مكائد الزنبق وحفيف الضوء - خالد الخزرجي

نصوص نثرية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:22 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

إنثيالات

وضوح الرؤيا... وبيان القصد!....‏

(1) قطرة ضوء‏

يفقدُ الشكلُ بهاءَ ملامحهِ إذا انطفَأَ في تجاويفهِ حَدَسٌ.. تفقدُ النارُ ألقَهَا، إنْ مرَّ عليها حِيْنٌ من الريحْ يفقدُ الضَّوءُ زبدهُ.. إذْ يسيلُ في قناديلَ عتمةٍ صافيةٍ إلا من شمعٍ وزيتْ ما الذي يجعلُ الغيابَةَ تفيضُ كالمزْنِ في قيظٍ يسْخَنُ فَصْلَ خريفٍ محمومٍ بأشناتِ حطّابينَ يرمونَ أسلحتهم في رحمها، ويلوكونَ أمعاءَهم عندما يجوعونْ ويزمّونَ أشداقَهُمْ إذْ يعطشون مالا يحصى من أخطائنا وظنوننا نكتشفها متأخراً في لحظةِ خَوَدٍ وانطفاءة برقْ ربما وهْمٌ نعتاشُ عليه ذلك الذي قدّرناهُ في طفولتنا.. أو هاجسٌ يعبر بنا محيطَ أعمارِنا.. ربما قدرٌ لم يكنْ لنا يدٌ في صُنْعِهِ... إنما نحتاجُ لبضعةِ كلماتٍ‏

