ميسلون - الدكتور.خالد محيي الدين البرادعي

ملحمة شعرية في أحد عشر فصلاً - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:45 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

الفصــــل الخامــــــس حــــديـــث بــــردى

يوسُفُ الْعَظْمَةُ كَالضَّيْفِ السَّماوِيِّ أَطَلاّ‏

وأَتى يَخْتَرِقُ الْمأْلوفَ طَيْفاً عُلَوِيّاً‏

وعلى "دُمَّرَ" حَلاّ‏

كَوْكَباً مِنْ كِبْرياءْ‏

أَوْ رَعيلاً مِنْ عَطاءاتِ السَّماءْ‏

أَوْ قَبيلاً مِنْ أَساطيرِ قُدامَى الُعُظَماءْ‏

وخيُوطُ الشَّمْسَ حاكَتْ‏

إسْمَهُ الْقُدْسِيَّ في زَهْوِ الْفَضاءْ‏

*‏

هكذا صَوَّرَهُ التّاريخُ‏

والتاريخُ لَمْ يَقْرَأْهُ غَيْرُ العاشقينْ‏

وَخِيارُ النُّدَماءْ‏

ولقد حانَ‏

-كما قالَ شُيوخُ الْعِشْقِ يوماً-‏

اِخْتِبارُ النُّبَلاءْ‏

واسْتَراحَتْ ضَحْوَةُ الشَّمْسِ‏

على قامَته الفارِغَةِ الطوُّلِ‏

كما عاشقَةٌ وَلْهىَ‏

على صَدْرِ حَبيبٍ‏

كانَ مَفْقوداً وَجاءْ‏

وَلِحَوْرِ الضِّفَّتَينْ‏

صَبْوَةٌ تَرْجَمَها النَّهْرُ‏

أَمامَ الصَّاعِدِ نَحْوَ الْغَرْبِ حُبّا‏

فانْحنَى الْحَوْرُ‏

أمامَ الفارِسِ الْعابِرِ فَوْقَ الْخُيَلاءْ‏

وارْتَقى النَّهْرُ الَّذي يَعْشَقُهُ الشِّعْرُ‏

إلى أُفْقِ الْغِناءْ‏

هل تَراها‏

حَفِظَتْ ذاكِرَةُ النَّهْرِ حُداءَ الشُّعَراءْ؟‏

ورَهيفاتِ الْقَوافي؟‏

والذي طَرَّزَهُ الماضونَ في حَضْرَتِهِ‏

نُطْقاً رَخيَّ اللَّمْس؟‏

أَوْ ما انْدَسَّ في عُبِّ الْخفَاءْ؟‏

فَانْتَشَتْ مَوْجاتُهُ رَقْصاً‏

على وَقْعِ الْخَبَبْ‏

الذَّي يَعْزِفُهُ حافِرُ مُهْرٍ‏

فَوْقَهُ صورَةُ عَصْرٍ‏

وتَباريحٌ لِعَصْرٍ‏

يوسُفُ الْعَظْمَةُ اِسْمُهْ‏

يوسُفيُّ الْحُسْنِ وَالطَّلْعَةِ‏

أَحْنَتْ رَأْسَها بَيْنَ يَدَيْهِ الْكِبْرِياءْ‏

يوسُفُ.. الْياءُ‏

يُروَيِّ ظَمَأَ الْعَصْرِ‏

لِتَخْضَرَّ رُبىَ التاريخِ حَوْلَ الشَّامِ‏

يُحيْي مَيِّتَ الْفَتْحِ‏

يَرى الآتي‏

يُضيءُ الدَّرْبَ في مُغْتَرَبِ الْحَيرْى‏

يَرودُ الْمُسْتَحيلْ‏

يوسُفُ.. الْواوُ‏

وُرودُ النُّبْلِ‏

وِرْدُ الْخَيْلِ‏

وَقْعُ الْهَطْلِ‏

وَرْقاءُ الْهديلْ‏

يوسُفُ.. السِّينُ‏

سَناً مِنْ كَوْكَبٍ يَخْتالُ فَوْقَ الشَّامِ‏

سَعْيٌ نَحْو مَنْ عَشَّشَ في أَجْفانهِ الْعَتْمُ‏

سُمُوٌّ ونهوضٌ مِنْ كُهوفِ النَّوْمِ‏

يَوْمَ الْتهَمَتْ نارٌ الْمغُيرينَ‏

تَقاويمَ الْقَبيلْ‏

يوسُفُ.. الْفاءُ‏

فَتيتُ الْمِسْكِ مِنْ أَعْوادهِ السَّكْرىَ‏

لِيَلْطو في عِشاشِ الْعِشْقِ، بَلْ‏

فَوحُ الْهوىَ مِنْ عاشِقِ الْجَنّةِ‏

فُلٌّ عَبَقَتْ أَنْسامُهُ مِنْ‏

خِدْرِ عَذْراءِ الشَّآمْ‏

فَرَسٌ تَصْعَدُ في أُفْقٍ عُروبيٍّ‏

