ميسلون - الدكتور.خالد محيي الدين البرادعي

ملحمة شعرية في أحد عشر فصلاً - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Sunday, September 21, 2003 11:45 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

الفصــــل الثامــــن الصعـــــــــــــود

دَمْدَمَتْ نادِبَةُ الْحَرْبِ وجُنَّتْ‏

جَبْهَةُ الْغَزْوِ ضَجيجاً وصَخَبْ‏

وتَعالَتْ صَرْخَةٌ مِنْ جانِبِ الوادي‏

تُهُزُّ اْلأُفْقَ حِقَداً وغَضَبْ‏

وتُحَييِّ الْغَزْوَ وَالْفَتْحَ وراياتِ الْحُروْب‏

وشُعوباً رَضِيْتَ أَنْ تَنْطَوي‏

كَالْخِرْقَةِ الْخَرْساءِ في ظِلِّ فِرَنْسا‏

فَلِمَنْ يَرْضى، الرِّضىَ‏

ولِمَنْ يَرفُضُ، -وَيْحَ الرَّافِضينْ-‏

لَيْسَ يُغْنيهم عَنِ النَّارِ تُراثٌ أَوْ نَسَبْ‏

قاذِفاتُ الْمَوْتِ لا تَخْتارُهُمْ‏

غَيْرَ زَيْتٍ وَوَقودٍ كَالْحَطَبْ‏

مُضْفِياً صائِحُهُمْ‏

مِنْ لَهَبِ الْفَخْرِ على آلاتِهِ‏

مِنْ ذَواتِ الْقَذْفِ، أَرْتالَ اللَّهَبْ‏

***‏

وتَلاهُ مُنْذِرٌ، مِنْ جَبَروتِ الْغَزْوِ‏

يَرْمي يوسُفَ الْعَظْمَةَ وَالْفُرْسانَ‏

بالْخسَّةِ‏

والْفَوْضى‏

وتَعْطيلِ جُيوشِ الْفَتْحِ بالْعِصْيانِ‏

والْجَهْلِ وَ إيقادِ الشَّغَبْ‏

وأَتى مِنْ ثالِثِ اْلأَصْواتِ إِنْذارٌ‏

تَشَظىَّ مِنْ جَحيمْ‏

بَيْنَ حِقْدٍ هَمَجِيٍّ‏

وصُراخٍ يوقِدُ النَّارَ لِتَجْتاحَ الْعَرَبْ‏

قالَ: إني آمِرٌ مَنْ يَسْمَعُ اْلإِنْذارَ‏

مِنْ بُعْدٍ نَآىَ، أَوْ عَنْ كَثَبْ‏

باسْمِ مَنْ يَحْمِلُ عَهْداً‏

شَرَفُ اْلأُمَّةِ في أَحْرُفِهِ‏

جِئْتُ أَثْني يوسُفَ الْعَظْمَةَ‏

هذا الفارِسَ الْمَغْرورَ عَنْ مَوْقِفِهِ‏

لِيَغُلَّ السيفَ في الْغِمْدِ‏

ويُلْقيه إلى زُخْرُفِهِ‏

ويَعودْ‏

ويَكُفُّ السُّخْفَ كَيْ نَجْتازَ وادي مَيْسَلونْ‏

ونُضيءَ الشَّامَ‏

بالعلمِ وأَسْبابِ الصُّعودْ‏

وقَرارُ الزَّحْفِ مَكْتوبٌ لَدَيْنا‏

ودَنَتْ لحظتُهُ‏

هل يَرْجِعُ عَنْ مَوْقِفِهِ‏

جَنِرالٌ فاتِحٌ مُنْتَصِرٌ‏

باسْمِ فَرَنْسا ما كَتَبْ؟‏

يوسُفٌ، يا واقِفاً‏

كَالدَّمْعَةِ في وَجْهِ اْلمُحيطْ‏

هَلْ تَرى مَوْتَكَ‏

والرَّتْلَ الَّذي خَلْفَكَ‏

مَجْداً يُكْتَسَبْ؟‏

وانْتِصاراً لِلْعَرَبْ؟‏

أَمْ فُروسِيَّةُ مَعْتوهٍ تَسَلىَّ‏

في سِجالِ النارِ والْبارودِ‏

والصاعِقِ مِنْ أَسْلِحَةٍ لَمْ تُرْتَقَبْ؟‏

ليسَ ما يدفَعُهُ الْوَهمُ إليكْ‏

عَنْ وقوفٍ عُنْجُهِيٍّ بينَ آلاتِ فَرَنْسا‏

رافضاً رايَتَها‏

والَّذي أَثَّلَهُ الْمَجْدُ بها‏

غَيْرَ ضَرْبٍ من جُنونِ وغَباءٍ‏

وَمَثارٍ لِلْعَجَبْ‏

*‏

يوسُفُ الْعَظَمَةُ ماضٍ‏

يُلْهِبُ الْفُرْسانَ تَحرْيضاً وشَدّا‏

كلما غَيَّبَ بَعْدَ الذِّكْر مَجْدا‏

أَشْرَقَتْ ضَحْوَةُ مَجْدٍ يَتَحَدىّ‏

رافِعاً رايَتَهُ الْخَضْراءَ، وَالْحَمْراءَ،‏

والْبَيْضاءَ، وَالسَّوْداءَ‏

بَنْدا‏

والَّتي اخْتارَ لَها اْلأَحْرارُ مِنْ كُلِّ عُصورِ الْعِزِّ‏

أَلْواناً وتَطرْيزاً وَمَدّا‏

مِنْ بَني الْعَبّاسِ لَوْناً‏

بَعْدَ لَوْنٍ مِنْ أُمَيَّهْ‏

ومِنْ الْفَتْحِ الَّذي ضَوَّأَ لَيْلَ الْكَوْنِ‏

لوناً ثالِثاً‏

في خُضْرَةِ النَّخْلِ وَأَنْدى‏

ومِنَ الثاراتِ لَوْناً عَنْدَمِيَّاً‏

شَحَنَ الْعَزْمَ لِفَتْحِ الْكَوْنِ إِمْداداً وَوَقْدا‏

وهُوَ يَدْري أَنَّ في جَبْهَتِهِ الصُّغْرى‏

إِشاراتٍ إلى الثَّوْرَةِ إلْهاماً وَرِفْدا‏

وَرِسالاتٍ إلى أُمَّتِهِ كَيْ تَسْتَعِدّا‏

