ميسلون - الدكتور.خالد محيي الدين البرادعي

ملحمة شعرية في أحد عشر فصلاً - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:45 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

الفصـــــل الســــادس الـــجـمــجمـــــــة

كانَ دَرْبُ الْغَرْبِ‏

في صَمْتٍ خُشوعِيٍّ يُداري‏

حُرْقَةَ السّائِرِ فَوْقَهْ‏

وَيُواري‏

بِحَفيفِ النَّسَماتْ‏

فَرَحاً عاشَ بهِ‏

حُلُماً مِلْءَ الْبَراري‏

وصَباحَ الْيَومِ يَسْتَقْبِلُهُ‏

في خَفقَاتِ الْفَرَسِ الْمفَتْونِ‏

تَحْتَ الْفارس الثَّبْتِ كَما خَفْقَةٌ تَلْثُمُ خَفْقَهْ‏

يوسُفٌ يَصْعدُ في الدَّرب وَيُصْغي‏

لِحَديثٍ مِنْ فَمِ التاريخِ‏

في آخِرِهِ سِرٌّ كما شَرْنَقَةٌ‏

لا أَحَدٌ في عَصْرِهِ‏

يَسْمَعُ مِنْ أَحْرُفهِ حَرْفاً‏

ولا يُبْصِرُ أُفْقَهْ‏

*‏

لَيْسَ يَدْري أَحَدٌ‏

في لَحْظَةِ مُحْرقَةٍ كَيْفَ هَوَتْ‏

جُمْجُمَةٌ مِنْ كَهْفِها‏

كيف مَشَتْ، أو زَحَفَتْ‏

من ذلكَ الْكَهْفِ وجازَتْ مِنْهُ عُمْقَهْ‏

إنَّها قابِعَةٌ في حُرْمَةِ الْموْتِ قُرونا‏

لا تَراها غَيْرُ عَيْنِ الرِّيحِ‏

والظُّلْمَةِ في وحْدَتِها‏

وإذا ما أَبْصَرَتْ يوسُفَ أَلْقَتْ نَفْسَها‏

كَالْكائِنِ الْحَيِّ أَمامَهْ‏

وحَوا في الدَّرْبِ‏

حَوْلَ الفارِسِ الصاعِدِ تَسْأَلْ‏

:-كَيْفَ قَبْلَ الْبَعْثِ أَنْهى مَوْتَهُ‏

مَيِّتٌ، واقْتَحَمَ الرُّوحُ عِظامَهْ؟‏

بل سَعَتْ كَاْلكائِنِ الْحَيِّ الَّذي‏

جاوَزَ خَلْقَهْ‏

قَيْلَ أَنْ تُبْعَثَ مِنْ مَرْقَدِها‏

يَوْمَ الْقِيامَهْ؟‏

***‏

فانْحنَى الفارسُ مَبْهوتاً مِنَ الْمَشْهَدِ‏

وانْصَبَّتْ عليهِ الأَسْئِلَهْ‏

-: مَنْ تُرى‏

أَخْرَجَها مِنْ أَبَدِيِّ الصَّمْتِ‏

والنَّاموسُ مَنْ يَمْلِكُ خَرْقَهْ؟‏

كَيْفَ يَمْحو بَعْضُ خَلْقٍ بَعْضَهُ؟‏

ويُواري مَوْتَهُ؟‏

عائِداً في جُمْجُمَهْ؟‏

إنَّ ما أبْصِرُهُ جُزْءٌ‏

فأَيْنَ الْكُلُّ؟‏

أَيْنَ الْجَسَدُ الكامِلُ‏

في أَيِّ زوايا الْكَهْفِ أَبْقى قَدَمَهْ؟‏

لَيْسَ بِدْعاً أوْ عَجيباً ما رَأَيْتْ‏

رُبَّما وَحْشٌ غَزا الْكَهْفَ‏

فأَلْقى بَعْضَهُ نَحوْي جُزافاً‏

لَيْسَ وَحْشاً‏

ربما عاصِفَةٌ هَبَّتْ على الْكَهْفِ‏

فأَلْقَتْ رأْسَ مَيْتٍ خارِجَ الْكَهْفِ‏

وأَبْقَتْ أَعْظُمَهْ‏

***‏

أَوْقَفَ الْمُهْرَ، وهاجَتْ مَوْجَهٌ مِنْ أَخْيِلَهْ‏

