن أفراسه مكسوراً يلهث من قفر الحياة ويتعقب السراب داراً إثر دار، عفرته البوادي ودفنته الرمال، مشى على كل الدروب القاحلة، ونام على كل الأرصفة، داسته أقدام العابرين ونهشته ذئاب الجبل، حملته أسراب الغمام وحملته أسراب الحمام، وتلوى في دهاليز السفن المسافرة وأذناب الجِمال.
فأيُّ امرأةٍ أنتِ لكي أدعوكِ لصحبتي في آخر الليل، وآخر الهذيان، وآخر الحلم.
ألأنَّ عناق الليل تباركه النجوم.
وعطر الأُنثى المهذَّبة يطرد الأشباح.
والوسائد العطشى على السرير تتفتح كالورود لضم امرأةٍ عابرة ورئة السحاب التي ترشح مطراً وثلجاً تصوغ حكاية الدفء الوليد.
وفحيح الرياح في أقصى الحقول يدعو لعناق امرأةٍ مجهولة...
من آخر الليل إلى أول الصباح، ومن أول الصباح إلى آخر الليل.
في صهيل الليل المتوجع المحموم، وتحت حوافر المطر والبرد الشديد أرقد مرمياً كجثة قرصان ممجوج في مغارة الأشباح والأرواح التي لا تنام مطمئنَّة، لكم سمعتُ صوتكِ الهامس المتضرع وهو يأتيني كصدى حلمٍ قديم أو أغنية بعيدة من ضفة الحياة الأخرى حيث الإناث والطعام والشراب علب السجائر وعلب النوم.
وأنا الغريب المُلقى على وجهه في كهف الظلام، يليق بتعاستي التصور والحلم وخليقٌ بمثلي التوهم والجنون.
وإذن... فهلوسة مداركي تقول لي، أن لك صوتاً مشبَّعاً بالأنوثة حتى النزيف والألم، وحتى البكاء والنشيج.
وحكت مداركي تقول....
لم يكن عطراً باريسياً ذاك الذي يضوع منك كلما أتى المساء كلا ولم يكن بخوراً شرقياً تسكنه الأساطير.
ولكنه النداء يا سيدة النداء...
هذا النداء القديم الجديد..
صلوات أمٍ تفرق بنوها في شعاب الحياة.
دعوات شيخ بتول في مغارةٍ مهجورة.
عينا صبيةٍ أشرقتا بدمعٍ هتون
مزمار عاشقٍ يئن في موهن الليل.
قصيدةً تتلوها الرياح فتسمعها البساتين.
صوتك القديم يا سيدتي.. لقد كان أول من دعاني وكنتُ أول من لبَّى الدعاء، وطفقتُ أعدو في الخلاء السرمدي المهيب، في الفراغ الذي يتمدد فيه الرعب والهول وليس له نهاية، أفزع فزع الظليم المذعور وليس أمامي سوى البيداء... وهذا النداء.
نداؤك يا سيدة السراب الأزلي.
يا متاهة الحلم والرؤيا، وشاطئ الهلاك الأكيد.
بيد أن العيون محض افتراض وأضغاث أحلام، وصوتكِ الهامس وهمٌ كحياتي، كنهر السراب الذي يجري في فجاج الظمأ الفطيم.
وجنائن الأقحوان التي عهدتها تنهض مع أبي في غبش الفجر وتشرب من يديه عندما يتوضأ للصلاة.
هل كان صوته مع أول الفجر يملؤني حنيناً وهو يتلو سورة الرحمن.
هل وشوشت مسبحة اللالوب في غفوتي وسكينتي المطمئنَّة.
هل أكمل الشيخ الجليل أوراده ثم مضى يتوكأ في دروب الحياة، لقد أقسم أنه كلما ذهب يحتطب من غابة السيال، يسمع القمري وهو ينشد ويقول....
رزقك الأرض والنهر يا والد العيال..
وكفاك الله الهوان وشر السؤال..
لقد أقسم الشيخ أن القمارى ناشدته الله في كل الصباحات الباكرة.
وإذن.... فأين الإبريق النحاسي والزمزمية....
وأين الركوة التي قيل أنها كانت لوليٍّ من أولياء الله يصلي الفجر في البيت الحرام ويعود ضحىً لحوارييه في خلوة مليط؟
بل أين السيف والمصلاة العسجدية....