لنتَغَلَّبَ على فَظاظةٍ‏

اقترفناها في لحظة ضعفْ!.‏

***‏

2 - الكلام‏

عند الحربْ...‏

تشتدُّ الحاجَةُ إلى العَطَشْ‏

عَطَشُ الحربِ‏

غيرُ عطشِ السِّلْمِ‏

كلُّ ما يحفظُهُ المرءُ عن ظهر قلبٍ‏

يخسرُهُ وقت احتدام المعاركْ‏

في السِّلمِ‏

يلزمنا وقتٌ نتحرَّرُ بهِ‏

من أعبائنا...‏

وتتحرَّرُ أجسادُنا..‏

من غَضاضاتها‏

ونتقَدّمْ....‏

***‏

(3) تناقض الأشياء‏

أحياناً... نحبّ من غير مقابلْ‏

يقتلنا صمتُنا بلا إحساس بالظلم‏

كبرياءٌ يكبحُ فينا جَماحَ بَلادَةٍ‏

نتوهّجُ عندما يحاصرها الغضب‏

إنَّ ما يثيرنا، قد لا يُعيرُه الآخرونَ‏

أهميّةً قصوى...‏

وربما نسقطُ مهزومينَ، لغرورٍ فينا‏

ومن الفظاعة أن نتقبّلَ إحساسَنا‏

بأخطاءَ ارتكبناها عن قصْدٍ‏

ومع سبق الإصرارْ...‏

نبدأ بالتعلّمِ كلما نسِينا جرائرَ‏

كنا ارتكبناها في حداثتنا‏

ونحتفظُ بهدوئنا عندما ننبذُ‏

غرورَ مراهَقَةٍ ضالّةٍ!...‏

***‏

(4) جدران‏

* إبّان طفولتي....‏

نقَشْتُ على جدران كوخنا الطينيّ،‏

ثلاثَ كلماتْ...‏

الصَّبْرُ... العِلْمُ... الوطنْ‏

فكانَ أنْ أنَّبَني أبي‏

لأنني خربَشْتُ على جدران مهزوزة‏

قد تقع عند أول قطرة مطرْ...‏

***‏

* إبّان مراهقتي...‏

رسمْتُ على جدار غرفتي أرنباً‏

لها حرفانِ، وثلاثُ أنوفْ‏

ولبتث أراقبها‏

وهي تحاول أن تتخلصَ‏

من الشِّباكِ الذي وقعت فيهْ‏

وعندما سقطَ الكوخُ، ماتَ أبي‏

وبزَغْتُ أنا من رحمِ الفجيعة‏

وتجشَّمْتُ الرحيلَ إلى براءةِ أرضٍ‏

لم يغسلْها مَطَرٌ، ولم يمرَّ بها مشاغبونْ!‏

***‏

(5) طوفان الملح‏

طُوفانُ نار..ٍ يبتلعُ زنابقَ النَّدى‏

قبلَ طُوفانِ الأسى‏

بعدَ طوفانِ الدمع الحَجَريّ‏

عند اقتراب الروح من برزخ موتها‏

وقتَ افتضاض المشيمةِ في رحمِ الغَبَشْ‏

أهِيَ مصادفَةٌ، نختارُ مصائرنا!...‏

بعد موتٍ لا نرغَبُهُ؟!‏

أو حياةٍ لم يكنْ لنا خيارٌ في مصاحبتها‏

أمْ هيَ أقدارٌ تُمْلي علينا أبجدياتها‏

ونتقبَّلُها صاغرين، لا مختارينْ...‏

من يَدّعي..‏

غيرَ ذلكَ، فقد جُنّ!...‏

***‏

(6) اختيار أو ضدّ‏

عالَمٌ .. لم تختَرْهُ مَلِكَاتُ جمالٍ‏

أو ثوّارٌ محجورٌ عليهم خلف أسوار الكلامْ‏

أو أطفالٌ ولدوا تحت قصف المدافعِ‏

وأزيز الطائراتْ‏

أو فراشاتٌ قصّت الحربُ أجنحتَهُنّ‏

أو شعراءُ باغَتَهُمْ مَلِكٌ (أخشيديٌ)‏

أفطسْ...‏

أزرى بهم، واستباحَ عَفافَ الكلماتْ‏

عالمٌ لم يختَرْهُ إلا عرّافونَ ما فتَئِوا‏

يساومونَ قَلَقَ نجمةٍ‏

وانثيالَ غيمةٍ في صيفٍ ساخنْ....‏

***‏

(6) ثَمَّةَ وطن‏

حفنَةُ ضوءٍ، تنثالُ فوق موجةِ ماءْ‏

هو الوطنْ...‏

نبضَةُ شمسٍ، تنسابُ على أرضٍ سَبْخٍ‏