شَغَلَتْهُ عَنْ قَضاياهُ‏

وقَدْ أَنْسَتْهُ في لَحْظَتِها أَخْطارَهُ الْمُحْتَمَلَهْ‏

جَمدَتْ عَيْناهُ في مَشْهَدِها‏

نادى بِلُطْفٍ: أَنْتِ‏

يا هارِبَةً مِنْ سَطْوَةِ الإِفْناءِ‏

في أَيِّ زَمَنْ؟‏

كُنْتِ رَأْساً لِكِيانٍ آدَمِيٍّ‏

ثم أَمْسَيْتِ كما لَوْ كُنْتِ جُزْءاً مِنْ وَثَنْ؟‏

كيفَ خَلَّفْتِ بَقايا الْكائِنِ الْحَيِّ‏

وذاكَ الكائِنُ الْغائِبُ مَنْ؟‏

حَدِّثيني‏

كيف غادَرْتِ سَوادَ الْقَبْرِ‏

هل كُنْتِ بَقَبْرٍ؟ وهَرَبْتِ‏

إذْ رأيتِ الدودَ يَجْتاحُ بَقاياكِ‏

فأَمْسَتْ‏

مِلْءَ كَفٍّ مِنْ تُرابٍ وَعَفَنْ؟‏

ولِمَنْ كنتِ؟‏

لأُنْثَى عَشِقَتْ؟‏

أَمْ لإُمٍّ أَرْضَعَتْ؟‏

أَمْ لِعَذْراءَ سَقَتْ أَحْلامَها الْخَجْلَى‏

وظَلَّ الْمُشْتَهى‏

حُلْماً جَميلاً‏

وانْطوى تَحْتَ الْكَفَنْ؟‏

أَمْ لِشيْخٍ ضاعَ في وِحْدَتِهِ‏

واْبتعَدَتْ عنهُ فُصولُ الْعُمْرِ‏

فاسْتَلْقى على صَدْرِ الْوَهَنْ؟‏

أَمْ لِمَسْجونٍ قَضى تَحْتَ الْعذابْ‏

شالَهُ الْجَلاّدُ سِرًّا‏

ثم أَخْفاهُ بهذا الْكَهْفِ مِنْ غَيْرِ ثِيابْ‏

مُخْفِياً آثارَهُ‏

عَنْ أَيّ أَهْلٍ أوْ جِوارٍ أَوْ وَطَنْ؟‏

أَمْ لِغازٍ‏

داعَبَتْهُ الأُمْنياتُ البيضُ‏

وانْفَضَّتْ لِيلْقى حَتْفَهُ مُغْتَرِباً‏

خارِجَ أسْوارِ الأَماني‏

وبَعيداً عَنْ صَباباتٍ‏

بِلُقْياها افْتَتَنْ‏

أَمْ على قامَةِ جَبَّارٍ عَتِيِّ‏

كانَ مَذْعوراً بظِلِّ الْجَبَروتْ‏

عَبَثَ الْموْتُ بهِ‏

مُسْتَهْزِئاً مِنْ بَطْشهِ‏

مِنْ بَعْدِ مارَشَّ على الناسِ‏

تُرابَ الْمَوْتِ حَتّى يَطْمَئِنّ؟‏

أَمْ لِمَسْحوقٍ‏

عَصاهُ الرِّزْقُ حتى الْجوعِ‏

فاسْتَخْفى بظِلِّ الْموْتِ‏

والرِّزْقُ مَنامٌ في مَنامْ؟‏

ومَضى، لا أَهْلَ، لا صَحْبَ، ولا دارَ‏

فآواهُ هذا الْكَهْفُ سِتْراً ومُقامْ؟‏

أَمْ لِسِكِّيرٍ‏

أَضاعَ الدَّرْبَ للدَّار فَهامْ‏

وإذا داهمهُ الصّحْوُ‏

غَزاهُ الْمَوْتُ في ثوبِ الظَّلامْ‏

ولَهُ. أمْ هَلْ لَهُ‏

مَنْ بَحَثوا عنهُ وقد غابَ عَنِ الدَّارِ طويلاً‏

وهُوَ حِمْلٌ مِنْ عِظامْ؟‏

ما لهذي الْجُمْجُمَهْ؟‏

لا تُجيبُ السائِلَ الْمُشْفِقَ‏

لا رَدّاً ولا هَمْساً‏

ولا حتى بِبَعْضِ الْهَمْهَمَهْ؟‏

ولمَنْ كانَتْ‏

لِجُنْدِيِّ غَزا الشامَ بجيشٍ تَتَرِيِّ‏

في العُصورِ الْمُظْلِمَهْ؟‏

أم على جِسْمِ صَليبيٍّ غَوِيِّ‏