ومسبحة اللالوب واللوح والدواة
والمصحف العتيق...
ولوحة الكعبة والأقصى ومسجد الرسول.
وراتب الإمام وذكرى المهديه...
وروح عبد الفضيل..
وعبد القادر إمام.
والقرشي الأول
والدماء السخية التي سُكبت على ضفاف النهر الخالد..
في مذابح الضلال القديم تموت الكائنات قرباناً لصنمٍ معبود، لقد كانت تُساق إلى جحيم المأساة كما تُساق الأضحيات، لقد كانت فديةً لسواها من الملوك والقديسين والكهنة.
بيد أني أسوق نفسي إليك يا سيدتي قرباناً وأضحيةً، وأسفحُ دمي على أعتابكِ كل يوم ولم أكن فداءً لملكٍ أو كاهن.
فأنا لست قرباناً إلا لأجلك ودمائي لا تسفح إلا لمثلك أيتها الأنثى النبيلة.
ليكن سعيي إليك قنوطاً ويأساً، ولتكن دمائي التي سفحتها على مواطئ قدميك لهواً وعبثاً، ولتكن قصائدي المفجوعة بين القوافل جنوناً وسفهاً.
ليكن مالا مناص من أن يكون...
فأنا يا سيدة المحار التي أفر إليها من ذاتي وحياتي.... قد أقسمتُ لطفولتي في فجرها الأول بأن نسير معاً على الدرب الحزين من الحياة إلى الموت ومن الموت إلى الحياة..
يا آهة البرد والمطر الراشح في ليل الغرباء...
والشجن الملقى على قارعة الطريق وقارعة البروق
والحنين القرمزي إلى الدفء والمنفى
واليأس المتكرر تحت أوجاع الزمان.
أواه... يا سيدة المنفى...
يحرضني شوق الكتابة إلى الكتابة.
وتحرضني الكتابة على الكآبة
والصحائف البيضاء باكيةً مستلقيةً، كحقول من القطن في عالم المسغبة
كالصقيع المتراكم في الزمن المنطفئ
يحضني الشوق إلى الكتابة...
إلى النزيف الحلو بطعم الكآبة
إلى الطفولة المبعوثة بلون الخريف العائد والبجعات العائدة.
إلى السكينة في ساحل الليل المطمئن، بين غفوة الأنام ويقظة الأحلام
يحرضني شوق الكتابة...
أن أرفع مرساتي وقلوعي
وأعصر قلبي كمثل النبيذ
بين أوجاعي وضلوعي
ثم أبحر ما طابت الريح
فلعل الرحيل في المنفى سلام
ولربما ترياق الشعر
يذهب الآلام.
يحرضني الشوق يا مليكة الحسن الماحق، والجمال الذي لا يُبقى ولا يذر أن أغفو على وجه صحائفي.
انتظر قافلة الكلمات في رحلتها الأبدية بين الشام واليمن
كم جملةٍ لحنيةٍ عبرتْ
وكم صورةٍ باكيةٍ رُسمت
كم قصيدةٍ غرامية سُمعت
وكم دمعةٍ قيسيةٍ سقطت
يدفعني الحنين إلى الكتابة...
حين يمتزج الحزن بالحبر
وتتخذ الكلمات شكل السحابة
حيث يتجاسر الحرف....
ويغدو أديماً للمزامير البعيدة.
وشجواً للكمانات والقمارى النائحة.
آه.. لقد مشت على جسدي قوافل الزمان، وأنا مازلتُ ملقىً لا أستطيع حتى الكلام.
فحدثيني يا سيدة هذا الحديث، كيف أكلم الناس عنكِ، وكيف أُفهم ذلك الشرطي الذي يسألني دوماً عن هويتي.
هل أقول له أنا الخطوة الأولى في رحلةً المأساة.
فلطالما يظن أنني الغريب الذي يدرج باحثاً في الكون عن وطنٍ حملته أشباح الظلام إلى حيث يجف الحليب من ثدي الأمهات، إلى حيث اقتضت حكمة السياسة الرشيدة بناء أول مقبرةٍ جماعية لموتى المجاعة.
