حكـايــات بلا شـــتاء - محمــد شــاكر الســـــبع

قصص- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:26 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية القصة 1998 القصة 1997
 

العاهر

كم مضى من الوقت على الحكاية التي قصها العم كمال عن الخال فرحان؟... خلال ذلك الوقت الذي بدأ لي طويلاً لم ألتق بعمي، وهذا ما قررته لكي لا أسمع ما يسيء إلى قوم أمي، إذ ليس من المسعد، على أية حال، تشويش أو تغيير صورة إنسان عاشت طويلاً في الوجدان، خاصة إذا كانت كالخال فرحان... ثم أنني لست من هذا القبيل الذي بمقدوره أن يغير صور الأحبة بالسرعة التي يغير فيها ثيابه.‏

إلا أن القرار على توطين النفس بعدم الالتقاء بالعم كمال سقط من النافذة حين سمعت أن هذا العم قد أدخلوه المستشفى، وستجري له عملية جراحية تحمل الكثير من الخطورة. اكتشفت أنني أسبق خطواتي إلى حيث يرقد العم كمال.. هذا العم الذي هو آخر عمومتي الأحياء.‏

استقبلني وأنا مازلت في باب غرفته الخاصة في المستشفى:‏

-الوغد؟.. كنت أعلم جيداً أنك ستأتيني.‏

لم يترك لي الوقت لطرح الأسئلة. فجأة، تمنيت أن أنطلق مثل السهام النارية من غرفته، حين علمت أنه تقرر في العائلة، أن أكون المرافق الدائم له أثناء وجوده في المستشفى. قطع الطريق علي قائلاً:‏

-توقف أيها الوغد... لن تفر مني بسهولة.‏

انتهى العم كمال من مسمرتي على السرير الثاني الذي سأشغله في غرفته، وعندما علمت أنه ستمضي أيام كثيرة قبل أن تجرى له العملية، تيقنت أنه سيجلد روحي جلداً بحكاياته عن أخوالي. جاءني صوته الذي ترعشه الشيخوخة:‏

-أنا أكبر كذاب في طول البلاد وعرضها؟.. هل صحيح أن هذا هو ما قاله المرحوم أبوك؟‏

توسلت به:‏

-يا عم.. لقد شرحت..‏

فقاطعني بحنق:‏

-أفسدت جميع حكاياتي أيها الوغد.. ولتسمع الآن.. هذه المرة أنا الذي قاطعته:‏

-أهي عن أحد أخوالي أيضاً؟‏

-بل هي عن أحد أبناء أخوالك... تلك الأحداث التي كونت الحكاية أصبحت حديث المدينة.. لقد أحزنت جدك زمناً طويلاً جداً، على الرغم من أنه حطم الكثير من العصي الغليظة على أجساد من قام بتلك الأحداث.‏

سألته:‏

-أحزنت جدي؟‏

أجاب العم كمال:‏

-نعم... تلك الأحداث ما كان لها أن تتحرك لولا ماجد ابن خالك حسين.. لا تحاول مقاطعتي، إنما عليك أن تستمع جيداً. كان جدك له الرحمة ألف مرة.. ألف مرة؟.. لا، بل مليون مرة... قلت كان جدك رجلاً طيباً، وشريفاً، عفيفاً وورعاً، وعلى الرغم من أنه ينسى الصلاة أياماً عدة، فإنه كان قديساً، كما أنه يعرف كيف يستخدم العصا.‏

قلت معلقاً:‏

-قديس وبيده عصا؟‏

ظهرت ابتسامة في وجه العم كمال.. فات الوقت للحذر، فقد أفلح في إيقاعي بأحابيله فجعلني أنا من يندد بقوم أمي. تابع العم كمال حديثه:‏

-بدأت الأحداث حين تقرر أن يكمل ماجد دراسته بعد أن أنهى دراسته الابتدائية كان خالك حسين يريده أن يكون طبيب أسنان، لكي يشفيه من أسنانه التي تؤلمه باستمرار وفشل جميع أطباء الأسنان في مدينتنا في شفائه.‏

توسلت بالعم كمال:‏

-يا عم..‏

فهدر العم:‏

-أيها الوغد عليك أن تسمع.. أن أخوالك يفكرون بطريقة تختلف عن طرق الآخرين. ولقد سأل جدك الخال حسين وهو جالس على بركان من الغضب:‏

