ولم تأتِ القصيدة - عبد الرحمن عمار

شـعر- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:28 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

ولم تأتِ القصيدة

-1-‏

من خاصرةٍ ضيّقة.‏

يدخل لؤلؤةَ الصمت.‏

ويبدأ هجرتَه المسكونةَ‏

بالموج التائِهِ والإعصارْ‏

يسعى..‏

ينتظر طويلاً‏

ويكابدُ‏

علَّ محارَتَها تنفلقُ‏

على وترِ الروح‏

وعلّ الغَمْرَ يجيء‏

ويحمل في جعبته شجراً‏

يتهيّأ للإزهارْ‏

لكن الأسوار تضيقُ،...‏

تضيقُ، وتنغلقُ الأسوارْ‏

فيرى الدنيا غيرَ الدنيا.‏

إذ تتلاطم في الوجدانِ‏

كوابيسُ الليلِ‏

وتنهضُ في الذهن.‏

وفي بَوتَقةِ القلب القارس‏

داليةُ الأفكارْ‏

ويظلُّ يعيشُ على هذي الحالِ الموصوفةِ‏

سبعةَ أزمنةٍ معلوماتٍ‏

في سبعةِ أمكنةٍ مجهولات‏

تتزاحم فيها العتمةُ والنورُ‏

وتنطلق الحَيْرةُ بين الصدغين‏

وينسكبُ الجمرُ المتوهّجُ‏

في مُرْتَجَفِ الشفتين.‏

فمن يدخلُ عندئذٍ دائرةَ النارْ.‏

من يتجوّلُ في فردوسِ اللهب‏

الراقصِ‏

غير جنونِ الشعرِ.‏

أوان يحاربُ قُبَّعةَ الإخفاء‏

ويسبح في قنواتٍ موحلةٍ‏

حيث الظلمةُ فيها آسِنَةٌ‏

لا تَقْدِرُ أن تطردَ وحشتَها الأنوارْ.‏

-2-‏

يجلس الآن وراء الطاولةْ‏

حائراً كيف يلاقي نجمةَ الإلهامِ‏

مابين ملايين النجومِ السابلةْ‏

في ندى عينيه.‏

شَبّت زهرةٌ حيرى .‏

وفوق الطاولةْ‏

بُعثرت بضعةُ أشياءَ؛‏

هناك الورقُ الأبيضُ‏

المنتظرُ‏

الغافي على أجنحة الوقت.‏

وفنجانٌ من القهوة.‏

تختالُ على صفحتِهِ رائحةُ الهالِ-‏

وعينٌ راحلةْ.‏

في فضاء الغرفة‏

العابق بالأشجانِ.‏

كم يُبصرُ في غرفته..!!‏

ذلك فيضٌ من كوابيسَ حسانٍ..‏

تلك أسرابٌ من الطير‏

الخرافيِّ الترانيمِ.‏

وهذي خفقات ذابلةْ.‏

أطلقتها وردةُ الروح،‏

فهل ينزِفُ حالُ الشعر..!!؟‏

أم تنكسرُ الرؤيا.‏

وتطفو فوق جدران الزمان القاحلةْ..!؟‏

هذه راحتُه،‏

يحمل فيها قلماً،‏

ظلَّ زماناً صامتاً،‏

تفتلُه في حَيْرَة الطفل الأصابيعُ‏

ولا يقوى على تشكيل حرفٍ‏

مبهمٍ،‏

يعجز أن يكتب حتى الفاصلةْ.‏

فرأى أن من الخير،‏

إذا ما قام من مقعده.‏

قام،‏

وقد حاصَ قليلاً ههنا،‏

ثم هنا،‏

جرّبَ أن يقرأ شيئاً‏

من كتابٍ أو جريدةْ‏

علّه يفتحُ درباً لانطلاقِ الحافلةْ..‏

علّه يلقى كليمَ الشعرِ..‏

تأتيهِ القوافي كالغزالاتِ.‏

هو الحلمُ الذي يسعى إليه.‏

كي يصيدَهْ.‏

إنما لمّا يزلْ أبيضَ ذاك الورقُ‏

وبقايا القهوةِ المرّةِ في الأعصابِ.‏

والأعصابُ يلتفّ عليها الأرقُ.‏

ما الذي يفعله بعدُ..؟‏

وقد جاهدَ كي تأتي.‏

ولم تأتِ القصيدةْ.‏

-3-‏

يسند الرأس كالوالهين‏

ولكن على خيبة النفس.‏

والنفسُ صارت‏

كأن الجدارَ‏

تثاقل في ظلِّه وانهدمْ.‏

يسندُ الرأسَ بالراحتين‏

ينامُ ويصحو على زبدٍ عائمٍ.‏

