ولم تأتِ القصيدة - عبد الرحمن عمار

شـعر- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:27 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

النهـــــر

هذا هو "العاصي" وتلك ربوعُهُ‏

ينسابُ في أحضانِها ينبوعُهُ‏

هو كالأماني لا حدودَ لأفْقِهِ.‏

ثديٌّ خصيبٌ، والسهوبُ رضيعُهُ‏

عَبْرَ الزمانِ تُصاغُ منه قصيدةٌ‏

أبديّةٌ، والشادياتُ فروعُهُ‏

قد هلَّ من رحمِ الصخورِ جنينُهُ‏

متّوثباً. فيما الصخورُ دروعُهُ‏

نهراً تشكّلَ. وانتمى بكيانه‏

للكبرياء، وعانقتْه فروعُهُ‏

وعصى،(1) يشقُّ الأرضَ في جُلْمودِها‏

ويسيرُ هَوْناً، والنجودُ تُطيعُهُ‏

يخطو، فيخضرُّ الترابُ إذا خطا‏

وتسيلُ في صمت النجومِ دموعُهُ‏

غذّى خمائلَهُ وريدٌ نابضٌ‏

تلتمُّ من أَرَقٍ عليه ضلوعُهُ‏

حُلْمُ الطبيعة أن يظلّ رداؤها‏

يزهو. ويثري الآتياتِ صنيعُهُ‏

هذا هو العاصي، ومن جَنَباته‏

يمتدُّ في روح المدى تشريعُهُ‏

****‏

كان ابن آدمَ يستظلُّ بظِلّه(2)‏

يغويه أن يطوي البراري جوعُهُ‏

حتى أتى "العاصي" وكانت آيةً‏

ريّانةً بالمَكْرُماتِ زروعُهُ‏

حطّ الرحالَ على الضفافِ فأيقظتْ‏

شجرَ الضفافِ الساكناتِ جموعُهْ‏

إذ راح يلتقط الثمارَ نهارَهُ‏

وينامُ في حضنِ الكهوفِ شبيعُهُ‏

كم مرَّ..؟ آلافٌ على أجيالِه...؟‏

أم ضاعَ من ليلِ الدهورِ هزيعُهُ..!؟‏

ويظلُّ إنسانُ الطبيعةِ لوحةً‏

عجفاءَ، حتى هزّها تَوْقِيعُهُ‏

فإذا بمقبوسِ الوميضِ خميرةٌ‏

من طعمها محراثُهُ وقطيعُهُ(3)‏

من ههنا ابتدأتْ صواعدُ أمتي‏

وانْزاحَ من نفقِ الوجودِ هجوعُهُ‏

من حَبّةِ القمح الجليلةِ أورقَتْ‏

سُنَنُ الحضارةِ، واستقامَ رُتوعُهُ(4)‏

أخذت يداه تشاركان خيالَهُ‏

فازداد في قمر الحياة سُطوعُهُ‏

ما صاغَ إلا لِبْنَةً، في إِثْرِها‏

يَرْقى إلى خلقِ البديعِ بديعُهُ(5)‏

شاد القرى، والنهرُ بين شفاهِها‏

عَذْبٌ، تورّدَ بالحنينِ خشوعُهُ‏

وكما الوليدُ يشبُّ، حتى أصبحت(6)‏

وكأنها في الشامخاتِ قُلوعُهُ‏

وازَتْ مدائنُه الرّخيّةُ سَيْرَه‏

فبدا كعَقْدٍ زانَه ترصيعُهُ‏

بصماتُها أَثَرٌ يداني أفقَهُ‏

وتضيءُ ذاكرةَ السنينِ جذوعُهُ‏

ها "قادش"(7) يروي الحكايةَ... مجدَها‏

وينوبُ عنه ترابُهُ وبقيعُهُ‏

كم منزلٍ تزهو الحياةُ بفيئه‏

ويذودُ عنهُ في الوطيس منيعُهُ‏

صفصافُهُ لو مالَ ، جاء حفيفه‏

عَزْفاً تعافى من أساه سميعُه‏

ومراحُه للعاشقين سريرةٌ‏

يصغي لما يُروى، وليس يذيعُهُ‏

وأفاميا، كَتِفُ الزمانِ وسادةٌ‏

تغفو عليها ، والطلولُ شموعُهُ‏

صَرْحٌ هنا، والأبجديةُ تاجُه‏

وهناك من وهج اليقينِ ربيعُه‏

****‏

ما أنت يا "عاصي" الوحيدُ بموطني‏

فالنيلُ من أَمَدٍ يهلُّ طلوعُه‏

جاب الصحارى ماؤه، فإذا بها‏

سِفْرُ، ومن شفة النُضار شروعُهُ‏

ويمدّ وادي الرافدين فؤادَه‏

أصداءَ وجدٍ أَوْ هَنَتْهُ صُدُوعُهُ‏

قد كان، من قبلُ، الحياةَ ووَعْدَها‏

والآن غائلةُ الخليجِ صريعُهُ‏

يتلمّسُ "العاصي" مواطنَ حزنِه‏

ياطولَ ماحمل الأسى موجوعُه...!!‏

فأمام معيارِ الوجودِ. كلاهما‏

هذا لذاك، مع الإخاء، دَريعُهُ.‏

القصير/ تشرين الأول / 1998‏

(1) معظم الأنهار في بلاد الشام تتجه في سيرها نحو الجنوب، ماعدا نهر العاصي الذي تفرّد عن غيره وتوجّه شمالاً، ولهذا السبب سُمي نهر العاصي كما يقال.‏

(2) الضمير عائد إلى ابن آدم.‏

(3) إشارة إلى انتقال الإنسان من مجتمع الصيد والتقاط الثمار إلى مجتمع الرعي والزراعة.‏

(4) الضمير عائد إلى الإنسان.‏

(5) كلمة البديع تعني المُبْتَدِع والمُبْتَدَع معاً.‏

(6) الضمير عائد إلى القرى.‏

(7) "قادش" تل أثري يقع على ضفّة نهر العاصي إلى الغرب من مدينة القصير، أمام سهوله حدثت معركة تاريخية مشهورة بين الجيش الحثّي والجيش المصري قبل حوالي أربعة آلاف عام. وقد دلّت التنقيبات الأثرية إلى أن الحياة فيه تعود إلى ماقبل سبعة آلاف عام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244