أتراه يظن أنني أنا التائه الذي يعرج نحو السماء صعوداً في رحلةٍ أبدية الأطوار، كالحقيقة وكالحلم، كالموت وكالحياة.
غير أني محض حلم صغير يتكور في حشى الليل السرمدي المهيب، مجرد كائن يحمل بذرة فنائه في نفسه ويدب مزعوراً في فج الحياة مروّعٌ في النور وفي الظلام، غريب أينما يحط قدميه يمور من تحت قدميه التراب.
***
عندما يهبط الليل يا سيدتي ويطوي تحت جناحيه الأسودين كل العالمين يفر النوم من تحت وسائدي وجفوني وأبيت على سرر الصحوة المستوحشة. دكة نومي أتونٌ مشتعل وملاحفي نسجتها أحزان اليتامى من التعاسة والوجع.
رباه... من يغنيني هذه الليلة كي أنام، من يهدهد جفني ليستريح، من يمسد خصلات شعري براحةٍ حنونة فأغفو عليها وأحلم بالجنة والحور العين، من يكنس حطام الليل المتكدس على باب أُدحيتي ونوافذ قلبي.
وإذن... فخذي مزمارك يا سيدتي واملئيني أنغاماً تعيد لعينيَّ السكون وتُريح رأسي على مخدات السلام.
أوجعيني يا سيدتي، فليس ثمَّ وجعٌ نبيل إن لم يكن على يدك، وليس ثم مزمار حزين إن لم يشتعل بين شفتيك.
غنيني... غني لي يا سيدتي وامطريني ببرد الغناء، وهل بردٌ وسلامٌ إلا الغناء، فكذلك أوصتني أمي النبيلة وأنا طفلٌ لا يحفظ إلى الوصايا وحكايات الأمهات.
غني لي يا سيدة الوصايا التي أصلها في الماضي المجيد، ففي غربتي أبطل الحزن كل مراجعي وفقدت ذاكرتي في لجة النسيان والعدم، لقد محى الزمان صحائفي وألغى كل الذكريات، لم أعد أذكر كم شجرةٍ من أشجار اللالوب تشمخ في فناء الدار التي ولدتُ فيها، ولا أذكر كم سدرةٍ على الدروب العاطلة التي طالما لعبنا عليها، لا ولا أذكر شكل جنائن الليمون والمنجة ولا لون العراجين عند أقاصي التلال حيث للقمرى مع النخيل حكاية عشق لا يموت.
لقد نسيت ألوان الملاحف والمواعين النحاسية والصور المطرزة على السجاجيد القديمة وخزائن الحديد التي جلبت من مصر وجربان الجلود والقرب والشِمال والبروش الملونة في أدحيات بيتنا الكبير.
لم أعد أذكر الراكوبة المنمقة ولا اللّدايا ولا موضع المصحف والسيف والإبريق من البيت.
لقد نسيت كم جبةٍ لبست وكم عيد، وكم مرةٍ بكيت في صدر أُمي.
لقد تكلست كل الصور وتجمدت كل الأصوات في خرائب ذاكرتي العجوز.
لكن صورة واحدة لا تزال كعهدي بها وصوتاً واحداً لا يزال كعهدي به وجه لا يزال حياً يرزق في الذاكرة الميتة، وموسيقى صوتٌ إلهي لا تزال أصداؤه تتردد على أفلاك سمع أصمَّهُ الطنين.
الوجه النبيل لا يزال كعهدي به حياً ونقياً حتى الشفافية والحزن.
الصوت السماوي الوقور أين منه سوناتات بتهوفن وألحان الطفل الإلهي موزار.
ذلكم صوت أمي الذي أسمعه في كل صوت جميل وهو أجمل، وذلكم وجهها الذي لا يضاهيه جمالاً وطهراً وجه من تلك الوجوه الملائكية الجميلة التي أبدعتها قرائح الرسامين في عصر النهضة وفي كل العصور وأودعت فيها كل أشواق الإنسان إلى السمو وإلى الكمال.
ذلكم وجهها الذي أبدعته يد الرحمن فتبارك الله أحسن الخالقين، وذلكم صوتها الذي باركه الله في الأعالي وأودع فيه الحكمة الخالدة فتبارك الله الذي يصعد إليه الكلم الطيب.