عَلَيْها فارِسٌ أُسْطورَةٌ‏

يَغْرسُ فَوْقَ الشَّمْسِ بَنْداً‏

فَوْرَةُ الْخصْبِ الذي غَرِقَ الزَّيتونُ‏

في أَخْضَرِهِ‏

وامْتَدَّ مِنْ رَعْشَتِهِ عُمْرُ النَّخيلْ‏

*‏

ذاكَ ما تَرْجَمَهُ الصُّبْحُ عَنِ النَّهْرِ‏

وما دَوَّنَهُ الأُفْقُ على أَلْسِنَةِ الطَّيْرِ‏

وما تَقْصُدُهُ حَمْحَمَةُ الْمُهْرِ‏

وما أَفْصَحَ عَنْهُ الْحَوْرُ لِلْحَوْرِ‏

وما ضاقَ به التاريخُ يَوْمَ ازْدَحَمَتْ‏

أخبارُهُ عن فارِسِ الشامِ النَّبيلْ‏

*‏

يوسُفٌ يَغْرفُ مِلْءَ الْكَفِّ ماءْ‏

ويُناجي بَرَدى:‏

-:أَيُّها الرَّاكِضُ نَحْوَ الشَّرْقِ حَدِّثْني‏

حدَيثَ الأَصْدقاءْ‏

أَيُّها الطَّالِعُ مِنْ عُمْقِ الأَساطيرِ إليَنْا‏

اِفْتَح السِّفْرَ الّذي خَبَّأَهُ‏

في ضِفَّتَيْكَ الْقُدَماءْ‏

واحْكِ لي مِنْ بَعْضِ ما مَرَّ عليكْ‏

أصَحيحٌ؟‏

أَنَّ مَنْ زاروكَ بالسَّيْفِ على كَثْرَتِهمْ‏

حَوَّلْتَهُمْ ذَرَّاتِ عَتْمٍ في الْفَضاءْ؟‏

بَعْدَ ما اغتالوا الْمنَاماتِ‏

وصادوا لَثْغَةَ الطِّفْلِ‏

ولَهْفاتِ الْمواعيدِ الظِّماءْ؟‏

أَصَحيحٌ؟‏

أَنَّ في خاصِرَتِكْ‏

أَلْفَ سَهْمٍ راشَها‏

الإِنسانُ والْوَحْشُ إذا ما اتَّحَدا‏

مُنْذُ ما سالَ دَمٌ بَيْنَهُما لُصْقَ الْعمَاءْ.؟‏

أصَحيحٌ؟‏

أَنَّ هذي الأَرْضَ ما ضاقَتْ‏

بِوَحْشٍ، أوْ بِزَرْعٍ، أو بِطيْرِ، أوْ بِماءْ؟‏

وإذا ما زارَها الْوَحْشُ‏

الّذي أُسْمِيَ إنْساناً‏

رأى قامَتَهُ أَطْوَلَ مِنْ هذا الْفَضاءْ‏

فَرَأى في قائِمِ السَّيْفِ أمانيهِ كِباراً‏

وبَنى مُتْعَتَهُ الْكُبْرى على شُرْبِ الدِّماءْ؟‏

*‏

يوسُفُ الْعَظْمَةُ‏

ما زال يُناجي النَّهْرَ، والنَّهْرُ يُناغي الفارِسَ الْمُنْفَرِدا‏

بانْحناءِ الْمَوْجِ، بالتَّصْفيقِ، بالضِّحْكَةِ‏

والْفارِسُ مَفْتونٌ‏

بما دَوَّنَهُ الدَّهْرُ على النَّهْرِ لُجَيْناً‏

وإذا لامَسَ وَجْهَ الشَّمْسِ أَضْحى عَسْجَدا‏

وَخُطا الْمُهْرِ حُداءٌ‏

وَقَّعَ الصَّمْتَ على أَلْحانِهِ‏

وحَنينُ الشّامِ مُنسابٌ على الْوادي‏

إذا ما يوسُفُ الْعظْمَةُ نادى بَرَدى‏

-: أَيُّها الشَّاهِدُ أَنْبِئْني‏

وأنتَ الصادقُ‏

هَلْ مَرّ صَلاحُ الدينِ يَوْماً مِنْ هُنا؟‏

إنَّكَ الْخالدُ في هذا الَمْدَى‏

إخْلَعِ الصَّمْتَ وقُلْ يا بَرَدى‏

هَلْ صَلاحُ الدِّينِ صَلىّ‏

مِثْلَما صَلَّيْتُ في أَعْتابِكَ عَبْداً ساجِدا؟‏

إحْكِ لي يا بَرَدى‏

كَمْ عَظيماً‏

غَلَّفَتْ أَمْواجُكَ مِنْهُ الْكَبِدا؟‏

كَمْ شَهيداً‏

أَنْتَ قد طَهَّرْتَهُ‏

لَحْظَةَ الرُّؤْيا لِكَيْ يَسْتَشْهِدا؟‏

كَمْ مُغيراً‏

غاصَ فيهِ الْوحَشُ‏

واسْتَسْقاكَ ضَيْفاً‏

وإذا ضَيَّفْتَهُ انْقَضَّ على الشَّامِ‏

