أَقـَلُّ فـرحاً...- محمد علاء الدين عبد المولى

شعر- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:04 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

(الغائبــة)

أَجِدُ الَّذي يدنو كمن ينأى،‏

ومَنْ يعلو كمَنْ يتلو حكايتَهُ على الأمواتِ...‏

عشّاقٌ يدقّون الخيامْ‏

أو يقلبون الأرضَ بحثاً عن صدى عصفورةٍ‏

رحلتْ فماتَت خلفها الفتياتُ‏

وأسودَّ الحَمامْ‏

أمضي مع الآتين من عرس إلى ليلٍ تهبُّ رياحهُ‏

فتساقطُ الأعضاء قشرتَها‏

وتتّحدُ الدّموع مع الحَجرْ‏

عودي بنا عصفورةَ الأسرار‏

ما هذا الهواءُ لتُدفَني فيه.‏

نحبّكِ، نعبدُ الفَجْرَ المشيِّدَ في جناحكِ‏

إذ يطيبُ له المقامْ‏

ماذا تركتِ هنا؟‏

هُنا لم يبق من ضوءٍ سوى ضوءِ القبيلةِ‏

حول قهوتها تدوُرُ، فتجهشُ الجمراتُ،‏

يأتي دورُ فنجاني، وفنجاني انكسَرْ‏

قطَّعت قلبي كالشّعاع على انكسار السَّاهرينْ‏

ثقَّبتُهُ غربالَ يأس لا يهرِّبُ غيرَ أشباح الظّلامْ‏

مسكونةٌ هذي الخيامُ بلؤلؤ الأرواح‏

بالمسك المُنيرِ‏

برقصةِ المهباجِ‏

هذي مُغرياتُ العشق يا عصفورةَ السَّفر الَّتي‏

تلتمّ حول سمائها صلواتُنا‏

عودي إلى أصواتنا‏

عودي إلى أمواتنا‏

أهدابنا التصقتْ بها حشراتُ صيف لا تُرى‏

أهدابنا تبني عليها النّار أقواسَ الشَّررْ‏

عودي، لنرجعَ مرةً أخرى، بَشَرْ.‏

هَدَلَ الحمامُ مبكّراً هذا الصَّباحْ‏

والقلبُ مصلوبٌ على خشب السَّريرْ‏

من حولهِ دارتْ عراءاتُ الحريرْ‏

نادى، وغطَّ جناحَهُ في دفء نعناع يذكّرني بنهدكِ...‏

ثم أطلقهُ على الأفق الصَّغيرْ‏

أنتِ انحناءُ الزَّهر في شرفات ذاكرتي‏

تعاليْ مرةً أخرى من الماضي الذي‏

يأتي غداً‏

واستقبلي بَثَّ القصيدةِ من دمي‏

قولي هي اللّغةُ الطَّريَّةُ طرّزتْ أجسادَنا‏

هي جنّةٌ صغرى ستسحبنا بعيداً عن جحيم‏

دقائق البستان...‏

قُولي‏

هذا الحمامُ نذيرنا‏

وتأبَّطي قلبي لأعشقَ مرّةً أخرى‏

حقولي‏

تابَتْ عن الفردوس فاضطجعي بيأس سريريَ العاري‏

لنشرَبَ قهوةً أو ننتهي في قبلةٍ تمحو‏

كلامَ اللّيل في فجرٍ جميلٍ‏

لا يستطيعُ قميصُ هذا الفجرِ أن ينشقَّ أكثرْ‏

الضّوءُ يسقطُ في كرات الثَّلج‏

باردةٌ يداكِ‏

وليسَ من أنثى سواك‏

ستبعثين صلاتَي الوثنيةَ التَّرتيلِ من‏

أعماقها الأولى لتُنْشَرْ‏

هل تسمعين الطَّائرَ السّريَّ يبكي فوق سطح الثَّلج‏

ناديهِ‏

وأغريهِ بما في القلب من لوز وسكَّرْ‏

هو منذ ساعاتٍ يرفُّ‏

يكاد يهوي جثّةٍ فوق الغصون خُذيه‏

غنِّي‏

من أجله عن مَشْرقِ الشَّمس المقدَّسِ،‏

طمئنيه، واطمئنِّي‏

أنِّي نشيدُ الجمر بينكما، وأنِّي‏

متدثّرٌ بلحافِ ذاكرةٍ تخبّئُ كنَزها‏

للقادمين من الفضاءْ‏

غنّي لهذا الطائر المكسور‏

يا أنثى تخيطُ لعُري أشيائي‏

حريراً من غناءْ‏

نجمُ الحنين يُذيب في عينيَّ عنقودَ الضّياءْ‏

كم مُرَّةٌ ساعاتُ قلبي وهي تَرجعُ للوراءْ‏

والشَّاعر العاري من الأجراسِ،‏

يرفع عنْقَهُ ليطلَّ خلف سياج معبدكِ البعيدْ‏

ويموتَ في قبر النَّشيدْ...‏

أخرَّتُ نَزْفي كي يمرَّ القلبُ نحو يديكِ‏

ناولتُ الهواءَ فراشيَ الحجريَّ‏

سلّمْتُ المهاوي نصفَ عمري كي أشمَّ عرائس اللَّيمون‏

ترقص قرب ضلعي...‏

-لسْنَ من ضلعي، ولكن هكذا تلدُ الحياةْ‏

قلتُ: المساءُ يطولُ، والكلمات تَقصُرُ،‏

أنتِ أقرَبُ من يدي ليدي ولكنّي بعيد... واللّغاتْ‏

سجنٌ ثقبْتُ سماءه لأهرِّبَ الدنيا إليِّ.‏

يشدُّني الجلاَّدُ من قدمي فأرمي معجمي في النَّار‏

أطمُر في غد الرّؤيا رمادَ الذّكرياتْ‏

غيبيَ وعُودي. سوف يكسر حارسُ الغابات ألواحَ الرُّواةْ‏

عبروا أقاموا حول معبده طوافاً يُطعمُ العشَّاقَ‏

خبزَ العاشقاتْ‏

عودي أؤخّرُ بَرْقَ هذا العمر حتَّى تعبري فينا،‏

أصدّقُ كلَّ ما قالوه عن أعراس دمعتنا ولكن‏

من يصدّقني إذا اقترب الغُزاةْ؟‏

أنا مَنْ لهُ في ظِلِّهِ عبرٌ، وكنتُ أغيبُ في ملكوت ربّي...‏

فجأةً كسر الإلهُ جليدهُ فوقي‏

فأطفئتِ الشّموعُ، وجفَّ حلقي بالصَّلاةْ‏

لم يبقَ من هذا المسار سوى انهياري...‏

أيّ كنزٍ سوف يُقطفُ من ثريَّا العمرِ؟‏

أيةُ شهوةٍ ستفيضُ ينبوعاً‏

وأيّ الباقياتْ‏

تبقى، وهذا العمرُ سلّةُ مهملات...‏

هذا الحمامُ سماؤنا الزَّرقاءُ‏

شرّدَها ابتهالُ الضَّائعين، فجمِّعي‏

أعضاءها، وتقبَّلي شغفي بها‏

وأنا أضمُّ عليَّ صدركِ‏

حين تنسحبين خلفَ ستارةِ الشَّهواتِ...‏

اتّخذي معي‏

رُكْناً على حجرٍ سنُجْلِسُ فوقَهُ جسدَيْنِ‏

يلتصقان يلتقطان ناراً من مَهبِّ الأضلعِ‏

عودي،‏

وإنْ أغلقتُ دونكِ أيَّ بابٍ، فارجعي...‏

22/2/1993‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244