مــــن سيرة الشَّجرة- آصف عبد اللّه

شــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:26 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

الشــّــجرة

-1-‏

نهارٌ مؤلمٌ في هذا القفرِ لولادةٍ مُتَعَّمَدة!‏

أطوفُ بين صمتٍ متخيَّلٍ،‏

جدرانهُ مِنْ أصوات؛‏

لا تجدُ إصغاءً يُرْهِف...‏

أَجتبي صوتاً منها؛‏

أَخالُني حلزوناً يدبُّ في دروبِ النّدى،‏

ثمّ أنكَفِئُ، في هجير الأصوات، إلى قمة‏

الصّوتِ الوحيد‏

-2-‏

ليلٌ يستيقظُ في جمهرةِ الجنادب؛‏

تفتح صمتاً آخر لوداعٍ مثقلٍ بالتّرقب!‏

تكتملُ الجوقةُ إذ يصل غسقٌ‏

من مملكةِ الأبد،‏

ويدير خدائع الموسيقا!‏

وأنا الشّاهد عتباتِ الألمِ ترفع شراعَ‏

الانتظار لحضورك‏

يا امرأةً متوجةً بالغار،‏

أعدُّ على خَصْرِكِ انخطافاتِ المحبِّين،‏

أقول: خذي أصابعي،‏

أوقديها قيثارةً في هذه الصّحراء!‏

وفي غفلةِ الآلهة ننأى بتفاح شجرتنا؛‏

يحرسنا كلامٌ خلقناه؛‏

يرفُّ حولنا كغمام يهطل إذ نقضي..‏

أَقول : خذي عصفورَ فمي إلى شجرَ وجهك‏

ودعي الرُّؤيا خلف حجابكِ؛‏

حيث أصلى ماءَك ثمّ‏

أَتوه في أتّون الجسد‏

راعشاً في يقظةِ لا تُدرك!‏

أناديكِ مِنْ سفحِ لذّتنا،‏

ونفيضُ إلى آخِر العصافير‏

جدائلَ مِنْ ماءْ لا يتعب!‏

تكتمل الجوقة...‏

كائنات الصّمت، في مهرجان الليل، تحرسنا‏

كلانا يرتدي كلينا،‏

وكلانا يرتدي الشّجرة.‏

نهارٌ آخر لولادتنا،‏

ونفيض إلى آخر العصافير!‏

*‏

-3-‏

لن تأخذنا الدّهشة!‏

كنسغِ الأغنية؛‏

نصعدُ صليلَ النّشوةِ أو سلّم البكاء!‏

هي الحكاية حاضرة وكفى..‏

وأنا الوجِلُ أتعَثّرُ بضفائرها،‏

أخطو إليها..‏

أسأل الورد عنها؛‏

ينفتح الدّرب.‏

وأنا القادمُ مِنْ رحِمِها مَنْ يرحمني‏

لأشعل نجمتي،‏

وأرفع اسمها فوقَ سارية هذا الألم‏

هي نجمةٌ في غيهب الحلم،‏

مَنْ أشعلها؟!‏

مَنْ سَمَكَ سماءها وبنى ضَوْءَها؟!‏

نجمةٌ،‏

تدخلُ بهو الحكايةِ أميرةً،‏

ألوذ بطيفها ولا أصل!‏

*‏

-4-‏

لبصيرةِ قلبكِ نجمةٌ أخرى،‏

ولكِ يداي..‏

أيتها الشّجرة‏

يا ابنة الأبدية..‏

فلتعلُ قامتُك،‏

ولتنحنِ سماءٌ تأخذُ يَدكِ إلى قصورِ الضّوء!‏

يؤنسني أن أُكَلِّمَ القمر سميَّكِ،‏

حيث يدُ اللّه سرير وملاءة،‏

أَتوحَّدُ مع وحدتك،‏

أتآخى وقمرك‏

ياشجرةَ الضّوءِ في سرير اللّه!‏

-5-‏

هذا اختبار المشيئةِ ورجعة الذي لا يعود!‏

سأحمل الأسرار وأرمِّـمُ أغصاني الطّينيّة‏

أيتها القادمة إلى حروفي،‏

تصعدين رميمي فيخضرّ!‏

هل أسميّكِ؟!‏

ولهي تَوَلَّهَ بهذا السّمو!!‏

أعوذ بوجهكِ..‏

ضوؤك حجاب وظلّك حجاب،‏

وأنا في البرزخ‏

فمن العابر؟!‏

***‏

حنَانَك..‏

حنَانَ ظلَّك..‏

أنا الماردُ يا قمقمَ المتاهاتِ،‏

أتوهُ إلى حافّةِ الرّفيف، ودون جناح‏

أجنحُ في مهبّ النّداء الأخير.‏

يتوهُ الصَّوتُ؛ يلتحف صداه‏

وألتحف صمتي..‏

أشهدُ ألاّ شجرة في هذا المدى إلاّك‏

ولا عشيق يلوب في الظِّلِّ إلاّي!‏

هي الرّيحُ تهزُّ سريرَك،‏

فتهتزّ أغصاني،‏

وأسَّاقطُ فيكِ رطبَ حبٍ،‏

وزقزقات طيورٍ‏

بَنَتْ أعشاشَها في أعالي مقامك!‏

أشهدُ ألاّ شجرة سواك‏

وليس سواي في سمتك،‏

تمتدّين في هذه الهاجرة إلى آخر‏

الحلم‏