حَمَلَ الْعُدوانَ في الْيَقَظْةِ وَالْحُلْمِ‏

ونَمَّاهُ إلى أَنْ حَطَّمَهْ؟‏

أَمْ تُراها لِنَبيلٍ عَرَبِيِّ‏

قاوَمَ الْقَهْرَ‏

وَرَدَّ السَّلْبَ عَنْ أُمَّتهِ‏

مُهْرِقاً في هَيْكَلِ الشامِ دَمَهْ؟‏

أَمْ على جِسْمِ نَبِيِّ‏

سَخِرَ الناسُ بهِ‏

فارْتَضى العُزْلَةَ في الْكَهْفِ‏

بَعيداً عن عيونِ الساخِرينْ‏

بَيْدَ أَنَّ الشَّرَّ‏

لم يَترْكُهُ حَتىَّ أَعْدَمَهْ‏

***‏

وانْحنَى يوسُفُ كَالأُمِّ على طِفْلٍ‏

وضَمَّ الْجُمْجُمَهْ‏

واحْتواها بذراعَيْ مُشْفِقِ حانٍ‏

على لَغُزٍ عَصِيِّ التَّرجْمَهَ‏

بَعْدَ أَنْ خارَتْ لَدَيْهْ‏

عَشَراتُ الأَسْئِلَهْ‏

وهي في غَيْرِ مُبالاةٍ ولا هَمٍّ‏

ولا يَعْلَمُ في أيِّ منا في صَمْتَها مُسْترْسِلَهْ‏

لَحظَاتٍ.. وأصاخَ السَّمْعَ‏

للريحِ التي هَبَّتْ عليها عاجِلَهْ‏

جاءَهُ مِنْ حُفَرٍ للأَنْفِ والْعيَينينِ والْفكَيَّنِ‏

كالصَّوْتِ صَفيرٌ‏

تارَةً هَمْساً‏

وأُخرى، صَرَخاتٍ مُبْهَمَهْ‏

أوْ جواباً غارِقاً في الْجَمْجَمَهْ‏

عَنْ سُوالٍ‏

يوسُفٌ ما صاغَهُ مِنْ قَبْلُ‏

فيما صاغَ مِنْ أَفْكارِهِ الْمسُتَفْهِمَهْ‏

أوْ أتى رَدّاً على مَجمْوعها‏

أَتْقَنَ الإيجازَ حَتّى أَتْخَمَهْ‏

أو نداءً أعْجَميّ النّطق‏

لكنْ وحدَهُ يوسُفُ‏

في لَمْحَةِ وَعْيٍ تَرْجَمَهْ‏

-أيُّها القادِمُ مِنْ أصْلِ البطولاتِ‏

إلى عَصْرِ السُّقوطْ‏

تَحْمِلُ النُّبْلَ دَماً‏

والفُروسيَّةَ هَمَّاً عربياً‏

لا يُدانيهِ القُنوطْ‏

ليسَ هذا الْعَصْرُ عَصْرَكْ‏

فالزْمِ الصّمتَ وَعُدْ‏

لا تُعَرّض جُرْأةً دَفَّاقَةً، أوْ وَجَعاً‏

لِهُجومِ الرَّيحِ والطّاعونِ صَدْرَكْ‏

لا تُصَدّقْ حَمْحَماتِ المْهُرِ‏

إنْ حاوَرْتَ مُهْرَكْ‏

أَنْتَ في دَوّامَةِ الغْرَبةِ‏

والْغُرْبَةُ لَنْ تُلْجِمَ قهْرَكْ‏

إنّ مَوْت الْغُربَةِ العَمْياءِ‏

لنْ يَرْفَعَ ذِكْرَكْ‏

والذّي تفْعَلُهُ حِمْلٌ‏

إذا قارَبْتَهُ أنْقَضَ ظَهْرَكْ‏

كيف تَمْشي مِنْ رَبيعِ الْغُوطَتَيْنْ‏

لِصَقيعِ الْعدْوَتَيْنْ‏

عارِياً تَحْمِلُ وِزْرَ الأُمَّةِ التَّعْبى‏

كما لَوْ كانَ وِزْرَكْ؟‏

عَرَبيّ الخَطْوِ يا يوسُفُ‏

في هذي الدّروبِ المعُجْمَهْ؟‏

وتَلَفّت حولكَ الآنَ وخلْفَكْ‏

لترى في مضْجَع الأسياف‏

كَمْ سَيْفاً صحا يتْبَعُ سَيْفَكَ‏

وتَأَمّلْ صورَةَ العَصْرِ مَليّا‏

