ولم تأتِ القصيدة - عبد الرحمن عمار

شـعر- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:28 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

ويبدأ فصل الحديث

" إلى أبي، ولو بعد حين "‏

لم يزل موسمُ الحزن غَضّاً.‏

تَنوءُ على الصدرِ أنسامُه الليّناتُ.‏

فتنبُتُ في رئتي حسراتٌ طفوليّةٌ‏

وتهاجرُ لاهِبَةً خطواتُ دمي‏

عبر صمتِ انكساري .‏

كلما لاحَ طيفٌ أمام اغترابِ العيونِ،‏

أَمُدُّ يديَّ إلى واحةٍ أشتهيها.‏

فألقى حنيني المعتّقَ‏

يغفو على بسمة الفجر،‏

والفجرُ يسكُبُ وجهَ أبي‏

جدولاً من وَقارِ،‏

والتراتيلُ تجري على شفتيه‏

صلاةً‏

يَخُصُّ جبيني بها،‏

فيلامسُ قلبي رضا راحتيه‏

وتومضُ قُبلتُه زهرةً في قِفاري‏

فأفيضُ اشتياقاً إلى عَبَقِ الياسمينِ‏

وأَسْنُدُ ظهرَ الغيابِ المديد‏

على دالياتِ السنينِ‏

وأَلتَفُّ بالصبر،‏

حتى استحالت رياحينُ قلبي‏

أنيناً صَموتاً.‏

وحتى طويتُ من العمر معظَمَهُ‏

وتغرَّبَ في جسدي قَبَسٌ واهِنٌ.‏

حوله غَسَقٌ يتمادى‏

وصارت حياتي مرادفةً‏

لا حتضاري‏

*****‏

جاءني وجهُه من بعيدٍ،‏

كأنَّ الصدى شُحْنَةٌ عذبةٌ‏

يتفتّحُ فيها صفاء البراري‏

مثلما تُبْصِرُ الروحُ.‏

يقبلُ نحوي كأنشودةِ الطيرِ،‏

في مورقاتِ النهارِ.‏

وعلى راحتيهِ الجراحاتُ‏

صارت نجوماً‏

تناثَرَ منها الضياءُ‏

على حزنِ داري‏

يجلسُ الآن قربي‏

كطيفٍ تزمّلَ في شوقِهِ‏

فَيَميلُ إليه فؤادي‏

وترتاحُ في فَيْئِهِ تمتماتُ الفؤادِ،‏

ويبدأُ فصلُ الحديث‏

وأحكي له:‏

بعضَ ما خبأته جِراري‏

*****‏

يا أبي...‏

زمنٌ في الرحيل انقضى،‏

إنّما؛‏

لم تزلْ للشجونِ النوافذُ مفتوحةً‏

يا أبي،‏

فالمداراتُ في الأفقِ لا تنتهي‏

وخيالُك ينهضُ عبرَ دمائي‏

كباقةِ آسٍ.‏

تطوفُ‏

وتبحثُ عن وطنٍ‏

في سكونِ الغضارِ‏

كم على يَقْظَةِ الحلمِ ألقاكَ‏

في حَفْنَةٍ من تفاصيلِ أيامكَ‏

الماضياتِ،‏

فمنذ ثمانين،‏

آخَيْتَ بين عنائكَ والأرضِ.‏

حتى انحنى الظهرُ‏

كانت خطاكَ‏

تكسِّرُ أصفادَها كلَّ فجرٍ‏

ونفسُكَ تمضي...‏

تبعثرُ ما جَمَّعَتْ من خريفٍ ثقيلٍ‏

صنوفُ الغبار‏

وتسيرُ‏

فتُلقي عليكَ الدروبُ السلامَ‏

وأحجارُها والحشائشُ..‏

تُلقي عليكَ السلامَ،‏

فينشَقُّ ثغرُكَ عن بسمةٍ،‏

يستريحُ لها شجرٌ‏

ويهدّلُ أغصانَه في ارتياحٍ‏

وتدنو القطوفُ‏

تقولُ،‏

وأنتَ تمدُّ اليدين وتحنو:‏

"تباركتَ ياربَّ هذي الثمارِ".‏

صحبةُ العمر بينكَ ياوالدي‏

والثرى.‏

أيقَظَتْ في الفصولِ المواسمَ.‏

فاسندْ على الجَذعِ رأسَكَ‏

كي تستريحَ قليلاً‏

ويبدأَ، من بعدُ، وَهْجُ الحوارِ‏

هكذا كنتَ ياوالدي،‏

كمياه الينابيعِ.‏

بل كنتَ أنقى وأصفى‏

وعشتَ رضيّاً،‏

وقلبُك يلهجُ بالحمدِ والشكرِ‏

فوق رصيفِ الأسى‏

والمَرارِ.‏

ومضيتَ بسيطاً‏

كلقمةِ عيشكَ‏

ترتاحُ في عالمٍ آخَرٍ،‏

يمكنُ القولُ عنه:‏

بأن التضاريسَ فيه‏

مُحَمَّلَةٌ بالجَنى والنُضارِ‏

دمشق‏

تموز 1998‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244