ميسلون - الدكتور.خالد محيي الدين البرادعي

ملحمة شعرية في أحد عشر فصلاً - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:45 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

الفصــــل الرابــع ليلــى والقمريــــة

نَقَرَتْ قُمْرِيَّةٌ، بِلَّلْورَ شُبّاكٍ‏

لِخِدْرٍ مِنْ خُدورِ الشامِ‏

-كانَ الْوَقْتُ فَجْرا-‏

وانْحنَى الصُّبْحُ يَرى الْمَشْهَدَ في رَعْشاتهِ الأُولى‏

فأَخْفى عَنْ رُؤىَ الْقُمْريَّةِ الجارَةِ أَمْرا‏

وإذا ما أَطْبَقَتْ أَجْفانَها الْقُمريَّةُ‏

أَوْهَزَّتَ جَناحا‏

أَوْ سَهَتْ عَنْ رُؤْيَةِ الْمشَهْدِ‏

فيما حَمَلَ الْمَشْهَدُ عَذْراءَ وَخِدْرا‏

فَرِحَ الصُّبْحُ بما أَبْصَرَ واسْتَلْقى‏

إلى جانِبِ لَيْلى‏

انْدَسَّ في فَرْشَتِها‏

وكأَنَّ الطُّهْرَ قَدْ عانَقَ طُهْرا‏

*‏

أَيْقظَتْ لَمْسَةُ كَفّ الصُّبْحِ لَيْلى‏

نَهَضَتْ لَيْلَى وفي بَسْمَتِها‏

قُبْلَةٌ ناعِمَةٌ‏

تُزْهِرُ لِلْقُمْرِيَّةِ الجَارَةِ عَهْداً‏

تَقْرَأُ الْقُمْريَّة يَوْميّاً بهِ‏

آَيَةَ الإنسانِ تَمْجيداً ونُبْلا‏

إنَّما الْقُمريَّةُ في وَضْعِ مُريبْ‏

دائماً جَذْلى وهذا الصُّبْحَ‏

تَبْدو غَيْرَ جَذْلى‏

فَهيَ لم تَضْحَكْ ولَمْ تَهْدُلْ لِلَيْلى‏

أَتَراهُ قَلقَاً راوَدَها‏

يَشْحَنُ في نَظْرَتِها هَمّاً‏

ولا يَقْدِرُ أَوْ يَمْلِكُ ما يَجْعَلُهُ‏

بَيْنَهُما بَوْحاً وَقَوْلا؟‏

أَمْ تُرى تُخْبِيءُ لِلْعَذْراءِ سِرّا؟‏

-: ما لِهذي الجْارَةِ اْلوادِعَةِ الْيَوْمَ‏

يَحومُ الْحُزْنُ كَالطَّوْقِ عَليْها‏

هل رَأتْ مِنّيَ نُكْرا؟‏

هكذا تَسْأَلُ لَيْلى نَفْسَها‏

رَقَصَتْ قُمْريَّةُ الدَّارِ‏

وخَضَّتْ هَدْأَةَ الصُّبْحِ‏

بما خالَتْهُ لَيْلى‏

جاءَ إنْذاراً وَسُؤْلا‏

وحَديثاً عَرَبِيَّ النُّطْقِ سَهْلا‏

-: هَلْ رَأَيْتِ الْوالِدَ الْفارِسَ‏

هذا الصُّبْحَ يا لَيْلى الْجَميلَهْ؟‏

ذُعِرَتْ لَيْلى‏

ولَيْلى‏

لَمْ تُشاهِدْ يوسُفَ الوالِدَ والفارِسَ‏

هذا الصُّبْحَ فِعْلا‏

لم تُشاهِدْ يوسُفَ الْعَظْمَةَ‏

مِنْ إغْماضَةِ الشمسِ إلى ناشِئَةِ اللَّيْلِ‏

ونامَتْ‏

واسْتَقَلَّتْ حُلْمَها وَعْراً وَسَهْلا‏

واسْتَدارَتْ جَزَعاً‏

لِتَزورَ الْفارِسَ الْوالِدَ في مَرْقَدِهِ‏

مثْلَما عَوَّدَها والِدُها الْفارِسُ‏

أَنْ تَغْشاهُ بالْقُبْلَةِ فَجْرا‏

وخَطَتْ بضْعَ خُطاً‏