مَوْجُهُ كروابي الجبالِ تراءى‏

وتشمخُ عند السفوحِ المدائنُ‏

باهرةً كسرابِ الصحارى.‏

شوارعُها ترتدي ثوبَها‏

من لُجَيْنٍ وتبرٍ.‏

وجدرانُها، من عقيقٍ مداميكُها،‏

والتماثيلُ من مرمرٍ‏

تتوالى على شرفاتِ القصورِ‏

وسكانُها بشرٌ يهرجون‏

ولا ينطقون .‏

كأن العيونَ‏

تشاهدُ ذاتَ العماد.. إرَمْ.‏

وتمرُّ الثواني على صدرِهِ‏

قطعةً من شحوبِ الخريفِ‏

ولمّا يزلْ عاجزاً عن أداءِ المَهَمّةِ‏

ذاك القلمْ.‏

لا يُخلِّقُ من حبرهِ كلماتٍ مكوّنةً‏

من كيانٍ ولحمٍ ودَمْ‏

وتظلُّ القصيدةُ مهراً حروناً‏

تُصاوِلُ فوق حشيشِ البراري‏

تخبئ اسرارَها في رداءِ الجوى‏

وتبدّدُ طاقاتِ من يشتهيها‏

وتجعل أحلامَه قمراً مظلماً...‏

تائهاً‏

أو رقمْ‏

****‏

يسندُ الرأسَ بالراحتين‏

يميلُ على ذاتِهِ‏

ويلملم أشلاءه واحةً...‏

واحةً،‏

علّها تتندّى يداهُ‏

وترسمُ جرحاً يبيّن؛‏

كيف الصعودُ إلى ناهداتِ القِممْ‏

وتُعيدُ إلى الصدرِ بهجتَه‏

وتصوغُ من المشهدِ الملحميِّ‏

ومن لغةِ الطيرِ.‏

مفتاحَ تلك القصيدةْ.‏

كابدَ القلبُ‏

حتى ارتوى راضياً‏

من رذاذِ السكونِ‏

وحتى دنا القلبُ من فوّهاتِ الحِمَمْ‏

وارتمى في صقيعِ الشتاءِ طويلاً‏

وغاب إلى ماوراءَ النجومِ الودودةْ‏

ثم عاد‏

ينقّبُ حول دروبِ الحياةِ‏

وفي زمنٍ،‏

يتراكم فيه الأسى واللظى،‏

عن حروفٍ جديدةْ‏

إنما بعد لم تأتِ تلك القصيدةْ‏

-4-‏

جاءت من الأفق الظليل إليه‏

تحمل وجدَها‏

وتنوء من ثقل السكون‏

على السهوب،‏

قَوامُها متشكّلٌ من غصنِ تفاحٍ‏

وإشراقاتِ وجهٍ‏

وابتسامةْ.‏

والقلب بين ضلوعِها سفرٌ‏

حوى أشجى حكاياتِ الرحيلِ‏

بحيث تُورِفُ، من معانيها،‏

مناديلُ الغمامَةْ.‏

هي ذي تحطّ بطيفِها الشادي‏

على ورقِ الكتابةِ‏

أوعلى قلمِ الرصاصِ.‏

كما اليمامةْ.‏

هي ذي تحطّ وتنثني‏

بين الحقيقةِ والخيالِ،‏

تريدُ أن تغفو على "برّ السلامةْ ".‏

كم مرةً عانت من السفرِ الطويلِ،‏

وزامَلَتْ موجَ البحارِ،‏

تفرّدَتْ في شوقِها المكتومِ،‏

وارتحلَتْ تفتشُ عن إقامةْ‏

****‏

يتهدّلُ الصوتُ الرخيمُ.‏

تقولُ: ياعتبي عليك،‏

رميتَ نفسكَ طائعاً‏

أو ضائعاً،‏

هي إبرةٌ في بيدرٍ.‏

أعنِي قصيدتَكَ التي وَهَنَتْ عظامَكَ،‏

دون أن تأتيك وادعةً،‏

أتنسى أن كلتينا معاً‏

شَهْدٌ على شفةِ المودّةِ‏

نستمدّ من النجوم‏

ربيعَ أيام تليدةْ.‏

ودنت إلى أن قاربت عينيه‏

عيناها‏

وأومضّ ثغرُها..‏

ارتعشَتْ.‏

فمدَّ الراحتين، لكي يلامسَ وجنتيها‏

فاستحالَتْ عشبةً غابيّةً.‏

ترنو إلى الأفقِ الشفيفِ‏

وودّعتْ ورقَ الكتابة.‏

واستدارَ الطيفُ منطلقاً‏

إلى أمواجِ غربتهِ المديدةْ.‏

تَرَكَتْهُ منكسرَ الفؤادِ‏

يغوصُ في كرسيّه الخشبيّ..‏

يرتادُ القصيدةَ.‏

علّها تأتي.‏

ولم تأتِ القصيدةْ.‏

-5-‏

يمضي من الليل الزمان قطعةً..‏