-: اُصْمُدوا‏

حتى تَشُمَّ الشامُ‏

طَيبَ الْمُلْتَقَى‏

وتَرى فيكُمْ شَهيداً‏

وفِدائِيّاً‏

وَصِدِّيقاً تَحَدىّ‏

***‏

يوسُفٌ، يَبْتَسِمُ اْلآنَ كما‏

لَوْ أُزْلِفَتْ‏

جَنَّةُ الْخُلْدِ إلَيْهْ‏

وامْتَطى الْمُهْرَ‏

وجَسَّ الْكَفَنَ الْمَربْوطَ كَالدِّرْعِ عَلَيهْ‏

وصَهيلُ الْمُهْرِ موسيقاهُ في كُلِّ وَغىً‏

وتَهادى صَوْتُهُ في اْلأُفُقِ الْغَرْبِيِّ‏

مَحْمولاً على تَكْبيرَةٍ‏

أَو حُداءٍ‏

أَوْ تَراتيلَ كِتابٍ نُشِرَتْ آياتُهُ مِنْ ساعِدَيهْ:‏

-: بَلِّغوا مَنْ سَقَطَتْ يُمْنى يَدَيهْ‏

في مِياهِ الدَّرْدَنيلْ‏

إنَّ مَنْ يَطغْى على رُؤْيَتهِ‏

مَشْهَدُ الدُّنيا دَماً‏

بَيْنَ جَريحٍ وسَجينٍ وقَتيلْ‏

سَيَرى يُسْرى يَدَيْهْ‏

وَحْدَها مُنْزوعَةً مِنْ كَتِفَيْهْ‏

في بُيوتِ الشَّامِ‏

تَسْتَجدي الْهِباتْ‏

مِثْلَما الشَّحَّاذُ في كُلِّ سَبيلْ‏

بَلِّغوهُ‏

أنَّ لَحْمَ الشَّامِ مُرُّ‏

ويَدُ الشامِ إلى زائِرِها حُبّاً‏

بإِكْليلٍ من الزَّهْرِ تَميلْ‏

والَّذي يَرْتادُها‏

غَزْواً، وفَتْحاً، وسِفاحاً‏

سَتُواريهِ وتَبْقى بَعْدَهُ‏

مَوْسِماً خَصْباً، وفَصْلاً مِنْ هُطولْ‏

أَغْرَتِ الشَّامُ‏

بِحُسْنِ الشَّامِ‏

سَفَّاحينَ مَروُّا‏

مِثْلَما عاصِفَةٌ تَجْتاحُ هَوْجاءَ وتَمضْي‏

ليَظَلَّ الشَّجَرُ اْلأَقْوى وأَعْراقُ الْقَبيلْ‏

فاجَأَ الشَّامَ غُزاةٌ‏

أَقْبَلوا مِنْ شَرْقِ وَحْشِيِّ التَّتَرْ‏

وغَزاها في صَقيعِ اْلأَعْصُرِ الْعَمْياءِ‏

رومانٌ وَرومْ‏

وسَقوها لُكْنَةَ اللَّغْوِ وَمَصُّوا ضَرْعَها‏

حَتَّى اقْتِلاعِ الماءِ مِنْ تَحْتِ الْحُفَرْ‏

وطَغى فَوْق رَوابيها الْخَزَرْ‏

وصَليبِيوُّنَ قَدْ شَدُّوا الصَّواري‏

لشَواطيها سِفاحاً، وغِوىً‏

يَقْتادُهُ اثْنانِ: بَغاءٌ وقَذَرْ‏

خَنَقوا الْعَذْراءَ حَتَّى اخْتَرعوا عَذْراءَهُمْ‏

وانْتَقَوا مِنْ بَيْنهِمْ عَيسى جَديداً‏

مَسَخوهُ مثْلَما شاؤوا بآلافِ الصُّوَرْ‏

وغَزاها عاهِلُ التُّرْكِ بِجِلْبابِ التُّقَى‏

وإذا ما اهْتَرَأَتْ جُبَّتُهُ‏

واعْتَلَّ تَرتيلُ السُّوَرْ‏

وامَّحَتْ تَصويرَهُ الْمُسْلمِ عن أَهْدابِهِ‏

واْنجلى في السَّيْرِ مَخْفِيُّ السِّيَرْ‏

كَشَّرَ التُّرْكِيُّ عَنْ نابَيْهِ تَتْريكاً وقَتْلا‏

وارْتَقى السُّدَّةَ تجْويعاً وتَشْريداً وذُلاّ‏

كُلُّهُمْ مَرُّوا‏

وظَلَّتْ ضَحْوَةُ الشَّامِ على الشَّامِ‏

كَوَرْدِ الشَّامِ نَدْيانَ مَعَ الصُّبْحِ اْلأَغَرّ‏

بَلِّغوا هذا الْعَجوزَ الْجَنرِالَ الفاقِدَ الْكِتْفِ‏

الْمُسَمَّى بَطَلا‏

وَبِحَرْبِ شَنَّها الطاغوتُ يَوْماً وانْتَصَرْ‏

إنَّ قُوّات فَرَنْسا‏

إنْ تُجاوِزْ بَرَدى قَتْلاً وَزَحْفاً‏

لا يَظُنَّنَّ بها يَأْتي الظَّفَرْ‏

بَلْ سَتَمْتَصُّ بَوادي الشَّامِ أَعْتاها‏

لِتَمْضي‏

مِثْلَما مَرَّ الطَّواغيتُ اْلأُخَرْ‏

***‏

جَلْجَلَ الصَّوْتُ مِنَ الزَّحْفِ على يوسُفَ أَقْوى‏

وكما صاعِقَةٌ تَهْوي‏

مِنْ الْعَلْياءِ أَهْوى:‏

-: يوسُفُ الْعَظْمَةُ اِسْمَعْ‏

آخِرَ الصَّرْخاتِ مِنَّا‏

لا تَقُلْ عَنْ نُبَلاءِ اْلحَرْبِ‏

أَشْرافِ الْمغازي‏

غَدَروا فيمَنْ غَدَرْ‏

إِنَّنا آتونَ‏

في جَحْفَلِ فَتْحٍ للِشَّآمْ‏

لا لِتُلْهينا‏

بهذا اللَّغْوِ عَنْ تاريخِها الْمَدْفونِ‏

في رَمْلِ الصَّحاري‏

إنَّ مَجْداً غاصَ في بادِيَةِ النِّسْيانِ‏

مَجْدٌ ذاهِبٌ في الْعَتْمِ مُنْحَلُّ اْلأَثَرْ‏