هدهديني كي أنام هذه الليلة يا سيدتي، فأنا في شعاب هذا الليل المنتحب أتوهج شوقاً ليد امراةٍ كاملة الأنوثة، أتنفس من راحتها الأوكسجين وأعبُّ منها ما يعصر من رئتي قطران السجائر ورائحة المازوت وأتحوط بها درعاً سليمانياً مطلسماً أتقي به شبحاً يمتصني في خلاء الليل المهيب، وأحملها سراجاً مباركاً في عتمة السراديب والظلال المروِّعة.
***
دفئيني بعطفكِ يا سيدتي فأنا طفلٌ مقرور تحت سماءٍ منطفئة، وأنزعي من على جسدي الضعيف ثيابي المبللة، وخذيني إليك أخذة صدق.
دثريني بعباءة قطن صنعتها بيديك ودعيني بجوار موقد النار أتجشأ دفئاً وسكينة وأنصت في خشوع لصمت التلال البعيدة وسكون تلك الجبال التي ابتلعت في جوفها سرها الأعظم وجثمت في جلال مهيب تتأمل صغار الكائنات في عتوٍ ولا مبالاة.
لله ما أوسع هذا الليل يا سيدتي... أتحفظين موشحاً لشاعر أدركه الليل على ظهر دابته وهي تخب نحو ديار الحبيب، لقد ضاع في مثل هذه العتمة شاعرٌ صعلوك يقرض الشعر ولا تجد الفئران في بيته ما تقرضه فتصوفت هي الآخرى وانتشرت في حُبَكْ الظلام تقرض الشعر.
أم تراك تحفظين سيدتي أرجوزة الطارق الغريب في موهن ليلةٍ من ليالي كانون العتيد والكون جبٌّ ينز من جوانبه الصقيع.
هل آنس ناراً في ذلك الكوخ البعيد على حافتيِّ الغابة والنهر، أم يقوده طيف امرأةٍ تغتسل بالأمطار وتتعطر بالعواصف.
لله ما أوسع ليلك يا سيدتي، وأنا الغريب الذي يقتحم الصقيع فزعاً إليك، دبيب الشتاء يسري في عظامي، والمطر الراشح يثقل هامتي.
لكأنني أزحف في جوف مغارةٍ متجمدة منذ مئات السنين، لكأن قلبي فضاء بلا حدود، لكأنه خلاء أبدي تخشع من هوله الأبصار وتقشعر من وحشته الأبدان.
لكنني وأنا الطفل الذي ضاع من أمه وهو يحبو مأخوذاً خلف طيفٍ مسحور آنستُ فيك ناراً فعدوت أطلبكِ في التيه العظيم.
دنوت منك وما دنوت.
وبين الإقدام والإحجام أراني واضحاً كما لم أر نفسي من قبل، وأرى الحياة مذبحةً تجز فيها الأعناق قبل أن تشرئب وتموت فيها النفوس موتاً مكثفاً قبل رقدتها الأخيرة وقبل أن تشيع محمولةً على المناكب إلى المثوى الحزين.
لمن هذه الرؤى الباكية يا سيدتي، لمن هذا الضريح الذي لا يستبشر بقبر الموتى، لمن جهنم التي كلما قيل لها هل امتلئت تقول هل من مزيد؟ لمن سعادتي وشقائي وبكائي وابتسامي، لمن هذه الأكوان يا سيدتي ولمن أنا.
دنوت منك وما دنوت.
وبين الإٌقدام والإحجام أهيل على نفسي ركام الحياة البالية، واجلس مدحوراً بفشلي وذلي.
اجلس كالثكلى في خرائب الماضي المحترق، لا أملك من حاضري إلا الحديث عنه ولقد يستعصي اليراع أحياناً فيكف عن الحديث.
أراني كصاحب جرة السمن الذي علقها فوق رأسه وطفق يحلم ويحلم حتى تهشمت جرته واندلق السمن على رأسه الحالم فاستيقظ.
لم أر الحلم الذي طالما حدثته وحدثني ولا الحب في فج الحياة ولا الشعر ولا الفن.
لكنك قدري يا سيدتي، قدري الذي أسوق نفسي إليه مدفوعاً بكل ميراث الكائنات التي تنوس على عواتقها المصائر.