خائِفَةً والْهَلَعُ الأَحْمَقُ يَغْشاها‏

ويَوهي عَزْمَها‏

لكِنَّ هَمْساتِ عَذارى الشَّامِ رَدَّتْها‏

إلى أُولى الْخُطا‏

شَكّاً وَعُذْرا‏

سَمِعَتْ مِنْ زَحْفِ قَطْراتِ النَّدى‏

فَوْقَ ضُلوعِ الْياسَمينَهْ‏

سَمِعَتْ مِنْ هَمْسَةِ الصُّبْحِ‏

ومنْ خَفْقِ الْفَراشاتِ‏

ومِنْ زَقْزَقَةِ الحسَوُّنِ‏

في نارِنْجَةِ الدَّارِ‏

ومِنْ دَمْعِ الْيَتامى‏

وحِوارِ الصَّمْتِ ما بَيْنَ الأَيامى والأَيامى‏

ومِنَ النيِّشانِ مَبْهوراً على بَزَّةِ يوسُفْ‏

ومِنَ الطيِّبِ الذي رُشَّ على الْحِيطانِ‏

تَوْديعاً وَبرّا‏

أَنَّ مَوْلاها النَّبيلْ‏

في ظَلامِ اللَّيْلِ أَسْرى‏

وأتَاها هاتفٌ مِلْءَ طَنينِ الأُذُنَيْنْ‏

وأواني الْقَلَقِ الغائِرِ في الدَّارِ‏

وفي داخِلِها‏

تَهْمِسُ كَالْعَرّافِ مَوْصولَ الرُّؤىَ بِالْغَيبْ‏

تَفْسيراً وخُبْرا‏

قالَ: يا لَيْلى اهدئي‏

يوسُفُ الْعَظْمَةُ كالنَّسْمَةِ مَرّا‏

وعلى وَعْدٍ مَعَ التّاريخِ‏

مَكْتوبٍ على لَوْحِ البُطولاتِ‏

بسَقْفِ الكْوَنِ، فَوْقَ الشَّامِ‏

والْوَعْدُ الذّي أُخْفِيَ عَنْكِ‏

الْيوْمَ صُبْحاً قَدْ أُقِرّا‏

*‏

جَمَدَتْ لَيْلى‏

وَلَفَّ الصَّمْتُ ما في الدَّارِ إِظْلاماً وَزَجْرا‏

وانتْهَى الصَّمْتُ إلى خاطِرَةٍ طافَتْ بلَيْلى‏

أَخْرَجَتْها مِنْ فَراغِ الصَّمْتِ‏

والتَّنْهيدَةُ الْعذَرْاءُ‏

تَنْسابُ كَمَوْجٍ في فَراغِ الصَّمْتِ حَرىَّ‏

غادَرَتْ مَنْزِلَها لَيْلى‏

ولَيْلى‏

لا أَخٌ، لا أُخْتُ، لا مِنْ عاشِقٍ‏

يشْغَلُها قَلْباً وَعُمْرا‏

وعلى قارعَةِ الدَّرْبِ، إلى غايَتِها‏

عالَجَتْ أَفْكارَها مَدّاً وَجَزْرا‏

ثم فكَّتْ في رِحابِ الْجامِعِ الأُمْوِيّ‏

عَنْ دَمْعتِها السِّتْرَ ونادَتْ‏

-:يا إِمامْ‏

سيدي يا شَيْخُ بَدْرُ الدِّينِ‏

يا شَيْخَ الشَّآمْ‏

والدي الْيوسُفُ قَدْ غابَ‏

فَأَرْشِدْني إلى وَجْهَتِهِ‏

إنَّكَ الصاحِبُ والرَّائي‏

وأنتَ الأَبُ للوالِدِ‏

مُذْ فَتَّحْتُ أَجْفانيَ‏

أَيْنَ الفارِسُ الراحِلُ‏

مِنْ أَمْسٍ وهلْ مَلَّ الْمُقامْ؟‏

أَمْ تُراهُ جَبَلاً كانَ وَخَرّا‏

وإلى رُكْنٍ وراءَ الشَّامِ فَرّا‏

كيف لَمْ يُنْبِئْنيَ الفارِسُ عَنْ رِحْلَتهِ‏

عَنْ مَدى وَجْهَتهِ‏

حاشا أَبي إنْ قُلْتُ: فَرّا‏

*‏

قال بدرُ الدينِ: لا‏

هَلْ يَفِرُّ الطَّودُ مِنْ مَوْقِعِهِ‏

اِصْبُري يا بِنْتَ يوسُفْ‏

يوسُفُ الْعَظْمَةُ طودٌ لَنْ يَفرّا‏

