مجرة الرغبات - زهـير غانم

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

النـــــــوى

في الموتِ والمنفى دلائل للحياةِ‏

كما السؤالُ بلا جواب دلائلُ الحسراتِ‏

أقعتْ صبوتي في الماءِ‏

فاستلقى على جسدي سكونٌ حاسرٌ في هدأةِ الأشياءِ‏

واستبقيتُ -حينَ علمتُ أينَ اللهُ- رجعَ الخوفِ للأوراقِ‏

محوَ الدمعِ للأشواقِ، كلّ الهمّ للإطراقِ‏

كلّ الصحو والذكرى وهلهلةِ الطباقِ‏

نأيتُ عن حُلُمِ وأحزانٍ تصلصلُ في جواءِ الروحِ‏

قلتُ: الريحُ تزفرُ والمساءُ يبورُ في شجنٍ‏

وقلتُ: أرى تباريحَ الغمائم يغتلمنَ دماً على ندمي‏

ولا يجرحنَ ثرثرةَ الهواءِ‏

الداءُ والأدواءُ تهمسُ وحشتي‏

وأجنّ من صنمِ دنامنّي‏

تدلّى قابَ قوسٍ نافرٍ أو مترفٍ وهوى‏

إذنْ شئتُ النوى‏

وأنا أحاولُ أن أبوحَ‏

وأنْ أرى عمانَ في مطرٍ رثائيّ تشاكيني الجوى‏

لأغيبَ في أبدٍ من الأسرارْ‏

كأنّ شتاءنا ما كانَ..‏

عاوَدَنا.. تأخّرَ في البقاءِ وفي السماءِ‏

وإذْ تقدّمَ في الحضورِ وفي الطيورِ وفي الصخورِ‏

تقدّمتْ أخطاؤُنا الممهورةُ القسماتِ‏

غادَرَنا خريفٌ غادرٌ‏

وتمدّدتْ عشرونَ من سنواتِ هذا الماءِ في رئتي‏

لأني في العراءِ قرأتُ لحنَ الأبجدياتِ التي انتحلتْ صفاتي..‏

وانتهتْ في هجعةِ اللغة الزنيمةِ‏

أو تَبَعْثَرهَا رمادُ الأغنياتِ‏

تغلغلتْ في جثتي منفى‏

وأعياداً هجيناتٍ تُغالبُ حرقةَ الأشعارِ‏

كانَ الماءُ وسناناً يساورُ برقهُ في أعينِ الأسماكِ‏

كنتُ أحاورُ الأفلاكَ والأغصانَ والأشواكَ‏

أعزفُ بالأصابعِ نجمةً تحبو على شفتيّ‏

تقرأُ آيةَ العشاقِ، تقرأُ لهفتي‏

ومتونيَ الأولى.. ولا تبدو ولا تخفي‏

أحسُّ دبيبها في عتمةِ الأعراقِ تهزأُ بي وتتركني‏

طريحَ الصمتِ والصلواتِ‏

أضمرُ قامتي في وجدها المجنونِ‏

أضمرُ أنْ أساقيها تراباً عارماً‏

أو أفتريها في انزياح الوقتِ‏

عن وقتٍ يُغيّر درَبه‏

ويجيءُ محموماً إلى سفني..‏

وعاودني النهارُ، كأنني ما عدتُ أعرفُ كيف يبدأ؟‏

أو متى..؟ أو كيفَ يبدؤني..؟‏

ويعثرُ في العثورِ عليّ‏

لو شجرٌ يُطلّ على جحيمي‏

أو يُسعّرُ نارَه في الجانحينِ ولا يساويني‏

ولا يسمو إلى الشهواتِ لا يفنى‏

كأنّ الأرضَ تحبلُ بالخيولِ الجارياتِ هنا‏

وتدركُ أننا معنىً بلا معنى..‏

ليَشْبَقَني صباحٌ أغبرٌ متماوجُ البرّين والبحرينْ‏

أوازي قامتي في اللونِ واللوحاتِ‏

تغدقني جنانُ على مرايا الخوفِ‏

أحسبُ أنها انتشلتْ دمي‏

أو أنها صرختْ على الأيامِ‏

فارتجفتْ عظامي كي أواسيها‏

أواسي ما تبّقى من مراميها‏

وأحترفُ الرقادَ على نباحٍ أخضرٍ يذوي‏

فأذوي في دمي مُتشّققَ القسماتِ‏

يَصْدَعُني حنينٌ شاغرٌ‏

متلبّسٌ بدويّ هذا القلبِ‏

حينَ يبارحُ الشرفاتِ والأعتابَ‏

حين يقولُ نحواً خارجَ الأصحابِ‏

أو يرجو عشائرهُ البعيدةَ‏

كي تلملمَ رغوةَ الأنسابِ‏

كانتْ مرأةٌ تتجاذبُ المرآةَ‏

حينَ تناهبتْ أفياءَها لغةُ الشموسِ الغانياتِ‏

تناهبتني في الأسى رغدا‏

وحطّتْ في فمي ذهباً وأسئلة بغايا‏

واستفاضتْ دونَها عددا‏

فلم أحفلْ بطيش الماءِ‏

لم أجفلْ بكونٍ آسر يمضي‏

وهذي الأرضُ تدعونا إلى أطيافها وأنوثةِ الشيطانِ‏

تدنينا من النسيانِ كي ننسى‏

فنذكرُ أننا ننسى‏

رؤانا أو سواقينا مع النبضِ‏

ونخبطُ خبطَ عشواء بأعيننا‏

نُعتّقُ وجْدَنا في الكوكبِ البحريّ‏

نخفقُ في اجتراحِ الطولِ والعرضِ‏

ذبابٌ في الفضاءِ يؤجّجُ الكلماتْ‏

وقد طرَدَ الذبابُ سلالةَ الحشراتِ‏

واستلقى على كتفي‏

فألفيتُ البكاءَ يسيلُ من أنفي ومن شفتي‏

ويقبعُ ضارياً في جنةِ الرحمنِ‏

حيثُ سوايَ يعرفني، وينسى أنني!!‏

وسوايَ يفتن غابة العمر الجميل سواي يسقي وردتي سمَّ الزعافِ‏

ويستبيحُ العطرَ.. ينفخُ في مدارِ النارِ‏

يُحيى ما تبقّى من رميمٍ‏

أو يُنقّحُ في الحروفِ ملاعبَ الأصواتِ والأصداءِ‏

يغرفُ جملةً كسلى ويغفو في مطاويها‏

ولا يرقى إلى التربيعِ والتدويرِ..‏

وردٌ ما تفلّتَ من إطاري‏

أو تفلّتَ من حصارِ الماءِ والأسوارِ‏

أقبلَ في نداءٍ غابرٍ‏

ومضى إلى الندمِ القليلِ وما ندمتُ‏

رأيتُ وحدي يشتري تابوته الفضيّ‏

بالأعلام والراياتِ‏

ثم يقولُ قد كانتْ هنا وهناكَ‏

لو كانتْ حياتي‏

وانتهيتُ إليه أحسبُ أنهُ سِنَةُ المماتِ‏

ولم يكنْ وعداً‏

ولا كفاً ولا زندا‏

ولا ملحاً ولا شهدا‏

كبرنا في الأناشيدِ التي كان الفراتُ يزفّها حجراً مدمّى‏

أو بروقاً خلّباً من خلبيا.. تِ.‏

عمان 22/12/1992‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244