أَقـَلُّ فـرحاً...- محمد علاء الدين عبد المولى

شعر- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:03 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

ابتهالات إلى شتاء

"أمِّ الغيث"‏

... ولأمِّ الغيثِ سلالَتُها‏

من شرق الأرض تجيءْ‏

تتقَّمص أعضاءَ الشّجر النّاهضْ‏

وتسافر خلف شتات الأشياءِ الغامضْ‏

تعلو في الريح بنهدَيْها‏

وتلوّح للأسرار بفخذَيْها‏

وتمرّ كما الطَّيف القدسيّ على ذاكرة الآفاقِ‏

جسداً يتلو عسلاً تتدفَّقُ منهُ جموعُ العشَّاقِ‏

يستلقون على عتبات الطِّين مناراً‏

لم يُرْفَعْ إلاّ ليخرَّ سجوداً في حضرة أنثى باذخةٍ‏

في حْلمتها اليمنى "كافٌ"‏

في حلمتها اليسرى "نونٌ"‏

عيناها شبق مجنونٌ...‏

يا "أمَّ الغيث" أغيثينا‏

إذ فاض الإيقاعُ حنينا‏

والأفق امتدَّ شرايينا‏

تتنفَّس حلماً موصولاً بقبابِ الغيمْ‏

وعبيدُ الأرض بكلِّ متاهْ‏

يمشون على جسر الميعادْ‏

تنشّق حناجرُهُمْ‏

وتحكّ أظافرُهم مرآةَ اللَّهْ‏

"ياربَّ الغمرِ بصائرنا امتلأتْ بالدّمْ"...‏

ولأمِّ اليث سماتٌ... منها أنِّي مفتونٌ بمفاتِنها‏

إذ تَعقِدُ للعرس المتقدِّمِ مؤتمراً من ماءٍ في‏

قاعات بواطنها‏

وأنا أتدلى من ظلمات هلامي كالنطفة‏

تتلقاني أم الغيث برحم تطوي جسدي‏

فأحسّ بدفءِ الماءْ‏

في البدء أكون هلاميّاً‏

لا قيدُ العسكر يرْهبُني‏

لا صمتُ الزَّنزانَهْ‏

شرفاتُ الوقتِ مشرَّعَةٌ تدخلُ منها الأشياءْ‏

راضيةً بربيعِ الحبِّ، إذِ العاشقُ يحضنُ أحزانَهْ‏

ويغطيها بدعاءْ..‏

مفتونٌ بمفاتنكِ الجنسيَّهْ‏

يا سيّدةَ الشَّهوةِ حين يكون الخَلْقُ قطيعاً‏

من آلهةٍ سكرى بمعادنها‏

أعطيكِ مرايا أغنيتي ملأى أشباحاً حجريَّهْ‏

وأقول أعيدي النَّبض إلى شريان الكلماتِ‏

ليكون فؤادي مغسولاً في ينبوعكِ،‏

أو ترقصَ أطرافي بين خلاياكِ الضَّوئيَّهْ‏

وأمشّط شَعْرَ كآباتي‏

أضفُرها بالفلّ، أرشّ عليها ماء المسكِ،‏

وأوقد جمرَ الأسفارِ اللَّيليَّهْ‏

مفتونٌ بهضابكِ، أحلم أن أصعدَها‏

بعد صعودي جبلَ النَّارِ.‏

مفتونٌ برحيق النَّهدِ، وأحلُم أن أرشفَهُ،‏

بعد جفاف الحلق من الصّبَّار‏

مفتونٌ برؤاكِ السّريَّة،‏

آلمني وقتٌ حوَّلنا جثثاً علنيَّهْ‏

مفتونٌ بفضائكِ، فلأتوضّأْ من نورِه ولأهتفْ:‏

قلبي يا عبدَ الحريّهْ‏

قلبي يا عبدَ الحريّهْ...‏

يا أمّ الغيثِ أغيثينا، رئةُ الميلاد سوادْ‏

لسنا أحذيةً للجلاد، ولا قمراً بيدِ الجلاّدْ‏

لكنَّ الغيمَ أطالَ الغيبَةَ،‏

فاندلَقتْ شفةُ الأرض،‏

وباعَ الكاهنُ أسرارَ الكهنوتِ‏

ليُحْضِرَ خبزاً للأولادْ‏

هذا ما كان وما سيكونْ‏

هلكتْ في الحرب سلالتُنا‏

وامتصَّ العُهْر بقايانا‏

والظمأ الكونيُّ يشل مفاصلنا المنخورة.‏

هجرتنا الأمُّ، وهذي الأمَّةُ مهجورة.‏

والرّوح سجونْ.‏

هذا ماكان وماسيكونْ.‏

هل هذا الوقتُ تكهَّفَ واغتربَتْ‏

أطرافُ الجسدِ الواحد عن بعضٍ؟‏

أم سمِّيَ شيخُ الحكمة بالمجنونْ؟...‏

وسمعتُ بأن شيوخ المشرقِ طافوا‏

حول إلهٍ من نفطٍ معجونْ‏

هذا ما كان وما سيكونْ‏

وأنا بمفاتنكِ الجنسيَّةِ مفتونٌ، مفتونْ...‏

يا أمَّ الغيثِ وما أعلى وجهَكِ...‏

أيّ صباحٍ يوقظنا نخرج من بين القضبانْ‏

الشَّهوةُ زهرة دفلى ذاويةٌ‏

وأنا مجموعُ اليأس، وعندي قلبٌ فَرْدٌ،‏

لكنْ حين تكون النَّبضةُ عاجزةً عن حُبٍّ،‏

ينبض فيَّ القلبانْ:‏

أنا / والإنسانْ...‏

يا أمَّ الغيثٍ أغيثيني‏

فرسُ التَّاريخ سترميني‏

والزَّمنُ القابع في جوفي‏

يتحجّر بين شراييني‏

أنا كمْ شُرِّدتُ هنا وهنا‏

وخواء اللَّحظة يدميني‏

العشق يؤرّخ ذاكرتي‏

لكنَّ العشّاق نفوني‏

ونصبتُ مآذن من شبقٍ‏

تفضحُ أسرارَ المجنون‏

لم يبق معي إلا قلبٌ‏

تلفظني الأرضُ، ويحميني‏

هو قلبٌ شابَ، ولكنْ فيهِ‏

جنونٌ يعصفُ بجنونِ...‏

يا أمَّ الغيث وهذي الرّدُهاتُ السّرّيَّةُ لا توصلني‏

إلأاّ نحوكِ، فانكشفي مثل ستارةِ فجر أزرقْ‏

تلعو من نهديكِ غيوم الدِّفءِ،‏

فأصعدُ سلَّم شهواتي،‏

وأكوِّرُ جسدي بين يديكِ وأشهَقْ‏

تتَّسعُ الرِّئتان لألتقطَ هواءكِ،‏

حين تدورينَ عليَّ بفاكهةٍ عامرةٍ،‏

تتوغَّلُ أعماقي في أعماقكِ،‏

أبحثُ فيكِ عن السِّحْرِ المتسرِّب من عينيكِ‏

يا أمَّ الغيث أنا أرضٌ يرفعها الإيقاع إليكِ‏

ضميّها / ضميّني ذات شتاءْ‏

أولدْ، وأهجي أسماء الأشياءْ.‏

8/2/1992‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244