هل تَرى مِثْلَكَ فُرساناً؟‏

وهلْ تُبْصِرُ سَيْفاً عرَبيّاً؟‏

هل تَرى في سِعَةِ الْوادي‏

ندَيماً، أوْ مُريداً، أَوْ نَجِيّا؟‏

فإذا كُنْتَ النَّبيلَ الْعَرَبيّا‏

والأَميرَ الأُمَوِيّا‏

لنْ تكَونَ الصّانعَ التاريخَ للِشّامِ‏

بعَصْرِ الدّولِ الجوَعَى لألْوانِ الدّماءْ‏

ولديها مِنْ أحابيلِ الرّدى‏

آلاتُهُ المزْدَحِمَهْ‏

فاجْذُبِ المهْرَ وعُدْ‏

يا يوسُفُ العظْمَةُ،، أو قُلْ عَظَمَهْ‏

أنْتَ لنْ يُجديكَ خَوْضُ الْمَلْحَمَهْ‏

***‏

قالَ: لا‏

يوسفُ العَظْمَةُ نادى:‏

-: أَلْفَ لا‏

رَدَّدَ الوادي ومَوْجُ النَّهْرِ والْحوْرُ‏

وقَلْبُ الكْهفِ: لا‏

والصَّدى رَدّدَ في الآفاقِ: لا‏

وزِمامُ المُهْرِ والمهْرُ، وغِمْدُ السّيْفِ،‏

والسّيْفُ، ورَمْلُ الأَرْضِ: لا‏

وسَرَت في الطّولِ والعَرْضِ‏

وفي العلياءِ: لا‏

يوسُفُ العظمَةُ ظَنّ الأُمّةَ المجروحَةَ القَلْبِ‏

تُنادي: أَلْفَ لا‏

ظنّ أنّ الوَطَنَ الدامِعَ مِنْ صَنْعاءَ حتى حَلَبٍ‏

ومِنَ الأنبارِ حتى طَنْجَةٍ‏

ومِنَ الأحْسـاءِ حتى مَكّةَ، الْقُدْسِ، وبيروتَ‏

يُنادي: أَلْفَ لا‏

يوسُفُ العَظْمَةُ نادى:‏

-: ليسَ مِثْلي‏

مَنْ يُطيقُ العيْشَ إذْلالاً‏

ومِثْلي‏

كَيْفَ يأتيه الرّدى خلْفَ المعَاركْ؟‏

أيّ نُبْلٍ يرتَديني‏

إنْ أنا حَركّتُ رِجْلي‏

خارِجَ الشّوْطِ هُروباً مِنْ صُعوباتِ المَسالِكْ‏

وفراراً مِنْ رَهيباتِ المهَالِكْ‏

ولَقَدْ جئتُ لأَلْقى وَجْه رَبيّ‏

في عَزيفِ السَّيْفِ‏

أوْ تَحْتَ السّنابكْ‏

يَكْذِبُ الصّوْتُ الذي أَسْمَعُهُ‏

تكَذِبُ هذي الجُمْجُمَهْ‏

إنّهُ صَوْتُ جَبانٍ هَرِمٍ‏

أوْ صَوْتُ مَنْ يَصْنَعُ جُبْناً هَرَمَهْ‏

فَرّ مِنْ سوحِ المرُوءاتِ إلى‏

فَيءٍ دَنيءٍ غَنِمَهْ‏

إنّهْ رَأْسُ جَبانٍ‏

ضاعَ في لَحْظَةِ ذُلّ قاتمَهْ‏

لَسْتُ مَنْ يَسْمَعُ قَلْباً خائِراً‏

ولساناً مَزّقَتْهُ اللّهجاتُ العائِمَهْ‏

وسَأجْتاحُ عَصِيّ الدّرْبِ وَحدي‏

وأَصُدّ الغَزْوَ والطّاعونَ وَحْدي‏

رَيْثَما تَنْهَضُ مِنْ غَفْوَتِها‏

تَبْرَأُ مِنْ عِلَّتِها‏

أُمَّةٌ مَزَّقَها الغَزْوانِ قَهْراً‏

في عُصورٍ زَيَّنَتْها الأوْسِمَهْ‏

وأنا في خَطَوَةِ صِدْقٍ صاعِدٌ‏

دونَكِ الْكَهْفَ فَعودي‏

ودَعي‏

يوسُفَ الْعَظْمَةَ يَجنْي مَوْسِمَهْ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244