-ترسله إلى المدرسة ليصبح طبيب أسنان؟‏

-نعم يا أبي.‏

-لماذا طبيب أسنان؟‏

-حتى يعالج أسناني ويخلصني من آلامها.‏

وسأله الجد بهدوء عجيب:‏

-وكم من السنوات ستمضي حتى يصبح ماجد طبيب أسنان؟‏

عد الخال حسين على أصابع يديه، ثم قال بفرح:‏

-عشر سنوات.‏

-وتصبر على آلامك كل هذه السنين؟‏

-نعم.‏

وانفجر بركان الغضب الذي كان يجلس عليه الجد:‏

-أصحيح أنني أنجبت كل هؤلاء الحمير؟‏

قلت محتجاً:‏

-إنك تشتم أخوالي يا عم.‏

-أنا لا أشتم أحداً، بل هذا ما قاله جدك. المهم، ذهب ماجد الصغير إلى ثانوية العمارة التي تبعد كثيراً عن البيت. وماجد مهذب ودمث وذكي، لذلك كان جميع أفراد العائلة يحبه، وكان جدك يفضله على كل أحفاده.. في عام 1955 لم تكن في مدينتنا سيارات أجرة أو حافلات لنقل الركاب، وهكذا تعين على ماجد الصغير أن ينطلق كل صباح، طاوياً الطريق على قدميه.. ولقد جرب العديد من الطرق التي تقوده إلى تلك الثانوية، إلى أن حل ذلك اليوم.‏

توقف العم كمال ليخاطبني:‏

-اسألني ماذا حدث في ذلك اليوم؟‏

-ماذا حدث يا عم؟‏

-في ذلك اليوم سلك ماجد طريقاً جديدة لم يسلكها من قبل. انطلق عبر شارع الفاو، ثم محلة المحمودية، فمحلة الصابونجية، واخترق الكراج القديم، ماراً بجوار المقبرة. لقد وصل إلى طرف المدينة القصي، ثم استدار ليدخل في أحد شوارع محلة القادرية، ذلك الشارع الذي توقع أن يقوده إلى المدرسة. لكن ماجد الصغير توقف في منتصفه وهو يرتعش.. لقد رأى نسوة نصف عاريات يجلسن في الشمس طلباً للدفء.. لم تعره تلك النسوة أي اهتمام، فالنعاس مازال في عيونهن، لكن حين انتبهن له سخرن منه بكلمات بذيئة، عندئذ فر من أمامهن، إلا أن منظر أجسادهن نصف العارية لم يفارق مخيلته، وتحول يومه ذاك في المدرسة إلى وقت مثير، فقد تبخرت قوانين السوائل من دمائه، وفقدت معادلات الرياضيات توازنها، وتشوش جدول الضرب.. منذ ذلك اليوم طرأ الفساد على أخلاق الصبي ماجد. وكرر مروره من أمام ذلك البيت.. سألت العم كمال:‏

-ما معنى ذلك؟.. عن أي بيت تتحدث؟‏

-قبل عام 1958 كان في مدينتنا مبغيان مجازان من الدولة. ولقد مر ماجد بأحد هذين المبغيين.‏

-وبعد؟‏

-لم يعد ماجد يفر من أمام تلك النسوة كما فعل في المرة الأولى. جمع معلومات عن هذا البيت من أبناء عمومته.. تحول هذا المهذب إلى قاطع طريق صغير.. وجه إليهم أسئلة غلفها ببراءة مصطنعة بعد أن فقد براءته الحقيقية.. قاطع الطريق هذا لملم شجاعته وسأل تلك النسوة:‏

-ماذا يتوجب علي لكي أفعل ما يفعله الآخرون؟‏

أصيبت النسوة بالدهشة.. زجرته إحداهن وأسمعته كلاماً قاسياً، وكادت أخرى أن تلطمه، لكن ثالثة قالت وهي تضحك منه:‏

-كل مايمكن أن تفعله هو أن تأتي بربع دينار.‏

وربع الدينار كان مبلغاً كبيراً في ذلك الوقت. فمن أين لماجد أن يأتي به؟. لكن ذلك المحتال الصغير قال لأبيه:‏

-مدرس العلوم طلب من كل تلميذ ربع دينار من أجل شراء مواد للمختبر. تحمس الأب لهذا الأمر، واعتبر أن المختبر له علاقة وثيقة بطب الأسنان. وتحمست العائلة كلها، فأنجدت ماجد.. جمعوا له ربع الدينار ليشاركوا في صنع مستقبله، حتى الجد ساهم في هذا المبلغ. الجيران اعتبروا هذا التصرف من ضمن جنون العائلة الذي تشتهر به.‏