يُريقُ الدَّمَ حَتّى خَمَدا؟‏

وَجِيادُ التَّتَرِ السُّودُ‏

وأَفْراسُ الصَّليبيِّينَ، هَلْ كُنْتَ لَها‏

في رِحْلَةِ التَّحرْيفِ، وَالتَّهْديمِ، وَالقَتْلِ‏

دَليلاً مُرْشِدا؟‏

وتُرَويِّ غُلَّةَ الْوَحْشِ عَلَيْها‏

مَغْطَساً أَوْ مَوْرِدا؟‏

وهل اسْتَلْقى‏

بهذا الْغَيَدِ الشَّامِيِّ "هولاكو"؟‏

وهَلْ غَسَّلْتَهُ‏

مِنْ لَوْثَةِ الْوَحْشِ‏

وَمِنْ بادِيَةِ الرِّجْسِ‏

ومِنْ طائِفَةِ الْمَسِّ‏

ومِنْ طاغوتِهِ الْمَسْعورِ لما وَفَدا‏

ثم أَلْقى‏

فَوْقَ أَمْواجِكَ إِرْثَ الْغابِرينْ‏

مِثْلَما أَلْقى على دِجْلَةَ يَوْماً‏

فَغَدا‏

ماؤُهُ الْعَذْبُ رِداءً أَسْودا؟‏

قَبْلَ أَنْ تَبكي، أَجِبْ يا بَرَدى‏

الصَّليبيُّونَ، هَلْ غَسَّلْتَهُمْ‏

بَعْدَ أَنْ مَصُّوا دِماءَ الْمُحْصناتْ‏

وأًسالوا الدَّمَ في كُلِّ الْجِهاتْ؟‏

وشَوَوُا مِلْيونَ طِفْلٍ‏

في رِحابِ الْمَسْجدِ الأقْصى‏

بَنونَ.. وبَناتْ‏

مَزَّقَتْ أَسْنانُهُمْ أكَبْادَها‏

والْتَهَموا الزَّرْعَ على سُنْبُلِهِ‏

مَنْ قَبْلِ أَنْ يُحْتَصَدا‏

أَصحيحٌ أَنَّ فُرسْانَ الصَّليبيِّينَ كانوا‏

مِنْ سُلالاتِ نَبيلَهْ؟‏

أَخْجَلوا الْوَحْشَ‏

ولم يَرْتَكِبِ الْوَحْشُ خَطاياهُمْ‏

بِظُفرٍ أَوْ بِنابْ‏

وبأَمْواجِكَ ناموا‏

ثُمَّ أَغْلَقْتَ عليهم‏

طَلْعَةَ الصُّبْحِ فماتوا كَمَدا‏

*‏

بَرَدَى رَشَّ على يوسُفَ مِلْءَ الرَّاحَتَيْنْ‏

وهُوَ يَمْشي كِبراً‏

واستَأْنَفَ الْفارِسُ شَدْوَ الْعاشِقينْ‏

-: بَرَدى‏

يا سائِحاً في الشَّامِ‏

والتاريخُ يَمْشي خَلْفَهُ مُتَّئِدا‏

لا تَصْمُتِ الآنَ فإنيِّ عابرٌ‏

لِلْغَرْبِ أسْتَقْري يَنابيعَكَ‏

أَثْني الشَّرَّ عَنْكْ‏

وَأنا الْمدَفوعُ دَفْعاً‏

لِسِجالٍ دَمَوِيٍّ‏

لَسْتُ مَنْ يَخْتارُهُ مُعْتَمِدا‏

صاعدٌ لِلْغَرْبِ أَلْوي وَجْهَةَ الرِّيحِ‏

فَلا تَطْمُرُ في الرَّمْلِ الَّذي تَحْمِلُهُ‏

عَنْكَ وعَنْ أَهْلي الْغَدا‏

إنَّ هولاكو جدَيداً‏

بَعْد هولاكو الَّذي فَسَّخَهُ الظُّلْمُ يَعودْ‏

أَيُّها الْوَحْشُ الذي يَكْبُرُ في الإْنسانِ‏

ما أَبْشَعَ‏

ما أَقْبَحَ‏

ما دَوَّنْتَ في الأَحْقابِ‏

وَجْهاً ويَدا‏

*‏

وَمَشى النَّهْرانِ‏

كُلٌّ مُبْحِرُ في صِنْوِهِ عُمْقاً‏

تارَةً صَمْتاً‏

وأُخرْى، أَلَقاً مُتَّقِدا‏

ويطولُ الدَّرْبُ أَمَّا بَرَدى‏

فَهُوَ صَوْبَ الشَّرْقِ نَجوْاهُ‏

وما رَوَّاهُ عِشْقاً أَبَدا‏

ونَجِيُّ الْخُلْدِ وَالْفُروسِيَّةِ يوسُفْ‏

صاعِدٌ لِلْغَرْبِ مَفْتونٌ بإحْدى الحُسْنَيَيْنْ‏

ثابِتاً كَالْعَلَمِ الشامِخِ‏

ما أخْفاهُ في الْعُمْقِ‏

وما في سامِقِ الأُفْقِ بَدا‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244