تفتتحين الصَّلاةَ وأنتِ محراب الوصول!‏

سأهجيّك غصناً غصناً،‏

سأجيئك بحروفي‏

فاكتبيها في أفقِ الرّغبة ثمّ‏

اسفحيها في مدى الضّوء!‏

-6-‏

هذا كلام راعش‏

يعرّشُ خلفَ النّوايا!‏

سنهبكِ أسطورته وسطوته،‏

وسنسطو على تفاحِكِ في وضحِ القصائد،‏

أخشى أن تكوني الشّجرة؛‏

فأقع في العَثْرة؛‏

يزينني صمْتٌ مريبٌ أو مايشبه الكلام‏

حيث لا حب يبزغ‏

والرّيحُ تصعد اسمك؛‏

تسبِّحُ ارتعاشاتٍ خفيّة،‏

أخشى أن تكوني ارتديت عريي‏

فأورقتِ!‏

هذا كلامٌ يشقى بين يديكِ؛‏

يكتمُ جراحهُ،‏

ويسعى في هبوب المعنى..‏

وهذا كلامٌ سيّدٌ يبحث عن مأوى،‏

فاتئدي وأَمسكي عناصرك..‏

نهارٌ آخر لولادتنا،‏

ونفيض إلى آخر العصافير!‏

-7-‏

الأجراس ترتدي الرّنين الطّويل،‏

أُصغي إلى صوت خطوها،‏

ويظلُّ الصّدى حارساً للظِّلال،‏

معلقاً في أعالي الدّهشة‏

وفي فواصل الصّمتِ يشيِّعُ الرّاحلين؛‏

أُنادي كاهنَ الأجراس يوشحْ ليلتنا‏

بستائر الصّدى‏

وأعترف : "أنا العاشقُ والعشق‏

ومابينهما".‏

أعودُ إلى غَمْرٍ أو أعيدُه،‏

أشطُرُ خليجاً مثقلاً بثمار الصلصال،‏

وأطلقُ الرّوحِ في مدى شجرة حاضرة!‏

فلتقمْ كلّ الكائنات والّتي ستكون‏

على سرير مْنْ ماء...‏

لأنادي جواداً مِنَ الثّلج،‏

صهيلُهَ يتّقِدُ في هشيمِ الأصواتِ‏

أرفعه في مدى الرّؤيا‏

ثمّ أرخي له العنان!‏

مَنْ يدلُّهُ على الطريق؟!‏

فَلْترتَدِ الأجراس صمتها،‏

ولينمِ الصَّدى ليمرَّ الفارس!‏

-8-‏

هي الجوقةُ إذاً تكملُ إِنشَادَها!‏

لكنَّ الطّريقَ إليكِ تنام في الخطا المكتومة‏

فكيف أصلُ والماء أدنى مِنْ رفّةِ الجفن،‏

لكنّني الصّادي؛‏

أُرتِّبُ عطشي كغريبٍ يعود إلى الظِّلال الرّؤوم‏

أواظِبُ على الانتظارِ لوقتٍ أكثر شجراً‏

ثمَّ، أدخلُ عروة الماء،‏

ونفيضُ إلى آخر النّشيد .‏

-9-‏

الهدهدُ، عادَ دون غصن!‏

فقد أوهمتهُ الظّلال،‏

والرّيح تأتي مِنْ كلّ فجٍ،‏

تقرأ سورة وجهك!‏

سأحملُ عرشَكِ إلى فسيحِ السِّرّ،‏

وأرى أيّ سراب يتراءى،‏

وأيَّ عرشٍ يميل!‏

لكنّ الجوقةَ أكملتْ نشيجَها،‏

سأدعو نهاراً آخر‏

فالأجراس نائمة..‏

سيمرُّ الفارس،‏

وستبقى الشّجرة!‏

-10-‏

سآوي إلى كلام أنا خالقه!‏

ربّما يوليني أسطورته..‏

وأقول:‏

أنا العاشق،‏

عشيقتي تفتتحُ الدّروب البكر،‏

كي أصل إلى عريها..‏

سأكسو هذا الجسد بالحمد واللّهاث،‏

وبشفتيّ أرسم عليه تمائِمَ؛‏

تَقِيهِ انهيارَ النيرانِ الغريبة!‏

سآوي إلى جسد أصنع فيه مجداً ومنارة؛‏

لأُعلي الرّقمَ الأولى،‏

وأعودَ إلى الطّينِ الأول..‏

ثمَّ أعيدُ خلقكِ كرّةً أخرى‏

شجرةً ليست كالأشجار..‏

أقول:‏

السَّلامُ عَليْكِ يومَ كُنْتِ، ويومَ لم تموتي،‏

ويوم أورقتِ مِنَ الطِّين!‏

وأَشْهَدُ أنَّكِ العشيقةُ،‏

وأنّي العاشِق..‏

تهبُّ عصافيري حولكِ كفراشٍ‏

جَذَبَتْهُ أمواجٌ مِنَ الضِّياء؛‏

تغطِّيكِ بالزّقزقَاتِ ثم‏

تمتزج بأغصانكِ كأنين اللّذة الأولى،‏

تنوئين بهذه الثّمار الّتي تفنى في طينكِ‏

لتكون قيامتُكِ مهرجان الماء الأبدي!‏

سأحفظُ اسمَكِ في نسغي بعيداً عن الزّبدِ،‏

وأبني خرافتي تحت لحاء جذعكِ،‏

وأحاول‏

أن‏

أكونَ‏

الماء!‏

1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244