قطع العم كمال حديثه ليتساءل:‏

-في أية لحظة مشؤومة خطت قدما ماجد فوق عتبة ذلك البيت السيئ السمعة؟.‏

كم كان يملك من الجرأة حين تجول في باحة البيت؟.. رأى العديد من الرجال يجلسون على الكرويتات الخشبية، بعضهم يدخن، والبعض الآخر يشرب البيرة. رأى تلك النسوة بأوضاع مثيرة. كان يبحث عن تلك المرأة التي طلبت منه ربع الدينار. لم تكن في باحة البيت، ومن دون ريب كان حائراً لايعرف ماذا يفعل. ثم رآها تنزل السلم ووراءها رجل كئيب الوجه. مد يده بربع الدينار وقال لها:‏

-هذا هو ربع الدينار.‏

نظرت إليه باستغراب، ثم تذكرته فقالت تخاطب الأخريات:‏

-انظرن إليه... أين أضع هذا الصبي؟‏

قهقهت النساء ساخرات منه. جلست المرأة على السلمة الأخيرة، بعد أن أخذت ربع الدينار منه. كانت تنظر إليه بدهشة. سألته:‏

-ما اسمك؟‏

-ماجد.‏

مددت يدها في صدرها وأخرجت حافظة صغيرة للنقود. أعطته بعض القطع النقدية وأمرته:‏

-هات لي من الدكان المجاور علبة سجائر البلاط.‏

طار ماجد إلى الدكان وعاد مسرعاً بعلبة السجائر.. في تلك الأثناء خرجت امرأة من إحدى غرف الدار، قالت:‏

-أكاد أموت جوعاً.‏

حين رأت ماجد أعطته نقوداً وخاطبته:‏

-هات لي من المطعم في سوق الجديدة كباباً.‏

نظر ماجد إلى المرأة الأولى مستنجداً بها إلا أنها وبخته قائلة:‏

-اذهب وهات لها ما تطلبه منك... لا تخف، فأنا لن أسرق ربع دينارك. عندما تعود اسأل عن كريمة، فهذا هو اسمي.‏

انطلق ماجد إلى السوق وعاد بطبق الكباب. وجدت النسوة فيه خير من يؤدي لهن الخدمات، فأرسلنه لجلب الثلج، ثم لشراء قناني البيرة. كانت طلباتهن بلا نهاية. عند الظهيرة ماتت الرغبة عند ماجد، فطالب كريمة أن تعيد له ربع الدينار.. أمسكته تلك المرأة من كتفيه وسحبته إلى خارج البيت، ثم ضربته على ظهره بكفيها، مشيعة إياه:‏

-اذهب ونم في حضن أمك أيها الولد الفاسد.‏

عاد ماجد إلى البيت مخذولاً.. فقد نقوده وكتبه أيضاً، وتقلب جسده الصغير على نار حمى قاسية. أهو عقاب الرب العادل؟.. ثلاثة أيام والعائلة تعيش قلقاً جراء حالة ماجد. حين غادرته الحمى بكى بكاء مراً. سأله والده:‏

-هل ضربك أحداً؟‏

وسألته أمه:‏

-ما الأمر يا ولدي؟‏

وخاطبه الجد بحنق:‏

-من الذي أساء إليك؟‏

لكن ماجد لم يخرج من صمته. كانت دموعه تنهمر فقط. ضج أعمامه وقال أحدهم بغضب:‏

-هل وصلنا إلى الحد الذي يضرب فيه الناس أولادنا ونحن لانفعل شيئاً؟‏

وهدر الجد:‏

-آتوني بذلك السافل.‏

-من هو السافل؟‏

فأجاب العم كمال:‏

-خالك صبحي.‏

لم يترك لي وقتاً لكي أحتج، بل واصل:‏

-كان جدك يطلق هذه التسمية على خالك صبحي، لأنه كان من "شقاوات" المدينة في ذلك الوقت... لا تحاول أن تقاطعني، فقد وصلت الأحداث إلى نقطة لا تستطيع العودة منها. وقال جدك مخاطباً خالك صبحي:‏

-أحدهم أساء لهذا الصبي، عليك أن تعرف ذلك منه... استخدم معه اللين والحيلة، وإياك أن تضربه.‏