تورقُ الأرضُ، ويزهرُ السَّبْخُ‏

هو الوطنْ...‏

نَطفَةُ دَمٍ تسيلُ فوق جلمود صخرٍ‏

يُخْضَوْضَرُ العشبُ،‏

يُعْشَوْشَبُ الصخرُ،‏

هو الوطنْ...‏

خيطُ نجمةٍ‏

مزروعٌ في أعماق البحرِ‏

يتشرنقُ فوق أديمَ الموجِ‏

فتسطعُ الآفاقْ...‏

هو الوطنْ!..‏

***‏

(8) المعنى‏

الزمنُ في سرعتهِ الرمليةِ، يزحفُ‏

نحو مداراتٍ لا نهايةَ لها..‏

لا يتوقفُ عن الزحفِ ولا يرتَدُّ‏

على أعقابهِ..‏

نحن مع الزمن من نجري‏

كلُّ شيءٍ قابلٌ للفناء‏

الحقولُ... والأنهارُ، والوعود التي‏

يتفقُ عليها عاشقانِ يحبّانِ بعضهما‏

العصافيرُ والعواصفُ والأشجارْ‏

كلُّ شيءٍ قابلٌ للسقوطْ‏

الزمنُ هو الخالدُ، خلودَ الكلماتِ المضيئة‏

لا يمكنُ لأيٍّ منا أن يقفَ‏

في وجهِ الزمنِ، أو يشاكسُهُ‏

كلُّ شيءٍ آيلٌ للذّوبَان‏

إلا الزمنْ...‏

يبقى ينمو كبذرة قمح‏

مثل شمسٍ تضيءُ العالمْ‏

وتعطي للحياةِ معناها وخصوبَتَها....‏

***‏

(9) ثمَّةَ من يبدأ بالاحتجاج‏

ستنبتُ للعصافيرُ مخالبْ‏

وتنبتُ للغيمة جناحانْ‏

تطيرُ الغيمةُ كالطائر الي آفاقَ‏

غيرِ مرسومةٍ على خارطة الشَّفَقْ‏

ستنبتُ للغابة أعشابٌ‏

لا تستأهلُ أنْ تُجْتَّثَّ جذورُها‏

وستنبتُ للظلِّ ذاكرةٌ‏

تتفتّحُ كالحلمِ وتستيقظ شمس كالبرتقالْ‏

في سماء تلتهبُ بنجومٍ كالماسْ‏

ثَمَّةَ من يبدأ بالاحتجاج مبكّراً،‏

ويبحث عن خرائط جديدة لعالم جديدْ‏

وثمَّة من ينتظر أيّ ضِفّةٍ‏

سيعلوها المدّ....‏

***‏

(10) الألوان‏

أيتها الرياح... يا نثارَ التَّعَبْ‏

من منّا يستطيعُ إيقافَ عجلة الحياةْ‏

النجومُ باقيةٌ في حيّزٍ مفْعَمٍ بالألقْ‏

تنثرُ ذَرّاتِ ضوئها على ما حولها‏

من الكائناتْ‏

والشمسُ تنفضُ ثيابَها‏

وتخصِّبُ بأشعتها أمواجَ البحر‏

والقمرُ يكشفُ أسرارَهُ‏

لطيورٍ تتهَجَّسُ رعْشاتِ الأجنحةِ‏

ورفيفَ الأقحوانَ على خدودِ‏

غِبَشٍ أَخْضَرْ‏

جذورُ الأشياءِ تنمو‏

الأشكالُ تنمو...‏

الألوانُ تنمو....‏

كلُّ شيء يسيرُ إلى نهايته المحتومة‏

والحَتْمُ خاتمةُ المطافْ‏

وغالباً ما ننتبهُ لأحلامنا‏

أو نكتشفُ أننا اخترقْنا ذواتِنا‏

إلى بداياتِ نهاياتنا‏

***‏

(11) مشيئة الأحياء‏

لمشيئة الطير بكل أنواعها‏

بأجمل ألوانها‏

هذا الفضاءُ القَزَحيُّ الذي يتفجَّرُ‏

باليواقيتِ واللآلئ...‏

لمشيئة النجومِ، وحدها النجومُ‏

تسبحُ في بحيراتٍ اللا زوردْ...‏

مرسلةً خيوطاً من لحم الضوءْ‏

إلى قارّات الدنيا...‏

لمشيئة البحارِ نبضُ الزهور وفوضى المطرْ‏

إنَّ البحارَ أقانيمُ الأشياءْ‏

[ وجعلنا من الماءِ كلَّ شيءٍ حَيْ]‏

أجملُ ما قرأناهُ في طفولتنا‏