أَرْضَعَتْهُ الْمِحَنُ الْكُبْرى خُلاصاتِ بَطَلْ‏

وهو في ماءِ النَّبالاتِ اغْتَسَلْ‏

وبهِ يَثْبُتُ وَجْهُ الأرْضِ‏

ما دامَ عَلَيْها‏

وَيُوازيها ثَباتاً إنْ رَحَلْ‏

قاسَيونٌ مِثْلُهُ‏

وبهِ ما في قَوامِ الْجَبَلِ الرَّاسي‏

ثَباتاَ وَثِقَلْ‏

إنَّهُ الْمُنْتَظَرُ الْفَرْدُ‏

النَّبيلُ الثَّبْتُ في مَعْرَكَةِ الْمَجْدِ‏

وقَدْ خَبَّأَهُ التاريخُ ذُخْرا‏

لِلَيالٍ تَحمِلُ الأحْداثَ في أَحشائِها‏

حادِثاً صَعْباً وآَخَرْ‏

مِثْلَهُ صَعْباً جَلَلْ‏

آنَ وَقْتُ الْفَصْل يا لَيْلى‏

فَعَصْرٌ غُلِّقَتْ أَبْوابُهُ‏

يَحتْاجُ مَنْ يَفْتَحُ باباً لتَرى الأَجيالُ عَصْرا‏

والذي اخْتيرَ لهذا الْفَصْلِ‏

مِنْ مَلْحَمَةِ التاريخِ وَعْدٌ‏

طَلَبَتْهُ الشَّامُ قهْرا‏

*‏

صَمَتَ الشَّيْخُ.. ولَيْلى‏

تَقْرَأُ الصَّمْتَ بعَيْنَيْهِ ظنُوناً‏

وارْتياداً.. وهيَ حَيْرى‏

وخيَالاتٍ تُريها الْيُسْرَ عُسْرا‏

-:أَيْنَ يا شَيْخُ أَبي الآْنَ.. أَجِبْني‏

فهو قَدْ أَعْطاكَ -لا بُدَّ-‏

عِن الرِّحْلَةِ خِبْرا‏

أَطْفِيءِ النارَ بأحْشائي.. أَغِثْني‏

وَاحْمِني في رِحْلَتي حَتّى أَرى‏

مَنْ يَمْلأُ الْعَصْرَ وَيُبْقيني‏

وراءَ الْعَصْرِ لِلْهَمِّ مَقَرّا‏

*‏

قالَ بدرُ الدينِ: يا ليلى‏

أبوكِ الآنَ مَشْغولٌ بإغْلاقِ درُوبِ اللَّيْلِ‏

كَيْ يَسْحَبِ نَحْوَ الشامِ‏

بَسَّاماً مِنَ الصُّبْحِ أَغَرّا‏

يُغْلِقُ الآنّ على عَصْرِ الضَّنىَ أَبْوابَهُ‏

ويَدُلُّ الأُمَّةَ التَّعْبي على بابٍ‏

تَرى منهُ جُموعُ الأَعْيُنِ الرَّاحِلةِ الأَحْلامِ‏

في المْجَهْولِ عَصْرا‏

بعدما اخْتلَّتْ جِهاتُ الْعَصْرِ‏

واهْتَزَّتْ تَقاويمُ الزَّمانْ‏

وتَمَطىَّ الوَحْشُ في الإِنسانِ‏

كَيْ يُبقيَهُ أَشْلاءً وَقِشْرا‏

تلكَ يا لَيْلى‏

رسالاتُ الْعِظامِ الْمُلْهَمينْ‏

وبِهِمْ تَسْتَقْبِلُ الأَحْقابُ إطْلالاتِها‏

إنْ حِقْبَةٌ ضَلَّتْ على الدَّرْبِ‏

وإنْ عَصْرٌ على الْغُرْبَةِ والتِّيهِ تَعَرّى‏

فاتَّقي حُرمتَكِ الْعَذْراءَ يا ليلى‏

وَصَبْرا‏

*‏

وبَكَتْ لَيْلى.. أَمامَ الشَّيْخِ بَدْرِ الدينِ‏

والشَّيْخُ على عِلْمٍ بما في قلْبِها الْبِكْرِ‏

فلم يَرْدَعْ لَها دَمْعَتَها‏

تَرَكَ الأَدْمُعَ تَنْهَلُّ‏

فقد تَدْفَعُ عَنْ أَحْشائها بُؤْساَ وَحَرّا‏

-: أَيُّها الشَّيْخُ‏

-شَدَتْ كَالطَّيْرِ لَيْلى-‏

والِدي شقَّ طَريقَ الليلِ فَرْدا‏