تلك الدروب التي مشيت عليها، أذكر أنني عبرتها كالنائم، بيد أني لا زلت أسري وأتخبط كالعشواء في السُرى، تتفتح في وجهي المتاهات وتتأهب لابتلاعي كهوف مظلمة، فلا أدري أيُّ جبٍّ مظلمٍ ألقي إليه بقطعةٍ من نفسي، ولا أدري بأي قطعةٍ من نفسي أفتدي نفسي.
يشتد شقائي حين آوي إلى مضجعي في آخر الليل، فحين أستلقي على رطوبة تلك الدكة الحزينة، تلك الحشية الباردة التي أستشعر صقيعها يسري في عظامي.. أحدث نفسي تواً بحديث النوم ويالشقائي بذاك الحديث. أغمض جفنيَّ لكنني لا أنام، أتنفس بعمق وهدوء لكنني لا أنام، أتقلَّب وأتأوه كالسقيم بيد أني لا أنام، أتمدد مسترخياً كالشيخ العتيق، أتكور منكمشاً مقروراً كالطفل الوليد غير أني لا أنام.
فلو أن لعينيك أشعةً تكشف ما في الصدور... إذن لرأيتِ فؤاداً غريباً لا يكف عن النواح ولا يكف عن العويل.
بيد أن للناس عيوناً لا ترى إلا الذي أوحت به الوجوه وتكلمت به الشفاه.
عيون الورى يا سيدتي يقصر مداها أميالاً و أميالاً عما وراء الأقنعة والأشكال. عيون الورى يا سيدتي لا تستشف أحزان الغرباء وجراحات اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، فذلك شأن الإله.
ولقد حملتُ فأسي وحطمتُ تلك الحصون التي حوت سرها الأقدس.
هشمتُ النوافذ والأبواب واقتحمت كمغتصب أثيم حرمة القلب الحرام.
مشيت على ثرى الفؤاد الذي طالما تحاشيته رهبةً وخوفاً، وافتضتُ بكارة قلبي الذي ظل أجيالاً في عتمة الضباب والغيب.
فبأي أبجدية باكيةٍ أحدثك يا سيدة هذا الحديث، بأي لغةٍ موحشةٍ كخرائب الفلوات المهجورة أبثك هذا الخطاب، وبأي مداد موجعٍ أكتبك يا سيدة هذا الكتاب.
آه لو تعلمين كيف تمضغ الكلمات قلمي، وكيف أتمزق أشلاءً وأنا أخطط وجهك مسهداً والنوم يمسّد أجفان العالمين.
غمستُ ريشتي في دمائي وطفقتُ أكتبك لغةً حمراء كمثل الجحيم الذي يعتمل في النفوس المعذبة، وأنثرك على الصفحات وجعاً دموياً من صميم الصميم.
فتحتُ قلبي الذي كان مختوماً بالتهجد آناء الليل وأطراف النهار ومحروساً بتلاوة الكتب المقدسة وصلوات الأنبياء والصالحين والقديسين وأولياء الله من ذوي الكرامات.
فتحته واستخرجتُ ما في جوفه من الكنوز التي لا يعلوها الصدأ، وعدوتُ أطليكِ بثراء قلبي وترف مشاعري، وأبذر بين يديك الكرامة والأعطيات وأبثكِ بإسراف الذي ظل يبخل بقلبه مدى الزمان حتى إذا ما تحرك الشوق السرمدي، حتى إذا ما بدأ النداء الأبدي أخرج قلبه للناس وكان من المسرفين، وأنا الفتى الغريب... راهنتُ على أعتابك بكل ماملكت يداي وكنت أعلم أنني أراهن على سراب.
كنتُ أعلم أنني إنما أُريقُ دمائي للرياح، للشفق المسحور اللازوردي للنورس البحري، للهذيان الليلي.
كنتُ أعلم أنني أنا المحارب الذي تُكسر حربته في أول الصدام ويعرف هزيمته قبل اللقاء.
غير أني يا سيدتي خُلقتُ هكذا لأتعقب السراب وأروم المحال فجاً إثر فج، وغوراً إثر غور.
وأعلم أنني الخاسر الأول والأخير.
***
|