فقطعة‏

ولم يزل صاحبُنا‏

يرحل محمولاً على زوبعةِ الأحلامْ‏

يلتف حول نفسِه‏

كأنه النسرُ المحطّمُ الجناحِ‏

والأقدامْ‏

يصرخ صامتاً على سُباته‏

ويشتهي أن يمسكَ الفضاءَ‏

باليدين‏

كلما تواتر الظلام في دمائه.‏

ويشتهي أن يغزلَ الغمامْ..‏

يحوكَه عباءة مائية‏

ثم يطرّزِ الحواشي ونجودَ الصدر‏

والأكمامْ.‏

يقول:‏

لو وجهتُ وجهي شطرَ مايغضبني،‏

فالغضبُ النبيلُ.‏

قد يكون موّالاً يحرّضُ النفوسَ،‏

حينذاك،‏

ربما أقتحم الأسوارَ...‏

أكشف الأسرارَ..‏

أصعد الآكامْ‏

وأكتب القصيدةْ‏

*****‏

من أين يبدأ الطوافَ‏

والديارُ كلُّها موصومةٌ‏

خلجانُها..‏

دروبُها..‏

قصورُها..‏

كأنّها زجاجةٌ مكسورة‏

مرميّةٌ تحت نعال الوقت .‏

أو ضمن خميرةِ الركامْ.‏

ونحن في داخلها.‏

نصيرُ بؤرةً من الهموم‏

والأشياء‏

والأوهامْ‏

والصبحُ والرمادُ توأمان‏

يغرقان في مستنقع الرمادِ،‏

والديارُ كلُّها جاريةٌ عاريةٌ‏

تلهو على هوامشِ الحياةِ.‏

نهدُها الخصيبُ،‏

يستهوي شفاه المقبلين‏

من جهات الكون،‏

لا تردُّ صولةَ الردى‏

وشهوةَ الأقوامْ‏

تبعثرت من ألف عام‏

كالصدى أعضاؤها..‏

تبعثرت من ألف عامْ‏

وأصبحت كالرمل، تذروه الرياحُ،‏

مهما جارتِ الأيامْ.‏

ومهما حاول الأحبابُ كي تلتمَّ،‏

لا تلتمُّ،‏

ذرّةُ الرمال، طبعها مختلف‏

ينفرُ من طبيعة الرخامْ‏

*****‏

مشوارُهُ الطويلُ ما انتهى،‏

وهل معبّدٌ بالذهب الإبريز‏

دربُه..!!؟‏

وهل معبد ببسمةٍ مرضيّةٍ‏

يَبْزُغُ منها الضوءُ‏

والزهرُ النديُّ والأنسام..!!؟‏

مشوارُهُ الطويل ما انتهى‏

مشى،‏

حتى ترامت مقلتاه‏

في حقولِ النارِ.‏

كان يشتهي.‏

أن يقطفَ الثمارَ من أغصانِها،‏

يانارُ كوني قبلةً محمومةً‏

عند اشتهاءِ العاشقينَ.‏

كي ينالوا المطلقَ المسكونَ‏

في شدو الحمامْ‏

فذاب في وهج الهوى ابتهالُه‏

وغابت الألوانُ من بستانه،‏

واحترقَ الكلامْ.‏

والغضبُ الموعودُ جاءه مشتتاً‏

يعيثُ في كيانه‏

يقول:‏

إني نَيْزَكٌ من شفق.،‏

أحمل في خزائني مسكَ الختامْ.‏

واهتزَّ حين أقبلَتْ قافلةُ الحروفِ‏

من مفازةٍ بعيدةْ.‏

وكلُّ حرفٍ يمتطي الجهاتِ كلَّها‏

من برجهِ الرمليِّ‏

لا يرى إلاّهُ دفتراً مناسباً‏

للجملة الوليدةْ‏

*****‏

تَسَنْبَلَ اشتياقُه في غضبٍ.‏

ومال نحو شاطئ الأماني‏

حاول أن يضمّها،‏

وأن يشكّل المعاني،‏

من طينةٍ كونيّةٍ‏

تعجنُها بلاغةُ الزمانِ‏

والمكانِ.‏

حاول أن يُطْلِقَ منها للمدى‏

عصفورةَ اللسان.‏

لكنها تبعثرت كالرمل،‏

صار كلُّ حرفٍ لولباً‏

يدورُ في كرسيّهِ.‏

يسير كلٌّ في سبيلٍ طائشٍ‏

تجذبُهُ هاويةٌ مُتْقَنَة.‏

مخزونُها الجنونُ والشَتاتُ‏

والمدائنُ الطريدةْ‏

وهكذا تغرق في أوجاعها‏

القصيدةْ‏

كانون الأول‏

1998‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244