ميسلون - الدكتور.خالد محيي الدين البرادعي

ملحمة شعرية في أحد عشر فصلاً - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:45 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

الفصــل الثانــي الخــــروج مــن الــــذات

ساءَ هذا الْفارِسَ الْمَنْذورَ للأَمْجادِ‏

أَنْ يَنْتَحِرَ الْمَجْدُ على كَفَّيْهِ‏

صَحْواً أَوْ مناماً‏

وَهُوَ في مَوْقِعِهِ السَّامي‏

أَميرٌ لِلْمَيامينِ‏

فَهَلْ يَتْرُكُ عَرْشاً لِلْبُطولاتِ‏

ارْتَقى فيهِ جِهاداً وَالْتِزاماً؟‏

وَرَضيعُ النُّبْلِ هَلْ يُفْلِتُ مِنْ قَبْضَتِهِ‏

عندما يُبْلِغُهُ النُّبْلُ الفِطاما؟‏

ويُذِلُّ المجدَ في أَهْوائِهِ‏

أَوْ يَمَسُّ الْخَوْفُ في الْفارِسِ‏

خُطْواً أَوْ زِماما؟‏

كيف يَرْضى الْهَوْنَ للشّامِ‏

وقلْبُ الأُمَّةِ الشامُ‏

انْتِماءً‏

ومَصيراً وَذِماما؟‏

وذُرا أَنْسابهِ في دَمِهِ‏

مَوْقِفٌ يُتْعِبُهُ حَيْثُ أَقاما‏

ساءَهُ‏

رُؤُيَةُ فُرْسانٍ على الأَرْضِ‏

وصَهْواتُ الْجِيادْ‏

تَتَشَهَّى حُلْبَةَ الْعِزِّ مُقاما‏

وهُوَ مَنْ أًبْلَى كَأبْطالِ الأَساطيرِ‏

على كُلِّ جِهاتِ الْحَرْبِ‏

مَعْقودٌ لَهُ النَّصْرُ‏

ومَحْنِيٌّ لَهُ الْمَجْدُ إماما‏

ساءَهُ أَنْ تُغْمَدَ الأَسْيافُ غَصْباً‏

لِنِداءٍ‏

ساقَهُ الطُّغْيانُ طُغْياناً‏

كأَنَّ العصرَ لا يَحْتَمِلُ الآنَ الصِّداما‏

لِيَمُرَّ الْوَحْشُ نَحْوَ الشَّرْقِ‏

مِنْ أَكْتافِ وادي بَرَدى‏

وهومَحْمِيٌّ بأَنْفاسِ ضَحاياهُ‏

الأَيامَى وَاليَتَامَى‏

والذينَ انْتَشَروا‏

كَالُعشُبِ اليابِسِ في ساحِ اغْتِرابْ‏

وعلى قَدِّ اسْتِلابْ‏

حَمْلَقَتْ أَعْيُنُهُمْ بالأُفُقِ الْمِسْدودِ‏

يَرْجونَ مِنَ المَجهْولِ نَفْعاً‏

وَمِنَ الْغَيْبِ لِماما‏

أَيْقَظَتْهُمْ شَهْوَةُ الْعَيِشِ‏

وكانَ العيشُ هَمَّاً وَسَقاما‏

ومِنَ الْوادي سَيَمْضي‏

والغاً في ناعزِ الْجُرْحِ الشَّآَمِيِّ‏

وجُرْحُ الشَّامْ‏

عَبَثٌ لِلرِّيحِ، للنَّارِ، لأَشْتاتِ الأَنينْ‏

ودِمَشْقٌ شَيَّعَتْ ، مُنْذُ سِنينْ‏

كَوْكَباتٍ مِنْ شُيوخِ الْفِكْرِ والإِنْقاذِ‏

شَـــنْقاً‏

سابَقوا الْمَوْتَ إلى الْخُلْدِ ضُيوفاً‏