طَأْطِئي الْهامَةَ‏

-إنْ أَحْبَبْتَ- واهْرُبْ‏

مِنْ جَحيمٍ مُنْتَظَرْ‏

لا نَرى فيكَ سِوى مُنْخَدِعٍ‏

بِالْوَهْمِ، بِاْلأَحْلامِ‏

مُنْشَدٍّ إلى مَجْدٍ غَبَرْ‏

هَلْ تَرانا؟‏

هَلْ ترى الْقاصِفَ والزّاحِفَ‏

مِنْ تَحْتٍ؟ يَميناً وَيَسارا؟‏

هل تَرى الطَّائِرَ مِنْ فَوْقٍ؟‏

لِيُلْقي حُمَمَ اْلإفْناءِ مِلْءَ الْعُدْوَتَينْ؟‏

أَمْ تَرى‏

خانَكَ في الإِبْصارِ خَوَّانُ الْبَصَرْ؟‏

وتَذَكَّرْ‏

أَنَّ عُمْرَ الْمَرْءِ يُعْطىَ‏

مَرَّةً واحِدَةً‏

لا تَتَكَرَّرْ‏

ولَكَ الْخَيرَةُ في تَحْديدهِ‏

فَتَخَيَّرْ‏

***‏

بَيْدَ أَنَّ الْبَطَل الصدِّيقَ‏

لم يَصْدَعْ لِتَهديدِ الْعُتاةْ‏

لم يُلامِسْ قَلْبَهُ الْخَوْفُ كَمَنْ‏

يُبْصِرُ في الرُّؤْيا نهاياتِ الطُّغاةْ‏

-: بَلِّغوا سَيِّدَكم، أَنْ لَنْ تَمرُوُّا‏

بَلِّغوا قائِدَكم، أَنْ لَنْ تَمُروُّا‏

أَخْبِروهُ أَنَّ لَحْمَ الشامِ مُرُّ‏

قالَها واضِحَةَ اْلأَحْرُفِ‏

كالتَّكْبيرِ في بِدْءِ الصَّلاةْ‏

- : أَخْبِروا سَيِّدَكُمْ‏

أَنَّا أَتَيْنا لِنَصُدَّ الْغَزْوَ بِاْلأَذْرُعِ واْلأَضْلاعِ‏

إمَّا خانَتِ الْحَرْبَ اْلأَداةْ‏

أَخْبروا طاغوتَكُمْ‏

أَنَّا فَتيلٌ‏

مَدَّدَتْهُ الشَّامُ حتى مَيْسلونْ‏

وبلادُ الشامِ مِنَّا الْقُنْبُلَهْ‏

إنْ تُلامِسَ نارُكُمْ أَطْرافَنا‏

تَنْفَجِرِ الشامُ بِكُمْ‏

إنَّني بلَّغْتُ ما أَعْرِفُهُ‏

هَلْ وعى سِرَّ الشَّآمِ الْقَتَلَهْ؟‏

***‏

-: لَحْظَةُ الصِّفْرِ دَنَتْ‏

نادى مُنادٍ بينَهُم‏

وجُنونُ الْعُنْجُهِيَّهْ‏

هُوَ ما يَدْفَعُ هذا الْمُزْدري أَمْجادَنا‏

ليرى ميتَتَهُ تَحْتَ دَواليبِ الْفُتوحْ‏

شَرَفاً أَوْ واجِباً‏

تُمْليهِ أَشْراطُ الْحَمِيَّهْ‏

فَلْنُحَقِّقْ لِوزيرِ الْحَرْبِ هذا‏

يوسُفَ الْعَظْمَةِ ما يَرْغَبُهُ‏

والَّذينَ انْتَحروا مِنْ خَلْفِهِ‏

نَجْدَةً أَوْ أَرْيَحِيَّهْ‏

مَعَهُ في حُفْرَةٍ واحِدَةٍ‏

سَتُسَوَّى بتُرابِ السَّطْحِ‏

في هذي الْعَشِيَّهْ‏

***‏

وتَتالَتْ قَهْقَهاتُ الزاحِفينْ‏

بينَ سَفْحٍ يحملُ الموتَ‏

وصِلْياتٍ تَخَفَّتْ في الشَّقوقْ‏

وقذيفاتٍ على كُلِّ الرَّوابي‏

حَدَّقَتْ بالْعَرَبِ الفادينَ تاريخاً وعِرْضاً‏

وُتُراثاً راجِفاً‏

يَنْتَظِرُ الْحَرْقَ بأَيْدٍ هَمَجِيَّهْ‏

***‏

كُلُّ ما جَنَّدَهُ الْغَزْوُ مِنَ اْلآلاتِ‏

أَوْ نادى بهِ الْمُسْتَكْبرونْ‏

أَرْخَصَ الدُّنْيا بعَيْنَيْ يوسُفٍ‏

فازْدادَ في الْمَوْقِفِ بَأْسا‏

ليَرى الْحَرْبَ صُعوداً‏

نَحْوِ إِعْلاءِ الْمَعالي‏

وسِجالَ الْغَزْوِ عُرسا‏

ورآى أَصْحابَهُ في وَقْفَةِ الصَّدِّ شُهوداً‏

وعلى الْبَيْعَةِ جاؤوا‏

يُرْخِصونَ الْعَيْشَ في اْلأَرْضِ‏

فَنَفْسٌ عانَقَتِ في الْجَنَّةِ نَفْسا‏

أَيُّ عُمْرٍ يَتقَصَّاهُ شَريفٌ عَرَبِيٌّ‏

في ظِلالِ الْغَزْوِ، إذْلالاً وَبُؤْسا‏

ما الَّذي رَدَّ بهِ يوسُفٌ‏

مِنْ بَعْدِ إِنْذارٍ لئيمِ النُّطْقِ كالصَّخْرِ وَأَقْسى؟‏

-: خَسِيءَ الْغازي‏

إذا ظَنَّ دُخولَ الشَّامِ سَهْلا‏

وَقِيادَ الشَّامِ سَهْلا‏

وهَلِ اْلأَمْجادُ في تاريخِها‏

في تُرْبَةِ الْفادينَ‏

مِنْ ذاكِرَةِ اْلأَجْيالِ تُنْسى؟‏

ذاكَ ما رَدَّدَهُ اْلفارِسُ ابْنُ الْعَظَمَهْ‏

يوسُفُ الْعَظْمَةُ في تَعْبِئَةِ الْفُرْسانِ‏

إِعْلاناً وَهَمْسا‏

لِيَظَلَّ الْبَطَلَ الشَّامِخَ في أُمَّتِهِ‏

وَبِأَذْهانِ صَغارِ الْقَوْمِ مِصْباحاً وَدَرْسا‏