ودروبُ اللَّيلِ عَمْياءٌ‏

فَقُلْ لي كَيْفَ مَرّا؟‏

وعلى وَحْدَتِهِ‏

هل كانَ يا شَيْخُ أَصَرّا؟‏

طَعْنَةٌ مِنْ خَلْفهِ تُرْديهِ يا شَيْخي‏

وإنْ أَرْدَتْهُ‏

تَهْدِمْ بَيْنَ هذا العصرِ وَالآتي‏

مِنَ الأَعْصُرِ جِسْرا‏

فَيَظَلُّ الليلُ لَيْلاً‏

والتقَّاويمُ عَليلاتٍ‏

ودَرْبُ الزَّمَنِ الآتي عَماءً‏

ويَكونُ الْوَجَعُ الساكِنُ في النَّاسِ اسْتَقَرّا‏

*‏

قال بدرُ الدينِ: لا بَلْ أَلْفُ لا. مِلْيونُ لا‏

طَعْنَةُ الْخَلْف‏

تَنالُ الْهارِبَ الْخَوَّارَ‏

في سوحِ الْمرُوءاتِ.. الْبُطولاتِ‏

ومَنْ خافَ صِدامَ المَوْتِ‏

مَذْعوراً وَمَبَهوراً.. فَفَرّا‏

لا. وأَمّا الْعُظُماءُ النُّبَلاءْ‏

فَهُمُ يَسْتَقْبِلونَ الطَّعْنَ في بَسْمَتِهِمْ‏

وَجْهاً وَأَجْفاناً وَصَدْرا‏

ويُقيمونَ حِوارَ النُّبَلاءْ‏

بِسلاحِ النبُّلْ إنْ صادَ فَهُمْ مَوْتٌ‏

كأنَّ الموْتَ لا يَعْنيهمُ‏

سِرَّا أَتى، أوْ جاءَ جَهْرا‏

وغَداً‏

يَسمعُ أهْلُ العَصْرِ في كُلِّ الْجِهاتْ‏

ويُذيعُ الْكَوْكَبُ الشامِيُّ‏

حَوْلَ الْكوْكَبِ الدُّرِّيِّ‏

فَوْقَ الْكَوْكَبِ الأَرْضيِّ‏

إيحاءاتهِ بَرّاً وبَحْرا‏

أَنَّ قِدِّيساً لَهُ‏

قُدْرَةُ مَنْ يَقْتَبِسُ النُّورَ مِنَ النَّارِ‏

ويَرْوي عَطَشَ الصَّحْراءِ‏

والأَحْلامَ في الأَجْفانِ‏

مِنْ نَهْر أبي بَكْرٍ‏

ويَنْبوعِ عُمَرْ‏

وفُراتِ ابْنِ الْوَليدْ‏

ورُؤى صَقْرِ قُرَيْشٍ‏

وبأشْواقِ صَلاحِ الدِّينِ لِلْقُدْسِ‏

وما يكَتْبُهُ الطُّغْيانُ تَزْويرا وَغَدْرا‏

ويُسَمَّى ذلِكَ الْقِدِّيسُ‏

في الأَرْضِ وفي أَعْلى السَّماءْ‏

:يوسُفَ الْعَظْمَةَ أَوْ كبرياءَ الْعَظَمَهْ‏

وَهُوْ لم يَتْرُكْ بأَرْضِ الشَّامِ‏

للطَّاغوتِ قَدْرَ الْكَفِّ لِلْمَوْطِيء‏

قَدْرَ الْقَدَمِ الهاربِ دَرْباً أَوْ مَقَرّا‏

وكأني أُبْصِرُ الآتي‏

بعَيْنِ الْقَلْبِ إِحْياءً وَنَشْرا‏

*‏

أَطْرَقَتْ لَيْلى، وفي نَظْرَتِها‏

تَرْجَماتٌ وسُؤالٌ وَحَكايا‏

بَعْضُها حَلَّقَ في آفاقِ بَدْرِ الدينِ إشْراقاً‏

وبَعْضٌ حارَ في أقوْالِهِ أَسْوانَ‏

لم يفهَمْ مِنَ الإشْراقِ إلاَّ‏

ظاهِراً مِنْهُ وَنَزْرا‏

غادَرَتْهُ.. دونَ تَسْليمٍ‏

وبدرُ الدينِ يَتْلو‏

سورَةَ الْفَتْحِ. وياسينَ، وما‏

أَنْزَلَ اللُّهُ على أَحْمَدَ‏

لَمَّا خاضَ بَدْرا‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244