|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:24 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | القصة 1998 | القصة 1997 |
|
بيت من الملح يحكى أن رجلاً كان له ابن وحيد، رباه خير تربية، حتى صار شاباً، وكان يوصيه دائماً أن يختار لنفسه خير الصحاب، ممن يتوسم فيهم الصدق والوفاء، وذات يوم سأله عن صحبه، فأخبره أنهم جميعاً من الأوفياء، فعبر له الأب عن رغبته في اختبارهم، فوافق الابن أباه، وأكد له أنه مستعد لإطاعته في كل ما يراه. وما كان من الأب إلا أن أعد وليمة فخمة، طلب من ابنه أن يدعو إليها صحبه كلهم، فاجتمع الصحاب، ونعموا بأطايب الطعام، حتى كان أوان انصرافهم، فوقف الأب في وداعهم، وكان قد ملأ غرفة وراء الباب بالملح، فكان إذا مر به أحد من أصدقاء ابنه يودعه، دعاه إلى الغرفة، وقال له: "إذا كنت صديقاً مخلصاً لابني حقيقة، فتناول ما في هذا البيت من ملح"، فكان بعضهم يعلن تذمره، وضيقه، ثم يخرج، وكان بعضهم يظهر حماسة كبيرة، ويقدم على الملح إقداماً، فيلتهم ما يلتهم، ولكنه ما يلبث أن يعلن عجزه، فيعتذر وينصرف. وكان الابن يرى إلى أصدقائه، وهم يخرجون واحداً واحداً، من غير أن يجد فيهم من هو قادر على الصدق والوفاء، فيحس بالخجل والضيق، حتى لم يبق من صحبه غير واحد، فتمنى على أبيه ألا يسأله ما كان يسأل أصحابه، ولكن الأب أبى، فلما تقدم منه هذا الصديق يريد وداعه، سأله: "إن كنت صديقاً مخلصاً لابني حقيقة، فتتناول ما في هذا البيت من ملح"، فتبسم الصديق، وتقدم من البيت، ثم بلل إصبعه بلسانه، ومسح على الملح، ثم لعق أصبعه، والتفت إلى الأب، فقال له: "يا عم، من لا يحفظ عهد ذرّة من الملح، فلن يحفظ عهد بيت من الملح، ولو أكله كله". فربت الأب كتف الصديق، وقال له: "بارك الله فيك يا بني"، ثم التفت إلى ابنه، وقال له: "هذا هو الصديق الوفي، فليكن لك صديقاً طوال العمر". تعليق: تؤكد الحكاية ضرورة حسن اختيار الأصدقاء الأوفياء، وما هو بالأمر السهل، إذ يحتاج إلى خبرة وتجربة وبعد نظر، كما تؤكد الحكاية ندرة الصديق الوفي. وتدل الحكاية على أن الأكبر، كالأب مثلاً، هو على الأغلب، الأكثر خبرة، والأقدر على حسن الاختيار، كما تدل على إفادة الأصغر من الأكبر، وضرورة الأخذ بنصائحه وتوجيهاته. وتدل الحكاية أيضاً على ضرورة الامتحان، لأن المرء لا يظهر على حقيقته إلا عند الامتحان. واختيار الملح وسيلة للامتحان قائم على حاجة الجسم الضرورية له، على الرغم من قلّة الكمية التي يحتاجها، فهو أساسي، وضروري جداً، وإن كان الكثير منه يضر. والحال كذلك مع الأصدقاء، فكأنهم الملح، ما قل منه مفيد، وما كثر منه ضار، وكأن دخول الملح في الجسم كمطلب عضوي، هو كدخول الصديق في حياة الصديق كمطلب اجتماعي. والملح معروف ببياضه ونقائه وندرته وحاجة الجسم له، فكأنه بذلك كله رمز أو معادل موضوعي للصداقة في نقائها وصفائها وندرتها والحاجة الأساسية لها. وعندما يشترك الصديق والصديق في الطعام، والملح بعضه، فإنما يشتركان في المادة التي دخلت جسدهما وكونته، وبذلك يصبحان قريبين، كقرابة النسب والدم، ومن هنا كانت ضرورة وفاء كل منهما للآخر، ومن هنا أيضاً كان المثل الذي يذكر بضرورة الوفاء للخبز والملح. والحكاية تدل على أن القيمة ليست في الكم، وإنما في الكيف، سواء في الملح أو الإنسان، ولقد كان التأكيد دائماً على ندرة الصديق الوفي، ولقد جاء في المثل: المستحيلات ثلاثة: الغول والعنقاء والخل الوفي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |