مكائد الزنبق وحفيف الضوء - خالد الخزرجي

نصوص نثرية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:22 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

حفنة كلام عابر سبيل

1-أيُّ شبرٍ في وطني‏

لايعادلُ حفْناتٍ من الماسِ‏

أو ملايين المحّاراتْ؟!‏

كلُّ ذرّةٍ من تُرابهِ‏

ماســــــةٌ‏

كم من الماساتِ‏

تحتويها بلاديَ!!..‏

*****‏

2-يبدو غريباً‏

عالمُ هؤلاء الذين لفظتهم الحياةُ‏

خارجَ مداراتها...‏

ولم يعدْ يستفيدُ من ثرثرتهم الوطنُ الذي‏

صلبوه بشعاراتٍ زائفةٍ‏

عن الحبِّ‏

والجنسِ‏

وتأطَّروا ضمنَ قوالبَ جامدةٍ‏

حتى لكأنهم يبدونَ للآخرينْ‏

كما لو كانوا خيالاتِ مآتهْ!...‏

****‏

3-بطيئاً يمرُّ الألمْ..‏

ومسرعاً يتسرَّبُ الفرحُ من نفوسنا‏

بينما نحن مجْبَرونَ على الالتزامِ‏

بمواعيدَ ثابتةٍ‏

في كسْبِ معاشاتنا..‏

*****‏

4-ديناصوراتٌ محنَّطةٌ...‏

في متاحف الشمع‏

هيّأها باحثونَ للتشريح‏

ليتعرّف عليها تلامذةٌٌ‏

يتوسّلونَ بها‏

طرْقاً للعيشِ‏

والكسبِ على حساب المنبوذين‏

هكذا نحنُ...‏

****‏

5-عَجَلَةُ الحياةِ تسرعُ‏

في التهام خطواتٍ السّابلة‏

تدوسُ من يتسمَّرُ في مكانهِ فجأة‏

ولاتعيرُ انتباهاً لأنّاتِ عجوزٍ‏

أو بصاقِ معتوهٍ‏

تطفَّلَ، فاخترقَ المسارْ!..‏

*****‏

6-تتنافسُ المصانعُ الحربيّةُ‏

ومعاملُ (النّابالم) وألـ ( (D.D T‏

في قتل الشعرِ الموزونِ المُقَفّى)‏

والنثرَ المرسلِ والمسجوعْ..‏

لتنمو كروشُ أصحابِ الياقاتِ المنشّاةِ‏

وامبراطورياتٌ متخومةٌ‏

بلحوم الفقراءْ..‏

في حين يتضاءلُ الشعراءُ في (العالم الثالث)‍!...‏

****‏

7-الوطنْ...‏

الوطنْ....‏

الوطن...‏

صوتُ الماضي.. ورؤيةُ الحاضرِ،‏

ومايخبئهُ المجهولْ...‏

الوطنْ...‏

الوطنْ...‏

وجْهُ جنديٍّ في طابورٍ‏

يبدأ من سرّةِ الفجرِ،‏

حتى آخرِ شهقة مدفعْ‏

في ساحة حربْ!...‏

الوطنْ...‏

الوطنْ..‏

قطراتُ مطرٍ تنثالُ على أنساغَ‏

يشربها عطشٌ قائظْ...‏

وهو فيما يرى الشعراءْ..‏

مشيمةُ ضوءٍ‏

ودورقُ أريجْ‏

ورغيفٌ ساخنْ!‏

الوطنْ..‏

الوطنْ...‏

مابين ارتعاشةِ جفنٍ‏

وخفقةِ قلبْ‏

لهُ متَّسَعٌ لايشغَلهُ غيرُهُ‏

يبقى ينبضُ، ويتجَدَّدُ‏

كلما شاخَ الزمنْ!..‏

*****‏

8-قد يبدو مضحكاً..‏

أن أطالبَ زوجتي بأنْ تنفِّذَ‏

وصيّتي بعد موتي بحذافيرها‏

أولاً:‏

أنْ تتعلّمَ نظمَ نصفِ بيتٍ من الشعر‏

ثانياً:‏

أنْ تحتفظَ بأسراري إلى الأبدْ‏

ثالثاً:‏

أنْ تحبني حتى آخرِ خيطٍ أبيضَ‏

في رأسها...‏

*****‏

9-الحربُ..‏

تدقُّ نافذتي‏

تنكسرُ مرآةُ البيتِ‏

ويتعرّى سقفُ بيتي من طينهِ‏

يتسرّبُ أزيزها إلى سرير طفلي‏

فيستيقظُ فزعاً من هجْعَتهِ‏

تتغلغلُ الحربُ في ريش العصافيرِ،‏

فتتزعهُ ريشةً.. ريشةً‏

تدخلُ إلى العظام، فتكسرها‏

وتحوّلها إلى ذرّاتٍ تتناثرُ في الهواءْ..‏

تأتي الحربُ، موجةَ نارٍ‏

نغمةَ ذُعرٍ‏

موسيقى رُعْبٍ‏

مشيمةَ دخانْ!...‏

فتضطربُ الدنيا، ترتجُّ الحيطانْ‏

تتراكضُ السحبُ في السماءْ‏

تختلطُ الأشياءُ ببعضها‏

كلُّ شيْ يتحوّلُ بلمحِ الضوءِ‏

إلى عبثٍ عشوائي، ويعمّ السكونْ‏

حيث الموت يسري بين الكائناتِ‏

كأفعى تخلعُ جلدَها‏

وتسْتعيرُ ثيابَ الأزهارْ‏

فيخمدُ طفلٌ يلهو بثديٍ محروقْ!..‏

*****‏

10-لاأبالي أبداً‏

إنْ دفعتُ حياتي ثمناً لوطنٍ‏

سوف تتحدث عنه الأجيالُ بعد موتي‏

فليس بالضرورة،‏

أنْ يتحقّقَ ماأحلمُ بهِ‏

في اللحظةِ التي أكتبُ‏

فيها قصيدني...‏

أنا أحلم بما لايتحققُ الآنْ!..‏

****‏

11- إنّ اللحظةَ التي‏

يشاغبني فيها قلقٌ‏

ويزاحمني زكامُ بردٍ يسكنُ عظامي‏

هي التي أنسى فيها الشعْرَ‏

وأهربُ من ذاكرتي المتخشّبةْ‏

ولكنها اللحظةُ التي‏

يهاجمني فيها شيطانُ الشّعْرِ‏

وطُوفانُ الألمْ!...‏

****‏

12-قلتُ حقيقةَ شعوري‏

ولم أكتمْ عن صغاري‏

ماكانَ يخالجني من ضعفِ طفولي‏

حين سمعتُ صفّارة حربٍ‏

خربشتْ أذنيَّ...‏

الخوفُ تغلغلَ في عظامي‏

سمعتُ الوطنَ يسعلُ من دُخان القنابلْ‏

ورأيتُهُ يركضُ في الأزّقةِ والشوارعِ‏

متضرّجاً بوهجِ السُّخامْ...‏

متسربلاً قمصانَ الموتْ!..‏

ورأيتُ برتقالَ بلادي تقشّرهُ أنيابُ الغولْ‏

وبلاداً موزَّعةً أشلاءَ مهشَّمةً‏

وعيوناً مُسْمَلَةً‏

وجلوداً تقطرُ ماءً أسودَ،‏

ووجوهاً مسلوخةً‏

وزرازيرَ تسبحُ في لجّةِ إعصارْ‏

وشفاهاً خاطتْها رصاصاتٌ طائشاتْ‏

ورأيتُني... أبصقُ في وجه الحربْ!...‏

******‏

13-حين دقَّ ناقوسُ الحربِ‏

اختفى كلُّ شيءٍ حولي...‏

الصوتُ الطفوليُّ الذي كنتُ أتلذَّذُ بسماعهِ‏

كل صباحْ..‏

تذكاراتٌ.. لم يكنْ بمقدوري أنْ أتخلّى عنها‏

حتى السكونُ تلاشى واحتبستْ‏

أنفاسُ نحلةٍ كانت تطنطنُ...‏

ذبذباتُ صوتِ (فيروزَ) الرّخامي،‏

هَجَرتْ حنجرةَ الماءِ،‏

فغشيني حدسٌ أنَّ الكونَ تلاشى من حولي‏

وأطبقت السماءُ على الأرضِ‏

وبُعثَ الموتى من قبورهمْ‏

اختفى نايٌ كانَ يئنُّ في غرفتي مثلَ أمٍّ‏

ثكلتْها الحربُ، فأئنُّ لأنينهِ الحزينْ‏

اختفت الجدرانُ والنوافذُ،‏

حنفيّاتُ المياهِ، رسوماتٌ نقشتْها‏

أناملُ كالحريرْ...‏

بلاطاتٌ كالمرايا‏

كلُّ شيءٍ اختفى في لحظةٍ جنونية‏

وبدا المكانُ لاشكلَ لهُ‏

والزمانُ لا لونَ لهُ‏

ولا طعمَ لهُ‏

ولا معنى لكينونة المخلوقات‏

29/10/1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244