***‏

وبِإحْدى لَحَظاتِ الْحِقْدِ وَالثَّوْرَةِ غاصَتْ‏

رُؤْيةُ الفارِسِ في أَعْماقهِ‏

لِتُروَيِّ لَذَّةَ التِّسْآلِ في الْمَظلومِ‏

إِلْحاحاً وَحِسّا‏

-: مالِجبّارينَ‏

يَخْتارونَ في كُلِّ الْحُروبْ‏

لُغَةَ الْوَحْشِ حِواراً‏

واقْتِحامَ الْحُرُماتْ‏

مُغْنَماً‏

يُغْري مِنَ النَّفْسِ اْلأَخَسّا؟‏

ومَتى تَرْحَلُ عَنْ خُضْرَةِ هذا الكَوْكَبِ اْلأَجْمَلِ‏

ثاراتُ الْوُحوشْ‏

وحُروبٌ يَقْتَفيها الْمَوْتُ‏

حَدَّاءً‏

إذا ما حارِسُ اْلأَحْياءِ أَمْسى؟‏

ما جَنى اْلإِنْسانُ في الشَّامِ لَيَلْقىَ‏

رَشَقاتِ الْمَوْتِ‏

أَوْ وَخْزَ السُّيوفْ‏

أَوْ عُفوناتِ السُّجونْ‏

أَوْ وُلوجَ الْغُرْبَةِ الْعَمْياءِ‏

إصْباحاً وَمَمْسَى؟‏

ولماذا اخْتارَتِ اْلأَقْدارُ‏

في كُلِّ الْعُصورْ‏

طَلْعَةَ الشَّامِ‏

لأَلْوانِ الطَّواغيتِ مَلاذاً‏

وصَباباتٍ وَقْدْسا؟‏

أَيُّ باغٍ مِنْ طَواغيتِ الزَّمانْ‏

لم يَدَعْ في زَحْفِهِ‏

فَوْقَ طَهورِ الشَّامِ رِجْسا؟‏

***‏

زَحَفْتْ في هذهِ اللَّحْظَةِ آلاتُ الدَّمارْ‏

تَحْتَ طوفانٍ مِنْ الْمُهْلِ الْجَحيِميِّ‏

وسَيْلٍ مِنْ دُخانٍ‏

يَتَحَسىَّ‏

سُنْبُلَ الزَّرْعِ‏

وأَعْشاشَ الْعصافيرِ‏

وأَسْرابَ الْفَراشاتِ‏

ونَسْجَ الْعَنْكَبوتْ‏

وابْتِسامَ الْعُشْبِ‏

والصَّبَّارَ والشَّوْكَ‏

وسِرْبَ النَّحْلِ في عَوْدَتِهِ لِلْمَلِكَه‏

ورآى يوسُفُ وادي مَيْسلونْ‏

وَجْبَةً مِنْ حَجَرٍ، مِنْ عُشُبٍ‏

مِنْ حُلُمٍ، مِنْ أُفُقٍ،‏

مِنْ نَبْعِ ماءٍ خَجلٍ‏

تُطْعِمُ طاغوتَ فَرَنْسا‏

ورآى الدَّمْعَ بِعَيْنَيْ بَرَدى‏

قَدْ غدا‏

لِلْجَنرال الْقائِدِ الْحَمْلَةِ كَأسا‏

وَكِبارُ اْلأَرْضِ مِمَّنْ سَحَقوا الدُّنْيا‏

بِتلْكَ الْحَرْبِ واغْتالوا الْحياْة‏

مِنْ عُيونِ الْكَوْنِ إِغْماضاً وَحَبْسا‏

غَمَّضوا اْلأَعْيُنَ عَمّا‏

يَحْدُثُ اْلآنَ بوادي مَيْسَلونْ‏

وطَوَوْا أَعْلامَهُمْ عَنْ بَرَدى‏

عُمْياً، وطُرْشاناً، وَخُرْسا‏

***‏

مَنْ يَرى- لَحْظَةَ دَكَّتْ‏

قاذِفاتُ النارِ والطاعونِ-‏

وادي مَيْسلونْ‏

يَحْسِبُ الشامَ نُشوراً‏

لِحِسابِ الْبَشَرِيَّهْ‏

لا لِشَعْبٍ ناهِضٍ‏

مِنْ تَحْتِ أَنقْاضِ حُروبٍ هَمَجِيَّهْ‏

ومَناماتٍ عَصِيَّهْ‏

حَمْلَقَتْ في رَهْبَةِ اللَّيْلِ مِئاتٍ مِنْ سِنينْ‏

وكَأَنَّ الشامَ أَمْسَتْ‏

مُلْتَقىً لِلْغاصبينْ‏

لِعُصاةِ الْكَوْنِ مِنْ كُلِّ شُعوبِ اْلأَرْضِ‏

فانْصَبَّتْ عَلَيْها‏

نَقْمَةُ الْمُنْقذِ كَيْ يَغْسِلَها‏

مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيّهُ‏

هكذا صَمَّمَ لِلْعُزَّلِ‏

أَسْيادُ الْوَغىَ الْمُنْتَصِرونْ‏

بَعْدَ أَنْ أَوْحوا إلى الدُّنيا‏

بأنَّ الْعَدْلَ سادْ‏

وَوَصيَّ الْحَقِّ عادْ‏

يَمْلأُ اْلأَرْضَ نَعيماً‏

ويَرُشُّ السِّلْمَ في كُلِّ ثَنِيَّهْ‏

***‏

يوسُفُ الْعَظْمَةُ سَدُّ‏

مِنْ أساطيرِ الْبِناءْ‏

يَتَصَدىَّ لِجَحيمِ الْمَلْحَمَهْ‏

جَبَلاً مِنْ جُرْأَةٍ يَقْتَحِمُ النَّارَ‏

بِماءٍ مِنْ يَنابيع اْلإِباءْ‏

لو رآهُ الْقَوْمُ مِنْ أَعْلى لَقالوا‏

إنَّ هذا الفارِسَ الْعِمْلاقَ‏

أُسْطورَةُ حَرْبٍ‏

وهُوْ مِنْ نَسْجِ الْخَرافاتِ‏

ومِنْ صُنْعِ رُؤاها الْمُلْهِمَهْ‏

هل يَكونُ الفارِسُ الثَّابِتُ‏

في وادي الصُّمودْ‏

صُبَّةً مِنْ لَهَبٍ‏

توقِفُ آلاتِ الْجُنونِ الْهائِمَهْ‏

إنَّ أَلْفاً مِنْ صناديدٍ‏

وأَلْفاً مِنْ فُحولِ الْحَرْبِ‏