ونقرأُ في ديمومتنا‏

لمشيئة الحربِ يضعُ الأثرياءُ خزائِنَهُمْ‏

تحت وابل الرصاصِ ليحصِدوا جلودَ الجائعينْ‏

كما يحصدُ الهشيمُ الحَطَبْ‏

وتلقى بضاعَتُهُمْ رواجاً‏

في معسكراتِ اللاجئينْ‏

*‏

(12) ضَلالةُ الأزهار‏

من غير سابقِ إنذارْ‏

يقوم الشيطانُ برسم حدود غواياتهِ‏

ليغري فراشاتٍ بكَّرْنَ في الطيرانْ‏

فتسقطُ شجرةُ التّوتِ مبكّراً‏

ويمشي الخرابُ في مفاصل الزهرةِ‏

وأوردةِ الكائناتْ‏

ومن غير سابق إنذار أيضاً‏

تتضاءَلُ النجومُ،‏

وتختفي خلف غياهبِ المحيطاتِ‏

فترتبكُ المداراتُ‏

وتثمرُ الخطيئة...‏

وتغلقُ عواصمُ الضوءِ نوافذَها‏

ويُسْدَلُ السِّتَارُ‏

على آخرِ مشهدٍ للفَرَحْ!...‏

*‏

(13) عَطَشَ الزَّبَد‏

لماذا يغادرُنا وضوءُ البرقْ.؟..‏

لماذا يدجّنُنا الحُلُمُ في بواكيرهِ‏

وتسجُنُنا الطفولةُ في ثيابها‏

لماذا يبحرُ بنا الأسى‏

نحو غَياباتِ أرضٍ نجهَلُها‏

لماذا تضيّعُنا المواعيدُ الكاذبةُ،‏

مثلَ مَوجاتِ زَبَدٍ تطفحُ من غَلَيانِ البحورْ!..‏

لماذا يموتُ النهارُ في عَطَشِ القمرْ‏

لماذا تتفَتَّحُ البَذاءَةُ في غموض الكلامْ‏

لماذا تحجّمُنا الأشكالُ وتحدِّبُنا المرايا!...‏

نسألُ، فيغضبُ السَّوْطُ‏

ويحفر في جلودنا أخاديدَ‏

وأوشمَةً‏

تنمو في ذاكرتنا‏

وتخلدُ حتى بعد الموتْ...‏

***‏

(14) الألم‏

ينتابُنا مَلَلٌ...‏

حين نكتشفُ أنَّ أمنياتنا‏

تسيرُ باتجاهٍ معاكسٍ‏

لما كنا نحلمُ بهِ قبلَ تفتّح غلومَتِنا‏

تُرى أيُّ موتٍ يمشي في مفاصِلنا!..‏

وأيُّ خَدَرٍ لذيذٍ يصيبُنا‏

بالدَّوارِ والعَماياتْ‏

أيّةُ عاطفةٍ تسكننا ونحن نجأَرُ بشكوانا‏

إلى من هو قاتلنا لأتفه الأسباب‏

وأيّةُ أسئلةٍ تدور في مخيّلاتنا؟!‏

ونحن نتراشقُ عباراتِ الهجاءِ،‏

وكلماتِ التشهيرِ بتواريخنا الآبقَةِ،‏

وعباراتِ الثناءِ على فضاضاتنا اللا معقولةِ‏

في أسفارنا اللا مقروءَةِ‏

من بين دثاراتنا التي نَخَرَتْ فينا‏

كما تنخرُ الأَرَضَةُ في الخشبْ‏

كلُّ ما تحتارُهُ يؤولُ إلى صراعٍ‏

يقودُنا إلى عزلةٍ مقيتة‏

نفقدُ على أثرها أحلى أمنياتنا‏

وما نحاربُ في سبيلهِ‏

قد يبدو جَرْياَ وراء سرابْ...‏

*‏

(5) مأثورات‏

خَلَفْ سبّابةِ إصبعْ‏

يكمنُ قولٌ مأثورْ:‏

- لاتعجَلْ في مِدح الثائرْ‏

قبل أن تعرفَ كنْة الثورة‏

واحذر كبرياءَ الصغارِ فإنهمْ‏

محتاجونَ لنصائح الكبار‏

- أحجِمْ عن خوض التفكيرِ‏

بتركيبِ أجنحةٍ من الشمْعِ‏

لفراشةٍ أَسَرَتْها الحِرابْ‏

وآمنَحْ عقلَكَ قسطاً من الغيبوبَةِ‏

حتى لا تفنى‏

فتختصركَ الأيامْ....‏

30/10/1997‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244