وعلى الْخُلْدِ سَموا‏

جُنْداً كِراما‏

*‏

ورآى يوسُفُ أنَّ الشامَ‏

قد نامَتْ على جُرْحٍ يُغَطي الْجُرْحَ‏

تَسْتَنْجِدُهُ‏

أُمَّاً، وأُخْتاً، وجَرَيحاً‏

بَعْدَ أَنْ فَرَّقَتِ الْحَرْبُ النَّدامَى‏

وتَنادَوْا غُرَباءْ‏

في مَتاهاتِ الأَسى والْيَأْسِ‏

لا يَسْمَعُ مِنْهُمْ واحِدٌ صَوْتَ نَجِيِّ‏

وكأنَّ الْحَشْرَ في الْوِحْشَةِ قاما‏

أَوَلَيْسَ الفارِسُ الْمُتَّخِذُ الصَّهَوَةَ داراً‏

وصَليلَ السَّيْفِ لَحْناً‏

وصَهيلَِ الْفَرَسِ الحادي نَديماً‏

وغُبارَ الْكَرِّ في سوحِ الْكراماتِ مُداما؟‏

كيفَ يَنْسى صَرْخَةَ الأُمِّ إذَنْ‏

والشامُ أُمٌّ أَبْصَرَتْهُ الكُفْءَ‏

في دَرْءِ الْغِوَاياتِ‏

ومَنْ يَحْمِي خُدورَ الشَّامِ‏

مِنْ سَوْطِ سِفاحٍ‏

بَيَدِ الطاغوتِ مِنْ بُعْدٍ تَرامَى؟‏

يوسفٌ، لا يوسُفاً كانَ إذَا‏

لم يُضَمِّدْ جُرْحَها‏

وهُوَ يَرى‏

في الْفُروسِيَّةِ نُبْلَ الْمَوْقِفِ الصَّعْبِ‏

مُضِيَّاً، واخْتِراقاً، وارْتِطامَا‏

*‏

وَمَضى يوسُفُ‏

في لَمِّ شَتاتِ الْقَوْمِ‏

مِنْ دارٍ لِدارْ‏

يَغْسِلُ الأَكْبادَ مِنْ يَأسِ الشَّحيحينَ‏

ومِنْ عُقْمِ الْبَوارْ‏

فاضِحاً عَتْمَ الْوِشاياتِ‏

بِمِصْباحِ الْحِوارْ‏

نازِعاً بُؤْسَ الْغِشاواتِ‏

بما يَحْمِلُهُ الفارِسُ مِنْ نورٍ ونارْ‏

وَلِيَسْتَقْصي نَوايا الْقَوْمِ‏

كانَ اللُّطْفُ في بَسْمَتِهِ‏

مِثْلَما يَرْفَعُ عَنْ جُرْحٍ لِثاما‏

كانَتِ الشامُ انْكِساراتٍ‏

وأحْلاماً كَسيحاتٍ‏

رآى فيها‏

شُروخاً، وَثُقوباً، وانْقِساما‏

وغوِاياتٍ لَهَا أَثْمَارُها‏

تُطْعِمُ فُرْساناً‏

أَضَاعوا آلَةَ الْحَرْبِ‏

ورأْياً هارِباً عَنْها‏

ومَوْتاً غارِقاً فيها‏

ورُعْباً ، وحَنيناً ، وانْهِزاما‏

*‏

يوسُفٌ،‏

زارَ إمامَ الشَّامِ بَدْرَ الدينِ‏

في قُبَّتِهِ في الْجامِعِ الأُمَوِيِّ‏

واسْتَجْلاهُ شَيْخاً وحَكيماً وَإماما‏

وأضاءَتْ هَيْبَةُ الشِّيْخِ‏

النّجيِّيْنِ الصَّدوقَيْنِ مَعاً‏

وكَأَنَّ الْقَوْسَ في الْقُبَّةِ قَدْ بَشَّ‏

لهذين الشَّريفَيْنِ ابْتِساما‏

يوسُفُ الْعَظْمَةُ مَحْزونٌ‏

ولم ييأسْ أمامَ الشَّيْخِ‏

والفارِسُ لا تُيئِسُهُ الأَحْداثُ‏