في أَلْفِ جَوادْ‏

سُكِبوا في يوسُفَ الْعَظْمَةِ فَرْداً‏

ساعَةَ اجْتاحَ مُقيماتِ الْمَنايا‏

مُبْطِلاً وَقْداتِها الْمُلْتَهِمَهْ‏

كَسِجالِ النَّارِ للنّارِ‏

كَطَعْنِ الصَّخْرِ للصَّخْرِ بِوادْ‏

هَرَبَ الضَّوْءُ إلى ما خَلْفَهُ‏

مُبْقِياً أَطْرافَهُ عَتْماً‏

كَلَيْلٍ سَتَرَ الْغَيْمُ الْمُسَجَّى أَنْجُمَهْ‏

وبَدَتْ في ثائِرِ النَّقْعِ مَناحيهِ‏

كَسوحٍ مُبْهَمَهْ‏

***‏

والذي كانَ بأيْدي يوسُفٍ‏

والصامدينَ الشُّرَفاءْ‏

فَضَلاتٌ مِنْ عِتادٍ شائِخٍ‏

وسلاحٍ مُنْهَكٍ‏

جَدَّدَهُ بالْعَزْمِ.. لكنْ‏

كَيْفَ يَنْسى الشَّيْخُ يَوْماً هَرَمَهْ؟‏

***‏

قائِدُ الزَّحْفِ التَّتارِيِّ الْمَغولِيِّ‏

الصَّليبيِّ الفرنسيِّ الْـجَديدْ‏

ساءَهُ مالاحَ في عُدْوَةِ يوسُفْ‏

مِنْ تَحَدٍّ واقْتِحامٍ وَصُمودْ‏

كَيْفَ؟‏

والدُّنْيا انْحَنَتْ بَيْنَ يَدَيهْ‏

طَوْعَ ماخَطَّطَهُ الطُّغْيانُ‏

حَتَّى طُوِّقَتْ‏

وانْحَنَتْ طائِعَةً أَوْ مُرْغَمَهْ‏

-: طَوِّقوهُمْ‏

أَنْتُمُ اْلأَكْثَرُ وَ اْلأَقْوى‏

عَتاداً وَجُنودْ‏

إرْجُموهُمْ‏

وارْفَعوا راياتِكُمْ فَوْقَ ضُلوعٍ‏

رَفَضَتْ هَيْبَتَنا‏

زَلْزِلوا تَحْتَهُمُ اْلأَرْضَ‏

اقْذفوا يوسفُ الْمَغْرورَ‏

كُلٌّ مِنْكُمُ يُلقي عَلَيْهِ حُمَمَهُ‏

هَكذا نادى كَبيرُ الْغَزْوِ‏

في لَهْجَةِ مَسْعورٍ يَرى‏

في مَقْتَلِ اْلآخَرِ، بابَ اللَّذَّةِ الْكُبْرى‏

ولَذَّاتُ الطُّغاةْ‏

رَشَفاتٌ مِنْ سُلافٍ‏

أُفْرِغَتْ في كَبِدِ الْمَقْتولِ‏

أَوْ في الْجُمْجُمَهْ‏

***‏

وتَتالى الْقَصْفُ‏

حَتىَّ احْمَرَّ وَجْهُ اْلأَرْضِ واْلأُفْقُ‏

بوادي مَيْسلونْ‏

وَحَسيسُ النَّارِ مَتْبوعٌ بما قَدْ هَدَّمَهْ‏

وتَبارى قادةُ الزَّحْفِ الطُّغاةْ‏

بِرِماياتٍ على يوسُفَ مِنْ كُلِّ الْجِهاتْ‏

بَيْنَ قَنْصٍ بِرَصاصٍ‏

وانْفجاراتٍ تَتالَتْ حَوْلَهُ‏

مِنْ قِطَعِ الصَّخْرِ‏

وَرَشْقاتٍ تُؤَدِّيها قِلاعٌ راجِمَهْ‏

***‏

يوسُفٌ يَسْمَعُ من ناحِيَةِ الطَّاغوتِ صَوْتاً‏

جاءَ مِنْ قَلْبِ ضَجيجِ الْحَرْبِ‏

مِثْلَ الْهَمْهَمَهْ‏

-: أَوَما آنَ لَنا‏

أَنْ نَقْلَعَ الفارِسَ مِنْ مَوْقِعِهِ؟‏

مَعَنا كُلُّ أساليبِ الرَّدى مُحْتَدِمَهْ‏

أَسْرعوا كَيْ نَدْخُلَ الشَّامَ‏

على أَجْنِحَةِ النَّصْرِ‏

ونُنْهي يوسُفاً والشِّرْذِمَهْ‏

سِتُّ ساعاتٍ مَضَتْ‏

والقَصْفُ يَجْتاحُ رَبى الشَّرْقِ جَحيماً‏

أَحْرَقَ الوادي‏

ومازالَ الشَّقِيُّ الْعَرَبِيُّ‏

يوسُفُ الْعَظْمَةُ‏

بَيْنَ السَّيْفِ والْمُهْرِ وفُضْلاتِ سِلاحٍ‏

وَعِتادٍ صَدِئاتٍ‏

هيَ في حَرٍبٍ مَضَتْ، مُنْهَزِمَهْ‏

***‏

يوسُفٌ شَدَّ قِناعَ الْمَوْتِ واسْتَدْمى وَأَدْمىَ‏

فَيَدٌ، تَحْمي مُريداً‏

ويَدٌ، تَلْطُمُ عِلْجاً‏

وأَظافيرُ الرَّدى‏

تُنْشَبُ فيمَنْ لَطَمَهْ‏

والَّذي اسْتَهْدَفَهُ‏

أَرْدتهُ مِنْ بُعْدٍ قَتيلا‏

رُغْمَ إِحْكامِ الْكُوى مِنْ حَوْلِهِ‏

في قَلْعَةٍ تَزْحَفُ حيناً‏

ولِحينٍ جاثِمَهْ‏

ويُنادي:‏

-: إخْوَتي، الزَّادُ قَليلْ‏

دَقِّقوا الرَّمْيَ إلى أَهْدافِكُمْ‏

واجْتَنِبوا ما جاوَزَتْهُ الطَّلَقاتُ الْهائِمَهْ‏

ولَدَيْنا فَضَلاتٌ مِنَ عَتادْ‏

فَلْيَكُنْ إلْقاؤُها وَقْفاً على أَهْدافِها‏

رَيْثَما تَنْهَضُ مِنْ نَوْمِ السُّكارى‏

أُمَمٌ مِنْ حَوْلِنا‏

مَقْهورَةٌ أَوْ نائِمَهْ‏

رُبَّما‏

تُنْقِذُ قَلْبَ الْعَرَبِ النَّابِضَ مِنْ هذا الْحَريقْ‏

