مجرة الرغبات - زهـير غانم

شعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الشعر 1997 الشعر 1998
 

وردة الغياب

-1-‏

وعلى مسافةِ وردتينِ عدوتُ ألتمسُ المساءَ، فلم يكن بيني وبينَ نذورها غيرُ الدموعِ ووشوشاتُ دمٍ تكنّى بالأنوثةِ، وانتمى للصيفِ والحناءِ، والعنبِ الضرير، يقولُ شيئاً لمْ يُقلْ من بعدُ، شيئاً كان كالندم المؤقت لانفجار العمر كالحبّ المبرمج للعتاب وللسباب.. وللملوحة والضباب، أخذتُ شبهة نهرها المجنون، زيحتُ المدينة فوق أوراق معطرة، ورحتُ أزفها الصلوات للموتى، وللأحياء. أقرأُ فاتحات النار، أصواتَ الألوهة، والشياطين السفيهة، والملائك حين رفرفن الجوانح في غوايتها، وأرهقن الثواني في انفلات الماء في شفةٍ تجيدُ تلاوة الأمواج..‏

-2-‏

موجتُها تُدمّرُ ما تغاوى من زجاجِ الروح، ثم تروحُ إذ تمضي إليّ، ولا تعودُ، يفيضُ من وجدي حنينٌ ماجنُ، ويتوهُ في الأبعاد، كنتُ على يدي هندستُ هيأتها، وأدمنت انتظار حضورها، فدنا إليّ الوردُ، ورد غيابها، وخذلتُ، ماذا أرتجي في الموت، كي أجد الحياة قليلةً في القلب، أو في الحبّ، كي أجد النهارَ يشيل صبوته ويغزوني.. رأيت حفيفها دوني.. فأولمتُ السكينة والصدى- وعلوتُ بالصوت المخثّر علّها تبدو كما الذكرى، وتذكر وردة النسيان أضنتني الحدائقُ حينَ جئتُ أرودُها، وأراودُ الكلماتِ.. والمطر المثرثر خارج الحيطان..‏

-3-‏

لا أنسى سوى أن الشموسَ تحطّ في جسدي، لتكتب آيةَ العشاقِ في الغسقِ المحمحمِ، آيةَ النساكِ في شفقِ الصباحِ، ولا تبارحُ يقظتي في النومِ والمعراجِ، أحلامي التي تهفو إلى ماءِ زلالٍ أو أجاجٍ، أو تفرُّ قبيلَ أن ينداحَ عن عينيّ ليلٌ أليلٌ داجٍ، وكنتُ لثمتُ كفيها فما انتبهتْ، أضاءت في دم الأشجار شهوتها، وغاصت في فمي، ألقتْ إليّ بروقها ورعودها، وغمائم الجسد الذي يهمي كما الأمطار، يغمر جثتي بالخمر، يغمرني بماء الورد والأسرار، أبدأ من عواءٍ أصفرٍ طقس الحنين، وأدفن العبرات.‏

4-‏

لقد أمطرتُ ماءً دافقاً فوق الترابِ، فما استفاق العشب واللحم الشجيّ، ولا شقائق في ربيع غامضٍ، ولمحتُ أيامي تلملمُ حزنها، وتفوت في عزف الحدادِ، لتغلق الأبواب في وجهي وفي وجعي، كأني لمْ أكنْ متشرّداً من قبل في شوقي وفي تعبي، كأني لم أكن شيعتُ من عمرٍ تمادى جثتي.. وحشوتُ في كفنٍ عتيقٍ، ما تقدّم أو تأخرّ من رمادِ أبي، وطفلاً كنتُ أو ما زلتُ، تشبقني الحكايا، ثم تحييني، تفرفطني الأغاني إذ تهبّ مع الشتاء، وبعدُ تُبكيني، ويُضرمني الحنينُ كأنه حُمّى، فتمسحُ أميَ الحزنى بكفّ ملؤهُ البركاتُ، تمسحُ جبهتي بالزيتِ والدعواتْ..‏

-5-‏

عدوتُ عليّ، واستعديتُ أسئلتي عن الإنسان، حيثُ تصرّمتْ في الغربةِ الشعواءِ أعضائي، وعضّتني إلى نيرانها السنواتُ، قلتُ: أحبّ كي أمحو ظلالَ الوقتِ والعثرات، حين وقعتُ مغشيّاً، وفي حلمي تزاحمتِ التعاويذُ الحميمةُ والرقى والأحجياتُ، ودونما جدوى، صحوتُ وقمتُ، ثم مشيتُ، ثم عدوتُ مغشيّاً، لأنّ الحبّ فتّتني وسوّاني، وأدخلني إلى المحراب، أستلفُ البخور مع الدخان، مع النعاس، لأرتمي من شاهقٍ في عتمةِ البحرانِ، أهذي هكذا أهذي، وأغترفُ الورودَ وعطرها المرئيّ، أقترفُ اعترافي في سهوبِ نعيمها، كي أشهدَ الرؤيا، ونورَ حضورها في وحشتي، وتوهّجَ الأعراسْ.‏

بيروت 7/2/1993‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244