إنْ كانَتْ صِغاراً أَوْ جِساما‏

ورأى يوسُفُ‏

أنَّ الشيخَ مَحْزونٌ لما يَجْري‏

كَسيرٌ خائِفٌ مِمَّا سَيَأْتي‏

وعلى الْحُزِنِ تَسامى‏

- يوسُفُ الْعَظْمَةُ‏

أَكْمِلْ سيرَةَ الأَبْرارِ‏

- قالَ الشيخُ-‏

لا تَجْزَعْ إذا الْخَطْبُ طَغى‏

كُلَّما اشْتَدَّتْ خُطوبُ الْقَوْمِ‏

أَثْرَتْهُمْ‏

ولَمَّتْ شَمْلَهُمْ‏

مِنْ بَعْدِ ما يُشْبِعُهُمْ عَصْرُ الْغِواياتِ‏

انْهِداما‏

إنَّ للِطَّاغوتِ عُمْراً واحِداً‏

وَلِمَنْ يَدْفَعُ عَنْ تاريخهِ الطَّاغوتَ أَعْمارٌ‏

يَزيدُ الأّوَّلُ الآخرَ حُسْناً وشُروقاً‏

والْتِئاما‏

إنَّ في الْجَنَّةِ عُمْراً أَبَدِيَّا‏

دائِمَ الخُضْرَةِ، والطوُّلِ ، شَهِيّا‏

عَبْقَرِيَّ الْحُسْنِ،‏

زاداً وَدَواما‏

فَلْيَكُنْ نُبْلُكَ دَرْباً نَحْوَهُ‏

لا تُزَحْزِحْ عَنْهُ رُؤْياكَ احْتِكاما‏

يوسُفُ الْعَظْمةُ‏

مَزِّقْ عَنْ رُبى الشَّامِ الظَّلاما‏

يوسُفٌ‏

إنْ تَطْعَنِ الطَّاغوتَ في لُبَّتِهِ‏

تَطْعَنِ اللَّيْلَ بِباقاتِ الضِّياءْ‏

ثم يَصْحو الضَّوْءُ في الأَعْماقِ‏

ضَوْءُ الْقَوْمِ يا يوسُفُ‏

مِنْ عَصْرَيْنِ ناما‏

فَكُنْ القابِسَ وَالْموقِدَ والْحادي‏

وَكُنْ بَوْصِلَةَ الدَّرْبِ‏

إلى اللَّهِ‏

إلى الإِنْسانِ دِفْئاً وسَلاما‏

*‏

يوسُفُ الْعَظْمةُ صَلَّى خَلْفَ بَدْرِ الدينِ‏

صَلَّى رَكَعاتٍ لِلْجِهادْ‏

وامْتَطى الْمُهْرَ وهاما‏

يطرقُ الأَبَوْابَ‏

يَسْتافُ عَبيرَ الياسَمينْ‏

وعبيرَ الْوَرْدِ وَالْمَنْثْورِ‏

كالطَّيفِ الذي زارَ الشَّآما‏

ويُنادي:‏

- : أيُّها الْقَوْمُ اسْمَعوني‏

أنا ماضٍ‏

لأَرُدَّ الغَزْوَ عَنْ تاريخِكُمْ‏

أنا ماضٍ‏

أصْفَعُ الطُّغْيانَ‏

أَلْوي يَدَهُ السَّوْداءَ حَتَّى‏

لا تَزيدَ اللَّيْلَ في الشامِ ظلاما‏

أنا ماضٍ نَحْوَ غَرْبِيِّ الشَّآمْ‏

بعدما جاءَتْ إلى الشامِ رِياحُ الطَّاغِيَهْ‏

سَأَصُدُّ الريحَ مِنْ مَطْلَعِها‏

عنْ حُرْمَةِ الأَعْراضِ‏

عَنْ تَأْتَأَةِ الأَطْفالِ‏

عن زَقْزَقَةِ الْعُصْفورِ‏

عَنْ عُشِّ الْعَشِيقينِ‏

وعَنْ زَهْرِ الْخُزامَى‏

وعَنِ الناهِضِ مِنْ أَنْقَاضِ حَرْبٍ‏

بَلَعَتْ أخْوَتَهُ‏

وامْتَصَّتِ السُّنُبلَ مِنْ بَيْدَرِهِ‏