بِئْسَ مَنْ في غَيْبَةِ اْلإِنْسانِ‏

عَنَّا، صَمَّمَهْ.‏

والْمُريدونَ اسْتَجابوا وأَجابوا‏

قائِدَ الصَّدِّ الْجَسورْ‏

بِهُجومٍ‏

وَبِطَلْعاتٍ عِجالٍ‏

فَوْقَ وَجْهِ الْمَوْتِ كانَتْ حائِمَهْ‏

***‏

سَقَطَ اثْنانِ شَهيديْنِ مَعاً‏

مِنْ جُنْدِ يوسُفْ‏

قالَ -والتَّرْجَمَةُ الْحَيْرى‏

تَلَتْها دَمَعْتانْ-‏

-: سَبَقانا‏

لِرِياضِ الْخُلْدِ خَطْفاً‏

وسِباقً الْخُلْدِ حانْ‏

لَنْ يَطولَ الدَّرْبُ نَحْوَ الْخالدينْ‏

ودَنا طَوْعاً إلَيْنا الْحُسْنَيانْ‏

فاحْمِلوا حَمْلَةً صِدْقٍ‏

وافْتَحوا بسُيوفِ الْحَقِّ أَبْوابَ الْجِنانْ‏

واصْعَقوا الطَّاغوتُ في غُرَّته‏

إنما الطاغوتُ خَوّارٌ جَبانْ‏

رُغْمَ ما يَدْفَعُهُ دَفْعَ الضَّواري‏

مِنْ حَديدٍ، ونُحاسٍ، وعَذابٍ، ودُخانْ‏

***‏

طَلْقَةٌ شَقَّتْ ذِراعَ الْبَطَلِ الصِّدِّيقِ يوسُفْ‏

لم يَقُلْ آخٍ وَلكِنْ‏

أَوْقَفَ النَّزْفَ بشَدِّ الْجُرْحِ بالْمِنْديلِ‏

لَحْظاتٍ وتابَعْ‏

ومُريدٌ قالَ: يا مَوْلايَ إرْجِعْ‏

إِنَّكَ الآنَ جَريحٌ‏

نَحْنُ نَفدْيكَ ونَكْفيكَ‏

بأَهْدابِ الْعُيونْ‏

وَبِأَطْرافِ اْلأَصابِعْ‏

يوسُفٌ يَجْتاحُ وادي الْمَوْتِ‏

لم يَسْمَعْ نِداءً لِمُريدٍ‏

قالَ: ماجْئتُ لأَنجْو‏

والْفُروسِيَّةُ تَقْضي ما تُريدْ‏

جِئْتُ كَيْ أَلْقىَ الرَّدىَ‏

بينَ صَهيلِ الْخَيْل‏

أَوْ تَحْتَ الْحَديدْ‏

***‏

قال جُنْدِيٌّ بِحُزْنٍ‏

يَسْتُرُ الْحُزْنَ بِشِفٍّ مِنْ حَنانْ‏

-: سَيِّدي، لَمْ يَبْقَ ما نُطْعِمُهُ‏

لِسِلاحٍ نَرْتَجي نَخْوَتَهُ‏

لا مَدَدٌ يأْتي منَ الْخَلْفِ‏

ولا غَوْثٌ يَراهُ الْجانِبانْ‏

لا رَصاصٌ‏

لا قَذيفاتٌ‏

ولا قُنْبُلَةٌ‏

تَجتْاحُ هذا الطُّوَفانْ‏

خانَكَ اْلإِمْدادُ يا مَوْلايَ‏

والشَّعْبُ الذي اخْتارَكَ لانْ‏

وعَتادُ الْحَرْبِ خانْ‏

وكأَنَّ الشَّامَ نامَتْ مَرَّةً أُخْرى‏

ونامَ الْمَجْدُ والتَّاريخُ في جَفْنِ السِّنانْ‏

إنَّ هذا الصَّمْتَ في جَبْهَتِنا‏

يُنْهي الطِّعانْ‏

ويَزيدُ الْحِقدَ في الطَّاغوتِ إيقاداً‏

وإنْ كان مِنَ الدّاخِلِ خَوّاراً‏

وإنّ كانَ الْجَبانْ‏

***‏

يوسُفٌ لَيْسَ حَزيناً‏

يوسُفٌ ما فاجَأَتْهُ‏

رُؤْيَةُ الْجُنْدِيِّ لَمّا‏

سَمِعَ الرَّصْدَ على ذاكَ الْبَيانْ‏

يوسُفٌ يعلَمْ مُنْذُ الْبَدْءِ‏

أَنَّ الرابِحَ الْجَوْلَةَ طاغوتٌ‏

إذا ما قُوِّمَتْ في خِبْرَةِ الْفُرْسانِ‏

تلْكَ الْكَفَّتانْ‏

وهو يَدْري‏

أَيَّ غُبْنٍ هُوَ فيهِ‏

أَيُّ نَصْرٍ يَرْتَجيهِ‏

كانَ مِنْ قَبْلُ اشْتَهاهُ حُلُماً‏

وافْتَرَّ ثَغْرُ الْعُنْفُوانْ‏

إنَّ مَنْ أَبْصَرَ ما كانَتْ عليهِ الْجَبْهَتانْ‏

يَرْسُمُ الطَّوْقَ الَّذي طَوَّقَهُ قَهْراً‏

بِلَمْسٍ مِنْ بَنانْ‏

يوسُفُ الْعَظَمَةُ‏

هذا الْبَطَلُ النَّادِرُ في كُلِّ زَمانْ‏

مُبصِرٌ في عُدْوَةِ الْغَرْبِ‏

صُفوفاً مِنْ زُحوفٍ‏

تَنْفُخُ الْمارِجَ في اْلأَسْفَلِ وَ اْلأَعْلى‏

ومِنْ كُلِّ ذِراعٍ وَلِسانْ‏

وهُنا في عُدْوَةِ الشَّرْقِ بَقايا‏

مِنْ بَقايا الْحَرْبِ‏

شاخَتْ، صَدِئَتْ، واهْتَرَأَتْ‏

أَنْهَكَها الرِّكْضُ على الرَّمْلِ‏

فَمَلَّتْ صَخَبَ الْحَرْبِ وفُرْسانَ الرِّهانْ‏

فَهُوْ لَمْ يُبْغَتْ بما أَبْصَرَهْ‏

مِثْلَما في الْبَدْءِ‏

لم يَهْزِمْهُ ما كانَتْ علَيْهِ الْحالَتانْ‏

***‏

وعلى صَهْوَةِ مُهْرِ الْمَجْدِ نادى‏

وهو يَجْلو جَبْهَةَ الطاَّغوتِ‏