أخذ الخال صبحي ابن أخيه ماجد إلى شارع الكحلاء، ذلك الشارع الجميل الذي تتفتح فيه أكثر النفوس ظلاماً. وأفلح في أن يوقع ماجد في أفخاخ كلامه. استمع إليه وهو غير مصدق، وعلق:‏

-أنت؟... العاهرات.. يا إلهي.. ربع الدينار ذاك...‏

قيل إن الخال صبحي أطلق عواء جعل جميع الكلاب السائبة تهرب من الشارع حين سمعته، وقال بغضب لاحد له:‏

-خذني إلى ذلك البيت.‏

الخال صبحي، ذلك الشرس الذي تخشاه المدينة، تحول إلى إعصار عصف بدار العاهرات. ضرب الرجال جميعاً.. قلب أثاث البيت، واضطرت النساء أن يحتمين وراء أبواب الغرف.. ذلك المبغى لم يتعرض لغارة رهيبة مثل هذه خلال تأريخه كله. نسى الرجال القائمون على المبغى أنوفهم التي تنزف دماء، وانشغلوا في ترضية الخال صبحي. اعتذروا منه كثيراً، وأعطوه نقوداً، ووضعوا قنينة بيرة أمامه بعد أن أعادوا ترتيب الأثاث. هدأت البيرة أعصاب الخال صبحي أكثر مما هدأته الاعتذارات... حين التمعت عيناه من النشوة رفرف السلام على المبغى. عاد الرجال الذين فروا منه، وخرجت النسوة من وراء الأبواب والفزع مازال في عيونهن.. عندما رأى ماجد كريمة قال لعمه مشيراً إليها:‏

-هذه هي المرأة.‏

فزأر صبحي:‏

-أهكذا تفعلين بابن أخي؟‏

فردت عليه وهي تضحك بمجون:‏

-ابن أخيك؟... يا لكم من عائلة فاسدة.‏

وشاركها الخال صبحي ضحكها:‏

-ليس أكثر فساداً منك... هات ربع الدينار.‏

مد ماجد يده إلى الخال صبحي، غير أنه تجاهله ودس ربع الدينار في جيبه...‏

أعادوا لماجد كتبه. ظل الخال صبحي يحتسي البيرة، وحين انتهت القنينة قال بما يشبه الأمر:‏

-بيرة... أريد بيرة.‏

قالوا له:‏

-لم يبق لدينا بيرة.‏

-اجلبوا غيرها.‏

من يأتي بها؟‏

عندئذ التفت إلى ماجد ثم خاطبهم:‏

-أعطوا نقوداً لماجد ليجلب البيرة.‏

شعر ماجد أن الحمى هاجمته من جديد، إلا أن أمر الخال صبحي لا يناقش. وهكذا انطلق ماجد ليجلب البيرة، ثم أرسله ليجلب فواكه من السوق. في طريق عودتهما إلى البيت قال لعمه:‏

-أرجع لي نقودي.‏

-أية نقود؟‏

-ربع الدينار.‏

قهقه الخال صحبي ثم قال لابن أخيه:‏

-سأعيد إليك ربع الدينار، ولكنني سأخبر أباك وجدك بالأمر كله.‏

الرعب شل الصبي ماجد. فتوسل بعمه ألا يفعل ذلك... في البيت سقط في دوامة الحمى من جديد.. هدر الجد وهو يسحب ماجد من الفراش:‏

-إن كلباً صغيراً لن يجعل النوم يفر من سريري.. قل لي ماذا حدث؟‏

تحت ضغط الخوف اعترف ماجد بكل شيء، وعندئذ صرخ الجد:‏

-أنت؟.. ماذا؟.. أنا لم أعد أفهم شيئاً... العاهرات؟.. يا أيها الرب الرحيم.. أصبحت خادماً للعاهرات؟.. ونحن جميعاً شاركنا في جمع ربع الدينار ذلك؟... يعني نحن الذين أرسلناك إلى المبغى؟... ثم ذلك السافل....‏

حزن الجد وقتاً طويلاً، وحزنت العائلة كلها.... لم تخطئ عصا الجد أحداً.‏

وتساءل الجد الطيب:‏

-من هو الأكثر عهراً؟.. تلك العاهرات أم ولدي السافل صبحي؟... إن أحداً لن يقنعني أن تلك الساقطة أكثر عهراً...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244