وابْتَلَعَتْ مِنْ خَلْفِهِ‏

كوخَ الْيَتَامَى‏

أنا ماضٍ‏

لأُقاضِي هَمَجيَّاً‏

جاءَ في ثوبٍ فِرَنْسِيٍّ‏

وفُرْسانُ فِرَنْسا‏

أَطْبَقَوا السِّفْرَ على ثَوْرَتِها الْعُظْمَى‏

وأَبْقَوْها كَلاما‏

ولَهْمْ في الزَّحْفِ نَحْوَ الشَّامِ أَعْذارٌ‏

تُغَطيِّ عَوْرَةَ الطاغوتِ‏

تَطْوِي ظُفُرَ الْوَحْشِ خِداعاً‏

إنَّ طُفْرَ الْوَحْشِ‏

مُنْذُ افْتَرَعَ الإِنْسانُ دَرْبَ الْمَوْتِ‏

أَضَحى يَتَنامَى‏

أَنا ماضٍ أَيُّها الْقَوْمُ‏

لأَلْوِي ساعِدَ الطَّاغوتِ‏

فَالطَّاغوتُ في غَيْبَةِ فُرْسانِ الْهَوى‏

وَحْشٌ على عَرْشِ الدُّنى‏

قَدْ يَتَسامى‏

أُذْكُروا يا قَوْمُ‏

أَنَّ الزَّحْفَ نَحْوَ الشَّامِ‏

كَالرَّدِّ على حِطِّينَ قَهْراً وَانْتِقاما‏

إنَّ مَنْ جازوا اخْضِرارَ الْماءِ‏

في أَلْبِسَةِ الْفُرْسانِ‏

وَاجْتاحوا الثَّنايا‏

أَقْبَلوا كَيْ يَنْبُشوا أَضْرِحَةَ الْمَوْتَى‏

وفي نَزْوَةِ وَحْشٍ‏

يَبْلعَونَ الْعَصْرَ والتَّاريخَ‏

والإنْسانَ لَحْماً وَعِظاما‏

رَسَمَوا في خُطَّةِ الْغَزْوِ إباداتٍ‏

نَمَتْ في أَضْلُعِ الأَشْرارِ وَالْوَحْشِ‏

الذي يُفرِحُهُ‏

أَنْ يُبْصِرَ التاريخَ وَالْمَجْدَ حُطاما‏

إنَّ ما أُبْصِرُهُ يا.. يا قَوْمُ. ذُلاًّ‏

أَلْبَسوهُ مِطْرَفَ الْحُسْنِ‏

وأَسْمَوْهُ سَلاما‏

فاتَّقوا غَيْبَةَ أَسْلافٍ لَكَمْ‏

ما احْتَكَموا في حَلْبَةِ الْمَجْدِ إلى الذُلِّ‏

ولا غَلّوُّا على الضَّيْمِ حُساما‏

أنا ماضٍ أيُّها الْقَوْمُ‏

إلى مَلْحَمَةِ الْخُلْدِ لَهيباً وَضِراما‏

شَرَفُ الفارِسِ أَنْ يَلْقَى الْحِماما‏

وهُوَ كالرُّمْحِ على صَهْوَةِ مُهْرٍ‏

وخِداعُ الْموَتِ لَنْ يُجْدي الْعِظاما‏

أنا ماضٍ‏

لأكُفَّ الْمَوْتَ ، لا أَصْنَعَهُ‏

وأُزيحَ الذُّلَّ عَنْ هاماتِكُمْ‏

هاماً فَهاما‏

قَدَرُ الأَبْطالِ‏

أَنْ يَسْتَقْبِلوا الْموَتَ قِياما‏

والذَّي يهرُبُ مِنْ حَمَّالَهِ الْمَوْتِ‏

إلى أيِّ الْمَراقي‏

كيفَ؟ بَلْ أَيُّ الْخُطا‏

تَنْسُجُ لِلْمَوْتِ لِجاما؟‏

وابْنتَي لَيْلى حَرامٌ بَينَكُمْ‏

فَدَعوها بَيْنَكُمْ بَعْدي حَراما‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244