ثَبْتاً وجَريحاً‏

بَصَراً طالَ‏

وكَفّاً لم تَدَعْ لِلْغَزْوِ باباً لِلْهَوانْ‏

وَضَميراً طاهِراً‏

في الْمَوْقِفِ الصَّعْبِ‏

وعَزْماً لم يُرَعْ‏

في ساعَةِ الرُّوْعِ‏

وصِدْقاً في اللِّسانْ:‏

-: فَرَغَتْ جَبْهَتُنا مِنْ عُدَدِ الرَّدِّ‏

ولم يَبْقَ لَدَيْنا‏

غَيْرُ أَكْبادٍ وَ أَضْلاعٍ حَوانْ‏

ونَسُدُّ الْبابَ باللَّحْمِ وبِالْعَظْمِ فَسيروا فَوْقَها‏

قَهْراً إلى بَرِّ اْلأَمانْ‏

ها أنا في الْبابِ‏

فَوْقَ الرَّمْلِ في بَوّابَةِ الْوادي‏

وقَدْ عَرَّيْتُ صَدْري‏

لِطَواغيتِ الْوَغى‏

لِلشُّهودِ الزُّورِ‏

في عَصْرِ الدَّناءاتِ‏

وفي عَصْرِ السَّفالاتِ‏

وفي عَصْرِ الْوُحوشِ الآدَمِيّاتِ‏

وعَصْرٍ‏

كُلُّ مَنْ فيهِ مُدانْ‏

رافِعاً كَفيِّ احْتِجاجاً‏

ومَعي مُهري‏

وهذا الْهُنْدُوانْ‏

أَقْبِلوا نَحوْي بِما في سَيْلِكُمْ‏

مِنْ ذائِبِ الْفولاذِ‏

مِنْ سُمٍّ وَنَفَّاثاتِ حِقْدٍ هَمَجِيٍّ‏

مِنْ جَحيمٍ قَلِقٍ صَعْبِ الْمِرانْ‏

تَعِبَ الْمُهْرُ‏

مِنَ الْكَرِّ مِنَ الْفَرِّ‏

ومِنْ حَمْحَمَةٍ يَقْذِفُها‏

مِنْ مَكانٍ لِمَكانْ‏

فَأَريحوا الْمُهْرَ مِنْ فارِسِهِ‏

زُفوُّهُ لِلْخُلْدِ مِنَ الْوادي‏

على هَوْدَجِ ضَوْءٍ‏

واعْبُروا نَحْوَ دِمَشْقَ‏

بَعْدَ هذا الْمَهْرَجانْ‏

أُنْظروني فَوْقَ مُهْري‏

وانْظُروا حافِرَ مُهْري‏

إنَّهُ قَدْ جَرَحَ التاريخَ مِنْ جَبْهَتِهِ‏

لِيُفيقَ الرَّاصِدُ التاريخَ‏

في يَوْمِ الطَّواغيتِ وساعاتِ الْهَوانْ‏

أصْدُقوا التاريخَ‏

إنْ سَطَّرْتُمُ الْمَجْدَ على أَوْراقهِ‏

قولوا: دَخَلْنا الشامَ مِنْ بَوَّابَةٍ‏

يوسُفُ الْعَظْمَةُ قَدْ أَغْلَقَها‏

مِنْ رَأْسِ حِطيِّنَ‏

لوادي مَيْسلونْ‏

مَعَهُ كَأْسُ صَلاحِ الدِّينِ‏

ما مَسَّتْ طَلاها شَفَتانْ‏

وصِحابٌ صَدَقوا الْوَعْدَ لَهُ‏

وانْتَزَعوا مِنْ حَوْلِهِ‏

كُلَّ مَفاتيحِ الْجِنانْ‏

وارْسُموا في صَفْحَةِ الْمَجْدِ‏

ضُلوعاً طُحِنَتْ تَحْتَ الْجنازيرِ‏

وبَيْنَ الْقاذفاتِ الْمَوْتَ دَفَّاقاً‏

وتَحْتَ الطَّائِراتْ‏

اُكْتُبوا ما كانَ غَزْوُ الشَّامِ مَيْسوراً‏

وفي الشَّامِ بَقايا‏

مِنْ بُطولاتٍ‏

تَخُضُّ الْكَوْنَ مِنْ آنٍ لآنْ.‏

***‏

بُهِتَ الْغَزْو، ونادى فاتِحُ السَّيْلِ‏

وثَنَىَّ قاذِفُ النارِ:‏

-: أَرِحْنا أَيُّها الْمَغْرورُ‏

مِنْ كُلِّ الرُّؤى والذِّكْرَياتْ‏

واسْحَبِ الْجُنْدَ‏

وَدَعْ هذا الْحَديدَ الْفاقِدَ الْعَزْمِ‏

على الرَّمْلِ‏

كَشَرْطٍ مِنْ شُروطِ السِّلْمِ‏

حَتّى لا تُهانْ‏

وكُنِ الْيَوْمَ لَدَيْنا‏

ضَيْفَ حَربٍ‏

فارِساً خانَتْهُ أَسْبابُ شُروطِ الحَرْبِ‏

في يومٍ عَسيرِ اْلاِمْتِحانْ‏

***‏

يوسُفُ الْعَظْمَةُ‏

فَوْقَ الْمُهْرِ نادى‏

وهُوَ كْالرُّمْحِ اسْتِواءً‏

رافِضاً أَشْراطَهُمْ:‏

-: لا. لَنْ تَمُروُّا‏

رَدَّدَ السَّفْحُ وسَطْحُ الْخانِ:‏

لا، لا.. لَنْ تَمُروُّا‏

رَدَّدَ الرَّمْلُ وراءَ اْلأُفْقِ:‏

لا، لا.. لَنْ تَمُروُّا‏

رَدَّدَتْ عُصُفورَةٌ أَخطأَها الْقَتْلُ‏

وَظَبْيٌ مَرَّ كَاللَّمحَةِ:‏

لا، لا.. لَنْ تَمُروُّا‏

***‏

لَنْ يَمُرَّ الْغَزْوُ محْمِيّاً بأَصْنافِ الطَّواغيتِ‏

إلى الشامِ، فلا يُبْصِرُ عَرْشاً‏

يَعْتَلي غُرَّتَهُ أَوْ صَوْلَجانْ‏

يوسُفٌ مازالَ حَيّاً‏

وَ هُوَ حَيٌّ لَنْ تَمُروُّا‏

*‏

-: مَزِّقوا هذا الْعَنيدَ الْفاقِدَ الْجَيْشَ‏

وما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ عَتادْ‏

أَيُّها الْمَغْرورُ فَوْقَ الْمُهْرِ‏

هَلْ تَحْسِبُ أَنَّ السَّيْفَ يَحْمي فارِساً‏

مِنْ قاذِفات الْمَوْتِ في هذي الوِهادْ؟‏

ذاكَ ما فَصَّلَهُ قائِدُهُمْ عَنْ كَثَبٍ‏

وهو يُسَويِّ لُقْمَةَ الْمَدْفَعِ‏

مِنْ خَلْفِ الزِّنادْ‏

ويَرى يوسُفَ في دائِرَةِ الْمَرْمَى‏

على الْمُهْرِ صِيالاً وَ جيالاً‏

غَيْرَ هَيَّابٍ مِنَ الْمَوْتِ‏

رَضِيّاً بالَّذي حَقَّقَهُ‏

مُبْتِسماً مِنْ غَيْرِ زادْ‏

أَطْلَقَ الرَّامي‏

فَهَبَّتْ دّفْقَةٌ مِنْ لَهَبٍ‏

تَدْفَعُ حَشْواً مِنْ حَديدٍ ونُحاسٍ ذائِبٍ‏

يَشْوي الْجَمادْ‏

واسْتَقَرَّتْ كُلُّها في صَدْرِ يوسُفْ‏

وهو مازالَ على ظَهْرِ الْجَوادْ‏

فَهوى الوادي‏

وأَهْوَتْ قِمَّةٌ‏

مِنْ شامِخِ الْعِزِّ إلى‏

فُسْحَةِ التاريخِ‏

ما نامَتْ على أَوْراقِهِ‏

لكنَّها اخْتارَتْ بهِ مَوْقِعَها‏

تُوقِظُ الْقَوْمَ، ومَنْ ناموا‏

مُهانينَ أَذِلاَّءَ على غُرْبَتِهِمْ‏

مِنْ دونِ مَوْتٍ أَوْ وِسادْ‏

***‏

عَبَقَ الْوادي‏

بِما يَنْشُرُهُ الْمِسْكُ‏

إذا مامازَجَ الْمِسكَ فَتيتُ‏

النِّدِّ والْكافورِ مَجْبولاً بماءِ الزَّعْفَرانْ‏

وبَخورٌ جُدِّلَتْ أَنْسامُهُ‏

مَيّاسَةً في غَيَدِ الْحُورِ الْحِسانْ‏

طافَ مِثْلَ الْكائِنِ الْحَيِّ على يوسُفَ‏

مَطْلِيّاً بِلَوْنِ الأُرْجُوانْ‏

وعلى دائِرَةٍ مِنْ دَمِهِ السَّاخِنِ‏

لَمَّا رُوِيَتْ ظامِئَةُ الْوادي‏

بَلَمْحِ الْعَيْنِ،‏

شَقَّ التُّرْبَةَ الرَّيَّا نَباتٌ‏

وعَلا يَمْلَؤُهُ -كَالْحُلْمِ- زَهْرٌ‏

فيهِ فَوْحُ الياسَمينْ‏

وحَديثُ الزَّيْزَفونْ‏

ولَهُ قامَةٌ تُشْبِهُ زَهْرَ الْبَيْلَسانْ‏

واخْتَفى الْمُهْرُ‏

ولكِنَّ الصَّهيلْ‏

حائِماً مازالَ مِثْلَ الرَّعْدِ في الْوادي‏

ويَنْهَلُّ سَخِيّاً دافِئاً‏

بَيْنَ أَذانٍ وأّذانْ‏

واخْتَفى مَنْ ظَلَّ حَيّاً‏

مِنْ جُنودِ الصَّدِّ وَانْداحوا‏

مِنَ الْمَوْصِلِ حتى صَلْخَدٍ‏

ومِنَ الْغوطَةِ حتى الَّلاذِقِيَّهْ‏

وعلى ناشِئَةِ اَللَّيْلِ انْتَشَتْ‏

مَوْجَةٌ مِنْ كِبَرٍ‏

تَغْسِلُ وَجْهَ الْعَتْمِ في كُلِّ مَكانْ‏

***‏

وَقَفَ الْمَوْتُ على مَقْرُبَةٍ‏

مِنْ ذلِكَ الْمَشْهَدِ مَبْهوتاً بِمَنْ‏

جاوَزَ سُلْطانَ الرَّدَى‏

مُنْفَلِتاً مِنْ كُلِّ قَيْدٍ أَوْ عِنانْ‏

***‏

هَبَطَتْ كَوْكَبَةٌ مِنَ باذِخِ الْعَلْياءِ‏

مِنْ أَمْلاكِهِ الأَطْهارَ‏

في بَوّابَةِ الْعُرْسِ‏

بوادي مَيْسلونْ‏

وأَناخوا هَوْدَجاً‏

مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ مَنْسوجاً‏

بَأَقْواسٍ مِنَ الْعُشْبِ لِدانْ‏

جَبَلوا الْحِنَّاءَ‏

في طاساتِ ياقوتٍ، وَحَنُّوا‏

يوسُفَ الْعَظْمَةَ‏

مِنْ شاهِدَةِ الْكَفِّ وَ أَطْرافِ الْبَنانْ‏

واحْتَووهُ‏

في رَبيعِ الْهَوْدَجِ الأَخْضَرِ‏

والدُّنيا تُغَنيِّ‏

وشَبابُ الْجَنَّةِ الأَطْهارُ شالوا‏

يوسُفَ الْعَظْمَةَ‏

والْهَوْدَجَ‏

في العالي‏

على وَقْع الْغِناءْ:‏

-: عَريسَ الْمَجْدْ يَتْهَنّا‏

يَطْلُبْ عَلينا وَيَتْمَنَّى‏

جَبَلْنا النِّدّْ والْكافورْ‏

مَعِ الدَّمْعْ، مَعِ الْحِنَّا‏

وَجينا لَنِفْرَحْ بْيوسِفْ‏

لَقينا الْحُوْر سَبْقَتْنا‏

حَمَلْنا الدَّفّْ والْمِزْمارْ‏

حَضَنَّا الْعودْ والْقِيثارْ‏

وْجِبْنا الأَهْلْ والزُّوارْ‏

فَقالوا الْعُرْسْ بِالْجَنَّه‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244